الخميس، 23 يناير 2025

تدبر سورة الكهف | المحاضرة التاسعة عشر| د.محمود شمس



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا رب العالمين. وبعد :فإني أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الكريم، الذين هم أهل الله وخاصته. وها نحن نلتقي وتدبر سورة الكهف.

توقفت في اللقاء السابق عند قول الله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقلت إن الأمر إذا ورد ينبغي أن يكون له مطلوبا بعد أن يصدر الأمر، يعني عندما آمر أي إنسان بأي أمر افعل كذا، فأنا أطلب منه هذا الفعل، فإذا كان الأمر ليس مطلوبا منه أي فعل فإنه يكون على غير ما وضع له، فلا بد أن ننظر فيه لأنه إما تهكم وإما تهديد ووعيد كما قلت في اللقاء السابق.
عندما أقول لابني الكسول العب كما تشاء، ألا تقولون لأولادكم أحيانا هذا: العب كما تشاء، هل أنت تطالبه بأن يلعب أم أنك توبخه وتبكته وتحاول أن تلفت نظره إلى أنه مهمل وكسول؟ فالأمر عندما لا يكون له مطلوبا لابد أن نفهمه على سبيل التهديد، على سبيل الوعيد لأن الله تبارك وتعالى لو كان قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) بإعطاء الحرية للجميع أن الذي شاء أن يؤمن فليؤمن ومن شاء يكفر فليكفر فلماذا يعذب الله من كفر؟ ما كان ينبغي أن يعذبه، إنما رب العباد يريد أن يبين أن هذا الأمر هو تهكم بأصحاب العقول التي لا تفهم ولا تعي ولذلك ذكر بعدها (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها)، والظالمون هم في الأصل يطلقون على المشركين (إن الشرك لظلم عظيم) وفي نفس الوقت يطلق على كل ظالم لنفسه، فأول ظلم للنفس أن يترك الإنسان ما أمره الله به ولا يؤمن به ويتبع هواه في تلك الدنيا، فهذا ظالم لأنه ظلم نفسه بأن يعرضها لهذا العذاب الأليم. إذن (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) هذا تهديد ووعيد لهؤلاء.
(إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) السرادق: يكون مغلق من ثلاثة جوانب في مفهومنا نحن، لكن رب العباد قصد سرادقا يكون مغلقا من كل الاتجاهات.
هذا السرادق يسمى في دول الخليج - ما أدري هنا عندنا هنا في السعودية- أظن اسمه بيت الشَّعر أو بيت الشِّعر، ما أدري - يعني حاجة زي كده يعني- فيكون مغلقا من كل النواحي، لأن السرادق لو كان فيه ناحية مفتوحة فهو سيعطيهم الأمل في الخروج، الله تبارك وتعالى يريد أن يبين أنه لا أمل في خروجكم من هذا السرادق، لأن النار تحيط بكم في هذا السرادق. 
ثم يبين الله تبارك وتعالى بعد ذلك (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه) يبين الله في هذه الجملة العذاب المعنوي والعذاب الحسي لأنه يقول: وإن يستغيثوا من شدة النار ولهيب النار، هم يستغيثون بماء كي يبرد عليهم هذه النار، فالله تبارك وتعالى يقول (يغاثوا بماء) قوله (يغاثوا بماء) تفتح باب الأمل أمامهم أنهم سيغاثون بماء يُبرد نارهم لكن الله تبارك وتعالى أتى بوصف لهذا الماء جعله عذابا فوق العذاب، يعني بعد أن أعطاهم الأمل في أن هناك ماء سيُعطى لهم، والماء معروف أنه يُبرد الحرارة فإذا بالماء (كالمهل يشوي الوجوه) وهذا يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضده، يعني تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهناك تأكيد للذم بما يشبه المدح، وتأكيد للمدح بما يشبه الذم، تأكيد المدح بما يشبه الذم: عندما أمدح إنسانا أو شيئا ثم آتي بأداة استثناء تُوهم أني سأذمه فإذا بي أزيد في مدحه، يعني بعد أن توهم المُستمع أني سأذمه فإذا بي أمدحه هذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم.
عندما أقول فلان كريم إلا أنه، وصفته بالكرم وأتيت بأداة استثناء أداة الاستثناء تُوهم أني سأذمه بعد (إلا) فإذا بي أمدحه إلا أنه يكرم عدوه، يعني "يكرم عدوه" زادته مدحا، لكن هنا وإن يستغيثوا يغاثوا ويغاثوا بماء فإلى هنا كأن ها هنا مدحا لهم بأن الله سيغيثهم بماء والماء هو المطلوب لأنه كما ذكر الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) فالله تبارك وتعالى يتهكم بهم ها هنا ويؤكد الذم بما يشبه المدح، كما قال الله تعالى أيضا في سورة النبأ (فذوقوا فلن نزيدكم إلا) هنا الكلام يوهم أن الله تبارك وتعالى سيزيدهم شيئا ينفعهم لأن أصل استعمال الذوق أو التذوق إنما هو في الشيء الطيب فإذا استعمله الله في الشيء الخبيث فهو تهكم، لكن إلى (إلا) لم يكن هناك ما يشير إلى هذا التهكم، يعني (فذوقوا فلن نزيدكم إلا) ما بعدها (إلا عذابا) إذاً (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)

(المُهل) تقريب لمفهوم المهل هو: الزيت المغلي، أو كالزيت المغلي لأن كل العذاب الذي يسقيه الله لأهل جهنم إنما هو من عائد أجسادهم، يعني السائل الذي يخرج من أجسادهم الذي يسمى بالغسلين والذي يسمى بالصديد والذي يسمى ها هنا بالمُهل، وأيضا في سورة  الدخان (كالمهل يغلي في البطون)، (بماء كالمهل يشوي الوجوه) يصور الله هذا المُهل بأنه ما يشوي المعدة، ولا يشوي الأمعاء، لا.. هو يشوي الوجوه، بمجرد أن يرفعوه على أفواههم لكي يشربوه من شدة حرارته يشوي وجوههم دون أن يلمس الوجوه، يعني الوجوه لا تشرب، هل الوجه يشرب؟ لكن الإنسان وهو يشرب شيئا حارا عندما يضعه على فِيه يشعر بحرارته في وجهه، فهذا المهل يشوي الوجوه. إذاً الله تبارك وتعالى يصور لنا هذا الأمر حتى يقول انتبهوا وعد الله حق، ووعيده حق.
(بئس الشراب وساءت مرتفقا) (بئس) هو أسلوب ذم يعني بئس الشراب الذي يقدم لهم وجهنم ساءت مرتفقا، المرتفق هو: التقاء؟ العضد - عضد الإنسان الجزء الممتد من الكتف إلى المرفق- فهو التقاء العضد مع المرفق. الإنسان عندما يكون في حالة إرهاق وتعب يتكئ على هذا الملتقى الذي يسمى الكوع في العُرف، لكنه ليس بالكوع هو اسمه المِرفق. أين كوع الإنسان؟ تعرفون الكوع والبوع؟ كوع الإنسان العظمة التي بعد الكف مباشرة بعد كف اليد، بعد كف اليد مباشرة في عظمة في ناحية اليمين وفي ناحية اليسار من اليد اليسار هذه كوعه. إذاً الله تبارك وتعالى يقول هذا ساءت مرتفقا، وسيتحدث عن الجنة ونعيم الجنة وسيقول (وحسُنت مرتفقا) يعني المقابل مع عذاب أهل النار.
يبدأ الله تبارك وتعالى بعد ذلك بيان نعيم أهل الجنة، وهنا في هذه السورة ذكر الله تبارك وتعالى عذاب أهل النار، وهو الوعيد أولا مع أنه في قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ذكر الإيمان أولا، لماذا ذكر الإيمان أولا في قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)؟ للدلالة على أن الإيمان مرغوب فيه، فالله تبارك وتعالى يقدمه في قوله (فمن شاء فليؤمن) ترغيبا في الإيمان، لكن عند بيان نعيم المؤمنين وعذاب الكافرين قدم عذاب الكافرين أولا لأن الغرض من ذكره ذلك كله إنما هو دعوتهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى، فإن لم يؤمنوا بعد أن يعرفوا أن هناك عذابا ينتظرهم فإنهم بذلك سيستحقون هذا العذاب لا محالة. 
إذاً (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) جملة (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) هذه الجملة استئناف بياني، استئناف بياني بحسب المؤمنين الذين يستمعون ذلك لأنهم، بعد أن يعرفوا عذاب هؤلاء وما أعده الله لهؤلاء يتساءلون وينشأ سؤال: يا ترى ماذا أعد الله للمؤمنين الصالحين؟ فقال الله تبارك وتعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) أكدّ هذه الآية بمؤكدين:
المؤكد الأول: (إن) الأولى التي في أول الآية تحقيقا لهذا الوعد من الله تبارك وتعالى، وعند إتيان الخبر قال (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) وتأكيد الخبر، لأن جملة (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) خبر، لـ (إن) الأولى يعني (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الخبر لم يكتمل ولذلك لا يجوز لنا أن نقف عليها إلا اضطرارا أو اختبار وإنما يجب أن نقرأ الآية كاملة، فقوله (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) هذه الجملة خبر.
طيب لماذا كرر الله (إن)؟ هل هو لتأكيد هذا الخبر فقط؟ أم أن هناك قاعدة في اللغة أنه يجوز إعادة (إن) إذا طال الكلام وطال الحديث؟ يعني في قول الله تعالى (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفر رحيم) أتى بـ (إن) في الخبر لأن الكلام قد طال. وفي قوله (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) أيضا تكررت (إن) لطول الكلام بعد (إن) الأولى. تمام. لكن هناك فرق كبير بين الآية التي معنا وتكرار (إن فيها) وتكرار (إن) التي يقول عنها النحويون أن (إن) تُكرر إذا طال الكلام عن المبتدأ الأول، أو عن (إن) الأولى، ما الفرق؟ ولماذا تكررت (إن) ها هنا؟
نجد أن جملة (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) نجد لها استقلالا بمضمونها فهي تفيد حكما يعُمّ كل ما يقع خبرا عن المبتدأ السابق.
أوضح أكثر، (إن) التي تتكرر لأن الكلام قد طال لا يمكن لها أن تستقل بالجملة التي بعدها وإنما لا بد أن تربط بالأولى، يعني نأخذ (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها) من بعد ماذا؟ من بعد توبتهم وإصلاحهم، يعني إذا لا بد أن أصل الجملة هذه بالجملة التي قبلها. يعني إذا تكررت (إن) في غير هذا الموضع فإنه لا بد أن تُربط بما قبلها، لابد، (إن) ها هنا تكررت ولها استقلال بمضمونها (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).

ولو تأملنا سويا لأدركنا الآتي: أن قوله تبارك وتعالى (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) كأنه إجمال لكل النعيم الذي ذكره الله في القرآن الكريم لأن (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وجزاؤهم تكرر في مواضع كثيرة، يعني مرة (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير) ومرة (أولئك هم خير البرية) ومرة (يهديهم ربهم بإيمانهم) ومرة (سيجعل لهم الرحمن ودا)، يعني قوله (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) يشمل كل نعيم ذكره الله بعد ذلك في القرآن الكريم. ما أدري استطعت أن أوصّل المعلومة وإلا لا. يعني (إن) ها هنا ليست لمجرد أن الكلام طال وتكررت وفقط، لا. (إن) ها هنا لها دلالة أخرى، دلالتها أن الجملة التي بعدها جملة مستقلة تامة تعطي معنى لا يمكن أن تعطيه جملة أخرى، وهذا المعنى شامل لكل نعيم ذكره الله تبارك وتعالى.
لماذا ذكر الله هذا النعيم الإجمالي هنا أولاً وجعله شاملا لكل أنواع النعيم في القرآن الكريم؟ لأن قوله تبارك وتعالى (إن الذين آمنوا) قلت لكم سابقا أن التعبير بالاسم الموصول في القرآن الكريم يجعل الجملة التي بعده التي تسمى صلة الموصول متمكنة تمكنا تاما من الاسم الموصول يعني (إن الذين آمنوا) أي آمنوا إيمانا تاما كاملا فالإيمان بالنسبة لهم أصل ويتبعون أمر الله ويجتنبون نهيه، لكن هنا دلالة خاصة أخرى وهي ماذا؟ أنهم ها هنا آمنوا بمعنى آمنوا ونبذوا الشرك نبذا كاملا لأن الآية التي قبلها الله عندما بيّن بأسلوب التهديد والوعيد (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فالذين آمنوا ماذا فعلوا هنا؟ أخذوا الإيمان، ومعنى أنهم آمنوا أي أنهم نبذوا الكفر بكل أصوله وبكل طرائقه، فهم تخيروا عن حب ورغبة - ما أخذنا بالنا- يعني (إن الذين آمنوا) ها هنا تخيروا الإيمان، ومعنى تخيروا الإيمان أنهم نبذوا الكفر وينبذون الكفر، وعندما نبذوا الكفر فهم آمنوا إيمانا تاما كاملا. وانتبهوا نبذ الكفر لا يعني بالضرورة نبذ الكافر لأن الله علمنا أننا لا نكره الذات إنما نكره صفة من الصفات، يعني أنت ليس بالضرورة أن تحب صفات كل إنسان وهذه حقيقة لكن لا ينبغي أنك لا تحبه لذاته إنما أنت لا تحب صفة فيه. واضح. وأتينا بأدلة من القرآن، أذكركم (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو) لمن؟ (عدو للكافرين) لم يقل فإن الله عدو له إنما عدو لمن كانت فيه صفة الكفر، لأنه لو قال فإن الله عدو له لكان في ذلك إغلاقا لباب الرحمة، وإغلاقا لباب الإيمان، لأن من كان عدوا لله في هذا الوقت أصبح مؤمنا مخلصا وبذل في الإسلام جهودا كبيرة، ولذلك الله يقول (فإن الله عدو للكافرين) فنأخذ منها أننا لا نحب صفات في بعض الناس إنما شخص أو ذات لا، أنا لا أحب صفات في فلان، أو لا أحب صفات في فلانة، وكل إنسان منا فيه من الصفات ما يحبها الآخر، وفيه من الصفات ما يكرهها الآخر أليس كذلك؟
ومعنى (وعملوا الصالحات) - كما قلت سابقا - أين مفعول (وعملوا)؟ هل الصالحات؟ لا، الصالحات صفة للمفعول المحذوف، والمفعول المحذوف هو الأعمال الصالحات، لكن عندما كانت أعمالهم توصف بالصلاح الكامل حذفنا الموصوف وأبقينا الصفة محل الموصوف. واضح (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
 
قوله (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)
أولا: أحسنُ العمل الذي لن يضيعه الله تبارك وتعالى، ذكر الله أحسن العمل في القرآن الكريم في أربع مواضع:
● في سورة الملك (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
● وفي هود (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
● وفي سورة الكهف في أولها (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)
● وهنا قال (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) طيب طالما لا نضيع أجر من أحسن عملا ينبغي أن نبحث عن أحسن العمل، وكيف نصل إلى أحسن العمل؟ واضح. يعني كيف أصل إلى أن أكون ممن لا يضيع الله أجر من أحسن عملهم؟ بالطبع أحسن العمل لا يكون إلا بالإخلاص رقم واحد، إخلاص العمل لله تبارك وتعالى، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، يعني لا نبتدع شيئا من عندنا، لكن هذا لستُ هو الذي أقصد، أنا أقصد من خلال ذكر المواضع في القرآن نريد أن نستنبط كيف أصل أنا لأحسن العمل الذي هو الإخلاص والاتباع؟ الإتباع معروف، طب والإخلاص؟
رقم واحد: قدم الله الموت على الحياة في موضع الملك فالذي يعينني على أن أصل إلى أحسن العمل لأدخل في (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) أن أضع الموت أمامي دائما لأن الله قال (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم) وتلاحظون دائما في المواضع الثلاثة في غير هذا الموضع، لأن الموضع هذا موضع الأجر - أجر الإنسان على أحسن العمل في الآخرة - المواضع الثلاثة الأخرى كلها مرتبطة بالابتلاء، بالاختبار، إذاً هذه الأمور لها دور في الوصول إلى أحسن العمل. أخذنا أول خطوة من سورة الملك أني أتذكر الموت دائما أمامي فإذا أصبحت لا أنتظر المساء، وإذا أمسيت لا أنتظر الصباح.
(خلق الموت والحياة ليبلوكم) دائما أقول هناك فرق بين تدبرنا لكتاب الله وبين التفسير، التفسير هذا بيان أقوال، وأصحاب الأقوال، وترجيح الأقوال، نحن في التدبر نأخذ الدرس الذي أراد الله أن يوصله لنا، الدرس الذي ربنا أراد أن يوصله لنا لكي نطبقه عمليا، فالتطبيق العملي في قوله: (الذي خلق الموت والحياة) لن تنجح في الاختبار إلا إذا جعلت الموت أمامك قبل الحياة لأن الذي يلهي الإنسان ويشغله عن طاعة الله هي الحياة، أليس كذلك؟ فأنت إذا أردت أن تنجح في الاختبار وأردت أن تلتقي بربك وأنت تطيعه وتعبده فرغ قلبك وذهنك تماما وبؤرة شعورك من الحياة، كيف ذلك؟ ضع الموت أمامك. يعني لو أنك قيل لك: الليلة بعد صلاة العشاء سيأتيك ملك الموت ويقبض روحك كيف ستكون صلاتك إذا عرفت أنك بمجرد أن تسلم من الصلاة سيقبض الملك روحك فكيف ذلك؟ هذا الدرس المستفاد من هذه الآية.
الأمر الآخر (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) فكر في خلق السماوات والأرض وخلق الله للماء الذي هو فيه حياتك (وكان عرشه على الماء) قبل أن يخلق الخلق. إذن تتفكر وتتدبر وتتأمل أن هناك حكمة من خلقك في الأرض لأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وخلقك لعبادته، فكيف بك تتخلف عن المهمة التي خُلقت من أجلها؟! أنت فكر في ذلك حتى تنجح في الاختبار، لأن الله تبارك وتعالى ذكر بعدها (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) كأن النجاح في الابتلاء هنا في التفكير في أعظم المخلوقات، والتفكير في البعث بعد الموت، وأنك تخطط أن تكون ممن لا نضيع أجر من أحسن عملا، يعني إذا هذه الآية فيها رسالتان: التفكر في أعظم المخلوقات. يا أخي أنت لو فكرت في نفسك فقط كما قال الله (وفي أنفسكم) فكر في نفسك وفكر في (في أي صورة، ما شاء ركبك) ولو شاء الله أن يركبك في صورة أخرى لركبك، فكر في ذلك. فهؤلاء الذين تخيروا الكفر إنما هم لم يتفكروا في أعظم المخلوقات فلم يؤمنوا بالبعث لأن الله الذي خلق أعظم المخلوقات، هذه وهو الذي خلق الإنسان من نطفة أليس بقادر على أن يعيد خلقهم؟ بلى قادر لكنهم لم يتفكروا، ولذلك قال الله (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) خلق السماوات والأرض لم تُخلق للعب وللهو (ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) الذين لم يؤمنوا وتخيروا الكفر، لم يعلموا أن الله تبارك وتعالى خلق أعظم المخلوقات هذه، وكما قال (أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون).
خلي بالكم الموضع الأخير في أول سورة الكهف (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) فكل ما على الأرض زينة، زينة للأرض (لنبلوهم) اختبار، الذي يعينك على أحسن العمل أن تتفهم حقيقة الزينة وما يوجد في الأرض، انتبه لهذه الزينة.
 
إذن الله تبارك وتعالى أولا: قال (لنبلوهم) و(ليبلوكم) في كل مواضع أحسن عملا كأن أحسن العمل هذا يحتاج إلى جهد، وإلى بذل جهد وتنظيم وقت حتى نصل إلى (لا نضيع أجر من أحسن عملا) رقم واحد: التفكر في خلق الله وتذكير النفس بالبعث.
رقم إثنين: الموت نضعه أمامنا
رقم ثلاثة: نفهم حقيقة زينة الدنيا، وما في الأرض من زينة. 
الله تبارك وتعالى هو الذي قال ذلك. امم، ما استطعت ان اوضح؟ يعني لا بد من الربط بين (أحسن عملا) ووجدناها أن أحسن عملا هذه كلها جاءت مع (ليبلوكم) كأنك لن تصل إلى أحسن العمل إلا بالنجاح والتفوق، طب يا رب كيف أصل إلى أحسن العمل؟ ضع الموت أمامك هذا رقم واحد. رقم إثنين: تفكّر في خلق الله لأعظم المخلوقات وتذكر البعث.
رقم ثلاثة: افهم حقيقة الدنيا وزينة الحياة الدنيا وما جعله الله من زينة على الأرض، لن تنجح في الاختبار إلا إذا أخذت بكل هذه الأسباب، إذا فعلت ذلك وصلت لـ (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).

يتبقى لنا في الآية - لتذكروني لو أني نُسيت - السر في استعمال (لا نضيع)، يعني لماذا (لا نضيع)؟ حقيقة نحن أيضا سنجمع كل (لا نضيع)، وسأكمل لكم أحسن العمل ورحمة الله بعباده المؤمنين، لكن حقيقة يعني خلاص الوقت ما عدت قادر أتكلم حتى.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يغفر ويرحم كل متوفى، وأن يغفر لنا جميعا، وأن يرحمنا جميعا، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الكريم الذين هم أهل الله وخاصته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق