الجمعة، 12 يونيو 2026

فوائد سورة المدثر (۱-۱۰)

 بسم الله الرحمن الرحيم

فوائد عامة في سورة المدثر: 
قال القرطبي: «قال مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٥٩). 
وقال ابن كثير: «ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول: "أول شيء نزل من القرآن: (يا أيها المدثر)"  وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق ....)
عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه (أي: فزعت حتى هويت إلى الأرض، فجئثت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله : {يا أيها المدثر. قم فأنذر} إلى: {فاهجر }... ثم حمي الوحي وتتابع). هذا لفظ البخاري. 
وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: (فإذا الملك الذي جاءني بحراء)، وهو جبريل حين أتاه بقوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق*خلق الإنسان من علق*اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم*علم الإنسان ما لم يعلم} ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة». «تفسير ابن كثير (٨ ٢٦١-٢٦٢).

(يا أيها المدثر)
قال القرطبي: قوله تعالى: (يا أيها المدثر) ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبّر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد ويا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه..
ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد : ("قم أبا تراب" وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها، فسقط رداؤه وأصابه تراب) خرجه مسلم. 
ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: (قم يا نومان)». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٦١).

(قم فأنذر)
قال ابن تيمية: "قوله: {فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث) هذا متناول لجميع الأمة، وقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا) فإنه كان خطابا للمؤمنين كلهم، وكذلك قوله: (يا أيها المدثر *قم فأنذر ) لما أمر بتبليغ ما أنزل إليه من الإنذار، وهذا فرض على الكفاية، فواجب على الأمة أن يُبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر. قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، والجن لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين» «مجموع الفتاوى (١٦ / ٣٢٧)»

(وربك فكبر)
قال ابن العربي المالكي: "هذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليا غيره، ولا تعبد ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه؛ لأنه لم تكن صلاة عند نزولها، وإنما كان ابتداء التوحيد". «أحكام القرآن» (٤ / ٣٣٩).

(وثيابك فطهر)
قال ابن الجوزي: (وثيابك فطهر) فيه ثمانية أقوال:
•أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر ... 
روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس.
•والثاني : لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر
 روي عن ابن عباس أيضا.
•والثالث: طهر نفسك من الذنب، 
قاله مجاهد وقتادة... وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: "المعنى طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب، لأنها تشتمل عليه، والعرب تقول للعفاف: إزار، لأن العفيف كأنه استتر لما عف" 
•والرابع: وعملك فأصلح، قاله الضحاك.
•والخامس : خلقك فحسن، قاله الحسن، والقرظي
•والسادس: وثيابك فقصر وشمر، قاله طاووس
•والسابع: قلبك فطهر، قاله سعيد بن جبير 
•والثامن : اغسل ثيابك بالماء ونقها، قاله ابن سيرين وابن زيد.
 «زاد المسير في علم التفسير» (٤ / ٣٥٩).
وقال القرطبي : وإذا حملناها على الثياب المعلومة الظاهرة فهي تتناول معنيين:
▪︎أحدهما: تقصير الأذيال، لأنها إذا أُرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار). فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقائدة العجب.

▪︎والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر منها، صحيح فيها المهدوي وبه استدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، قال ابن سيرين وابن زيد: "لا تصل إلا في ثوب طاهر". 
«الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٦٥-٦٦)

(والرجز فاهجر)
قال الطبري: (والرجز فاهجر ) اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة: (والرِجز) بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين: (والرُجز ) بضم الراء، فمن ضم الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: "معنى الكلام والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها" ومن كسر الراء وجهه إلى العذاب، وقال: معناه والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر». «تفسير الطبري» (۲۳/ ۱۲).
■ وقال ابن كثير : "وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، كقوله: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) وقوله: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين). «تفسير ابن كثير (٨/ ٢٦٤)».

(ولا تمنن تستكثر)
قال ابن الجوزي: ولا تمنن تستكثر فيه أربعة أقوال:
▪︎ أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها .
 قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة ....
▪︎ والثاني: لا تمنن بعملك تستكثره على ربك، قاله الحسن.
▪︎ والثالث: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد.
▪︎ والرابع: لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا ، 
قاله ابن زيد. «زاد المسير في علم التفسير» (٤/ ٣٦٠)

(ولربك فاصبر)
قال ابن تيمية: «افتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر. ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر. وقال : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وقال تعالى: ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا)، (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)، (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت)، (واصبر وما صبرك إلا بالله)، (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي؛ والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا؛ ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"» «مجموع الفتاوى» (۲۸) ۱۳۷)

وقال السعدي: «فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس - بعد منة الله - من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين". «تفسير السعدي» (ص ٨٩٥).

(فإذا نقر في الناقور)
عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينظر متى يؤمر ) قال المسلمون يا رسول الله، فما نقول ؟ قال: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا». مسند أحمد (۱۷) (۸۹) ، سنن الترمذي (٣٧٣/٥).

( فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير)
قال القرطبي: "(غير يسير) أي غير سهل ولا هين، وذلك أن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى". «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۰).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. أبصار الإسلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق