الثلاثاء، 14 يوليو 2026

فوائد سورة المدثر الآيات (١١-٢٦)

بسم الله الرحمن الرحيم

/ (ذرني ومن خلقت وحيدا) 
سبب النزول: قال ابن تيمية عن ابن عباس : ... أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: ولم ؟ قال : ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعوّض مما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: {ذرني ومن خلقت وحيدا . رواه عبد الرزاق....
وفي رواية أخرى: أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا، ويرد بعضكم قول بعض فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع، فقالوا: نقول كاهن فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكهان، فقالوا: نقول مجنون، فقال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا : فنقول شاعر، فقال: ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه و هزجه و قريظه و مقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا : فنقول ساحر، قال: فما هو بساحر ، قد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده، فقالوا: ما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال : والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه لجنى، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه، فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وذلك من قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله: سأصليه سقر}». «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (٥ / ٣٧٣-٣٧٧).
وقال القرطبي: «قال ابن عباس : كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد، فقال الله تعالى: (ذرني ومن خلقت بزعمه (وحيدا) لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد.
وقال قوم: إن قوله تعالى: (وحيدا) يرجع إلى الرب تعالى على معنيين:
أحدهما: ذرني وحدي معه، فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم.
والثاني: أني انفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه، ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه، فـ (وحيدا) على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو التاء في (خلقت).
والأول قول مجاهد، أي: خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر. فقوله: (وحيدا) على هذا يرجع إلى الوليد، أي لم يكن له شي فملكته.
وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيدا كما خلق وحيدا.
وقيل: الوحيد الذي لا يُعرف أبوه، وكان الوليد معروفا بأنه دعي، كما ذكرنا في قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم) وهو في صفة الوليد أيضا». الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۱).

/ (وبنين شهودا)
قال ابن كثير : "وبنين شهودا قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضورا عنده، لا يسافرون في التجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتملى بهم. وكانوا فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر وقتادة - ثلاثة عشر. وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده". تفسير ابن كثير» (٢٦٥/٨).

/ (ومهّدت له تمهيدا)
قال القرطبي: ( ومهدت له تمهيدا) أي بسطت له في العيش بسطا، حتى أقام ببلدته مطمئنا مترفها يُرجع إلى رأيه.
 والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة، ومنه مهد الصبي.
وقال ابن عباس: ( ومهدت له تمهيدا) أي وسعت له ما بين اليمن والشام. قاله مجاهد.
وعن مجاهد أيضا في (ومهدت له تمهيدا) أنه المال بعضه فوق بعض، كما يمهد الفراش». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۲).

/ (ثم يطمع أن أزيد)
قال ابن الجوزي: (ثم يطمع أن أزيد) فيه قولان:
أحدهما : يطمع أن أدخله الجنة. قاله الحسن.
والثاني: أن أزيده من المال والولد، قاله مقاتل. 
«زاد المسير في علم التفسير (٤ / ٣٦٢).
وقال القرطبي: «و (ثم) في قوله تعالى : (ثم يطمع) ليست بـ (ثم) التي للنسق، ولكنها تعجيب، وهي كقول تعالى: (وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) وذلك كما تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني، كالمتعجب من ذلك.
• وقيل: يطمع أن أترك ذلك في عقبه، وذلك أنه كان يقول: إن محمدا مبتور، أي أبتر، وينقطع ذكره بموته وكان يظن أن ما رزق لا ينقطع بموته.
• وقيل : أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره».
 «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۲).

/ (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا)
قال البغوي: كلا لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك». «تفسير البغوي (٨ ٢٦٧).

/ (سأرهقه صعودا)
قال ابن كثير: عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا). وقد رواه الترمذي (وأحمد)....
وقال ابن أبي حاتم عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم : { سأرهقه صعودا} قال: (هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت). ورواه البزار وابن جرير، من حديث شريك به.
وقال قتادة، عن ابن عباس: "صعود صخرة في جهنم عظيمة، يُسحب عليها الكافر على وجهه".
وقال السدي: صعودا صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها.
وقال مجاهد : (سأرهقه صعودا) أي: مشقة من العذاب.
وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير»
 تفسير ابن كثير (٨ ٢٦٥-٢٦٦).

/ (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر*إن هذا إلا قول البشر)
•قال الطحاوي: «وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر ، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر ، فلما أوعد الله بسقر من قال : (إن هذا إلا قول البشر ) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر. فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر». «متن الطحاوية (ص ٤٠ - ٤٢ ) ».
•وقال ابن تيمية: «هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك بالنص وإجماع المسلمين، وقد كفّر الله من قال: إنه قول البشر، ووعده أنه سيصليه سقر». «مجموع الفتاوى (٦ / ٥٤٣)».
وقال ابن تيمية: «الله قد كفّر من جعله قول البشر بقوله: {إنه فكر وقدر*فقتل كيف قدر*ثم قتل كيف قدر*ثم نظر*ثم عبس وبسر *ثم أدبر واستكبر* فقال إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر) ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر، فمن قال: إنه قول محمد فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: هو قول بشر أو جني أو ملك، فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء فقد كفر؛ ومع هذا فقد قال تعالى : {إنه لقول رسول كريم* وما هو بقول شاعر } فجعله قول الرسول البشري مع تكفيره من يقول إنه قول البشر، فعلم أن المراد بذلك أن الرسول بلغه عن مرسله، لا أنه قول له من تلقاء نفسه، وهو كلام الله الذي أرسله، كما قال تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فالذي بلّغه الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالمواسم ويقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) رواه أبو داود وغيره. والكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مُبلغا مؤديا» «مجموع الفتاوى» (١٢ / ١٣٦).
وقال السعدي: «(إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر) أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار، فتبا له ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب !! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم الماجد الكريم يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين ؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى: (سأصليه سقر)». «تفسير السعدي» (ص ٨٩٦).

/ (سأصليه سقر)
قال القرطبي: (سأصليه سقر ) أي : سأدخله سقر كي يصلى حرّها، وإنما سميت سقر من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۷).
------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق