السبت، 3 ديسمبر 2011

تفسير سورة التكاثر / د. محمد بن عبد العزيز الخضيري



الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين :
نتحدث اليوم عن سورة عظيمة إنها سورة التكاثر ، هذه السورة التي يجب علينا أن نتوقف عندها كثيرا ، وأن نراعي الأمر فيها شديدا ، هذه السورة في أولها موعظة وفي آخرها موعظة بل كلها موعظة ينبغي لكل واحد منا أن يعظ نفسه بها .
دعونا نستمع إليها خاشعين وأرجو منكم أن تفتحوا مصاحفكم وتنظروا إلى هذه السورة وتتلوها وأنتم معتبرون ، يقول الله - عز وجل -



هذه السورة تذكرنا أحبتي الكرام بيوم القيامة وبأننا سنرى النار بأعيننا كما ذكرتنا قبل قليل بأن الناس ينقسمون إلى قسمين : قسم يستكثر الحسنات ويعمل الصالحات فتثقُل موازينه فهو في عيشة راضية ، وقسم يأتي يوم القيامة بلا شيء ، بلا رصيد ، بلا أعمال ، بلا حسنات ، فموازينه خفيفة ، عند ذلك تكون أمه الهاوية (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ*نَارٌ حَامِيَةٌ) .
في هذا اليوم يذكرنا الله - عز وجل - بأمرعظيم وهو : أننا كثيرا ما نتلهى بشيء لم نُخلق من أجله يقول (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) أشغلكم أيها الناس عما خُلقتم له تكاثركم ، مكاثرتك لغيرك في أمور لا تنتفع بها عند ربك سبحانه وتعالى ، هذا أشغلك أيها الإنسان وأشغل كثيرا من الناس ، وإذا نظرت إلى الذي أشغل كثيرا من الناس وألهاهم عما خُلقوا له هو التكاثر ، فإذا سمعت أن فلانا ألف جنيه مثلا ما زلت تسعى وتجتهد لتكون ألف ومئتين ، وأن فلانا من الناس صار عنده مزرعة أو بستان تسعى بكل ما أُوتيت من قوة ليكون عندك مزرعة أو اثنتان . وإذا كان فلان من الناس من أصدقائك وأصحابك قد حصل على شهادة الماجستير أو الدكتوراه أو غيرها سعيت لتكاثره حتى لا يُقال إنه يحمل هذه الشهادة وأنت لا تحملها ، وإذا سمعت أن فلانا من الناس يُسافر كل صيف إلى بلد من البلاد الأوربية أو الأمركية أو غيرها للسياحة والنزهة والسفرسعيت أنت مثله وجمعت الأموال وأتعبت نفسك وأولادك وأهل بيتك حتى تذهب يمينا وشمالا ، - سبحان الله - ماالذي يدعوك لذلك ؟ هل ربك دعاك لمثل هذا ؟ هل خلقك من أجل هذا ؟ اسأل نفسك هل سينفعك شيء مما تُكاثر به عندما تودع في قبرك ؟ لا والله إن شيئا من ذلك لن يكون معك بل سيكون عليك لأنك لم تُخلق من أجله .
(أَلْهَاكُمُ) أي أشغلكم ، اشغل قلوبكم (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) .
اللهو يكون في القلب ، أشغل قلوبكم وأمضى أعماركم في شيء لم تُخلقوا من أجله ، من الناس من يُمضي عمره في جمع الكتب ، في جمع الشهادات ، في السياحة في البلدان من غير هدف سوى الفرجة والنظر والتمتع الزائل الذي لا ينفع الإنسان ، لو أنك ادخرت مبلغ السفر فاعنت به أخاك الشقيق الذي يحتاج إلى دريهمات قليلة ليتزوج أو ليبني بيتا أو ليُحصّل أمرا ينفعه لكان أخير لك وأحصن لمالك وأحفظ لك عند الله وأثقل لموازينك ، تأمل هذا جيدا أخي الكريم الناس أشغلهم التكاثر ، مالذي يحملهم على ما يعملون ؟ إنه تكاثرهم ؟ محبتهم لأن يُفاخر بعضهم بعضا في الدنيا (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) الله أكبر .
قال الله - عز وجل - (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) يعني حتى مت فإذا مُتّ انقطع عملك ، لا حسنات بعد اليوم ولا سيئات كيف ترضى لنفسك ذلك ؟ (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) يعني حتى مُتم فدفنتم في المقابر ولاحظوا جمال التعبير القرآني : سمّى الذهاب إلى المقبرة زيارة لماذا ؟ تأمل ... تدبر ... يا عبد الله ، أخي المشاهد انتبه ماذا وراء هذه العبارة إنما سمى الله الذهاب إلى المقابر زيارة لأن القبر كله على طوله فترة يسيرة وجيزة أما ما بعده كأنك ذهبت إلى قاصدا إليه وفي الطريق زرت فلانا من الناس ، القبر بالنسبة لما وراءه مثل الزيارة .
قال الله - عز وجل - (كَلاَّ) ردع وزجر عن هذا العمل الذي يعمله كثير من الناس ، عن هذا التلهي الذي يحصل من أكثر الناس (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبة تكاثركم ولهوكم بذلك الذي كنتم تتكاثرون به ، متى ؟ في قبوركم ، عندما تُودع في قبرك ، إذا ذهبت إلى القبر تبعك ثلاثة : مالك وولدك وعملك وعندما تُدفن أما مالك فيذهب إلى ورثتك واما عيالك فيتفرقون في الأرض ولن يبقى معك ولن يدخل القبر إلا شيء واحد ، إنه عملك ، عندما يدخل عليك عمله ستعلم أن ذلك التكاثر الذي كنت تتشاغل به في ليلك ونهارك لم ينفعك عند الله فتندم أشدّ الندم وتشعر بالغبن والحسرة
(ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) سوف تعلمون عاقبة تكاثركم أيضا في يوم القيامة إذا وردتم على الله - عز وجل - عراة حفاة غرلا في ذلك اليوم الشديد المهول الذي تدنو فيه الشمس من العباد حتى تكون على قدر ميل من رؤسهم ، في ذلك اليوم تتأمل وتفكر كثيرا :

ماذا قدمت ؟
ماذا معي اليوم ؟
كيف أنجو ؟

هل سأنجو يشهاداتي ؟ هل سانجو بشهادات الشكر والتقدير التي ملت بها بيتي وفاخرت بها الناس هذه شهادة من الجهة الفلانية ، وهذه شهادة من الشركة الفلانية وهذه شهادة من الوزير الفلاني وهذه شهادة من الرئيس وهذه شهادة من الملك ، كل ذلك لن يفعك عند الله ، لن ينفعك إلا شيء واحد هو عملك الصالح ، العمل الذي تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى । هل فقهنا هذا الأمر حق الفقه ؟ يقول الله - عز وجل - (كَلاَّ) مرة ثالثة ردع وزجر لهؤلاء الذين يتلهون وينشغلون - ولا أزكي نفسي ولا أزكي أحدا منكم - كلنا عندنا شعبة من هذا اللهو نكاثر ، نكاتر ، لكن بأي شيء هل هو بما ينفع أو بما يضر ؟ الأغلب أنه بما لا ينفع بل يضر (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) لو تعلون ما أنتم مقبلون عليه علما يقينيا حتى كأنكم تشاهدوه وكأنكم واقفون عنده لما اشتغلتم بما لا ينفعكم . أرأيتم أحبتي الكرام لو أنك سكنت في فندق ما فسمعت جرس الإنذار يقول إن هناك حريقا في الفندق وكان في يدك شيء من الطعام تاكله وهناك بعض الأشياء أو الأوراق التي تشتغل بها ، هل كنت ستشتغل بها وأنت تسمع جرس الإنذار يقرع أذنك والناس يصيحون في كل اتجاه ؟ لا شك انك لن تفعل ذلك إنما ستبحث عن النجاة لنفسك وستسرع إلى أقرب مخرج حتى تنجو ولعلك تنجو ، يقول الله : لو كنتم تعلمون ما أنتم ملاقوه علما يقينيا لما انشغلتم بشيء لن ينفعكم عند الله - سبحانه وتعالى -
لو إن إنسانا أراد أن يُسافر سفرا طويلا وهذا السفر في محل لا ماء فيه ولا شجر ثم بدأ يجمع معه في السفر أوراق وحاجيات وأمور لا يستفيد منها في ذلك السفر الذي يحتاج فيه إلى طعام كثير وشراب كثير حتى ينجو من الهلكة ، أرايتم ماذا يُقال في حق هذا الرجل ؟ إن أقل ما يُقال في حقه إنه إنسان سفيه غافل لا يقدر العواقب (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) لما اشتغلتم بما لا ينفعكم عند الله تعالى ، ولما اشتغلتم بشيء لا تُثقل به موازينكم يوم ان تلقوا ربكم سبحانه وتعالى قال الله عز وجل (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) اللام هنا للقسم يعني : والله لترون الجحيم بأم أعينكم فما من أحد من العباد إلا وسيرى الجحيم لكن منهم من يُكردس فيها ويُلقى فيها ويُكبكب فيها ، ومنهم من ينجو - وأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن ينجون وممن يمُنّ الله عز وجل أبشارهم وجلودهم على النار - . (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) وهذا الموقف الذي سيرى فيه العباد كلهم الجحيم لن يبقى في ذاكرتهم إلا شيء واحد : العمل الصالح ، لن يبقى حاضرا في قلبك إلا عملك الصالح ، أما الشهادات ، أما الكتب أما المزارع ، أما السيارات أما السفرات أما الفنادق أما المسرحيات ، أما الأشياء التي كنت تكاثر بها الناس وتُفاخر بها على أعداد كثيرة من الخلق كل ذلك سيُمحى .

دعوني أصور لكم هذا المشهد في حياتنا الواقعية : الآن لو حصل فزع شديد ماذا تفعل ؟ إنفجار هائل قريب من المكان الذي تُقيم فيه ، ماذا تفعل ؟ ستلقي كل شيء بيدك ولا تبحث إلا عن الأماكن التي تُنجيك ، تُلقي الكبيوتر وتُلقي الذهب وتُلقي السيارة حتى ولدك وأهل بيتك قد لا تلتفت إليهم من شدة الهول لأنك تريد النجاة بنفسك ولا تتذكر في هذه اللحظة إلا كيف تنجو ، تنسى المال ، تنسى البيت ، تنسى السيارة ، تنسى كل شيء . (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم) فإذا رأيتم الجحيم نسيتم كل شيء قد سبق مما كنتم تتلهون به .
(ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) سترونها حقا ثم ترونها شاهدة ما ثلة أمام أعينكم فاليقين كما يقول العلماء ثلاث مراحل :
/ علم اليقين
/ عين اليقين
/ حق اليقين
أما علم اليقين فهو أن توقن بالشيء وإن كنت لم تره مثل أن توقن الآن أنه يوجد بلد اسمه مكة وإن كنت لم تره بعينك ، وعين اليقين هو أن ترى الشيء بعينك ، وحق اليقين هو أن تقع فيه تماما وتكون في وسطه فالهه - عز وجل - يقول (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) سيقف كل واحد منا مشاهدا لنار جهنم ، تُساق هذه النار وتجر يوم القيامة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ، إذا ضربت سبعين ألف بسبعين ألف سيكون الناتج أربع مليار وتسعمائة مليون ملك يجرون النار وهي تزفر وتشهق وتنادي بصوت شديد تنخلع له القلوب فيراها العباد كلهم (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ*ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)
أي في ذلك اليوم ستسألون عن نِعم الله عليكم نعمة نعمة ، نُسأل عن ماذا ؟ إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يُقال له : ألم نُصحّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد ؟ خرج نبيكم -تُسأل عن النعمة هل أديت شكرها ؟ هل أطعت الله فيها ؟ هل قمت بواجب الله - عز وجل - عليك فيها ؟
هل أشغلتك عن طاعة أمرك الله بها ؟
ستُسأل عن كل شيء ، عن نعمة البصر ، عن نعمة الأذن ، عن نعمة الشعر ، عن نعمة الجلد ، والعظم ، والرئة ، عن نعمة الرجل عن نعمة الأمن ، عن نعمة الهواء ، عن نعمة الماء البارد ، إن أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يُقال له : ألم نُصِحّ لك بدنك ونُرويك من الماء البارد ؟ خرج نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يوما من بيته وقد ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع فوجد أبا بكر وعمر وكل واحد منهم قد ربط حجرا على بطنه فقال : ما أخرجكما ؟ قالا : والله يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع ، فسار في الطريق فذهب إلى بستان رجل من الأنصار يُقال له أبو الهيثم بن التيّهَان فاسأذنوا فكلمته امرأته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين ابن الهيثم ؟ قالت : يارسول الله إنه ذهب يستعذب لنا الماء - أي يأتي بالماء العذب - فماذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ انتظر حتى جاء أبو الهيثم فأدخلهم وأجلسهم فلما جلسوا جاء أبو الهيثم إليهم بالماء ثم أخذ عِذقا من النخل فقطعه وجعله بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هلا اجتنيت لنا - اي قطفت لنا من هذا العذق ؟ قال : إني أحب يا رسول الله أن تاكلوا من بُسره ورُطبه وتمره ، ثم أخذ المُدية - أي السكين - فأراد أن يذبح فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إياك والحلوب - أي لا تذبح شاة حلوبا تنفعك أنت وأهل بيتك فذبح لهم جديا فشواه ثم جاء به فأكل رسول الله وأبو بكر وعمر وأبو الهيثم فكان أبو الهيثم يقول : يارسول الله من خير مني اليوم أضيافا على وجه الأرض - عنده خير البشرية وأفضل هذه الإنسانية رسول الله وصاحباه أبو بكر وعمر - فقال النبي صلى الله عليه وسلم - بعد أن أكلوا وشبعوا (لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ) قال عمر : أو عن هذا نُسأل يارسول الله ؟ قال : نعم ستُسألون عن هذا يوم القيامة ، خرجتم من بيوتكم جياعا والآن تغدون إليها شِباعا .
الله أكبر ... سنُسأل ؟ نعم سنُسأل عن كل نعمة فلنتقي الله فيما أنعم به علينا ولنعلم أننا مسؤولون ..مسؤولون .. مسؤولون عن كل شيء وأن أحدا منا لن يفوت عن هذا السؤال فأسأل الله أن يُعينني وإياكم على أن نُعِدّ لكل سؤال جوابا وأن يكون كل جواب صوابا . وفقني الله وإياكم لما يُحب ويرضى وأسأل الله لي ولكم التوفيق وأن ينفعني ربي وإياكم بكتابه الكريم وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق