الأربعاء، 3 يونيو، 2015

سورة الحديد وتحقيق الإيمان في قلوب المؤمنين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
 / سورة الحديد هي السورة السابعة والخمسون في ترتيب سور المصحف.
اسم السورة: سورة الحديد لها اسم وحيد كالواقعة وهو الحديد وهذا هو الثابت في كتب التفسير وفي كتب الحديث ولم يرِد عن رسول الله ﷺ ما يدل على هذا اﻹسم لكن تعارَف المسلمون عليه ودون في مصاحفهم وكتب تفسيراتهم.
سبب التسمية: هو ما جاء عن الله سبحانه وتعالى في هذه السورة من ذكر الحديد وأن فيه بأس شديد مع أن الحديد قد ذُكر في الكهف، الكهف نزلت قبل ولكن لم تسم سورة الكهف بالحديد لماذا؟
ﻷن الحديد ذُكر في هذه السورة لنُصرة الدين بينما ذُكر الحديد في سورة الكهف لنصرة المستضعفين (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ).
نزولها: سورة الحديد من السور المدنية ويكاد يكون اتفاق بين المفسرين كما ذكره ابن عطية لكن ﻻ يعني هذا أنه ليس فيها آيات مكية فالسور المدنية قد يُوضع فيها شيء من اﻵيات المكية ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "لم يكن بين إسلامنا وبين نزول قول الله تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) إلا أربع سنين فهذا دليل على أن هذه اﻵية مكية. ويدل على مدنية السورة موضوعاتها فقد ذُكر فيها اﻹنفاق في سبيل الله -يعني الجهاد- وهذا كان في المدينة، ذُكر فيها القتال (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) والقتال كان في المدينة، ذُكر فيها المنافقون والنفاق إنما كان في المدينة، ذكر فيها أهل الكتاب وهذا إنما كان اﻻحتكاك بهم في المدينة.
هنا وقفة: البعض من المفسرين ممن ينظر إلى المعاني خُيِّل إليه أنها مكية، والواقع أن من يتدبر الموضوع الرئيس للسورة وما يحُفّ به من موضوعات وجزالة ألفاظ وكلمات السورة فعلا يُخيّل إليه أنها مكية ولكن ينبغي أﻻ نعتمد على خصائص اﻵيات المكية والسور المكية والمدنية فهذه ليست قاعدة مضطردة بل أغلبية فإن من يقرأ سورة التغابن يُخيّل إليه أنها مكية وهي مدنية باﻹجماع .
موضوعها: موضوع سورة الحديد جلل وكبير أكبر من أن يُذكر في دقائق بل ساعات بل أيام.
 الموضوع الذي تدور حوله السورة هو: تحقيق اﻹيمان في قلوب المؤمنين. الله جل جلاله من خلال هذه السورة ﻻ يريد إيمان إدعاء، ﻻ يريد إيمانا ضعيفا ﻻ يريد إيمانا ﻻ يُغير السلوك، ﻻ يحمِل على بذل النفس -الشهداء سيأتينا- وﻻ بذل المال (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) المبادرة إلى جنة عرضها السموات والأرض، ولا إلى احتقار وازدراء الدنيا واعتبارها لهو ولعب في سبيل إيمان المؤمن.  إذا موضوع السورة هو تحقيق اﻹيمان.
والعجب العجاب في طريقة هذه السورة في الوصول إلى هذه الحقيقة. تثبيت اﻹيمان في قلبي وقلبك وأن المسألة ليست مسألة ادعاء، ليست مسألة مظهرية، ليس مسألة أن آباءنا على أمّة ونحن على آثارهم مُقتدون ومُهتدون وسائرون، المسألة إيمان يؤثر في الشخصية .. في السلوك .. في اﻷخلاق في النظر إلى الكون .. في النظر إلى الحياة في النظر إلى هذا الجسد الفاني الذي يعتبر إذا قسته بمقياس اﻹيمان صغير حقير ﻻ شيء، بل الدنيا المزخرفة العظيمة الكبيرة ينبغي أن تكون -إذا وقرت حقيقة اﻹيمان في القلوب- لهو ولعب.
مما يلفت النظر في أول أربع آيات من السورة تكررت أسماء الله وصفاته خمسة عشر مرة. وهذا أول طريقة من طرق السورة في تحقيق اﻹيمان.
كيف تحقق هذه السورة اﻹيمان في قلب المؤمن ؟ بحيث لا يكون ادعاء، ﻻ يكون جنسية، ﻻ يكون اسما، والله أنا اسمي عبد الله أو فلان ابن فلان مما يدل على أنني مؤمن مسلم. ﻻ، إنما حقيقة تنغرس في القلوب فيظهر أثرها في الجوارح.
ما طريقة السورة في غرس هذه الحقيقة في أنفس المؤمنين الذين دخلوا في اﻹيمان لكن لمّا يصِل المؤمن إلى الحقيقة والغاية التي يريدها الله سبحانه وتعالى.
أول أمر في تحقيق اﻹيمان في هذه السورة، أعظم أمر، أكبر قضية تعالجها السورة قضية تعريف العباد برب العباد.
 أوﻻ عرفني من هو الله الذي آمنت به، الذي عبدته، الذي سأحتقر دنياي الجميلة المزخرفة من أجله، الذي سأُضحي بنفسي وأكون شهيدا في سبيله، من هو الله؟
تأتيك السورة وتذكر لك خمسة عشر اسما وصفة محشودة بطريقة عجيبة بحيث تنغرس هذه الحقيقة في القلب وهو معرفة العبد لربه.
تعال نتدبر ونتأمل هذه الأسماء والصفات واﻷفعال التي ذكرتها السورة في أربع آيات.
بعد أن ذكر الله تسبيح مافي السموات ومافي اﻷرض لله رب العالمين -وهو أهلٌ لهذا التسبيح- قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) عزيز: غالب ﻻ يُقهر، حكيم: يضع اﻷشياء في مواضعها حكيم في أمره .. حكيم في خلقِه .. حكيم في شرعه .
( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إذا هو الملك حقيقة له المُلك جلّ جلاله ..عظُم شأنه.
(يُحْيِي وَيُمِيتُ) الحياة بيده والموت بيده ليس الكافر الذي يقتلك هو الذي أماتك، ﻻ وربي، الله الذي يُميتك، ليس والداك هما اللذان أحيياك، ﻻ وربي ، الله الذي أحياك.
ثم (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قُدرة مطلقة ﻻ تُحد ﻻ يمتنع منه شيء جلّ جلاله ..عظُم شأنه.
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)
 وقد فسر النبي ﷺ هذه اﻷسماء اﻷربعة :
( هو اﻷول فليس قبله شيء ) بمعنى اﻷزلي أو ما يقوله بعض من ﻻ ينضبط بكلامه ويلتزم بحدود الله "القديم" وهذا اللفظ ﻻ ينبغي.
( اﻵخِر فليس بعده شيء ) فهو الباقي جل جلاله وعظُم شأنه.
( الظاهر الذي ليس فوقه شيء ) وكلمة "الظاهر" تحتمل عدة احتماﻻت :
/ ظاهر أي بيّن كل من يريد أن يبحث عن ربه سيجده ويجد له في كل شيء آية.
/ ثم هو ظاهر من الظهور وهو العُلو فهو عالٍ فوق الجميع.
ثم هو (الْبَاطِنُ) النبي ﷺ فسر ذلك بأنه ليس دونه شيء، ثم أيضا من معاني "الباطن" أنه الخفِيّ الذي ﻻ يعرف كُنهُه ﻻ تستطيع أن تعرف كُنه هذا الرب الجليل العظيم القوى الحي الذي لا يموت، ﻻ أحد يستطيع أن يعرف كُنهَه وﻻ كيفية صفاته فهو هو ظاهر بأدلته وبراهينه.
ثم (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ﻻ يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وينبغي عليك أن تتدبر أنت أيها اﻹنسان أنه (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) الله يراك وأنت تُفيض في أي عمل كائنا ما كان.
ثم (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ﻻ خالق غيره البتة فهو الخالق لكل شيء.
ثم (اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) وينبغي أﻻ ننشتغل كما انشغل كثيرون وكثيرون في كُنه وكيفية استواء الله فهذا أمر مجهول في مجهول، كيفية استواء الله أو أي صفة من صفات الله ينبغي أن نقف عندها فنحن جاهلون في هذا اﻷمر، لكن اللغة العربية تُطلق على عُلو الملك جل جلاله على عرشه وتملّكه تُطلق عليه استوى على العرش فمن مقتضيات استواء الله على عرشه أنه هو الملِك، هذا من مقتضياته لا نقول هو اﻻستواء، اﻻستواء معلوم والكيف مجهول لكن من مقتضيات استواء الله على العرش أنه هو الملِك فهو المُدبر وهو اﻵمر، اﻷمر إليه جل جلاله وعظم شأنه.
ثم ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) ﻻ يخفى عليه شيء
ثم ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) وهو معكم ينبغي أن نعتقد هذه عقيدة يقينية أن الله معنا أينما كُنا لكن بما أنه استوى على العرش وأنه بائن على خلقه وأنه في السماء (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ) (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) فقد فسّر الصحابة والتابعون هذه المعية بمقتضياتها وهي العلم واﻻطلاع والسمع والبصر واﻹحاطة جلّ جلاله وعظم شأنه. ويؤيدها قوله تعالى (لَا تَخَافَا إنَّني مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى ).
ثم قال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) مع أنه ذكر العلم مرتين فيما سبق قال (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) لماذا؟ ﻷن اﻵية أرادت أن تغرس شعور المراقبة أن الله يعلم بعملِك، حينما نقول أن الله بكل شيء عليم أو يعلم ما يلِج في الأرض لكن فرق عظيم بين هذا وبين أن نقول الله أعلم بما تعمل، الله بصير بما تعمل، فحينئذ يأخذ الإنسان شيء من الرهبة يستثير المراقبة لله رب العالمين وأن الله بصير بما يعمل.
ثم أكد على أن له مُلك السموات والأرض وإن كان ذكر هذا المُلك ابتداءا لكن ذكر المُلك هناك ليبني عليه أنه هو يحيي ويميت وهنا ذكر الملك مرة أخرى ليُبيّن أنه هو الذي ترجع إليه الأمور فكل أمر ﻻبد أن يرجع إليه. وهذا هو الملِك حقيقة، هو الملِك حقيقة، من ترجع إليه جميع اﻷمور ابتداء وانتهاءً، انتهاء ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) انتهاء (إلى الله المصير) بمعنى أن الخلائق ترجع إلى ربها يوم القيامة. ومن مقتضيات (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أن كل شيء هالك إلا وجهَه سبحانه وتعالى.
ثم قال ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) تأمل يعود مرة أخرى إليك أنت أيها الإنسان مع أنه ذكر العلم المُطلق وأنه ﻻ يخفى عليه شيء وأنه بكل شيء عليم بل وذكر العلم بما نعمل لكن هنا قال (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ﻷن مما في الصدور أسرار قد لا تنطِق بها، فالله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، السر: ما تُضمِره و أخفى: ما سوف تضمره. فالله سبحانه وتعالى ﻻ يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
حقيقة مقدمة السورة وهذه اﻷسماء والصفات التي حشدها الله  لتثير الرهبة والإجلال له سبحانه وتعالى.

ثانيا: التذكير بدور القرآن (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8)هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فالتذكير بدور الرسول صلى الله عليه وسلم وبدور القرآن وهذا يدعونا إلى أن نتدبر كتاب الله وأن نتدبر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يريد أن يكون مؤمنا حقا. إنسان يدّعي الإيمان إدعاء وهو ﻻ يتدبر كتاب الله وﻻ يعمل به ولا يستثير اﻹيمان بهذا القرآن ثم ﻻ يعتني بهدي رسول الله وﻻ بسنة رسول الله نقول أنت بمعزل عن الإيمان. قد يبقى معك شيء يُصحح اﻹيمان لكن اﻹيمان الحقيقي الذي يُؤثِر في السلوك والذي يُرضي الله سبحانه وتعالى أنت بمعزل عنه.
ثالثا: من طريقة القرآن في تثبيت اﻹيمان في قلوب المؤمنين التذكير بدور اﻹيمان في عرصات القيامة (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم).
رابعا: علاج قسوة القلوب وهذا عائق عظيم من عوائق اﻹيمان ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (للذين آمنوا) هم آمنوا لكنهم مؤمنون قساة قلوب فينبغي أن تُعالج هذه القسوة لتصِل إلى اﻹيمان المطلوب.
خامسا: التذكير بالبلاء اﻷكبر بالعائق اﻷعظم، بلية .. طامة .. مصيبة ابتُلينا جميعا -بني آدم- ابتلينا بهذه الطامة وهي حب الدنيا فتأتي السورة لتقضي على هذا البلاء (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) انتهى كل شيء، هذه دنياك نبات ربيعي سرعان ما يذبل فينبغي للعاقل المؤمن أن يستغل وقت الربيع وهو حياة المؤمن، هذه الحياة فرصة ذهبية ما تتكرر أبدا كما أنك وُجِدت في بطن أمك مرة واحدة ﻻ تتكرر هذه الفرصة، فالدنيا فرصة وحيدة ﻻ تتكرر فمن خاب وخسر فيها فلت يُفلح أبدا. إذا لا ينبغي أن نُعظِّم الدنيا التعظيم الذي يعوقنا عن الوصول إلى أُفق الإيمان الذي يريده الله .
سادسا: التذكير بأهمية الجنّة ( سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ) ليست الدنيا فضل الله إنما الفضل الحقيقي النعيم المُقيم الأبدي هو في الجنة .
سابعا: التذكير بالمصائب وأنها قضاء وقدر لماذا؟ لأنه لا ينبغي للمؤمن أن ينشغِل كثيرا بما يُصيبه أو سيُصيبه، بعض البُله يفكر بما سيُصيبه، لم يُصِبه بعد. فتأتي السورة لتُعالج هذا البلاء وهذا الداء، البعض ينشغِل بالمصائب فينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أن المصائب قضاء وقدر وأن الأمر أهون من أن ننشغِل بشيء منه (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) لماذا جعلنا هذا من تثبيت الإيمان في قلوب المؤمنين وتحقيق الإيمان في أنفس المسلمين؟ لأن البعض ينشغِل بالمصائب انشغالا يعوقه عن الله وعن الدار الآخرة، تصبح مصييته هي همّه الأكبر، يقوم..يقعد..ينام..يُفكِّر..يبذل في سبيل مصيبته. هذا جهل، أنت ما خُلقت لهذا، ما خُلِقت لتحصيل الدنيا (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) وما خُلِقت لدرء الشرور والمصائب فالأمر أهون من هذا (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ) مهمتك أكبر، مهمتك أعظم خُلِقت لطاعة الله..لعبادة الله..لأن تجد لك مكان في جنة عرضها السموات والأرض فما عدا ذلك أمر سهل . هذه طريقة هذه السورة في تثبيت الإيمان وتحقيق الإيمان الحقيقي في أنفُس المؤمنين .
[ربط رائع بين موضوع السورة وبين جزئياتها]. وما تملكه أنت سيكون مُلكا
/ طريقة السورة في الحثّ على الإنفاق في قوله تعالى (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ):
من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين أن الله علِم ضعف الإنسان ومن ضعفه حبه للمال ولذا لم يكتفِ الله جل جلاله بوجود الإيمان في قلوب المؤمنين وإيمانهم بالله جل جلاله وأنه أهلّ أن يُطاع بل أوجد بعض الحوافز والدوافع التي تدفع إلى الإنفاق وتمنع من البخل . انظر إلى طريقة السورة أو طريقة بعض آياتها في علاج هذه القضية ، كلنا يحب المال، كلنا يخشى الفقر، كلنا يكره أن ينفِق -إلا من رحم الله- ممن هو يعتبر شاذ والشاذّ لا حُكم له. الله سبحانه وتعالى أوجد بعض المحفزات للإنفاق:
أولا: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فالمال أنت خليفة فيه وهو عَرَضٌ زائل ذهب عن غيرك فأتاك وسوف يذهب إلى غيرك فما دام بين يديك وأنت الآن الخليفة -الدور دورك- أنفق منه فهو تذكير إلى أن المال عرض زائل فأنت مُستخلف فيه وهذا يحتمل احتمالات منها: أن الله جعلك وكيل عليه ، المال مال الله سبحانه وتعالى.
ثانيا: أن المال دوّار يذهب أقوام ويحِلّ محلهم آخرون فيملِكون ما كان يملِكه السابقون فأنت خبيفة لمن سبقك في هذا المال.
ثم انظر قول الله سبحانه وتعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ثم تأمل ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني أن الله سبحانه وتعالى سيرِث كل ما تراه وما ملكته أنت سيكون مُلكا لله انتهاء كما أنه مُلكه ابتداء.
ثم قال (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) يعني أنه في وقت الأزمات ووقت الشِّدة يعظُم الأجر فينبغي للإنسان أن يستغل وقت أزمة..وقت شدّة. والمقصود بالفتح هنا فتح مكة -على القول المشهور- أو صُلح الحديبية كلاهما فتح والأقرب أنه فتح كما هو المشهور.
ثم قال (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) فالله سبحانه وتعالى من كرمه وجوده ولُطفِه ودفع المؤمن ليهون  عليه البذل جعله قرضا له لا للفقير فأنت لا تُعطي الفقير بل كأنك تُقرِض الله . ثم المضاعفة (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) .
هذه بعض المُحفزات على النفقة.
/ وقفة مع قوله سبحانه وتعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) :
الآية واضحة بنفسها وجلية بنفسها لكن يحتاج إلى أن نفتح قلوبنا وليس فقط نفتح آذاننا، القرآن لا يُفيد من يسمعه فقط ،يُفيد من يستمِعه والاستماع معناه فتح القلب لهذا القرآن حتى يلِج (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فالسامِع لا يستفيد كثيرا إنما المستفيد هو المُستمِع فأنا أقول لأخي المشاهد استمِع ، افتح قلبك (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فهذا النور في عرصات القيامة فليس ثَمّ نور إلا نور العمل والإيمان ويُعطى المؤمنون نورهم بقدر أعمالهم وبقدر إيمانهم، فمنهم من يمتد نوره بين أيديهم فتجد أن نوره مُمتد لعظمة إيمانه، لعظمة المصدر مصدر هذا النور وهو الإيمان والعمل الصالح، ومنهم يكون نوره بين يديه بالكاد يرى طريقه لضعف إيمانه. هذا معنى (يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) ممتد و (وَبِأَيْمَانِهِم) يعني بين يديه فقط . ثم أنهم وهم في عرصات القيامة لم يرحلوا بعد يُبشرون بالأجر الأكبر (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ) المسألة مسألة وقت انتظروا قليلا، هو في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لكنه بالنسبة للسعيد الآمِن المطمئن الذي سلِم من البلايا والرزايا ، شمس تدنو قدر ميل وزِحام شديد وحرّ شديد وعرق يكاد يُلجِم الإنسان وخوف من المجهول فهؤلاء لهم الأمن. فما دام أنهم آمنون مطمئنون تتلاقّاهم الملائكة (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) يُظلَّلُون تحت ظلال العرش فطال الوقت أو قصُر لا يعنيهم الأمر هم في سعادة ولذلك رُوي أن هذا الوقت الطويل يقصُر على المؤمن حتى كأنه ساعة لأن أيام الأُنس والفرح قليلة مهما طالت.
/ جاء بعد الحديث عن المؤمنين ونورهم الحديث عن المنافقين.
 ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخاف من النفاق. مما يُؤسف له أن البعض مِمن يشهدون ألاّ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يُخيل إليهم أن النفاق بعيد عنهم وأنهم ليسوا منافقين بينما من يتدبر القرآن يعلم أن كثيرا مِمن يشهد ألاّ إله إلا الله وهو صادق في هذه الشهادة هو من المنافقين لماذا؟ لأن النفاق نوعان:
- نفاق إعتقادي وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام ، وهذا لا حديث معه ، هذا كافر بل هو في الدرك الأسفل من النار .
- نفاق عملي (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) لا ينفقون إلا وهم كارهون، إذا وعد أخلف، إذا حدّث كذب ، إذا أُؤتمن خان. المصيبة والطامة أن كثيرا من المسلمين لا يعلمون أن النفاق العملي قائد وسائق إلى النفاق الاعتقادي، فإذا أحاطت الصفات العملية بهذا المسلم -وهو مسلم- قادته إلى النفاق الاعتقادي فيهون عليه الاستهزاء بدين الله والإعراض عن دين الله وعدم تعلّم كتاب الله وعدم البذل في سبيل الله ولا يزال يضعف ويضعف حتى ينسلخ من الإيمان ولذا في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفات المنافقين العملية قال (هو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مُسلِم) فهو مُنافق حقيقة لماذا؟ ليس لذاتها بل لأنها تقود. والله سبحانه وتعالى ذكر عن أهل الكتاب السابقين أنهم كفروا بسبب معصية قال (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) فالمعاصي والاعتداء على حدود الله قد تقود إلى الكفر -والعياذ بالله-.
 الوقفة مع المنافقين في هذه السورة:
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ارجعوا وراءكم يعني على قول بعض المُفسرين "النور لا يُستدرك هنا" ارجعوا إلى الدنيا، الذي لا يحمل نوره من دنياه لن يأتي يوم القيامة ومعه نور (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) يعني إن كنتم تستطيعون فارجعوا إلى موطن الزاد وتزودوا. وطبعا لا يمكن هذا. وقد يكون استهزاء.
قال المؤمنون (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ) جدار قيل أنه هو الحِجاب المذكور في الأعراف (وبينهما حجاب) (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني من قِبَل المؤمنين (وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) من قِبل المنافقين (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ) تأمّل -أخي المؤمن- المنافق مع المؤمن يتزوج ابنته ويُعاشره ويُخالطه ويتسمّ باسمه ويتولى المناصب وقد يخرج مجاهدا ويصلي معهم لكنه منافق (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖقَالُوا بَلَىٰ) كنتم في الدنيا معنا (وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) وهو الموت، فلا يزال هذا الأبله هذا المنافق يفتن نفسه ويتمنى الأماني ومن تلك الأماني -كما قال بعض المفسرين- أنه يقول سيُغفر لنا، يفعل الطامات والجرائم والبلايا ويقول سيُغفر لنا كما وقع من بعض أهل الكتاب (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) أو أن الله غفور رحيم أو نحو ذلك من أماني وتعلُلات لا تفيد شيئا في واقع الأمر فأصبح ليس مع هذا المنافق إلا هيكل الإيمان -ظاهر الإيمان- لكن في الداخل كأنه سيارة هيكل بدون آلات داخلية . فمثل هذا السيارة لا تسير ،هكذا هذا المنافق ليس معه إيمان ينفعه يوم القيامة .
(وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) الغرور هو الشيطان، غرّهم الشيطان فلا زال يوسوس لهم ويعِدهم وقد يعرِض له شيئا من مناصب وجاه ومكانة الدنيا فيغترون بما هم فيه -والعياذ بالله- .

/ ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
هذه الآية لها ارتباط بموضوع السورة وهو تحقيق الإيمان في قلوب المؤمنين، لماذا؟
لأن من معوِّقات الوصول إلى الإيمان المطلوب قسوة القلوب فجاءت هذه الآية لتُعالج هذه القضية .
 قسوة القلوب بلية .. مصيبة لأن الله سبحانه وتعالى ذكر في معرض ذمه لأقوام بأن الله لعنهم وجعل قلوبهم قاسية مما يدل على أن قسوة القلوب عقوبة مقارنة للعنة -والعياذ بالله- وينبغي لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُفتش عن قلبه صباحا ومساء وأن ينظر هل فيه شيء من القسوة ؟ هل في قلبه اللين المطلوب بحيث يخشع لذكر الله وما نزل من الحق وهو القرآن .
وهنا يأتي دور العلاج :
أولا: قوله تعالى (أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) فمعنى هذا أن من علاج قسوة القلوب ذِكر الله،فالإكثار من ذِكر الله سبب من أسباب العلاج.
ثم (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) وهو القرآن، فالقرآن علاج لقسوة القلب . ولكن كأني أتوجس من البعض أن يقول أنا أُكثِر من ذِكر الله وقد ختمت القرآن عدة مرات ولم أجِد اللين المطلوب.
سأسألك بعض الأسئلة :
وأنت تذكر الله هل أنت مُمتثِل لقول الله تعالى (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً)؟ فذكر الله النافع ما يكون فيه تضرع وخِيفة.
هل وأنت تدعو الله ممتثل قول الله (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) ؟ فالدعاء النافع ما فيه تضرع
هل وأنت تتلو كتاب الله مُمتثل لقول الله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) أم أنه هذّ كهذّ الشِّعر بدون تحريك للقلب بدون تدبر لهذه المعاني والسؤال عند كل آية ماذا يريد الله مني؟ فحينئذ لا يكون القرآن شفاء لصدرك ما لم تتدبره .
هل وأنت تُصلِّي تحققت بقول الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ؟
هل وأنت تعمل أي عمل لله رب العالمين كنت من المُحسنين؟ مِمن يعبد الله كأنه يراه؟
إذا كنت كذلك فأبشر .
/ قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )
من ضِمن تأكيدات السورة على حقيقة الإيمان هو : نصر الله، لابد أن يُوطن المؤمن نفسه على أن يكون من أنصار الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) فينبغي لكل من نطق بالشهادة، كل من قال لا إله إلا الله أن يعتبر نفسه نصيرا لله ولرسول الله ولدين الله وأن هذه هي المهمة الأولى نُصرة الله ثم يأتي قضية الانشغال بالمعاش والطعام وعلاج مصيبة وولد، هذه أمور ثانوية . الأمر الأول أن تكون من أنصار الله ولذا قال الله سبحانه وتعالى (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) أنت ما رأيت الجنة أنت موعود بالجنة إن نصرت الله ، أنت لم ترَ الله الذي تعبده هذا كله غيب ولكن إيمانك يحمِلك على أنه قد يصِل الأمر إلى التضحية بالنفس في سبيل الله في سبيل إرضاء الله في سبيل نُصرة دين الله لهذا الغيب الذي آمنت به ولم تراه. فأقول وأُكرر أن الله سبحانه وتعالى أراد منا أن نكون أنصارا لدينه، أنصارا لرسوله، أنصارا له، وليس بحاجة (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) هو ابتلاء..هو امتحان..هو كشف لحقيقة هذا الإيمان، المنافق يقول أنا مؤمن وضعيف الإيمان يقول أنا مؤمن فمن الذي يصدُق عليه لفظ الإيمان؟ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
 يظهر من ذكر الحديد هنا أن من أبرز المواقف التي يظهر فيها تحقيق الإيمان وصِدقه موقف الجهاد في سبيل الله وجاء الحديد هنا كرمز له.
نصر الله عموما بالجهاد وغيره من المواقف الصعبة ،قد يكون جهاد الكلمة أثقل من جهاد السلاح فينبغي لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكون نصيرا لله بقدر ما يستطيع لكن أن يجعل هذه القضية همّه الأول ، رقم واحد نُصرة الله، رقم اثنان الدنيا والمعاش والولد لا كما يفعله كثير من المسلمين ولذلك خسروا الدنيا وقد يخسرون الآخرة هو أن تكون الدنيا رقم واحد فيُحرمون من الدنيا وقد يُحرمون من الآخرة -والعياذ بالله- نسأل الله العفو والعافية.
    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق