الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

تدبر سورة الكهف / د.محمود شمس / المحاضرة الثانية عشرة

.. توقفت عند قول الله تبارك وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) وقلت هل اللام في قوله (ليتساءلوا) لام التعليل أم لام العاقبة؟
 أقول: إن اللام هنا لام التعليل، والله تبارك وتعالى يعلل بعثهم بقوله (ليتساءلوا بينهم) أي أن الله بعثهم وأحياهم ليمارسوا الحياة الطبيعية فكان أول ما ينبغي أن يمارسوه هو المناقشة فيما بينهم في مدة لبثهم في الكهف، وفي مدة نومهم،  إذا المقصود ليس التساؤل في حد ذاته إنما التساؤل المراد منه ممارسة الحياة بالمناقشة. وأظن أن أصحاب البيت الواحد عندما يستيقظون من نومهم يعني أول ما يفعلونه يتكلمون فيما بينهم في أي أمر من الأمور، فالمراد من تساؤلهم ليس مجرد التساؤل، والغرض من بعثهم ليس لأجل التساؤل وإنما سيأتي بعد ذلك وسأبينه، الغرض من نومهم وبعثهم، إنما (ليتساءلوا) جاءت هاهنا إشارة إلى أنهم عندما بعثهم الله تبارك وتعالى بدؤوا في ممارسة حياتهم اليومية ولذلك كان أول ما فعلوه التناقش فيما بينهم في مدة لبثهم في الكهف. 
والله تبارك وتعالى أعطانا درسا مهما جدا وهو: أن المؤمن عليه أن يغير الحوار إذا وجد أن الكلام غير مفيد، أو سيؤدي إلى غير مفيد، فإذا وجد أن الحوار وأن الكلام سيؤدي إلى غير ما يفيد عليه أن ينهي الحوار، أو يغير مجرى الحوار ولذلك (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) يعني انتهوا عن هذا الجدال، ما ينبغي أن تجادلوا كثيرا في الأمر، الجدال إلى هنا ينتهي، لأن الجدال إذا أخذ طريقه فسيأخذ طريقا ربما يصل إلى الجدال بالباطل. إذا، الإنسان عليه أن يستفيد من هذا الدرس. واضح. 
وعندنا أيضا الحديث الصحيح الوارد في صحيح مسلم وهو ما معناه أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائمة فأخذ يتحسس الأمر ويحاول ألا يزعجني وأنا نائمة - وهذا من هديه صلى الله عليه وسلم الذي علمنا إياه - ثم تقول فدخل فوضع رأسه على الفراش ثم سرعان ما قام مسرعا وخرج من الغرفة فقلت في نفسي لعله ذهب إلى زوجة أخرى عندما رآني نائمة فما أراد أن يوقظني، فالمهم تقول: فخرجت خلفه لأعرف إلى أين ذهب فرأيته صلى الله عليه وسلم يقف بالبقيع ويرفع يديه إلى السماء ويدعو الله تبارك وتعالى، فوقفت حتى انتهى. ثم عندما وجدته عائدا التفت بسرعة ودخلت غرفتي فإذا به أتى إلى غرفتي ودخل بنفس الهدوء الذي دخل به أولا ثم وجدني من سرعة خطواتي وأنا داخلة نفسي يرفع الغطاء ويخفضه - نفس الإنسان عندما يسرع في المشي فإنه يتنفس بسرعة - فقال لي: ما بك يا عائش؟ فقلت له لا شيء يا رسول الله، فقال: إن لم تخبريني فإن الله سيخبرني، فقالت: يا رسول الله أنت عندما قمت مرة أخرى فخرجت خلفك وخشيت أن تكون قد ذهبت إلى إحدى أزواجك وأنا نائمة، فلمزني بمجمع يديه ، بيديه، يعني هكذا و قال: أتظنين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فعندما رأت الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم من هذا قالت: يا رسول الله ماذا أقول لو دخلت على أهل البقيع؟ كيف أسلم عليهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قولي السلام عليكم أهل القبور أنتم السابقون ونحن بكم لاحقون إن شاء الله. 
بم تسمون تصرف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟ ماذا فعلت؟ ألم تغير من مجرى الحوار خوفا من أن يصل الحوار إلى شيء لا يحمد عقباه، صلى الله عليه وسلم. فهي غيرت الحوار، وهذا أسلوب ينبغي أن نتعلمه في حياتنا حتى لا يصل الحوار إلى جدال بالباطل. كذلك أصحاب الكهف (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) يعني إيه؟ يعني لا ينبغي أن تتكلموا إلا فيما يفيد، لا بد أن يغير الإنسان مسار الحوار إلى ما يفيد وينفع. 
طيب (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) هل كلهم هم الذين قالوا في نفس واحد (ربكم أعلم بما لبثم) أم أن واحدا منهم هو الذي قال؟
هو بالتأكيد واحد منهم هو الذي قال لكن الكل أيد ووافق، والمؤيد والموافق كالقائل تماما كما أن المؤمِن على الدعاء كالداعي تماما، يعني الذي يؤمن الداعي، والذي يوافق على قول كالقائل، فكأن واحدا قال (ربكم أعلم بما لبثتم) والكل وافقه نعم ربنا أعلم بما لبثنا. 
ثم فرّع على ذلك (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) (فابعثوا أحدكم بورقكم) الفاء هنا فاء التفريع يعني إذا سلمنا أن الله أعلم بما لبثنا فابعثوا أحدكم بورقكم. فاء التفريع تفرِع ما بعدها على ما قبلها خلاص. 
البعث هنا الله تبارك وتعالى يستعمل البعث في هذه القصة لأن الغرض منه: بيان قدرة الله على والبعث بأدلة عملية وليست بأدلة نظرية، ولذلك يستعمل الله البعث في هذه القصة (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) وهنا أيضا (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) يعني ابعثوا واحدا منكم بالورِق، الورِق هو: الفضة التي كان يتعامل بها حينئذ، قطع من الفضة كان يُتعامل بها.
 والبعث بمعنى الإرسال لكن هناك فرق بينهما:
 الإرسال بالضرورة فيه انتقال حركة من مكان إلى مكان. هذا الإرسال، يعني طالما أرسلت فلان أرسلته يعني انتقل من مكان إلى مكان إنما البعث ليس بالضرورة أن يكون فيه انتقال، لكنه ها هنا فيه انتقال. إنما مثلا في قول الله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) هل بالضرورة أن يكون الحَكم انتقل من مكان إلى مكان؟ ليس بالضرورة، قد يكون وقد لا يكون. هذا قوله (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة).

(فلينظر أيها أزكى طعاما) الفاء هاهنا في قوله (فلينظر) هي واقعة في جواب شرط مقدر لأن المعنى: إن بعثتم أحدكم بورقكم فلينظر المبعوث أيها أزكى طعاما.
الضمير في قوله (أيها) هنا يعود على ماذا؟
 يعود على أماكن المدينة ، الأماكن التي فيها المحلات التي تصنع الطعام، لأنه كما نعلم أن الطعام في المدن يكون بناء على الحي الذي فيه المطعم، أو المطبخ الذي يُعد الطعام. ( فلينظر أيها) يعني أي الأماكن في المدينة أزكى طعاما وأي المحلات أزكى طعاما. وأظن لا يزال حتى اليوم المحلات بحسب الحي الذي تكون فيه.
 ●وقوله (أزكى طعاما) أطيب طعاما، وهذا معناه أن الإنسان لا مانع من أن يتخيرا أطيب الطعام وأحسن الطعام. يعني التخير في الطعام أمر مشروع للإنسان ولا يدل على أن الإنسان متكبر، ولا يدل على أن الإنسان لا يحب كذا، أو يعيب، أو لا يعيب، ليس بالضرورة أن يعيب لكنه يتخير ما يشتهي وما يحب. هذا معنى (فلينظر أيها أزكى طعاما) من غيره.
(أزكى) أفعل تفضيل، وهنا المفضل عليه محذوف أيها أزكى طعاما من غيره، وبعد أن ينظر في الأماكن والمحلات التي فيها الطعام الأطيب والطعام الأحسن ( فليأتكم برزق منه) فليشتري لنا وليحضر لنا جميعا برزق يعني بقوت منه، فليحضر طعاما لنقتات منه. هو طبعا الأطيب والأحسن لا يكون إلا ما أحله الله في وقته، يعني ليس الأطيب والأحسن فقط في قضية الطعم أو قضية النوع، إنما الأطيب والأحسن لا يكون الطعام أزكى إلا ما أحله الله تبارك وتعالى. لكن ( أزكى ) أعم من قضية الحلال. الله تبارك وتعالى لا يُحل ولا يبيح للإنسان أن يأكل إلا مما أحلّه الله تبارك وتعالى بس لا نصرف (أزكى) للحلال لأنه ذاهب للشراء فهو سيشتري بالورق فما بقي إلا أن يكون الطعام مشروعا ومباحا، والله تبارك وتعالى أحله. وكلمة (أزكى) أعم من أن نصرفها لمعنى واحد.
( فليأتكم برزق منه وليتلطف) يتلطف في حواره، ويتلطف في كل تصرف يتصرفه، وهم عللوا بعد ذلك سبب التلطف وسبب التلطف خوفا من أن يُعرفوا ولذلك هذا يدل على أنهم لم تتغير ملامحهم وشعورهم، وشعور وجوههم - كما يقول البعض - لأنهم لو كانوا قد تغيرت ملامحهم وشعور وجوههم قد زادت عن الحد، ألا يدل هذا عليهم ويُعرفوا؟ يعني كانوا يُعرفوا، يعني هذا يدل عليهم، الذي ذهب ليشتري الطعام كان الناس عندما يرونه يعرفون من هذا وكيف يكونوا شكله هكذا. إذن هذا معنى (وليتلطف)
 وهذا يدل على أن الإنسان مطالب بأن يحافظ على نفسه من الوقوع في الفتنة، ويحافظ على نفسه من أن يُضر، أو أن يؤذى،  يعني الإنسان له أن يحافظ على نفسه من أدنى إيذاء. فالتلطف هنا معناه حافظ علينا وحافظ على نفسك حتى لا تُعرَف.
وأنا قلت لكم سابقا أن السحرة عندما آمنوا برب هارون وموسى كما ذكر الله في سورة طه وتوعدهم فرعون بما توعدهم به (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) ماذا قال السحرة؟ قالوا (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات)، (لن نؤثرك) التعبير بالإيثار يعطينا أيضا دلالة أنهم حافظوا على أنفسهم، يعني نحن نُقر أنك صاحب مكانة عالية لكن الذي رأيناه لا نستطيع أن نؤثرك عليه، نحن جئنا من أجل أن نبطل سحر موسى كما قلت لنا لكن الذي تبين لنا ان هذا ليس بسحر، ليس بسحر لأننا أعلم الناس بالسحر فقالوا (لن نؤثرك) والتعبير بالإيثار فيه مراعاة لمشاعر فرعون وفيه محافظة على أنفسهم. واضح.

ثم بعد ذلك (ولا يشعرن بكم أحدا) لا تجعلوا أحدا يشعر بكم، و(أحدا) هنا تطلق على كل أحد من الناس.
 ●(ولا يشعرن بكم أحدا) طبعا (بكم) هنا تدل على ذواتهم. طيب كيف تدل على ذواتهم؟ وكيف يشعر الناس بذوات هؤلاء؟ 
لأن هاهنا مضافا محذوف : ولا يشعرن بوجودكم أحدا، يعني هم ما يريدون نفي الشعور عن ذواتهم فقط، لا.. يريدون نفي الشعور عن وجودهم "ولا يشعرن بوجودكم أحدا"، وهذا يدل على أن القوم كانوا يعرفون قصة أصحاب الكهف وقتها، يعني كانوا يتداولونها في أحاديثهم فإذا شعروا بوجودكم سيحدث بالنسبة لنا السوء الكثير.
 ونلحظ هاهنا أن رب العباد رتب الأحداث هاهنا من أول (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما) رتب هذا الحدث بالفاء لأن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب والسرعة، فهو لن ينظر أي الأماكن أزكى طعاما إلا إذا بُعث. هذا معنى (ابعثوا أحدكم بورقكم هذه فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) هو لن يأتيهم برزق منه ولن يشتري إلا إذا نظر أي الأماكن أزكى طعاما، إذن رتب الله (فليأتكم برزق منه) بالفاء، لكن التلطف ونفي الشعور كان العطف فيه بالواو، لماذا؟ لأن التلطف ونفي الشعور ليس مرتبا على الأحداث التي قبله، إنما التلطف مطلوب، ونفي الشعور بنا مطلوب من أول خروجك من هذا المكان إلى أن تعود إلينا، يعني التلطف و(لا يشعرن) ليس معطوفا بالفاء، لماذا؟ لأنه ليس مرتبا على ما قبله، يعني كما قلت (فليأتكم) مرتب على (فلينظر)، و (فلينظر) مرتب على (فابعثوا)، إنما (وليتلطف) ليس مرتبا بعد أن يأتي بالطعام، لا.. إنما هو من البداية إلى النهاية، من بداية خروجه إلى عودته التلطف في كل شيء، وليس معنى هذا أن نقول إن فلانا جبان كما تقولون، أو فلان لا يتكلم في الشيء الفلاني، لا.. إن الذي يتكلم فيما يفيد وينفع هو من الحكماء، حكيم ويعرف أن الكلام الذي يتكلم فيه ينفع المستمع وإلا لا؟ وهذا هو الأصل. إنما ماذا يفعل لو أنه جعل نفسه عنترة بن شداد وقال ما شاء ماذا سيفعل به؟ وماذا سيستفيد الناس من قوله؟ لن يستفيد الناس من قوله شيئا. هذا معنى (ولا يشعرن بكم أحدا).
وأنا قلت قبل ذلك إن الشعور هو: الحد الأدنى من العلم، والشِعار: الملبس الذي يلبسه الإنسان وهو الملبس الملامس للجسد. هذا معنى (ولا يشعرن بكم أحدا).

بعد ذلك يأتي القرآن بجملة تعليلية: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) هذه جملة تعليلية..
تعليل لماذا؟ تعليل للأمر في (وليتلطف) وتعليل للنهي في (ولا يُشعرن بكم أحدا)، ولو قلت هو تعليل للنهي في (ولا يشعرن بكم أحدا) أكون على علم بأن عدم التلطف سيجعلهم يشعرون صح؟ يعني إذا لم أتلطف سيجعلهم يشعرون حتى لو حاولت التخفي، لا يمكن لي أن أتخفى. هذا معنى (إنهم إن يظهروا عليكم). وهذا يدل على قضية مهمة جدا وهي: أن التعليل بعد الأمر أو النهي التعليل أدعى إلى قبول المأمور. يعني من أمرته أو من نهيته لتنفيذ الأمر ولتنفيذ النهي. وهذا أسلوب ينبغي أن نتعلمه في بيوتنا، أننا نعلل إذا أمرنا أو نهينا، يعني إذا قلت لابني افعل كذا آتي له بجملة تعليلية بعدها، أو نهيته آتي بعدها بجملة تعليلية. والقرآن الكريم فيه ما يقارب الثلاثمائة جملة تعليلية بعد الأمر أو النهي ليعطينا الله تلك الدلالة أنك تُعلل بعد أن تأمر أو تنهى إذا أردت أن تطاع في أمرِك وفي نهيك.
 فهنا (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) ما معنى الظهور؟ الظهور معناه: البروز دون ساتر، الاطلاع يعني دون ساتر.
 وله دلالتان: إما الظفْر بكم، وإما الغلبة على الغير. يعني إما أن يظفروا وإما أن يغلبوكم بالنسبة لو عرفوا أنكم أنتم الذين كنتم في الكهف، وهو هنا بمعنى الغلبة، الغلبة على هؤلاء.
طيب الآن في قوله (يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم) هذان الأمران: الرجم يعني القتل، القتل بالرمي بالحجارة يعني قتل فيه إهانة ومذلة كبيرة ولذلك هو عقوبة الزاني المُحصن. لو فكرنا في هذين الحدثين (يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم) هل هذا الترتيب طبيعي؟ أم أن الترتيب الطبيعي كان أن الرجم يكون بعد (أو يعيدوكم في ملتهم)؟ الرجم يكون بعده لأنهم إن قتلوهم بداية فكيف يعيدونهم إلى ملتهم؟ إن قتلوهم بداية، خلاص. 
طيب لماذا قدم القرآن وأخّر؟ لماذا كان التقديم والتأخير؟ لماذا لم يقل "إنهم إن يظهروا عليكم يعيدوكم في ملتهم أو يرجموكم ولن تفلحوا إذا أبدا"؟ 
ج: كان التأخير لقوله (أو يعيدوكم في ملتهم) حتى يرتب عليه نفي الفلاح الأبدي، يعني يرجموكم كونكم تُقتلون أهون من أن يعيدوكم في ملتهم، لأنهم إن أعادوكم في ملتهم فلن تفلحوا إذا، (إذا) ظرف زمان، يعني إذا في هذا الوقت إذا أنكم عدتم في ملتهم فلن تفلحوا حينئذ أبدا. يعني كان التأخير هاهنا خصيصا لكي يرتب عليه نفي الفلاح الأبدي. 
س: هل كلمة (أبدا) هنا لها دلالة؟ هل يمكن أن نكتفي بـ (ولن تفلحوا)؟ 
جـ: عندنا ظرفان نستعملهما في كلامنا لكن أرجو أن ننتبه حتى نستعملهما الاستعمال الصحيح وهما (قط) و (أبدا)
ما الفرق بين قط وبين أبدا؟ ومتى أستعمل قط في كلامي؟ ومتى أستعمل أبدا في كلامي؟
قط: هذا ظرف لاستغراق الزمن الماضي، ومعنى الاستغراق يعني ليس للماضي فقط لا.. إنما استغراق الماضي كله، يعني عندما أقول: ما شربت الخمر قط، أو لم أشرب الخمر قط، قط يعني في الزمن الماضي طول حياتي. يعني (قط) لا تفيد الزمن الماضي فقط وإنما تفيد استغراق الزمن الماضي لنفي الحدث الذي نفيته، ولذلك لا بد أن تُسبق بماض منفي يعني لازم أقول ما شربت قط، لم أشرب قط. طيب هذا ليس ماض، لا.. هو ماض لأن (لم) تحول المضارع إلى معنى الزمن الماضي، يعني لم أشرب هي بمعنى ما شربت، يعني تجعل زمن المضارع هو في الماضي مع أنه في الأصل يكون في المستقبل أو الحال.
● أما (أبدا) فهي تستغرق زمن المستقبل كله لأن المستقبل منه ما هو مستقبل قريب، ومنه ما هو مستقبل بعيد، ومنه ما هو مستقبل أبعد من البعيد. (أبدا) تستغرق كل المستقبل القادم إلا إذا قيدت الحدث الذي قبلها بقيد يعني في قول الله تعالى (قالوا إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها) الأبدية هنا تستغرق الزمن للمستقبل كله لكنها قُيدت، الحدث قُيد فيها بقيد (ما داموا فيها) يعني إذا خرجوا منها سندخل واضح. إنما لو قال الله "إنا لن ندخلها أبدا" خلاص سيكون في زمن المستقبل البعيد، والأبعد، والأبعد، وفي كل الأزمنة. 
إذن نستعمل (قط) للزمن الماضي ويشترط أن يكون قبلها فعلا ماضيا، إما ماضيا لفظا أو معنى، أو ماضيا معنى فقط مثل: لم أشرب، أو لم أدخل، أو لم أسافر، يعني عندما أقول لم أسافر - مثلا- إلى مدينة كذا قط، لا أقول أبدا، يعني لم أسافر لا يصلح معها أبدا إنما قط.
(أبدا) تأتي مع (لن) التي تفيد النفي التأبيدي في المستقبل. ولكن النفي التأبيدي في المستقبل يكون بحسب السياق، فأحيانا السياق يجعل النفي التأبيدي في الدنيا فقط، وأحيانا السياق يجعل النفي التأبيدي في الدنيا والآخرة. يعني هنا (ولن تفلحوا إذا أبدا) هل النفي التأبيد هنا في الدنيا فقط أم في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة. 
إنما في قول الله تعالى (قال لن تراني) (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) (لن تراني) هذه في الدنيا لماذا؟ يعني لن تراني وأنت على هيئتك هذه، إنما في الآخرة سيهيئ الله عباده لرؤيته جل وعلا، يعني في الآخرة الإنسان يؤهل لذلك، المؤمن الذي قدّر الله له أن يرى الله جل وعلا وأن ينظر إلى وجهه الكريم فإن الله تبارك وتعالى يهيئ عبده لذلك. ولذلك ربنا أعطى مثالا لسيدنا موسى عندما تجلى للجبل (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا).
 إذن أخّر الله (أو يعيدوكم في ملتهم) مع أنها محلها أن تُقدم على (أن يرجموكم) لأن المقصود بالرجم هو القتل، لكن القتل بالقذف بالحجارة، لأن القتل أنواع كما فرقت لكم سابقا بين الذبح وبين القتل وبين الموت.
● بالنسبة للذبح: إزهاق الروح بسبب هدم البنيان، بقطع عرقين معينين في الرقبة، هذا الذبح، سبب في إزهاق الروح بهدم الجسد لكن بقطع عرقين معينين في الرقبة، ولذلك الذي لا يقطع هذين العرقين فهو لم يذبح.
القتل: هدم لبنيان الجسد، لأن الروح لا تسكن إلا في جسد سليم. لكن إزهاق الروح لا يملكه أحد، يعني قد يضرب أحد الآخر خمسين رصاص -مثلا- ولا تزهق روحه لأن الله تبارك و تعالى لم يقدر للروح أن تخرج في هذا الوقت، فإذا قدر الله تبارك و تعالى ذلك فإنها تخرج. إذا القتل ما هو إلا سبب في هدم هذا البنيان. هذا قوله (ولن تفلحوا إذا أبدا) 
إذن الفلاح كل الفلاح في اتباع رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .. الفلاح كل الفلاح في اتباع دين الله كما أمر الله تبارك وتعالى .. يعني نفي الفلاح هنا لمن اتبع ملة هؤلاء الكفرة وهم كانوا نصارى لكن الله تبارك وتعالى أكدها بـ (لن) النافية التأبيدية (ولن تفلحوا إذا أبدا). وأتوقف ها هنا اليوم، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والفعل والعمل.

--------------------

https://t.me/tadaborsoratalkah

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق