الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله و وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الفقرة المتعلقة بالوقف والابتداء في سورة القيامة.
عامة آيات سورة القيامة آيات قصيرة يُوقف على رؤوسها اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن توجد مواضع في غير رؤوس الآيات أتكلم عنها هنا، وكلها مواضع متعلقة بالوقف على (بلى)، و(كلا).
أولا: في الآية الرابعة هل يصح الوقف على قوله : (بلى) بعد أن قال سبحانه في الآية الثالثة: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) ثم قال : (بلى)، وقال بعدها : (قادرين على أن نسوي بنانه)؟
نص جماعة من علماء الوقف والابتداء على صحة الوقف هنا، وإذا تأملنا فإن قوله: (بلى) جواب على الاستفهام الوارد في الآية التي قبلها، ويكون الجواب قد تم بقوله : (بلى)، ثم قال سبحانه: (قادرين على أن نسوي بنانه)
و (قادرين ) هنا إذا اعتبرناها من تتمة الجواب على السؤال، فإنه لا يصح الوقف على قوله : (بلى).
وإذا اعتبرناها جملة جديدة، واعتبرنا قوله: (قادرين) منصوبا بفعل محذوف تقديره: نقدر قادرين على أن نسوي بنانه، فإنه يصح الوقف هنا.
وهذه الجملة - أعني : (قادرين على أن نسوي بنانه) فيها إضافة على الجواب على السؤال، لأن السؤال: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) فأخبر الله أنه قادر على ما هو أدق من ذلك وهو تسوية البنان، فالوقف هنا له حظ من النظر. والله تعالى أعلم.
الآية الحادية عشرة: هل يصح الوقف على قوله : (كلا) في قوله : (كلا لا وزر )؟ وقد قال الله قبلها : (يقول الإنسان يومئذ أين المفر)، ثم قال: (كلا لا وزر).
لا بد أن نعلم أولا أن (كلا) يصح الوقف عليها إذا كانت للردع والزجر عن كلام قبلها، فإن لم تكن كذلك بل كانت بمعنى (ألا) الاستفتاحية فإنه لا يُوقف عليها
تأمل معي هنا، قال: (يقول الإنسان يومئذ) يعني: يوم القيامة، (أين المفر)، (كلا) أي: لا مفرّ لك، فبناءً على هذا يصح الوقف على قوله: (كلا) كما نص عليه بعض علماء الوقف والابتداء. والله تعالى أعلم.
الآية العشرون: (كلا بل تحبون العاجلة هل يصح الوقف على (كلا)؟ وقد قال الله قبلها: (ثم إن علينا بيانه)، والسؤال هنا: هل (كلا) هنا فيها ردع وزجر عن الكلام الذي قبلها ؟
الجواب: لا الله سبحانه وتعالى لا ينفي أن عليه بيانه - وحاشاه سبحانه وتعالى - فـ (كلا) هنا استفتاحية، فلا يصح الوقف عليها. والله تعالى أعلم.
الآية السادسة والعشرون: كلا إذا بلغت التراقي) هل يصح الوقف على (كلا) هنا ؟ وقد قال الله قبلها : تظنّ أن يُفعل بها فاقرة) يعني الوجوه الباسرة، وجوه الكفرة، ثم قال : (كلا) فهل الله سبحانه وتعالى ينفي أن يفعل بها فاقرة؟
الجواب: لا؛ وإنما (كلا) هنا بمعنى (ألا) الاستفتاحية، ألا إذا بلغت التراقي، واستفتح جملا جديدة فيما يتعلق بنزول الموت على الإنسان، فلا يصح الوقف على (كلا) هنا ايضا. والله تعالى أعلم.
بقي التنبيه على ما يتعلق بالسكت في الآية السابعة والعشرين
في قوله تعالى: (وقيل من راق).
هنا سكتة على قوله : ( وقيل من) عند حفص، وهذه السكتة تكون سكتة لطيفة يسيرة بمقدار حركتين تقريبا بدون تنفس، وليست وقفا؛ وإنما المراد منها ألا تدغم النون الساكنة في الراء، فيتوهم من الآية معنى غير مراد، وذلك إذا قرأها فقال : ( وقيل مراق) فقد يتوهم أن المراد كثير المروق، ففصل حفص في قراءتها : (وقيل من راق)، أي من الذي يرقي هذا الذي بلغت روحه التراقي، هذه وجهة نظر حفص في السكت هنا.
وعامة القراء لم يسكتوا هنا، واعتبروا اللفظ واضحا غير موهم، والعبرة في القراءة ما جاء في الرواية، بمعنى: أن من يقرأ برواية حفص عن عاصم فإنه يقف هنا بناءً على الرواية، ولا يجتهد من عنده في ذلك.
وأنبه هنا إلى خطأ شائع في السكتة هذه، وهي: أن بعضهم يقف عليها وقوفا طويلا، فيطيل الوقف أكثر من حركتين، وقد يتنفس، وهذا خطأ، بل المطلوب أن يسكت سكتة قصيرة بدون تنفس. والله تعالى أعلم.
هذا آخر ما يتعلق بالوقف والابتداء في سورة القيامة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما وعملا وهدى وتقى.
والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
‐-----------------------------------
د. أبصار الإسلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق