بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وها نحن مع تدبر سورة الكهف وتوقفنا عند قول الله تبارك وتعالى (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا)
بعدها (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) في الآية السابقة يبين الله تبارك وتعالى أن مكانة الإنسان عند الله تبارك وتعالى. ليست بهيئته، وليست بمكانته في الدنيا، وليست بغناه أو بفقره، إنما كما ذكر الله في كتابه الكريم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فالله تبارك وتعالى رفع شأن المؤمنين الضعفاء في الآية السابقة عندما أمر الله رسوله أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. وهذه قاعدة لا بد أن نعلمها مقياس الإنسان ليس بماله ولا بعلمه، ولا بمؤهلاته، ولا بعمله، ولا بسلطانه، إنما مكانته بقربه من الله تبارك وتعالى. فالله جلت قدرته بيّن الحرص على هذا الأمر، وهناك حكمة أخرى: أن الله تبارك وتعالى لم يشأ أن يقيم هذا الدين بهؤلاء الكبار من قريش، يعني ما أراد الله لهذا الدين أن يقوم بهم، لماذا؟ لشهرتهم في القوة وشهرتهم في السيطرة فربما يظنون أنهم هو الذين أقاموا هذا الدين، وهم الذين صنعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، إنما أراد الله جل وعلا أن يصنع محمدا بإيمان المؤمنين حتى لو كانوا من الضعفاء. وتلك حكمة من الله تبارك وتعالى فبعد أن قال له ونهاه أن يطيع من أغفل قلبه وأذكركم أن قوله من أغفل قلبه ليس معناها من صده عن ذكر الله إنما من وجد قلبه غافلا، فأغفله الله. وهذه أيضا قاعدة نحن نعلمها وتكلمنا فيها كثيرا.
ثم بين أن هذا الذي أغفل قلبه اتبع هواه وكان أمره فرطا أي: مجاوزا للحد في كل شيء.
ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم. أن يقول لهؤلاء (الحق من ربكم) يعني أنا جئتكم بالكتاب الحق، وبالدين الحق من ربكم، ولذلك كلمة (الحق) خبر لمبتدئ محذوف: قل هو الحق من ربكم، يعني أن هذا القرآن هو الحق من ربكم. وهذه قاعدة أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له قل لهؤلاء الذين أغفلناهم عن ذكرنا، قل لهم أن هذا الذي جئتكم به هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك فيه.
ثم قال الله بعد ذلك، بعد أن أكد أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق قال (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) هل هذه الجملة تخيير؟ يعني من شاء أن يؤمن فليؤمن، ومن شاء أن يكفر فليكفر؟
عندنا في اللغة الأمر قد لا يكون منه مطلوبا، يعني قد لا يكون منه مطلوب من المخاطب ففي هذه الحالة ينصرف إلى التهكم بالمخاطب. يعني عندما ترى ولدك مهملا في مذاكرته، ومهملا في مسؤولياته فأنت تقول له العب ما شئت، هل معنى ذلك أنك تقول له العب كما تريد؟ هل أنت تريد أن تقول له افعل ما تريد؟ وإنما السياق يقتضي أنك تتهكم به. وهذا التهكم الذي يحكمه السياق كما قال الله تعالى (اعملوا ما شئتم) هل (اعملوا ما شئتم) معناها أن كل واحد يعمل ما يشاء، من أراد أن يطيع فليطيع، ومن أراد أن يعصي فليعصي؟ بالتأكيد لا، إنما (اعملوا ما شئتم) هذه الجملة تهديد ووعيد وتهكم بهم. ولذلك قال الله بعدها (إنه بما تعملون بصير) وحتى تعرفون أن السياق هو الذي يحدد معناها، يعني جملة (اعملوا ما شئتم) هذه قالها النبي صلى الله عليه وسلم لكن بمعنى غير المعنى الموجود في قوله (اعملوا ما شئتم) التي في كتاب الله التي في سورة فصلت، متى قالها النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة طلحة بن مسعود أظن، الذي كان قبل هجرة النبي بأيام أرسل رسالة لأهل مكة يخبرهم بأسرار النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرر أن يأتيكم في يوم كذا الساعة كذا وأعطاهم امرأة كانت ذاهبة من المدينة إلى مكة، والمرأة وضعت الرسالة في طرحتها، فالله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، وقال له إن المرأة في الطريق الفلاني إلى مكة ومعها الرسالة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل خلفها صحابيين اثنين فأتوا بها وأتوا بالرسالة التي معها، وأحضر النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة وأجلسه أمامه وقال له اقرأ هذه الرسالة، فبالطبع يعني حاطب أُسقط في يده، فقال يعني يا رسول الله. أنا ليس لي عائلة ولا قرابة في مكة فخفت أن أكون ضعيفا بين أهل مكة أما إخواني من الصحابة فكل منهم له قبيلته، وله عشيرته وأنا لا قبيلة لي ولا عشيرة، فأردت أن أفعل هذا حتى تكون لي مكانة عند قريش. فهم عمر رضي الله عنه، وقال دعني أقتله يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم (اتركه يا عمر فلعل الله اطّلع على أهل بدر وقال لهم اعملوا ما شئتم) لأن حاطب كان قد حضر غزوة بدر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يلتمس له بعض المحامد التي تجعله يسامحه على هذا الفعل لأن الفعل الذي فعله وإن كان خطيرا، لأنه يخبر بأسرار النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها يعني رغبة نفس، ورغبة النفس هذه النبي صلى الله عليه وسلم تلمس عملا صالحا له. وأراد أن يجعل هذا العمل الصالح شفيعا له، وهذا أيضا يعطينا درسا يعني عندما يعني يقع إنسان ما في خطأ ما لا نلغي كل حسناته في مقابل سيئة واحدة. يعني نحن نلغي كل الحسنات في سبيل سيئة واحدة. وهذا أمر يعني لا ينبغي أن يكون من المؤمن للمؤمن، فقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الشاهد في المسألة، (اعملوا ما شئتم) معناها يختلف عن (اعملوا ما شئتم) التي وردت في سورة فصلت، التي وردت في سورة فصلت هذه تهديد ووعيد.
إنما (اعملوا ما شئتم) كأنه إكرام وتقدير لأهل بدر الذين شهدوا بدرا من الصحابة رضوان الله عليه، يعني ما أريد أن أقوله: أن الجملة نحكم على معناها بالسياق، يعني سياقها هو الذي يجعلنا نحكم، فقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (فليؤمن) اللام لام الأمر (ومن شاء فليكفر) اللام لام الأمر، لو اعتبرنا أنها للتخيير، يعني من شاء أن يؤمن فليؤمن، ومن شاء أن يكفر فليكفر، إذا فالذي يكفر أطاع الأمر ونفذ الأمر، والذي يؤمن أطاع الأمر ونفذ الأمر، إنما هو أمر ليس له مطلوب من المخاطب، إنما هو على سبيل التهديد والوعيد، ولذلك كثير من الناس يستشهدون بها على أن كل واحد حر في إختيار دينه، لا هناك آيات أخرى يعني (لا إكراه في الدين) تكفي، (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) تكفي، لكن الأمر هنا في قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) لا ينبغي أن نضعها في هذا الإطار إنما هي تهديد ووعيد لكل من اختار الكفر. فتكون تهديدا له لاختياره السيئ، وأما من اختار الإيمان فإنه قد الطريق الصحيح. لكن علينا أن نبين لهؤلاء، ونبين لهؤلاء، وبعد البيان نقول لهم إن الله قال كذا للتهديد، وللوعيد فأنتم تخيروا طريقكم، ولذلك من أراد أن يستشهد بقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) لا يستشهد بهذه الجملة فقط ويقف وإنما ينبغي أن يُكمّل ما بعدها لأن ما بعدها بيان لمن اختار طريق الكفر، وبيان لمن اختار طريق الإيمان. والله تبارك وتعالى على الرغم أنه قدم (فمن شاء فليؤمن) على الكفر على (فليكفر) إلا أنه في بيان الجزاء ذكر جزاء الكافرين أولا فقال (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) فهنا. يكون الكلام على سبيل اللف والنشر غير المرتب لأنه ذكر الإيمان أولا، ثم ذكر الكفر، ثم ذكر عاقبة الكفر أولا لتحذير الإنسان من اختيار هذا الطريق، يعني تقديم عاقبة الكفر يدل على خطورة هذا الاختيار. وبعد أن يعرف عقوبته ويتخير فهو حر في طريقه.هذه (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) إذا ليس الأمر هنا على التخيير. وأختم ها هنا لأني انشغلت الآن، ومعذرة الليلة، ونكمل إن شاء الله في لقائنا القادم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الثلاثاء، 14 يناير 2025
تدبر سورة الكهف | المحاضرة الثامنة عشر| د. محمود شمس
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق