الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

الحلقـــ الثامنة ـــة / (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)



 الحمد لله وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:
 فعنوان لقاء هذا اليوم بعنوان (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وهو مقتبس من اﻵية الكريمة (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) كما جاء هذا النص في آيات أُخر والحديث عنه من وجوه عدة بلاغية وإيمانية وتاريخية ومعرفية نسأل الله لنا ولكم فيها التوفيق ، توفيقنا فيما نقول وتوفيقكم فيما تسمع ونسأل الله لنا ولكم القبول .
 فنقول ذكر الله -عز وجل- أحوال الناس في الحجّ فقال (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) وهؤلاء فئة لا نحب أن نتحدث عنهم، المقام لا يقتضيه ، ثم ذكر اﻷخيار فقال (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا) وهذا دعاء (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)  فكم مطلب؟ ثلاثة :
 (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) اختلف العلماء في المراد بحسنة الدنيا فينسبون إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه يقول إن الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة الجميلة ، وهذا بعيد صحة نسبته إلى علي ، وعلى هذا القول يقولون أن الحسنة في اﻵخرة هي الحور العين مقابل المرأة.
 وقال آخرون : إن الحسنة في الدنيا العافية مع الكفاف .وهذا قول حسن.
 لكن الصواب الذى عليه جماهير أهل العلم: أن اﻵية تشمل كل نعيم في الدنيا ، وأما الحسنة في اﻵخرة فإنها قطعا هي الجنة وما يكون قبلها وما يكون بعدها من خيرات يؤتيها الله -عز وجل- عباده. وهذا كله توطئة -تمهيد- لقول الله -عز وجل- (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .
اتفقنا على أن قوله (وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) المراد بها الجنة . يأتي سؤال يقول قائل :
عندما يقول مؤمن (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) يكفي فإن عِشت متاع الصالحين في الدنيا ودخلت الجنة ما الحاجة ﻷن أقول (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ؟
 الحاجة هنا أنه قد يدخل الجنة من يُعذب في النار، يعني يعذب في النار دهرا الله أعلم به ثم يكون مآله إلى الجنة فيصبح معنى قول الله -جل وعلا- (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) طلب النجاة من النار بالكلية ، وهذا قريب من دعاء بعض الصالحين "اللهم إنا نسألك الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب" فقال الله -عز وجل- هنا (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) قريب من هذا المعنى قول الله -عز وجل- (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لماذا قال (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ  لماذا قال (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) ﻷن قوله -جل ذكره- (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) هو معنى قوله (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ؟
 والجواب عن هذا: أن قوله في اﻷول (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) هذا وحده لا يُعد فخراً ، لماذا لا يُعد فخراً؟ -والله من قالها منكم مفسر- ﻷن حتى الذي في النار لا يموت ، الله يقول عن أهل الجنة (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) هذه وحدها لا تكفي ﻷن حتى أهل النار الله يقول عنه (لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى) حتى الذي في النار لا يموت ، فليست منقبة لوحدها ، لكن تصبح منقبة إذا ضُمّ إليها أنه وقاهم عذاب الجحيم ، فقال ربنا (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) وحتى أهل النار لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة التي سلفت لكن الفرق أن هؤلاء -عياذا بالله- أي اﻵخرون يُعذبون ، واﻷولون أهل الطاعات يُنعمون ومنه قول الله - عز وجل- (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
 اﻹنسان ينجو-برحمة الله- إذا حقق التوحيد في قلبه ، ينجو بمعنى أنه سيكون مآله إلى الجنة ، والعاقل عندما اﻵن هذا مثل أضربه لك : يضيق عليك في مكان وتريد أن تخرج -عقلا- تحاول أن تخرج عضوا عضوا ، أو يوجد لك شيء محفوظ والمكان مغلق صغير المخارج فأنت الشيء الذي تريد أن تُخرجه لا يلزم أن تخرجه بالكلية حرره شيئا شيئا ، واضح . إذا ثبت هذا عقلا -ولا يجحده إلا مُكابر- حتى جسدك حرره من النار جزئيا ، النبي - صلى الله عليه وسلم-يقول (إن الله حرم على النار أن تأكل أعضاء السجود) فالمؤمن يكثر من السجود ، اﻵن ضمن أن أعضاء السجود لا تحرق ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول (عينان لا تصيبهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله) فيتوخى اﻹنسان ليلة من الليالي في بيته لا يراه فيها أحد ، يقوم يصلي ، يقرأ القرآن ، يُكثر من ذكر الله ، يستدر رحمة ربه ، يردد آيات يُعظم الله -جل وعلا- فيها ، يتوسل إلى الله بعظيم كرمه ، بعظيم إحسانه ، بجليل منته ، ينكسر بين يدي الله ، يُظهر إلى الله -جل وعلا- فقره ، يُظهر إلى الله -جل وعلا- مسكنته ، يعترف لله -جل وعلا- بخطيئته ، يفرح أنه عبد لله ، ويفرح أن الله قبِله عبد طاعة ، كل الخلق عبيد لله عبودية قهر حتى فرعون وإبليس لكن ليس كل الخلق عبيد لله عبيد طاعة فيُظهر العبد في دعائه لربه فرحه أنه عبد طاعة وما يزال في نفسه يكسِر كبرياءها ويظهر لله فقره حتى تستدر الدمعة على اﻷقل أصاب طريقا ، أصاب سبيلا قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (عينان لا تصيبهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله) فطوبى للمجاهدين أينما كانوا وحيثما حلّوا وأينما نزلوا نسأل الله أن ينصرهم بنصره فهؤلاء شامة في جبين الدهر ، شامة في جبين اﻷمة ، قامة في حياة الناس .
والمقصود : يبدأ اﻹنسان يُحرر نفسه شيئا فشيئا من النار حتى ينجو منها ، ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب إنما هو التوحيد في القلب واﻷعمال الصالحة التي تقوم بها الجوارح ، والمراد الحديث عن قول الله (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .
 إذا انتهينا من نار اﻵخرة فإن النار في الدنيا تسمى نار الشَجَر ، وهذه منة من منن الله على عباده ، ربنا يقول (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ*أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ*نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ*فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) فتتابع اﻵيات يدل على أن السياق سياق امتنان ، كذلك العرب تعرف نارا تُسمى نار القِرى وهذه كانوا يعدونها للأضياف وكلما كان العربي ناره على أرض مرتفعة يراها المسافر والغريب والقاصي والداني كان ذلك أدلّ على كرمه وأعظم برهانا على سخائه ، وقد عُرف حاتم الطائي بهذا أكثر من غيره فهو جواد العرب المشهور وقد مرّ معنا ومعكم الكثير من أخباره وقصصه لكن تلك النار تسمى نار القرى ، وقد قالوا إن الحطيئة -الشاعر العربي المعروف- مدح أحد الناس فقال :
متى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ ** تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ
 لما سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- هذا البيت قال : هذا البيت لا يصلح أن يقال إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان إذا لقيه جبريل يُدارسه القرآن -صلوات الله وسلامه عليه- .
عرفت العرب -تاريخيا- أحداث لم تعرفه في حياتها لكن عرفته بالمجاورة ، ما يعرف بنار المجوس ، والمجوس يعبدون النار ، يعظمونها ويقول الجاحظ -والله أعلم بصحة نقله- : إن اﻷمم كانت تعظم النار حتى جاء اﻹسلام . فالمجوس يعظمون النار ، ويُضرب المثل بنار المجوس في الشيء الذي لا يفرق ما بين من يُحبه ومن يُبغضه ، يقول العربي -معنى قوله- "خالطتكم دهرا فكنتم كنار المجوس" معنى "فكنتم كنار المجوس" نار المجوس نار ، صماء بكماء لا تدري من يعبدها ممن -أكرمكم الله- يبصق فيها فإذا جاءت تحرق حرقت من يعبدها كما تحرق من يبصق فيها ﻷنها ترى الإثنين واحد ، هي لا تدري أن هذا يعبدها ولا أن هذا يؤذيها فيُضرب مثلا للشخص الذي يتعامل مع محبيه كما يتعامل مع أعدائه .
وعرفت العرب نارا يسمونها نار الحِلف ، فإنهم كانوا إذا أرادوا أن يعقِدوا حلفا أوقدوا نارا عظيمة ثم يقومون باﻷيمان ويغلظونها ويدنون من النار حتى يعظُم عهدهم وميثاقهم وحلفهم في الشيء الذي تواعدوا عليه. كما عرفوا نارا لا يحبونها يسمونها -قديما- نار المسافر ، وهم -عياذا بالله- إذا أبغضوا أحدا وأراد أن يسافر وكرهوا رجوعه أوقدوا بعد خروجه نارا اعتقادا أن هذه النار تمنع عودته . وهذا مما كان في العرب من حماقات جاء اﻹسلام بنبذها ، وكان فيهم مروءات وكمال وعقل جاء اﻹسلام بإﻹقرار وفي الحديث (إنما بعثت ﻷتمم مكارم الأخلاق) وإن ضعف سندا إلا أنه صحيح متنا ومعنا -والعلم عند الله- لكن المقصود بعض أنواع النيران عند العرب.
 كما أن العرب تسمي الحمى التي تصيب الإنسان ، تسميها نارا وقد جاء في فضلها أنها تُطهّر المؤمن من معاصيه وذنوبه كما صح في ذلك الخبر عنه -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه إذا قورنت نار الدنيا بنار اﻵخرة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (إن ناركم هذه جزءا من سبيعين جزء من نار جهنم) ثم قال -وهذا عند ابن ماجة بسند صحيح- قال (وإنها -أي نار الدنيا- تستعيذ بالله أن ترجع إلى نار جهنم) نار الدنيا على ما هي عليه قال -عليه الصلاة والسلام- (وإنها لتستعيذ بالله أن ترجع إلى نار جهنم) . إذا كان الحال كذلك فإن من أعظم دعاء العبد لنفسه ونجاته أن يسأل الله أن يجيره من النار ، وأن يتوخى أن يبتعد وينأ بنفسه عن كل عمل -عياذا بالله- دل الشرع على أنه يقرب إلى النار ، الله -جل وعلا- قال -مثلا- في أموال اليتامى -ولعله يأتي درس خاص بهم- قال (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) وأعظم ما يدفع إلى النار ظلم اﻹنسان نفسه بالشرك وهذا يستوجب الخلود ، أو ظلم اﻹنسان لغيره بأن ينقُصهم حقهم ربنا يقول : (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ *الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) ومن أعظم الفوائد: -ولعل هذا ممن يكتبون ويُحررون هم أولى به من غيرهم- أو من وراء الشاشة من طلبة العلم أن يعلم- أعظم مقصد: أن ينال اﻹنسان اﻹمامة في الدين بحيث يصبح إمامآ متبوعا يأخذ الناس عنه دينهم ، لا توجد منزلة أعلى من هذه ، ولما ابتلى الله الخليل إبراهيم توّجه بهذه الكرامة ربنا يقول (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) ولم يكن إمام سياسة كان إمام دين فإبراهيم لم يحكم ولم يملك ولم يكن له سلطان (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) قال الخليل (وَمِن ذُرِّيَّتِي) قال رب العزة (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)  قولي (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) لا يشمل الظلمة فكلما ظلم اﻹنسان أحدا من الناس بعُد عن اﻹمامة في الدين ، وقد كان من قبلنا من أهل العلم يُقسمون أنه لا ينال اﻹمامة في الدين أحد يظلم ، ولذلك أحياناً اﻹنسان يُحرر مسألة ويحفظ كتبا ويُملي أقوالا ولديه فهم لكن فيه ظُلم لزوجته، لوالديه، لﻷجراء، للعمال، لحشمه، لخدمه، ﻷهل بيته ، يظلمهم ثم يقول لا يأخذ الناس عني الدين ، لم يكتب الله لي القبول ، لا أرى الناس يتبعوني على فهمي وفصاحتي وبلاغتي . هذا عهد رباني ربنا يقول (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي وعدنا إياك أيها الخليل لا يشمل من ظلم. وأنت أدري بماذا تريد أن تكون ، فأعظم وأسمى المطالب لا تنال إلا بتوحيد الكبير المتعال واﻹحسان إلى الخلق ، وقد قال العلماء قبلنا واﻷخيار ممن سبقنا أن الدين يقوم على أمرين : توحيد الله الحق واﻹحسان إلى الخلق. جعلني الله وإياكم من أهل ذلك وصلى الله على محمد وآله والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق