الثلاثاء، 31 يوليو 2012

الكلمة اللينة


قال الله تعالى لموسى وهارون (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) لنتامل أيها الإخوة الكرام هذه الكلمة العجيبة ، الله - عز وجل - يصف فرعون بأنه طاغية وموسى عليه السلام يعلم أنه طاغية لأنه تربى عنده وفي بيته ويعلم جرائمه وقتله ومع هذا يرسله الله - عز وجل - مع أخيه إلى فرعون ليقولا لفرعون كلاما ، يا ترى ما هذا الكلام وما وصفه ؟ يقول ربنا - سبحانه وتعالى ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا) من كان يتوقع أن يأمر الله - عز وجل - موسى - عليه السلام - أن يقول لفرعون هذا القول ؟
 إن المتوقع في مثل هذا المقام أن يقول فقولا له قولا قاسيا لكن الله - عز وجل - قال 
 ( قَوْلا لَّيِّنًا ) لنتعلم جميعا أن الكلمة اللينة أعظم بكثير وأعظم أثرا من الكلمة القاسية حتى ولو كان المتكلم معه مثل فرعون .
_______________________
دقيقة مع القرآن /  د. عويض العطوي
اقرأ المزيد...

الإرث الحسي


 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنآ وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وآشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له أراد من العباد ماهم فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله بلّغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته فجزاه الله بأفضل ماجزى به نبيا عن أمته صلى الله وملائكته والصالحون وخلقه عليه كما و حّد الله وعرّف به ودعى إليه وبعد :
 أيها المباركون كنا قد تحدثنا في اللقاء الماضي عن الإرث المعنوي واليوم ننتقل إلى الإرث الحسي وقلنا أننا سنتكلم إجمالا عن آيات المواريث نحاول في هذه الدروس أن نجمع مابين العلم والفقه والفرائض والعظات وغير ذلك ما أمكن . الموفق والهادي والمعين الله .
 / قال ربنا - جل وعلا - : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)
وقال ربنا - جل وعلا - (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ)
وقال ربنا - جل وعلا - (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) هذه كلها تسمى آيات المواريث ، وعلم الفرائض من أجلّ العلوم والصحابي الجليل زيد بن ثابت يُعد عند جماهير أهل العلم - وقد دلت على ذلك بعض الآثآر- ، أعظم الصحابة قدرا في مسألة الفرائض . سنتحدث إجمالا وفق مادلت عليه هذه الآيات المباركة .
الإرث له أسباب ثلاثة : النكاح والولاء والنسب .
- فعقد الزوجية الصحيح به يرث أحد الزوجين الآخر إن مات قبله على أنه لابد أن تكون الزوجة مسلمة حرة فإن كانت رقيقة أو كتابية فإن هذان مانعان من الإرث ، الكتابية لإختلاف الدين ، والأمة لأنها رقيقة هذا الأول وهو النكاح .
- الثآني : الولاء ومعنى الولاء أن يأتي رجل إلى رجل مملوك فيشتريه أو يكون هو أصلا في ملكه فيعتقه فإذا أعتقه أصبح الولاء له فإذا مات هذا الحر بعد أن أعتقه سيده أو اشتراه وأعتقه ممن يرثوه من أعتقه حتى لو كانت من أعتقه امرأة
 وليس في النساء طُرا عصبة ** إلا التي منّت بعتق الرقبة
"طُرا" يعني جميعا . هذه الحالة الثانية . قلنا نكاح وولاء ونسب .
- النسب المراد به القرابهة ولا تحتاج لإيضاح .
فهذه الثلاثة هي أسباب الإرث بين الناس ، يقابل هذه الثلاثة ، ثلاث تمنع الإرث :
 رِق وقتل واختلاف دين ** فافهم فليس الشك كاليقين
"فافهم" هذه عبارة الناظم ليست عبارتي لكم أنتم أجلّ ، لكن هذا بيت محفوظ .
فالرق واختلاف الدين والقتل يمنعان من الإرث ، اختلاف الدين لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ، والرق بيّناه ، بقي القتل .
 فبعض أهل العلم يرى أن كل قتل يوجب منع التوارث بمعنى لو أن رجلا قتله ابنه فإن الإبن لا يرث أباه ، ولنجعل هذا المثال أصل ، فبعض العلماء يقول أي قتل حتى لو قتله خطأ ، وبعضهم يقول : يرث لكن لا يرث من الدية ، وغيرهم يقول : غير ذلك . وأظهرها عندي - والعلم عند الله - أنه يتعلق فقط بالقتل العمد وشبه العمد ، أما قتل الخطأ فنميل إلى القول الذي يقول به كثير من الفقهاء وهو أنه لا يكون مانعا من الإرث والعلم عند الله . فهذه الثلاث من أسباب منع التوارث كما بينا .
وكون الإنسان يعتق رقيقا وهذا استطراد من أعظم القربات بدليل أن الرسول - عليه السلام - قال  كما عند مسلم في الصحيح (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيُعتقه) فإذا كان الإبن إذا وجد أباه مملوكا فأعتقه قد جازاه دلّ ذلك على عظيم منزلة عتق الرقبة في الإسلام . هذه الأسباب وهذه الموانع .
نأتي الآن نستطرد قليلا في بعض مصطلحاتهم أخبارهم أي من له عناية بعلم المواريث، النبي عليه السلام يقول (الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأول رجل ذكر) والمعنى : أن الذي يريد أن يقسم التركة يبدأ أولا بأصحاب الفروض ثم إذا فرغ وبقي شيء من التركة يُعطى للعصبات واضح .
 حدثت في زمن أمير المؤمنين عمر قضية : جاءه قوم قالوا يا أمير المؤمنين إن أختنا ماتت وتركت زوجا - يعني زوجها حي - وأما وإخوة لأم وأخا أو أكثر شقيق أي أخا لأب وأم . قلنا ما القاعدة ألحقوا الفرائض بأهلها فقسّم عمر التركة على النحو التالي: أعطى الزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث الله يقول {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} أعطاه النصف ، بقي النصف الثاني أعطى الأم السدس لأنها من أصحاب الفروض ، كم بقي ؟ ذهب نصف وسدس يبقى الثلث ، بقي الثلث الإخوة لأم ليسوا عصبة ، العصبة الإخوه الأشقاء لكن الإخوة لأم أصحاب فروض فأعطاهم الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى ، الآن انتهت التركة ذهب السدس والثلث يُكونان نصف ونصف أخذه الزوج لم يبقى شيء من التركة ، أصبح الإخوة الأشقاء لأب وأم لم يرثوا شيئا ورجعوا . بعد عام جاءه قوم آخرون في القضية نفسها فقالوا يا أمير المؤمنين إن أختنا ماتت وتركت زوجا وأما وإخوه لأم وأخ شقيق ، ماذا صنع عمر ،أعاد ما صنعه في العام الماضي فأعطى الزوج النصف وأعطى الأم السدس وأعطى الإخوة لأم الثلث وقال للإخوة الأشقاء كما قال لغيرهم إن التركة انتهت (وألحقوا الفروض بأهلها) ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبقى لكم شيء . الآن هؤلاء يختلفون عن هؤلاء قال له أحدهم : يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ه، هب أن أبانا كان حجرا ، هب أن أبانا كان في يم ، هب أن أبانا كان كذا وكذا  ، لا تعُد أبانا شيئا ، اعتبرنا مالنا أب ، أليست أمنا واحدة؟ يعني أنت ورثت الأولين ، إخوتنا لأم ، لماذا ورثتهم ؟ ما قرابتهم من الميت ؟ أمهم وأم الميت واحدة ، قالوا حتى نحن أمنا وأم الميّت واحدة أبونا هذا شئ زائد ، تعُدّه عصبة ،عُدّه ما شئت ، عُدّه حجر مرمي ، عُدّه لا شيء ، أزله بالكلية ، أليست أمُنا واحدة ؟ يعني السبب الذي ورَّثت من أجله في إخوتنا موجود فينا ونحن زدنا عليهم بأننا أشقاء ، بأننا إخوة لأب . فوقف أمير المؤمنين - رضي الله عنه - واعمل عقله فيما قاله ذلك المعترض وأخذ برأيه ماذا صنع؟ ألغى الأب جعلهم جميعاً كأنهم اخوة لأم نسي أن هؤلاء أشقاء وقسّم ثلث التركة على هؤلاء جميعا وهذا ما يُعرف بالمسألة الحجرية نسبة لقولهم حجرا في يم ، أو الحمارية نسبة لقولهم هب أن أبانا كان حمارا ، وتسمى بالعمرية لأن الذي قضى فيها عمر - رضي الله عنه - .
 بعد ذلك اختلف العلماء في هذه المسألة تتكرر في كل السنين :
 مذهب بعض الصحابة أنه يبقى الأمر على أصله (الحقوا الفرائض بأهلها) ويُروى هذا عن علي أبي طالب وغيره ، ويُروى عن زيد بن ثابت . قلنا أنه أكثر الصحابة علما بالفرائض . وغيره الأخذ بالقول الثاني الذي قضى به عمر في المرة الثانية وهذا الذي عليه أكثر عمل المسلمين اليوم قال الناظم :
وإن تجد زوجا وأما ورثا ** وإخوة لأم حازوا الثلثا
 وأيضا إخوة لأم وأبِ ** واستغرق المال فرض النُصُبِ
 فاجعلهم كلهم لأمِ واجعل ** أباهم حجرا في اليم
 واقسم بين الإخوة ثلث التركة ** فهذه المسألة المشتركة
لماذا تُسمى المسألة المشتركة ؟ لأنه اشركهم جميعا في شئ واحد ظاهر هذا .
 يأتي في قضايا الميراث ما يُسمى بالحجب والحجب ينقسم إلى قسمين : حجب نقصان وحجب حرمان .
حجب النقصان : أن يكون للوارث نصيب ثم وجود آخر يجعله ينقص .
وحجب الحرمان : يجعل وجود أحد غيره مانع له أن يرث .
وهذا ظاهر فالزوج مثلا إذا كان للزوجة أولاد يرث الربع لكنه لو لم يكن لها أولاد يرث النصف فوجود الأولاد حجبه من النصف إلى الربع ، والزوجة ترث من زوجها فإن كن له أولاد ينتقل حالها من الربع إلى الثمن ، لكن ينبغي أن تعلم أن الزوج والزوجة لا يحجبان حجب حرمان لكنهم يحجبان - كما بينا - حجب نقصان .
 بقينا في حجب الحرمان فوجود الأبناء يحجب الأخوة فالإخوة لا يمكن أن يرثوا مع وجود الأبناء فهذا ليس حجب نقصان وإنما حجب حرمان يعني يمنعهم أن ينالوا شيئا من التركة .
 بقية مسألة وهي قضية وجود الجد والإخوة ، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه وأرضاه - وهو هو في جلالة قدره وعلمه وفضله - رضوان الله عليه - يقول إذا دخل المدينة "اعرضوا علي مسائلكم وجنبوني عويصها - يقصد مسألة الجد مع الإخوة - ويقول جنبوني مسألة الجد لا حياه الله ولا بياه" لا يقصد ابن مسعود ذم الجد كما أن الأبناء في الأول لا يقصدون أن يعقوا أبيهم ، من يعرف اللسان العربي يعرف أنهم لم يريدوا هذا وإلا لأنكر عمر ولكنهم يريدون أن يقربوا المفهوم لعمر ، فقول ابن مسعود رضي الله عنه "لا حياه الله ولا بياه" لا يقصد جد بعينه بل يتكلم عن المسألة أنها من يجرؤ أن يحكم بين الجد والإخوة ، لماذا من يجرؤ؟! لأن الميت إذا مات وليس له أب وليس له أبناء وجده حي وإخوته أحياء فقرابة الإخوة مع الميت جاءت عن طريق الأب ، الجامع مابين الإخوة وأخيهم أبوهم ، والجامع ما بين الميت والجد الأب ، فالأب هو الذي أدلى به الجد وهو الذي أدلى بالإخوة ، هو الوسيط ما بين الميت وإخوته ، وهو الوسيط ما بين الميت وجده . فالعلماء يقولون : أن الواسطة في الإثنين واحد . فمذهب الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - أن الجد يقوم مقام الأب وأن الإخوة لا يورثون مع وجود الجد . ومذهب غيره من الصحابة - والذي يعمل الناس به اليوم - أنهم يشركوهم فيُورثون الإخوة مع الجد ويحتجون بما بيناه أن الوسيط واحد ، وهي مسألة عقلية يقولون : هب أن رجلا ميسور وله إخوة يساعدونه ثم إن هذا الأخ مات وأبوه ميت من قبل ، فلو اخذنا بالرأي الأول المال كله يذهب للجد على القول أن الجد يحجب الاخوه فقالوا أن الجد يكون غالبا في مثل هذه الحال هرِم كبير لا يستفيد من المال وهؤلاء الإخوة الوسيط بينهم وبين الميت هو الأب كما هو الواسطة بين الجد والميت فلا ينالهم إلا البكاء على أخيهم والتفجع على المال الذي يرونه يذهب للجد ، ثم لو أن هذا الجد مات يرثه أبناؤه الذين هم أعمام هؤلاء الإخوة فيرون المال ينتقل من جدهم إلى أعمامهم ولا يرون في أيديهم شئ يقول بعضهم لا ينالهم إلا البكاء والتفجع . هذه قلت الجمهور على أنهم يورثون الإخوة مع الجد ، لكن فيما أنا أختاره لنفسي في كل المسائل بلا استثناء لا يُعدل بقول أبي بكر قول أحد إلا الرسول عليه السلام ، لكن طالب العلم يُقعّد لنفسه طريقة ويحاول قدر الإمكان أن يلتزمها ما استطاع إلى ذلك سبيلا وتكون هذه القاعده مبنية قدر الإمكان على علم ، وأقول - والعلم عند الله - يصعب وإن قال بالقول الثاني أجلاء الصحابة لكن يصعب مخالفة الصديق في أمر، وأنا قلت في دروس عدة أني جمعت أراء الصديق في مسائل كثيرة ، فقهية وسياسية وغيرها لو تأملتها - حتى لو أخرجته أنه الصديق تنظر فقط في القول - لا تجد والله شيئا يعارضها ، لا يقوى الطرف الآخر على أن يعارضها ، بل استبان لكثير من الصحابة - كما تعلم في السير - إصابة قول الصديق في كثير من المسائل وإن قال بالقول الآخر أجلاء الصحابة - رضي الله عنهم - مثل زيد بن ثابت ، والمقصود هذه المسائل لابد للإنسان في تأصيله العلمي أن يفقه ما الإجماع والمخالفة والقياس ، يكون اطلع عليها كي يكون على بصيرة.  فمثلا : بعض أهل العلم لا يرى أن مخالفة أهل الظاهر تقدح في الإجماع ، وبعضهم لا يرى أن مخالفة ابن حزم خصوصا تقدح في الإجماع ، وبعضهم لا يرى أن قول الروافض يقدح في الإجماع ، وبعضهم يرى أن مخالفة فلان وفلان تقدح في الإجماع .
 ابن العربي من يقرأ له فيه جرأة - رحمه الله - كما قال أهل العلم على أنه ينقل الإجماع مع اشتهار الخلاف في المسألة ، يعني يقول أجمع المسلمون أو العلماء مع أنك ترى أن المسألة في طيات الكتب ليست عليها إجماع كما قال ابن العربي .المراد أن الإنسان يؤصل لنفسه علميا وهو يمضي في هذا السبيل .
 الجد المقصود هنا الجد الصحيح ، لأنه يوجد جد صحيح وجد فاسد ، فالجد الصحيح : الذي ليس بينه وبين الميت أنثى ،  أما إذا كان الجد ما بينه وبين الميت أنثى فهذا خارج عن محل النزاع لم يقل أحد بتوريثه مع وجود الأخوة ، كجد والد الأم أو والد أم الأب فهذا كذلك لا يُعد جد صحيحا إنما الجد المعين المعتبر هنا في الخلاف هو الجد الصحيح . كذلك لابد أن يُفرق ما بين الحرمان الأصلي في الموانع وما بين الحجب ، فالذي يُحجب يؤثر ، أما الذي يُحرم لمانع لا يؤثر. واختم به على عجل فمثلا : لو أن رجلا مات عن ابن قاتل - قتله - وترك زوجة وترك أما أو أبا هذه الزوجة مع وجود الإبن ترث الثمن لكن لأن الإبن هنا قاتل لا يعتد بوجوده ابدا فترث الربع كأن الإبن غير موجود .
هذآ بعض مايتعلق بالمواريث ، وينبغى أن تعلم أن أمور المال ثلاثة كلهن قضى الله فيهن ولم يكلها إلى أحد : الصدقات والمواريث والغنائم، تولى رب العالمين قسمتها ، والعلم عند الله وصلى الله على محمد وآله والحمدلله رب العالمين .
اقرأ المزيد...

الاثنين، 30 يوليو 2012

وقفة مع قوله تعالى (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)


عندما نتأمل آيات الصيام نجد قوله تعالى (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) فما المعاني التي يمكن أن تستنبطها من هذه الجملة التي وردت في سياق آيات الصيام ؟
من تأمل هذه الجملة وجدها إمتدادا للآيات التي قبلها التي تؤكد عظيم هذه الفريضة ومنزلة هذه الفريضة عند الله - سبحانه وتعالى - فهي كُتبت ثم تعرضت الآية الكريمة للحالات التي تعرض للإنسان من سفر ثم يؤمر بالقضاء ثم تأتي آيات التخيير بعد ذلك ثم تُختم بهذا الخبر  (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)  .
إذا هو أخذ بالعزيمة أي أن هناك رخصة إذا وجدتم مشقة أن تُفطروا لكن إن استطعتم أن تأخذوا بالعزيمة فهذا أفضل ، وهذا تدريب خاصة في مجال الصيام هنا على قضية الأخذ بالعزيمة ومغالبة النفس حتى مع وجود شيء من المشقة .
 وأيضا يمكن أن نستانس بهذه الآية الكريمة على معنى تربوي عظيم طبقه السلف - رضي الله تعالى عنهم - وهو فيما يتعلق بتربية الأطفال على الصيام . نحن نعلم أن الطفل غير مُكلف ولكن تربية الطفل على هذه العبادات العظيمة تجعلها فيما بعد سهلة عليه ، بل ومحببة . فنجد السلف - رضي الله عنه - على قلة ما بأيديهم كانوا يُصومون أطفالهم - رضي الله عنهم - على شدة ما يُعانون من الحرّ والهجير ولفح الغبار ومع ذلك كانوا يصومونهم ، هذا يُمكن أن يُستأنس به من هذه الآية الكريمة في قوله - عز وجل -  (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)  فهو خير لكم إن كان الأمر يتعلق بكم أنتم وخير لكم إن كان يتعلق بأطفالكم لأن تربيتهم على هذه العبادة مما يُسهلها عليهم في المستقبل ، وهذا نظيره في الشريعة كثير كما في تعويدهم على الصلاة وغير ذلك من أنواع الطاعات . 
---------------------------------------
 وقفات مع آيات الصيام / للشيخ: عمر المقبل
اقرأ المزيد...

الأحد، 29 يوليو 2012

جـ10 / الوقفة الثالثة / آية السيف


قال الله - جل وعلا -  (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)
نتكلم عن الآية من عدة أوجه :
 أولها : قول الله - جل وعلا - ( فَإِذَا انسَلَخَ) الفعل "سلخ" أصل وضعه نزع جلد الحيوان .
 (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ) اختلف العلماء في ما المقصود بالأشهر الحُرم :
- ذهب الزهري - رحمه الله - على مكانته ، على أن المقصود بها الأشهر الحُرم المعروفة ، وبعضهم قال وهذا قول الزهري أنها بدأت من شوال وتنتهي في مُحرم - شوال ، ذو القعدة ، ذو الحجة ، محرم - . وهذا القول بعيد لأننا إذا قلنا بهذا فمعناه أن الناس كُلفوا بما لم يبلغهم لأن النداء لم يتم إلا في عشر ذي الحجة .
- وجمهور العلماء على أن المقصود بالأشهر الحُرم هنا هي شهور الإمهال التي قال الله فيها (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) ليست الأشهر الحُرم المعروفة الثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة ومحرم وواحد فرد وهو رجب إنما المقصود به هاهنا الأشهر الحُرم العائدة على الأربعة أشهر التي فيها العهد. 
/ قال ربنا (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ) أي انتهت الأشهُر التي أمهلنا الناس فيها عند عشر ربيع الثاني قال (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) هذا إطلاق مُقيد مكانا ، ومُقيد أُناسا، مقيد مكانا بالمسجد الحرام فقول الله (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) قيدته آية (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فقيدت المكان ، أي مكان إلا المسجد الحرام . وقوله - جل وعلا - (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) كأشخاص قيدته السُنّة لا يُقتل امرأة ولا صبي ولا راهب (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ثم بين - جل وعلا - التوبة لهم وأخبر ماذا سيكون إن أعرضوا وقال في خاتمة الآية (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ) وبهذه الآية احتج أبو بكر - رضي الله عنه - في قتال المرتدين .
هذه الآية هل هي منسوخة أو غير منسوخة ؟ صعب أن يُقال إنها منسوخة وهي آخر ما نزل ، لكن بعض محققي العلماء يقول : إن مثل هذه الآية وأضرابها إنما يُحمل على وضع المسلمين فقول الله - جل وعلا - في القرآن المكي (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ) (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هذا كله محمول على حال المسلمين ، فولي الأمر الذي بيده الشأن أوكله الله - جل وعلا - إليه ينظر ما حال أهل الإسلام ، فإن كان حالهم حال قدرة فيُحكّم آية السيف وإن كان حالهم غير حال القدرة فيُحكّم آيات الصُلح وإن كان حالهم أضعف قد يأتي فيُحكّم ما كان عليه عهد المسلمين في مكة . هذا أكمل وأوفق وأولى بفقه الدين ونصوص الشرع يصبح العمل بالقرآن كله خير من نسخ آية وعمل بأخرى . 
قولنا هذه آية السيف دليل على أن هناك آيات من القرآن سُميت لوحدها ومن أشهرها آية الكرسي وهي أعظم آية كما أن الفاتحة أعظم سورة ، وآية المباهلة وهذه في سورة آل عمران (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) وكذلك آية الدين وهي قبلها في سورة البقرة وهي أطول آية في القرآن. إذا مرّ معنا الآن : السيف ، والدين ، والمباهلة ، والكرسي . منهن كذلك ما يُعرف بالمجادلة وهي صدر سورة المجادلة وهي قوله - جل وعلا - (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) هذه الخمس هي أكثر الآيات نعتا في القرآن.
/ أما آية المباهلة : ففيها فضل لفاطمة والحسن والحسين وعلي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - وهم أصحاب الكساء .
/ وأما آية الدين : فقد قال بعض العلماء - وهذا من الفقه - إنها أرجى آية في كلام الله ، والذي جعلهم يقولون إن آية الدين هي أرجى آية في القرآن قالوا : إذا كانت هذه الآية الطويلة في القرآن التي لا يبلُغ طولها آية أنزلها الله في حفظ مال المسلم فكيف إذا بحفظ الله للمسلم يوم يحتاج إلى أن يحفظه ربه إذا قام الأشهاد وحُشر العباد وبلغت القلوب الحناجر ، قالوا هذا من أعظم الدلائل على رحمة الله - جل وعلا - بخلقه . 
/ وآية الكرسي : هي أعظم آية في القرآن ، ومن قرأها دُبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت .
/ وآية المجادلة : لم يرد فيها فضل لكن الله قال فيها (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) وهذه إمرأة قدِمت للنبي - صلى الله عليه وسلم بعد أن قال لها زوجها وهو كبير في السن حادّ في الطبع - رضي الله عنه - أوس بن الصامت : أنت عليّ كظهر أمي فذهبت تشتكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحتى يُعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته أن الكلام في الدين جليل لم يُجب لأن القرآن ما نزل ليه بالفصل في المسألة إنما قال (لا أراكِ إلا قد حرُمتي عليه) أجراها مجرى الطلاق ، فما زالت هذه المرأة تُلاطف النبي وتقول : يا رسول الله إن لي منه صبية إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليّ ضاعوا ، لأنه كبير ، طاعن ، وعائشة في كِسر البيت تقول اسمع شيئا ويغيب عني أشياء - يعني من الكلِم - فأنزل الله - جل وعلا - قوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) فلما كانت صادقة في أنها تشتكي إلى الله خلّد الله شأنها وإن لم يذكر اسمها وأجاب عنها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أي واجابها نيابة عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - . المقصود أن الله لم يكل لأحد أن يُجيبها وقال قوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) والله - جل وعلا - وسع سمعه الأصوات لا تختلف عليه اللغات - جل جلاله - وأنت لو رأيت الناس في يوم عرفة لا تكاد تجد بقعة من الأرض إلا وفيها أخلاط كل هؤلاء حوائجهم تختلف ما يرهبونه يختلف وما يرغبونه يختلف وألسنتهم تختلف لكن ربهم واحد لا رب غيره (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) فيدعونه ويلجؤون إليه ، وأسعد الناس بالدعاء من علم أن الله قادر أن يُجيبه، وأسعد الناس بالدعاء من وقع في قلبه الانكسار من عظمة ربه ، وأسعد الناس في الدعاء من كان يفرح أنه يدعو الله . من الناس من يدعو دعاء تخلص ، ومن الناس من يدعو دعاء تعبد يفرح بأن الله - جل جلاله - أكرمه بأنه يُناجيه ، ووالله كونك تدعو ربك هذا توفيق عظيم لكن ينبغي أن يُخلط هذا ويُقرن بانكسار في القلب وثناء على الرب يقول - صلى الله عليه وسلم - (لا أحد أحبّ إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه) فيبدأ المؤمن دعاءه بالثناء على ربه تبارك وتعالى ويُجله - جل وعلا - ويُعظمه ويُثني عليه بما هو أهله ثم بعد ذلك يُصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم يتخير من الدعاء أعجبه أو ما هو محتاج فقير إليه والمقصود أن الله قال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) وهذه قضية أخرى في قضية أن الإنسان يُراقب الله في كل آن وحين فحتى والإنسان يتلفظ بقول أو يتهم أحدا أو يقع منه قول في عِرض أحد فقد لا يسمعه من تُكلم فيه والذين يسمعونه مأمونون أن يصلوا بالكلام إليه لكن ينبغي أن نؤدب أنفسنا على أن يكون خوفنا ووجلنا من ربنا - تبارك وتعالى - لا من كلام الناس .
 ومثل هذه الآيات وغيرها يُرقق القلب في أنه تبيّن لك عظمة ربك ، فالله مستو على عرشه بائن عن خلقه ومع ذلك لا يعزُب عنه مثقال ذرة من خلقه ، ولما أراد لقمان يُبيّن لابنه كيف ينصحه كيف يُحسن مقصده ويُعلمه الخوف من الله قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) وحبة الخردل لا يُرجح بها ميزان لأنها لا أثر لها (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) هذا يجعل الابن يعرف حقا مراقبة الله ، فإذا كتنت حبة من خردل لا تُرجح ميزانا أينما كانت في السموات أو في الأرض أو في صخرة فإن الله يأتِ بها ولا يأتِ بها إلا وقد علِم مكانها لأن هذا من لوازم الإتيان بها (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) ولهذا قال بعدها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) مثل هذا هو المقصود الأعظم من نزول القرآن ، أما ونحن نُفسر فنقو قال البلاغيون ، قال النحويون ، قال المؤرخون ، نستشهد بشوقي ، نذكر أبياتا للمتنبي ، هذه لطائف على هامش القرآن لكن التفسير الحق ، التدبر الحق هو : أن يقع للقرآن أثر في قلبك ، أن يكون للقرآن أثر في قلبك أن تخرج بعد أن تسمع قراءته أو تدبره أو تفسيره وقد تغير حالك ، لا تقول ما أجلّ علم الشيخ ، ما أفقه هذا ، ما أعلم هذا ، هذا غير مقصود ولا ينبغي أن تنصرف همتك إليه لكن الذي ينبغي أن تنصرف إليه الهمة إلى تعظيم وإجلال من أنزل هذا القرآن ، ربك يقول (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) ويقول عن أعمالنا وغدونا ورواحنا وألفاظنا وما يكون منا وهذه تذكرها وأنت ذاهب للمسجد قال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ولو أن الإنسان وهو ينقل خطواته إلى المسجد يحتسب هذه الخطوات عند الله ويتلو - ليس هذا تعبدا أو ذكرا لم يرد هذا - لكن الإنسان يستحضر القرآن (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) فلئن كنت تذهب إلى المسجد فيُكتب لك أجر خطوات إلى المسجد فغيرك أضله الله يخطو إلى حانة ، يخطو إلى بار يجمع نصف عمره مالا ليُنفقه في شهوة محرمة ، وقد يوجد من لا مال له وهو يبحث كيف يُقرض ، كيف يُعطي خوفا من الله ومن قوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) والعلم لا يكاد يجهله أحد لكن العبرة بالعمل ولا عمل إلا بتوفيق من الله ولا توفيق إلا بالانكسار بين يديه . رزقني الله وإياكم تقواه والحمد لله رب العالمين . 
اقرأ المزيد...

جـ 10 / الوقفة الثانية / تتمة صدر سورة براءة



هذه الوقفة الثانية من الجزء العاشر :
 / قال ربنا - جلّ ذكره - (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ)
الأذان في اللغة : الإعلام ، فإذا كان مقرونا بالتهديد فهو إنذار (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) كما أن الأُذن يُطلق على الجارحة المعروفة ، وقد جاءت ذكرها في القرآن في سورة التوبة وقد جمع شوقي - رحمه الله - ذكر الأُذن الجارحة والأذان بمعنى الإعلام في بيت واحد ، لما داهم الفرنسيون دمشق بكاها شوقي بقوله :
أنادي جُلق وأبكي رسم من بانوا ** مضت على الرسم أطلال وأزمان
مررت بالمسجد المحزون أسأله ** هل في المصلى أو في المحراب مروان
فلا الأذان أذان في منارته **إذا تعالى ولا الآذان أذان
فهو يقول إن المسجد حُفّ بالنصارى واحتلوه فلا الذي يُنادي باقٍ إذا تعالى ، "ولا الأذان أذان" أي ولا الذي يسمع هو عربي مسلم إنما هو جيش الفرنسيين في دمشق ، وقوله "أنادي جلق " جلق اسم من أسماء دمشق .
 وكفائدة لغوية : الجيم والقاف قلما تجتمع في كلمة في اللغة إلا في ثلاث أو أربع يُقال جلق بمعنى دمشق ، ويُقال المنجنيق الآلة المعروفة ، ويُقال جوالق أي أوعية كبيرة ، هذه الثلاث قد يُزاد عليها كلمة أو كلمتين لكن لا توجد كلمة في العربية يكثُر فيها الجيم والقاف إلا هذه كما أن الراء واللام قلما تجتمع في لغة العرب إلا في ثلاث أو أربع كلمات ، هذه كفوائد لغوية .
 / قال الله - جل وعلا - (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ) اختلف العلماء ما المراد بـ"يوم الحجّ الأكبر" : قال عطاء - رحمه الله - : إنه يوم عرفة ، وجمهور العلماء ويدل عليه ما في الصحيح على أن يوم الحجّ الأكبر هو يوم النحر ، لكن اختلفوا لِمَ سُمي يوم النحر بيوم الحجّ الأكبر والأظهر - والعلم عند الله - أن فيه من أعمال الحجّ ما لا يكون في غيره ، ففيه طواف الإفاضة ، ورمي جمرة العقبة ، والحلق أو التقصير ونحر الهدي . وهذه أربعة أعمال جليلة لا تجتمع إلا في يوم الحجّ الأكبر .
 (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)
 "أن" الحرف الناسخ المعروف ، ولفظ الجلالة اسمها منصوب ، و "بريء" خبرها
 (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) "من" حرف جر ، "المشركين" اسم مجرور ، أما "ورسوله" فالـ"الواو" : إما أن تكون استئنافية فيصبح المعنى : ورسوله كذلك بريء من المشركين وإما أن تكون عاطفة للفظ رسول على لفظ الجلالة على محله لا على لفظه ، أي : قبل دخول "أن" عليه ، وهذا معروف في كلام العرب قال امرؤ القيس : " إني وقيار بها لغريب " ، الذي يعنينا هنا أنه لا يمكن أن يُقال : أن الله بريء من المشركين ورسولِه - بالكسر - لأنه يصبح لفظ كفر لأن الله لا يتبرأ من رسوله - صلى الله عليه وسلم - . (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ).
ثم دعاهم الله - جل وعلا - إلى التوبة وأخبر إنهم إن تولوا فإن توليهم ليس بمعجز لله ودعا نبيه أن يبشرهم بالعذاب الأليم قال (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) والعذاب هنا يُراد به عذابين : عذاب في الدنيا بالقتل والتشريد ، وعذاب في الآخرة هو عذاب النار . والذي حملنا إلى حمل المعنى على هذا أن القرآن لم يُقيده لكن إن قيده القرآن يجب أن تبقى على قيد القرآن مثاله : الله يقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) الكهف فلو جاء أحد وقال الأجر الحسن هنا في الدنيا وفي الآخرة مثلها مثل براءة ، نقول غير صواب لأن الله قال أن لهم أجرا حسنا قال بعدها (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) ولا يوجد خلود في الدنيا إنما الخلود في الآخرة ، فقول الله - جل وعلا - (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) قيد واضح على أن المقصود هو نعيم الآخرة وجزاء الآخرة ، لكن هنا قال (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ولم يحدده فحملناه على الضربين ، على عذاب الدنيا وعلى عذاب الآخرة .
/ ثم قال (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) أي إنما قلناه من أن الأربعة الأشهر هي الميقات المحدد قال (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم ذكر أنه لا يجوز أن نُخل بالشرط معهم إلا في حالتين : إما أن ينقضوا هم العهد - ينقصوه - ، وإما أن يُظاهروا أحدا علينا ، فإن صنعوا هذين أو أحدهما فليس لهم عندنا عهد .
/ ثم قال الله - جل وعلا - يختم هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) خُتمت هذه الآية بـ  (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) حتى يحث المؤمنين على تقوى الله في العهود التي مع غير المؤمنين إذا وقع بيننا وبينهم عهدة ، فذكّرهم الله - جل وعلا - بالتقوى لأن العدل والوفاء بالعهد قيم مطلقة لا تدخلها النسبية ، العدل والوفاء بالعهد هذه قيم مطلقة لا تدخلها النسبية ، ليس لها علاقة بالطرف الآخر ، بالعدل قامت السموات والأرض (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) فلأجل هذا قال الله - جل وعلا - هنا (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) .
 هذا صدر سورة براءة الذي بيّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطابه مع أبي بكر ومع علي ، إنما تولى عليٌ ما يتعلق بالعهد والمواثيق ، وتولى أبو بكر وأبو هريرة ومن معهما ممن بعثهم أبو بكر قضية بعث هذا في الناس حتى يكون الناس في جزيرة العرب على بيّنة ، والمؤمن يكون على بيّنة في أمره مع غيره فالله - جل وعلا - يقول (فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء) أي على أمر بيّن ، وهذا هو حال المؤمن مع غيره يكون ظاهرا جليا في تعامله . وسيأتي بعد قليل ذكر آية السيف (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) وهذه هي الوقفة الثالثة وما يتعلق بها وبأضرابها من الآيات ، أما ما سلف بيانه في الوقفة الأولى والثانية فكنا نتكلم عن صدر هذه السورة المباركة ، سورة براءة وتُسمى أحيانا بسورة الفاضحة لكثرة ما ذكرت من أحوال المنافقين جتى قال بعض الصحابة "خفنا ألاّ تترك أحدا " وهي من آخر ما نزل في القرآن ، ونزل أكثرها بعد العودة من جيش العُسرة ، وجيش العسرة كان في عام تسع من الهجرة ، كان إلى تبوك فلما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - كشف الله له أحوال أهل الإشراك .
وفي السورة نفسها خبر بعض المنافقين لكن قلنا إن الوقت لا يسمح بالحديث عن الجزء كله لكن مما ذكره الله - جلا وعلا- مسجد الضرار ، ومسجد الضرار بناه من بناه إرصادا لحرب الله ورسوله فجاؤا للنبي ليُلبس القداسة على المسجد وقالوا إنا صنعنا مسجدا لليلة المطيرة والرجل البعيد فصلِ فيه فأعتذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه على جناح سفر قبل الذهاب إلى تبوك فلما عاد نزل عليه جبريل وأخبره بأمر المسجد (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ) فلما قال له ربه (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه منهم وحشي ومنهم غيره أن يحرقوا المسجد ، فذهبوا إلى المسجد وحرقوه قال ربنا (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ) وعلى الأرجح أنه مسجد قُباء وجاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه المسجد النبوي لكن يمكن توجيه الآية توجيها آخر .
 المقصود أن هذا كله وقع بعد عودة النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ووقع كله مذكور في سورة التوبة التي قال عنها عثمان - رضي الله عنه - "إنها من آخر ما نزل" . في اللقاء الثالث - إن شاء الله - سنتدارس آية السيف .
اقرأ المزيد...

الجمعة، 27 يوليو 2012

غريب القرآن - ١ -






















_________________________________________
السراج في بيان غريب الألفاظ / د.محمد بن عبد العزيز الخضيري
اقرأ المزيد...

غريب الألفاظ



_________________________________________
السراج في بيان غريب الألفاظ / د.محمد بن عبد العزيز الخضيري
اقرأ المزيد...

الخميس، 26 يوليو 2012

(كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا )

اقرأ المزيد...

الطعام


 الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع هديه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
 فنستأنف معكم دروسنا لهذا اليوم المسجد المبارك حول آيات القرآن الاكريم ولقاء اليوم يحمل عنوان ( الطعام ) بمعنى : الطعام كيف ذكر في القرآن الكريم .
 الله جل وعلا أباح لعباده الطيبات وسيأتي الحديث عن الحلام والحرام إذا أذن الله ، لكنا سنتحدث عن الآيات التي ذكر فيها الطعام على طريقتين :
 طريقة إجمال وطريقة تفصيل فالآيات التي لا تحتاج إلى أن نكثر الحديث عنها سنتكلم عنها إجمالا.
/ قال الله جل وعلا عن عيسى وأمه (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا) يعني الإثنين (يَأْكُلانِ الطَّعَامَ) من الذين كانا يأكلان الطعام ؟عيسى بن مريم وأمه . وفي هذا إخبار أن من يأكل الطعام لابد له من إخراجه ومثل هذا لا يصح أن يكون إلها فالمقصود من الآية إقامة الحجة على بني إسرائيل أنهم أي النصارى ظلموا أنفسهم عندما جعلوا من مريم وابنها إلهين ظاهر الآية؟ هذا واحد .
/ قال الله - جل وعلا - في سورة الإنسان {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وهذا ظاهر أن مما أفاءه الله عليهم أي هؤلاء الأبرار أن الله حبب إليهم إطعام الغير مع أنهم مُحبون لذلك الطعام وهذا نوع من الإيثار عظيم فلم يصنعوه لزيادة فضل واستغناء ظاهر .
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} "على" حرف جر تفيد الاستعلاء ، فالأصل أن حب الطعام مستعل عليه لكنه لم يقدر على أن يذهب علو الإيمان . {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} أرفع درجة من الفقير، {وَيَتِيمًا} من مات أبوه قبل البلوغ ، {وَأَسِيرًا} ظاهر القرآن الأسير المعروف المؤمن الذي يقع في أيدي الكفار أسير عندهم ، والكافر الذي يقع في أيدي المؤمنين أسير عندنا معشر المؤمنين والسورة مكية ولم يكن هناك حرب ولا قتال فالظاهر أن المراد بالآية أبو بكر وأمثاله من الصحابة الذين كانوا يطعمون من كان رقيقا مملوكا لدى كفار قريش فشبه الله تعالى أولئك الضعفاء البسطاء الأرقاء في زمن الدعوة ، هؤلاء شبههم بالأسرى في قوله - جل وعلا - {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وقد يقال إن المعنى الأول أوضح لكنني بسطت القول يسيرا لكي تفقه أراء أهل العلم في المسألة .
/ قال الله - جل وعلا - {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} وهذه درسناها في لقاءات سابقة ، في سنين ماضية .
 "كل" من ألفاظ العموم والمعنى أن الأصل شرعه الله لبني إسرائيل أن الطعام كان حلا ثم بدا لنبي الله يعقوب أن يُحرم بعض الطعام على نفسه لما اشتكى من مرض أصابه في ساقه أو في فخذه مما يُعرف بعِرق النساء . هذه الثالثة وكلها تحدثنا عنها إجمالا .
 الآن نعود إلى التفصيل نختار آية نُفصل فيها ذُكر فيها الطعام .
/ قال الله - جل وعلا - {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}
الإخبار عن بني إسرائيل زمن أن كانوا في أرض التيه .
 "وإذ" هذا ظرف لما مضى من الزمان ، (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى)  أي قال بنو إسرائيل لموسى (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) الصبر لا يكون إلا على مكروه لا يوجد صبر على شيء محبوب ، شيء تُحبه لا يُسمى التزامك له صبر ، إنما يكون الصبر على مكروه .
 (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) قصدوا بالطعام الواحد المنّ والسلوى ، الله يقول (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) من الذي اختار لهم المنّ والسلوى ؟ الله أكرمهم بالمنّ والسلوى ، من سوء أدبهم مع الله قالوا يُخاطبون نبيهم  (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) هم لهم الحق أن يطلبوا المباحات وأن يتوسعوا فيها ، لا نقول إن هذا حراما لأننا نعيشه فكيف ننكره على غيرنا ، فإنا لم نوق النقص حتى ** نطالب بالكمال الآخرينا
لكن أسلوب الطلب كان سوء أدب (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا) جاءت "يُخرج" مجزومة لأنها واقعة في جواب الطلب "فادع" هذا فعل أمر ، طلب ، "يُخرج" هذا واقع في جواب الطلب لذلك جاءت مجزومة (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) لما قالوا هذا تعجب نبي الله (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)  ما الذي هو خير ؟ المنّ والسلوى ، والذي أدنى منزلة لم يقل إنه خبيث قال (الَّذِي هُوَ أَدْنَى) الذي هو أدنى هو ما طلبوه من البقول وهذا حتى في الاختيار لم يكونوا يُحسنوا الاختيار ولهذا قال موسى لما عرك الناس ، قال لنبينا يوم الإسراء والمعراج " إنني قد بلوت الناس قبلك " ولهذا أرشده أن يخفف الصلاة عن الأمة .
 نعود : (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) عندما أقول لك أنا استقرضك الهمزة والسين والتاء للطلب ، لكن في قوله - جل وعلا - هنا (أَتَسْتَبْدِلُونَ) ليست للطلب إنما لتأكيد الحدث(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) "الباء" جاءت في "الذي" أوتي به بدلا أو في الشيء الذي يراد فقده ؟ هم لديهم المنّ والسلوى لا يريدونها فقال  (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الأخطاء الدارجة عند الناس أنهم يجعلون الباء في المُبدل الذي أوتي به ولا يجعلونها في المبدل منه , حتى شوقي على علمه بالعربية قال :
 أنا من بدل بالكتب الصحابا ** لم أجد وافيا إلا الكتاب
 فأخطأ ، الحق الباء فيما هو ذاهب والباء تُلحق فيما هو آت ولا تُلحق فيما هو ذاهب تركت الأصحاب واستخدمت الكتب فكان الأولى أن يجعل الباء بالأصحاب فقال : أنا من بدل الأصحاب بالكتب بدلها فيما ليست هي فيه .
/  قال (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) 
"مصر" بلد معروف يمنع من الصرف لسببين : العلمية والتأنيث ، لكن ماكان ممنوعا من الصرف ساكن الوسط يجوز صرفه ، إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف ساكن الوسط يجوز صرفه يعني يجوز تنوينه ويُجر بالكسر مثل "هند" اسم عربي راسخ قديم عريق وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لكن يجوز صرفه لأنه ساكن الوسط فالنون ساكنة ، مثلها كلمة "مصر" فهي علم ومؤنث فالأصل أنها لا تصرف وعلى هذا أكثر القرآن قال الله - جل وعلا - (وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ) دون تنوين (إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ)  فـ"مصر" في قول الله (وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ) مصر البلد المعروف ، لكن هنا جاءت منونة فالتنوين يجعل من الصعب الحكم عن المراد لأن التنوين هذا إما تنوين تنكير وإما تنوين تمكين ، فإن قلنا إنه تنوين تنكير يصبح "أي مصر" ، يصبح المعنى ما أفاءه الله عليكم من غير جهد ولا مشقه ولم تقبلوه وتقولو لن نصبر عليه تريدون شيء من أنفسكم وكَلَكُم الله إلى أنفسكم ، اختارو أي بلد ، اسكنوا أي ديار وازرعوا وكلوا . هذا معنى (اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) إذا قلنا إن مصرا أي مصر .
قال بعد ذلك الحالة الثانية أن تكون "مصرا" البلد المعروف فيصبح قول نبي الله لهم كما أخبرهم الله (اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) أراد به التوبيخ لأن حالهم في مصر كانوا أذلاء كانوا قلة وكانوا مهانين فهو يُذكِّرهم كيف أن الله نجّاهم وردهم ومنّ عليهم (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) ظاهر هذا ؟ الآن ما أفاءه الله عليهم واختاره الله لهم رغبوا عنه ولم يقبلوه وجحدوا نعمة الله فقال الله - جل وعلا - بعدها (اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) من أجل هذا ردهم نعمة الله وما اختاره الله لهم قال ربنا (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) "ضُربت" بمعنى ألصقت ، وكلمة "ضرب" في القرآن واسعة قال الله (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ) والعرب تقول :
إن المروءة والسماحة والندى ** في قبة ضُربت على ابن الحشرج
 والفرزدق أو جرير يقول الآخر لأحدهما :
ضَربت عليك العنكبوت بنسجها ** وقضى عليك به الكتاب المنزل
 الشيء الملصق فأصبحت الذلة كأنها ملصقة بهم (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) الذي قال إن الذلة والمسكنة ضربت عليهم أصدق القائلين الله ، الآن هم يملكون رؤوس الأموال في العالم ولا يظهر عليهم لأن الله حكم عليهم الذلة ولو رأيت في رؤساء أمريكا المعاصر والذي قبله والذي قبله ليسو يهودا وصلوا بأموال اليهود لكن اليهود أنفسهم لا يصلون إلى الكرسي - واضح - وما قضاه الله لا يمكن أن يتبدل .
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) يقول بعض العلماء : "هم عبيد عصى في كل زمن وطروقة فحل في كل عصر". (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) حتى لا يُفهم أن الله ظلمهم فالله منزه عن الظلم ذكر الله العلة قال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) لا يوجد قتل للأنبياء بحق لكن هذا إخبار بواقع (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) إذا معاصيهم هي التي جرت هذا عليهم وهي التي كانت سببا في التنكيل بهم ، وصدر الآية كما قلنا قال الله (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) . هذا ما ذكره الله - جل وعلا - عن الطعام في سورة البقرة .
/ وقال ربنا - جل وعلا - (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) هذه حررناها في دروس سابقة لكن نقول إن الأصل في الطعام أنه حلال مباح إلا ما نصّ الله على تحريمه . وينبغي أن تعلم أن من قواعد العلم : أن الأصل الإباحة وأن الذي يُحرّم هو الذي يحتاج إلى دليل ، ولابد لمن تصدر للفقه - مع إجلالنا للفقهاء - أن يصطحب آيتين في كلام الله وإلا يتنحى عن الفقه قول الله (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) وقول الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) القرآن مهيمن على كل قول فمن جاء لشيء قال هذا حرام قلنا أين الدليل على أنه حرام ، لأنك إذا قلت إنه حرام فمعنى ذلك أن من فعله يُعاقبه الله أصلا بالنار ، والله أرحم وأعدل من أن يُعذّب أحدا بالنار ولم تقم الحجة عليه ، مرّ معنا : الله يقول لنبيه (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي بعد أن أقمنا لك الحُجّة (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) وقال (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) وقال (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) فالله - جل وعلا - بيّن لعباده ما يتقون حتى يكون حسابهم عدلا ، والله أجلّ من أن يظلم أحدا . لابد لمن يتصدر للفتوى ، يدخل مجال العلم ، يُقيم نفسه إماما للناس أن يستصحب هذا مع شيء من الورع ، ولو قرأت سير الأئمة الأربعة وكثير من أتباعهم لعلمت أي تقوى وورع وإجلال والخوف من الكلام كان عليه هؤلاء الأئمة الذين نشر الله فضلهم ، وعمّ في الناس ذكرهم وكتب الله لهم هذا القبول في الناس منذ مئات السنين .
 المقصود في قضية الطعام ، بقي الحديث عن طعام الجنة - أدخلنا الله وإياكم إياها - : قال ربنا - جل وعلا - عن جنته (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) تصوير الأمر ، تقريب الحال : يمكث أهل الجنة تتدلى عليهم قطوفها كما قال الله (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) فيقطفون قال الله (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) نحن سنشرح معنى (رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) :
- إما أن يكون المعنى أن هذا ، نفرض أنها تينة مثل التين الذي في الدنيا على الأقل في وصفه العام ، هذا واحد وهو قول مرجوح .
 - القول الثاني : أنهم ما إن يقطفوها إلا ويحِل غيرها بدلا منها فإذا التفتوا بعد أن طعموا الأولى وجدوا محلها ثمرة أخرى فقالوا (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) وهذا الأرجح .
 لكن أرجح منه أن تعلم أنهم إذا رأوا الثانية (قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) فهي تشبه أختها لكنهم إذا طعموها وجدوا أن طعمها قد اختلف عن الأولى .
هذا بعض مما أعده الله لأهل جنته جعلني الله وإياكم ومن يشاهدنا من المسلمين من أهل الجنة ، وصلى الله على محمد وآله والحمد لله رب العالمين .
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 25 يوليو 2012

من الدرس الثامن : بيان معنى العبادة وأنواعها (3/3)

1- قوله تعالى : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90] هذا ثناء من الله تعالى على أنبيائه بأنهم يدعونه رغباً ورهباً وحث على الاتساء بهم . والدعاء في الآية يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة والرغب والرهب من صفات العبادة الملازمة لها، فكل عابد راغب راهب.
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وكل داع فهو راغب راهب طامع خائف. وكل سائل راغب راهب فهو عابد للمسؤول، وكل عابد له فهو أيضا راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه؛ فكل عابد سائل، وكل سائل [أي بهذا المعنى] عابد؛ فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال. والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب راهب يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته، قال تعالى: ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب ومن الخوف والطمع" .
 فالرغبة والرهبة بهذا المعنى عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى قال تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) تقديم الجار والمجرور يدل على الحصر، أي لا ترغب إلا إلى الله. وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمنِ ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به)). فهذه الرغبة والرهبة عبادة لما تحمله من المعاني التعبدية من التذلل والخضوع والمحبة والتعظيم والرجاء والخوف ، وهذه عبادات يجب إخلاصها لله . فمن صرفها لغير الله فقد أشرك بالله شركاً أكبر مخرجاً عن الملة والعياذ بالله. وهذا أمر تشاهد آثاره فيمن يعبد غير الله من عباد القبور والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها ، يكون في قلب العابد لها رغبة ورهبة تعبدية مشتملة على التذلل والخضوع والمحبة والرجاء والخوف. ويجب على العبد أن يخلص الرغبة والرهبة لله تعالى ولا يشرك به شيئاً فيها؛ فمن لم يخلص الرغبة والرهبة فهو مشرك كافر، ومن أخلصها لله تعالى فهو مسلم موحد ، والمسلمون يتفاضلون في درجة أداء هذه العبادات كما تقدم بيانه؛ وكلما كان العبد أعظم رغبة في فضل الله تعالى ورحمته كان أكثر تعبداً من هذا الوجه.
 2- قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى:9] وهذا وعد من الله لأهل خشيته أنهم سيذكرون وينتفعون من كتابه أعظم انتفاع. والتذكر المراد هنا يشمل ثلاثة أمور:
الأمر الأول : التذكر الذي يحمل على محبة الله ، ومحبة لقائه والتقرب إليه من تذكر صفات الله وكرمه وفضله وإحسانه فإن العبد إذا عظمت محبة الله تعالى في قلبه أحب ما يذكره به ومن أحب ذكر الله أحبَّ الله له أن يتذكر ، ومن كره ذكر الله كان جزاؤه من جنس عمله إلا أن يعفو الله عنه ويتوب عليه. وصدق المحبة يحمل على الخشية من الانقطاع عن الله والحرمان من رضوانه، ولذلك إذا بلغهم من نصوص الكتاب والسنة أن من عقوبة بعض الذنوب أن صاحبها لا يكلمه الله ولا ينظر إليه أورثهم ذلك خشية خاصة يجدونها في قلوبهم لما وقر فيها من معرفة الله ، واليقين بأن الحرمان من تكليمه والنظر إليه عقوبة عظيمة لا يحتملها من صدقت محبته لله .
الأمر الثاني : التذكر الذي يحمل على الرجاء في فضل الله وحسن ثوابه؛ فإنه إذا تذكر ما أعده الله لعباده من الثواب والفضل العظيم دعاه ذلك إلى الازدياد من الأعمال الصالحة لما يرجو من حسن ثوابها. وصدق الرجاء يحمل على الخشية من فوات ثواب الله وفضله.
الأمر الثالث : التذكر الذي يحمل على الخوف من الله تعالى والخوف من سخطه وعقابه ، وهذا ما يزجره عن ارتكاب المحرمات والتفريط في أداء الفرائض . والخوف الصادق يحمل على خشية التعرض لسخط الله وعقابه.
 وهذه الأمور الثلاثة (المحبة والرجاء والخوف) هي أركان العبادة، وعليها مدراها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالخشية كما سبق بيانه، وبهذا تعلم شيئاً من الفرق بين الخشية والخوف، وأن خشية العبادة لها لوازم تعبدية من المحبة والخوف والرجاء.
 قال ابن كثير: "وقولُه: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) . أي: سَيَتَّعِظُ بما تُبَلِّغُه يا محمدُ, مَن قَلْبُه يَخْشَى اللَّهَ ويَعْلَمُ أَنَّه مُلاقيهِ". فالذي تقوم في قلبه خشية العبادة لله تعالى من محبته والتذلل له والتعظيم والانقياد والرغبة والرهبة ورجاء لقائه وفضله العظيم والخوف من سخطه وعقابه والخوف من أن يتخلى عنه ربه ووليه إذا هو ارتكب ما يسخطه، من قام في قلبه هذا المعنى كان من أكثر الناس حظاً وانتفاعاً بالقرآن العظيم ، لأنه يقرأ القرآن ويسمعه وقلبه متطلع إلى مزيد من الهدى ليتعرف به على أسباب التقرب إلى الله تعالى والفوز برضوانه وفضله العظيم والسلامة من سخطه وعقابه. ومن كان هذا حاله فهو موعود بما يسره ويرضيه، من الهداية لما يقربه إلى الله تعالى ويدنيه ، ويسعده في الدنيا والآخرة ولا يشقيه ، وتأمل وصف الله تعالى لحال أهل خشيته عند تلاوتهم وسماعهم لآيات الله تتلى عليهم ومعرفتهم بأنهم هم المعنيون أولاً بما فيه من العبر والبينات، قال الله تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
 3- قال تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) [فاطر].
 جمع الله لهم مواضع الاعتبار والتفكر ووعدهم أن يوفيهم أجورهم ويزيدهم زيادة من عنده تليق بفضله وكرمه سبحانه لم يبينها لهم بل أخفاها لهم ليتشوقوا إليها، وأخبرهم أنه غفور شكور ، فيغفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم ويفتح لهم أبواب الرجاء في مغفرته وعفوه وتجاوزه ، وهو تعالى شكور لا يضيع لهم أي عمل صالح يعملونه ولو كان مثقال ذرة، بل يقبله منهم وينميه لهم ويضاعف لهم مثوبته.
وأرشدهم الله تعالى إلى التفكر في آياته الكونية المخلوقة وآياته المتلوة ، فهذا الماء الذي ينزل من السماء هو ماء واحد وتخرج به ثمرات مختلف ألوانها؛ فكذلك وحي الله تعالى المنزل هو وحي واحد ولكن انظر إلى اختلاف آثاره في قلوب الناس وأعمالهم ؛ فمنتفع ومحروم، ومستقل ومستكثر، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.
4- قَوْلُهُ تَعَالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) [الزمر:54] قال قتادة في قوله تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) : أي أقبلوا إلى ربكم. وقال عبد الرحمن بن زيد : " الإنابة : الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) .
 5- وقد أمر الله تعالى عباده بالإنابة إليه فقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) [الزمر] فجمع الله تعالى في هاتين الآيتين الأسباب الثلاثة الحاملة على الإنابة وهي :
السبب الأول : تحبيبهم إليه تعالى، وتذكيرهم بصفاته المقتضية لمحبته فهو ربهم وهم عباده، وهو الرحيم الذي لا يؤيس عباده من رحمته، الغفور الذي يغفر الذنوب جميعاً مهما بلغت فلا يستعظمه ذنب أن يغفره، وهو الودود الذي تودد إلى عباده بحسن مخاطبتهم رحمة بهم وإحساناً إليهم وهو الغني عنهم ، ورفع من شأنهم إذ أضافهم إليه في خطابه لهم يَا عِبَادِيَ. فمن تأمل هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا وآثارها أحبَّ الله تعالى وأناب إليه.
السبب الثاني : الرجاء في رحمته ومغفرته وفضله العظيم (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) .
 السبب الثالث : التخويف من عذابه (مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) .
فمن تدبر هاتين الآيتين عرف أسباب الإنابة، وأنها ترجع إلى المحبة والخوف والرجاء التي هي أصول العبادة. وقال تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )
 6- قوله : (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ) [الحجر:21] وتقديم الظرف للحصر . وقوله : (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) [النجم:42] قال ابن القيم : " (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ) متضمن لكنز من الكنوز وهو أن كلَّ شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه، وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه. وقوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يُرَد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع؛ فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها؛ فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه؛ فهو غاية كل مطلوب. وكل محبوب لا يحب لأجله؛ فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله؛ فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه؛ فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه. فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ) واجتمع ما يراد له كله في قوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى. وتحت هذا سرٌّ عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقرُّ ولا يطمئنُّ ولا يسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد؛ فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين، كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين؛ فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمته ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" ا.هـ.
 7- قال الله تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162] قوله: (وَنُسُكِي) النسك هو كل ما يُتعبَّد به، وأشهر ما يطلق عليه لفظ النسك: الذبح، وبه فسر هذه الآية جماعة من السلف منهم مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة. والنسيكة: الذبيحة، جمعها نُسُك وَنَسَائِك.
- فالذبح الذين يكون على وجه التقرب أو يذكر عليه اسم فهو عبادة من صرفه لغير الله فهو مشرك كافر سواء أكان المذبوح من بهيمة الأنعام أم غيرها. والسبب في ذلك أن الذابح إذا أهلّ باسم غير الله فقد أشرك به، وإذا قصد تقديم هذه الذبيحة قرباناً لغير الله فهو مشرك كافر بهذا التقرب.
 8- لكن أنبه إلى أن الوفاء بالنذر شأنه عظيم ، وإخلافه كبيرة من الكبائر؛ فقد مدح الله عباده الذين يوفون بالنذر فقال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا  * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) [الإنسان] فجعل من أول صفاتهم أنهم يوفون بالنذر؛ والوفاء بالنذر في هذه الآية يشمل أداء الفرائض التي أوجبها الله عليهم، وما أوجبوه على أنفسهم تقرباً لله .
 قال ابن كثير: " وقوله : (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر". وقال تعالى في الحُجّاج  (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (29) [الحج]
قال مجاهد : "(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) نُذر الحجّ والهَدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحجّ". (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) واللام هنا للأمر . فالوفاء بالنذر من صفات الأبرار الذين مدحهم الله وشكر سعيهم وذكر ثوابهم العظيم. وعدم الوفاء بالنذر من خصال المنافقين المذمومة، بل هو من أسباب النفاق والعياذ بالله؛ كما قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ) [التوبة:75/77] ، وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن رسول الله قال : ((خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم يجيء قوم ينذرون ولا يَفُون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَن)) فجعل من أول صفاتهم أنهم ينذرون ولا يوفون .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وبيَّن أنه لا يأتي بخير ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال: (نهى النبي عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).
وفي رواية في صحيح مسلم: ((النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل)).
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدَر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)).
 وفي مصنف ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إياكم والنذر؛ فإنَّ الله لا ينعم نعمة على الرُّشا، وإنما هو شيء يستخرج به من البخيل)).
فمن نذر نذراً معلقا بشرط حصول نعمة أو اندفاع نقمة؛ فإنَّ النذرَ لا يغيّر من القَدَر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل على نفسه بالتقرب إلى الله تعالى، لأنه إذا حصلت هذه النعمة وجب عليه الوفاء وإلا ارتكب كبيرة من الكبائر بإخلاف وعدِه لله.
_________________________________
 المصدر: http://www.tafsir.net/vb/tafsir29650/#ixzz21g5YFecc
اقرأ المزيد...