أصناف الناس والجدال في الله
(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ) هذا الصنف من الناس (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) لأن القضية أصبحت جدال بالباطل. قضية البعث ليست المسألة لديه تصديق أو تكذيب هو يعلم هذه الحقيقة ولكنه يجادل بغير علم يبتعد عن هذه الحقيقة يتخذ كل الوسائل والسبل للتكذيب بها.
هذا النوع من الناس اختار طريق الضلال والصد عن سبيل الله عز وجل يستخدم كل ما أوتي من قوة مادية، إعلامية، سياسية، لأجل الصد عن سبيل الله عز وجل. وتأملوا معي أيها الأخوة والأخوات كيف يجعل الله سبحانه وتعالى في آيات سورة الحج الإيمان بالبعث حقيقة واقعة.
تأمل معي قول الله عز وجل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ) يجعل الإنسان يستشعر كل ما أقوم بعمل أي عمل من الأعمال صالحا أو غير ذلك، كل ما قمت بعمل علي أن أستحضر الجزاء قبل أن أقوم به علي أن أتوقف للحظة ما نتيجة العمل ما هي النتيجة التي سترتب على العمل الذي سأقوم به.
هذا الإنسان الذي ضل عن سبيل الله وصد عن سبيله يتوعده ربنا عز وجل بخزي بفضيحة في الدنيا ربما تكون فضيحة مالية، ربما تكون أخلاقية، ربما تكون في سياسة، ربما تكون في أي شيء ولكن خزي، خزي ومذل ومهانة لماذا؟ الجزاء من جنس العمل، أراد صد وإضلال الآخرين عن طريق الله،عن الطريق الحق، لم يكتفِ فقط بإذلال نفسه، لم يكتفِ فقط بأن يكون هو مبتعدا عن خالقه سبحانه ولكنه أراد أن يردي الآخرين في هذا الطريق فكان الجزاء من نفس العمل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق).
وثمت صنف آخر من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة واقع عملية مطبقة في حياتهم. هذا الصنف من الناس قد يؤمن بالبعث ولكن العلاقة بين استحضار هذه الحقيقة فيها ضعف شديد فيها نوع من أنواع الخنوع أنواع الذل والخنوع للدنيا ولمطالبها كيف؟
العبادة على حرف والابتلاء
يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً هذه الفئة من الناس (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).
هذا النوع من الناس علاقته مع الله عز وجل علاقة قائمة على المنفعة، قائمة على المصلحة، يعبد الله طالما أن طاعة الله سبحانه وعبادة ربه عز وجل وتقربه من الله سبحانه يأتي له بالنفع، يأتي له بالمصالح الشخصية المنافع الدنيوية، قد يجد زيادة في رزقه، قد يجد بركة في ماله، في وقته، في أولاده، في صحته، قد يجد هذه الأمور، فكلما زاد له الله سبحانه من أمور الدنيا كلما ازداد تقرباً وصلاحاً وكلما ازداد التزاماً وكلما بدأت الدنيا ولو ببعض الشيء تبتعد عنه أو تمتنع عنه أو تأتيه أي نوع من أنواع الانتكاسات أو الابتلاءات أو الامتحانات التي يتعرض لها البشر بمختلف التزاماتهم، ليس بالضرورة فقط المؤمن، ما من بشر في هذه الدنيا إلا وهو معرض للابتلاء، المؤمن وغير المؤمن في ذلك سواء ولكن المؤمن يرجو عند الله ما لا يرجوه غيره من البشر.
هذا النوع من الناس إذا جاءه أي نوع من أنواع الابتلاءات بدأ يتذمر بدأ يتراجع في التزامه مع الله عز وجل بدأت ثقته بربه تضعف، بدل أن يحسن الظن بالله عز وجل يسيء الظن بخالقه يا رب أنا ازددت لك صلاة، أنا ذهبت إلى الحج، أنا ازددت في الاتزام فلماذا بدأت الابتلاءات تأتي على رأسي واحدة بعد الأخرى كلما ازددت التزاما وتقربا منك.
هذه النوع من المساءلة، هذه النوع من العلاقة مع الله شيء غير مشروع غير مقبول علاقتي برب عز وجل ينبغي أن تكون علاقة ثابتة علاقة مطلقة لا تهزها النوائب لا تغيرها المصائب أحبه في السراء وأحبه في الضراء أحبه في الرخاء وأحبه في الشدة أحبه في الصحة وأحبه في المرض أحبه إن أقبلت الدنيا علي وأحبه سبحانه إن أدبرت الدنيا علي، ليس المقياس لدي إقبال الدنيا أو إدبار الدنيا، المقياس الحقيقي عندي ثقتي ويقيني المطلقة بالله سبحانه وتعالى يقيني الذي لا يتزعزع، ثقتي المطلقة بخالقي سبحانه أنه حتى حين يمنع عني إنما منعه عطاء، منعه لأجلي، ابتلاؤه هو خير لي، قد لا أرى الحكمة من وراء هذا الابتلاء أو الامتحان، قد لا أرى الحكمة في الانتكاسة التي أصابتني في مالي أو في تجارتي أو في صحتي أو في أولادي ولكن قطعاً هناك حكمة ولذلك أمر المؤمن كله خير إن أصابتني السراء شكرت وحمدت وتقربت لله عز وجل وإن أصابتني الضراء صبرت فكان كذلك خير لي.
هذا النوع من العلاقة هو ما تريد آيات سورة الحج أن تبنيه في نفسي علاقة حسن الظن والثقة المطلقة بالله سبحانه، اليقين بأن الله سبحانه وتعالى لا يختار لعبده المؤمن المتقرب المقبل عليه إلا الخير في كل شيء قد لا تتضح لي الحكمة في الموقف الذي أصابني، في الابتلاء الذي أصابني، في الانتكاسة التي مرت بي، ولكن الحكمة موجودة عند الخالق سبحانه الذي كل شيء لديه بقدر سبحانه وتعالى.
الجزاء قد لا أخذه في الدنيا ولكني قطعا أؤمن بالبعث وأؤمن بيوم الدين وبالتالي إيماني بالجزاء إيماني بكل هذا إيماني بنتيجة العمل الذي أقوم به قطعا هي واقع في نفسي هذا الوقوع وهذا الإحساس وهذا الاستحضار العظيم ليوم البعث يولد طاقة هائلة عند الإنسان، طاقة إحسان الظن بخالقه عز وجل، ولذا كان حسن الظن بالله سبحانه من حسن العبادة، ولذا ربنا عز وجل يقول في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) ولذا القرطبي لديه كلام جميل في تعليقه على هذا الحديث يقول: "ظُن الإجابة عندما تدعو الله سبحانه وتتوجه إليه، وظُن القبول عندما تطلب المغفرة منه، وظن التوبة عندما تتوب وتأوب إلى خالقك" سبحانه علي أن أغلب في حياتي حسن الظن بالله سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. رقية العلواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق