الاثنين، 6 يوليو، 2015

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ثمار الاستقامة

قال تعالى في سورة فصلت:
 (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [سورة فصلت 30 - 36]
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) هذا التوحيد يعني أنهم يُوحِّدون الله ويشهدون ألا إله إلا الله ثم يستقيمون على هذا الدين ولذلك لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : دُلني وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الوصية وهو سفيان الثقفي -كما في صحيح مسلم - قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك،  قال: (قل آمنت بالله ثم استقم ) فالعبرة بالاستقامة على هذا الدين حتى الممات.
تعريف الاستقامة:
قال ابن رجب : الاستقامة هي سلوك الطريق المستقيم وهي الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كذلك.
ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم صفات للمستقيم فذكر منها الاستمرار والثبات
أولا: كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [سورة آل عمران 102] إشارة إلى الاستقامة على هذا الطريق.
وأيضا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم قال (من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه ) وهذا هو معنى الاستقامة.
وقد جمع الشنقيطي -في كتابه أضواء البيان- جمع اﻵيات التي وردت في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبويةعن الاستقامة ثم قسّمها على محاورها.
يقول الشنقيطي -رحمه الله - في كتابه أضواء البيان:
 "ما تضمنته هذه اﻵية الكريمة  -في سورة فصلت- مما أعدّه الله في الآخرة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ذكره الله تعالى في الجملة في قوله تعالى في اﻷحقاف (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة اﻷحقاف 13] ﻷن انتفاء الخوف والحزن والوعد الصادق بالخلود في الجنة المذكور في آية اﻷحقاف هذه يستلزم جميع ما ذُكر في اﻵية الكريمة في سورة فصلت. وقال الله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سورة هود 112] واﻷمر هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) وقوله سبحانه وتعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [سورة الفاتحة 6 - 7]، أيضا في قوله تعالى (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) [سورة فصلت 6] وقال (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) كما في سورة هود، قال في سورة يونس (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة يونس 89] وقال في سورة الشورى (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [سورة الشورى 15] وفي قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) [سورة الجن 16] وغيرها من الآيات التي فيها الحث على الاستقامة ولزوم طريق الحق والاستمساك به حتى تأتي الإنسان منيته وهو على دين الإسلام ولذلك الآية التي في سورة آل عمران (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) تؤكد هذا المعنى وتُقِّويه".
ذكرت الآية ثمرات للاستقامة:
أولا: تنزّل الملائكة بالبشرى فالله يقول هنا (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) والمفسرون يقولون أنها تتنزل عليهم في ثلاثة مواطن وتُبشرهم في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث، وهذه الثلاثة مواطن هي أشقّ المواطن على الإنسان،لحظات الموت لحظات كل الذين حول اﻹنسان يبكون ويقيمون العويل والحزن عليه، لا.. إذا كان من أهل الاستقامة ففي هذا الموطن تتلاقاه الملائكة وتُبشِّره 
(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا)
والموطن الثاني : في القبر إذا دخل القبر واستوحش ورجع أهله عنه.
الموطن الثالث: عند البعث. وهي كلها مواطن هلع ومواطن خوف ومواطن جزع، الله سبحانه وتعالى يقول أهل الاستقامة لهم وضعهم الخاص في هذه المواطن الثلاثة تتنزل عليهم ملائكة الرحمة بالبشرى والتطمين.
ثانيا : من ثمار الاستقامة الطمأنينة والسكينة في قوله هنا في هذه الآيات (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا). وفي هذه المواطن الثلاثة الإنسان أحوج ما يكون فيه إلى الطمأنينة والسكينة، الناس كلهم في هلع وفي جزع وخوف وفي رعب من الموت أو من البعث أو من القبر وأهل الاستقامة في سكينة وطمأنينة.
ثالثا : من ثمرات الاستقامة البشرى بالجنة في قوله هنا (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) .
ولاحظ هنا في قوله (الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) نحن في الدنيا نؤمن بالغيب، نؤمن بأن هناك جنة وأن هناك نار وأن هناك بعث ونؤمن باﻷنبياء السابقين، كل هذا تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم وإلا نحن ما رأينا شيء -نسأل الله أن يثبتنا على هذا اﻹيمان- ﻷن البعض لا يؤمن إلا بالشيء المحسوس ويرى أن اﻹيمان بالغيب نقصان في العقل وهرطقة ودروشة ولذلك يقولون ما وراء الطبيعة أو ما يسمونه <الميتافيزيقا > لا يؤمن بها إلا الدراويش والجهلة أما هم  -كما يرون أنفسهم- لا يؤمنون إلا باﻷشياء المحسوسة -التجريبية- ولذلك يقول أحدهم "أنا لا أؤمن بما لا يدخل معي المعمل" الشيء الذي لا أستطيع أن أقوم بعمل تجربة عليه أنا لا أؤمن به.
الله سبحانه وتعالى يقول هنا (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) لم تروها ولم تلمسوها بأيديكم ولم تطّلعوا على شيء إلا كله إيمان بالغيب فكان جزاء في هذه المواطن مواطن الفزع. لكن تعال إلى هؤلاء الشكاكين الملاحدة اللاأدريين -كما يسمون أنفسهم- عندما يقال له في القبر من ربك؟ فيقول : ها..ها.. لا أدري، من نبيك؟ قال: لا أدري. هنا يتبين ولذلك قال يضربه الملك بمرزبة ويقول له لا دريت ولا تليت في القصة المعروفة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.
من الأشياء الجميلة التي ذكرها الشيخ عبد المجيد الزنداني كان يتناقش مع أحد الملاحدة وقال له : هل تستطيع أن تسير في وقت الحرارة والشمس الشديدة بدون حذاء؟ قال: لا،  قال: يعني الحذاء خُلق لحكمة؟ قال: نعم خُلق لحكمة بحيث يبعدني عن رمضاء الشمس وغير ذلك في الصحراء،  قال: إذا كان الحذاء خُلق لحكمة أنت لم تُخلق لحكمة؟ يعني حذاؤك خير منك.
رابعا: من ثمرات الاستقامة سعة الرزق في الدنيا في قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) أي كثيرا.
خامسا : من ثمرات الاستقامة -وهي من أعظم الثمار - انشراح الصدر والحياة الطيبة كما قال الله سبحانه وتعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة النحل 97] .
ومن جاء بالاستقامة واستقام على أمر الله سبحانه وتعالى لقي هذه الثمار في الدنيا والآخرة.
  ونحن نقول الواحد منا اﻵن والكثير من الناس اليوم يأخذون دورات  التطوير ودورات التحسين ودورات النجاح؛، والله إن النجاح الحقيقي هو في الاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى وإنها تأتيك الدنيا وتأتيك هذه الثمار التي ذكرها الله في الآخرة في المواطن الحساسة، عند الموت وعند القبر وعند البعث.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة في الدنيا وأن يثبتنا وإياكم عليها حتى نلقاه سبحانه وتعالى.
-------------------------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق