السبت، 17 نوفمبر، 2012

تفسير سورة الطور (1-8)

الشيخ / د.محمد بن علي الشنقيطي


الحمد لله رب العالمين الأول بلا ابتداء ، والآخر بلا انتهاء ، الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، والباطن الذي ليس دونه شيء على العرش استوى ، وعلى الملك احتوى ، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، يعلم ما في نفوسنا ولا نعلم ما في نفسه وهو علاّم الغيوب ، وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى أصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد :
فهذه السورة ، سورة الطور مكية بكاملها نزلت بعد سورة المؤمنون أو قيل نزلت بعد سورة السجدة وقيل نزلت بعد سورة نوح - عليه الصلاة والسلام - وقبل سورة المُلك . هذه السورة كلها تتحدث عن ثلاث حقائق أساسية :
 / الحقيقة الأولى : أنه لا إله إلا الله
 / والحقيقة الثانية : أن محمدا رسول الله
 / والحقيقة الثالثة : أن الساعة آتية لا ريب فيها .
هذه الحقائق الثلاث تناولتها معظم السور المكية ومن بين ذلك سورة الطور .
 / والعلاقة التي بين هذه السورة والتي قبلها واضحة بيّنة :
 تقدم معنا في الدروس الماضية تفسير سورة "ق" ثم تفسير سورة الذاريات ، وكانت آخر آية قرأناها وفسرناها في سورة الذاريات هي (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) هذه الآية اشتملت على ذكر الويل ، للذين كفروا ، من يومهم وهو يوم القيامة الذي كانوا يوعدون . هذا الوعد قد كذبوا به فجاءت خمسة أقسام من الله - جل جلاله - على أن هذا الوعد لابد من أن يكون ، وأن هذا العذاب لابد أن يقع بهؤلاء الكافرين .
 / قال الله - جل وعلا - (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ*فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ*وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ*وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ*وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) خمسة بدأها بكلمة " والطور" ثم كلمتين " وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور" كلمتين كلمتين كلمتين ، بدأ بالوتر وثنى بالشفع لأن الأول هو الواحد جلّ جلاله لا شريك له ، ثم بدأت السورة آياتها بكلمات قليلة ثم تزيد ثم تزيد حتى وصلت بعض الآيات إلى خمس كلمات ست كلمات وهذا من باب جمال اللفظ في هذه السورة .
 / قوله تعالى ( وَالطُّورِ ) "الواو" واو القسم ، وحروف القسم ثلاثة ( الواو ، التاء ، الباء ) ( والله ، بالله ، تالله ) لكن القسم لماذا ؟
إنما يُقسم على أمر مشكوك فيه ، أو يُقسم مشكوك في صدق كلامه فهل يُشكّ في كلام الله ؟ لا .
 هل يُشكّ بأن القرآن كتاب الله ، كلام الله ؟ لا .
 هل يُشكّ في أن محمد رسول الله ؟ لا ، العاقل لا يشُكّ في ذلك .
 هل يُشكّ في أن القيامة آتية ؟ لا يشُكّ فيها مؤمن عاقل لكن الكافر يشكّ (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) . قالوا أيضا كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ارتابوا فيه (الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) لكن غير المتقين في ريب مما نزلنا على عبدنا ، هذا الريب ، هذا الشكّ يزول بمثل هذه الأقسام القوية ، والعرب تُقدر القسم .
 وإذا أقسم الله بشيء فإن ذلك القسم ، المُقسم به والمقسم عليه فيهم فوائد عظيمة ، المُقسم به له شأن عظيم لذلك اختاره الله حتى أقسم به والمُقسم عليه له شأن عظيم حتى أقسم الله عليه . فما هو شأن الطور حتى يُقسم به الله - جل جلاله -؟
 ماهو الطور ؟ الطور في اللغة : يطلق على الجبل الذي ينبت عليه النبات . كل جبل ينبت عليه نبات يُسمى طورا ولذلك ذكر الله الطور وذكر النبات عليه (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ) لكن الجبال التي عندنا في الجزيرة العربية أو في الحجاز أغلبها جبال جرداء لا ينبُت عليها شيء لكن الجبال التي في الشام وبعض الجبال في اليمن وبعض الجبال في أوروبا وأمريكا وغيرها جبال ينبُت عليها النبت كما في الطور وهي أطوار .
 كلمة "الطور" استُفتحت بحرفين ( الألف واللام ) و الألف واللام في اللغة العربية إما أن يُفيدا :
- الجنس يعني جنس الطور فيكون جميع الجبال التي ينبت عليها النبات يُقسم الله - جل وعلا - بها.
- أو تُفيد العهد فيكون المقسم عليه هو الجبل المعهود الذي عُرف بالطور .
 وهذا العهد لا يخلو من حالين : إما أن يكون عهدا ذهنيا أي لم يُذكر ، وإما أن يكون قد ذُكر .
الطور افتُتح به إذا هذا العهد ذهني لأنه لم يُذكر من قبل كما في قوله تعالى فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) الرسول عهد لكن سبق ذكره فعُلم أنه موسى ، لكن هنا الطور عهد ذهني لأنه لم يسبق له ذكر في السورة ( والطور ) إذا هذا الطور المعهود المعروف له شأن عظيم ، ما شأنه ؟ ما خبره ؟ اسمع لتاريخ جبل له شأن عظيم ، جبل أقسم الله به . أين يقع ؟ ما هي خصائصه ؟
هذا الجبل يقع بطور سيناء ، يقع بالواد المقدس ، يقع في البقعة المباركة ، يقع في البقعة المباركة التي كلّم الله - جل وعلا - فيها عبده موسى - عليه الصلاة والسلام - ، يقع في البقعة التي أبصر فيها موسى - عليه الصلاة والسلام - النار تشتعل في شجرة خضراء فقال ماهذا فناداه الله (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) .
" الطور" : ورد في تاريخ العرب أن لهم ثلاثة أجبل كل جبل يُسمى طورا : جبل في أرض الشام يٌسمى طور زيتا وينبت منه زيت الزيتون ، وجبل بسيناء اسمه طور سيناء ، وجبل آخر يُسمى طور في أرض مدين , هذه الجبال الثلاث المقصود منها الجبل الذي كلّم الله - جل وعلا - عليه موسى .هذا الجبل له شأن عظيم :
/ من شأنه أن الله - جل وعلا - تجلى عليه ولم يتجلّى - جل وعلا - على مخلوق في الأرض غير ذاك الجبل (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) .
 / من خصائصه : أن الله - جل وعلا - نتقه من الأرض ورفعه فوقها ولم يُرفع جبل من الأرض منذ خلقها الله غير جبل الطور (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) أي غطاهم وقيل لهم (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) وإلا سقط الجبل عليكم فأخذوا بقوة لأن اليهود لا تأتيهم إلا القوة ، وما يُعاملون إلا بالقوة وما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة . فما أخذوا التوراة إلا بعد أن نُتق الجبل من مكانه على رؤوسهم وقيل لهم (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍأما السِلم ، أما الحكمة ، أما اللين ، أما الموعظة الحسنة فهذه لا تنفع فيهم ولذلك ما آمن من اليهود مع النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ بعثه الله إلى أن مات ما يزيد على عشرة أشخاص بينما آمن من النصارى أمم وقرى بكاملها دخلت في الإسلام ، وآمن من المشركين قرى وقبائل ، واليهود ما آمن منهم إلا قليل ، هم أشدّ الناس عداوة للذين ءامنوا .
 /  (وَالطُّورِ) الطور لم ينتهِ بعدُ تاريخه ، ما زال الإسلام يحتفظ لجبل الطور بمواقف سيؤديها قبل نهاية هذه الدنيا أتدرون ما هي ؟
 يوم يُخرج الله - جل وعلا - يأجوج ومأجوج إلى الناس من كل حدب ينسلون ، قوم قد ذُكرت حقائقهم في القرآن يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) يخرجون في زمن عيسى بن مريم فيوحي الله - جل وعلا - إلى عيسى - عليه الصلاة والسلام - يا عيسى حصن عبادي إلى جبل الطور فيحويهم الجبل ويحميهم الجبل ، جبل الطور . جبل له شأن لذلك أقسم الله به .
 / (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) سبحان الله ، بما أن الجبل ثابت في مكانه لا يتغير ، لا يتزعزع ، لا يتبدل ، كذلكم هذا الكتاب ، هذا القرآن كتاب مسطور لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كتاب لا يتغير ، لا يتبدل كل آياته من لدن حكيم خبير ، كتاب نزل في شهر رمضان (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) .
 / كتاب : كتبه رب العالمين في اللوح المحفوظ ثم نُقل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم نزل منجما على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم تحرك به لسان الحبيب وشفتيه فسمعته آذان الصحابة فكتبه كتّاب الوحي ، أول ما نزل منه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) وآخر ما نزل منه (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) .
 /  (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) الكتاب المسطور :
- قيل القرآن وهو أرجح الأقوال 
- وقيل : اللوح المحفوظ لأن الله سطّر فيه ما كان وما يكون إذا كان كيف يكون (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)
- وقيل : الكتاب المسطور هو التوراة لأن الله كتبها بيده لموسى (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ)
- وقيل : هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الإنسان 
(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
(كِرَامًا كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) 
(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا*اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)
- وقيل الكتاب المسطور هو : هذا الكون ، هو كتاب مسطور منظور كل شيء فيه يشهد ألاّ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فالكون كتاب مسطور يشهد ألاّ إله إلا الله .
 أرأيتم الشمس تأتي من المشرق إلى المغرب فمن الذي حركها ؟
 أرأيتم القمر يبدأ صغيرا ثم يكبر ثم يعود كما بدأ فمن الذي صغّره وكبّره ؟
 أرأيتم الليل والنهار يختلفان فمن الذي سوّد هذا وبيّض هذا ؟
 أرأيتم الذكر والأنثى يخرجان من النطفة إذا تُمنى فمن الذي خلق الذكر وجعله ذكر ، والأنثى وجعلها أنثى وهما من ماء واحد ؟ .  (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) .
(فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) الرق : الجلد ، والرق : كل ما يُكتب عليه من ورق وعظم وألواح وغير ذلك . والكتب تنقسم إلى قسمين : كتاب مطوي وكتاب منشور (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) عندما تكتب كتاب وتريد إرساله تطويه حتى لا يُقرأ فإذا طويته فلا يستطيع أن يقرأ ما فيه أحد لأنه مطوي لكن عندما يكون منشورا عُرف ما فيه . فالكتاب في رق منشور سواء كان القرآن فهو منشور من أراد أن يقرأ فليقرأ لأنه لا يُخاف فهو في حفظ الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
 اجتمع رؤساء الكفر في عاصمة الكفر في لندن أيام المملكة المتحدة وقالوا لا طاقة لنا بالمسلمين حتى نبعدهم عن القرآن ، ونبعدهم عن الحجّ ، ونبعدهم عن اللسان العربي فخططوا لإبعاد هذه الأمة عن هذه الثلاث فما دامت في الأمة فالأمة قوية .
 قالوا أما خطتنا لإبعادهم عن القرآن فبالتغيير والتبديل فيه فطبعوا أول مصحف مُحرّف ، حرّفوا فيه سورة الكافرون فبدل (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) كتبوا قل يا أيها المسلمون ، كلمة واحدة حرّفوها وطبعوا آلآف النُسخ وذهبوا بها إلى أدغال أفريقيا وآسيا وبعض الجزيرة فلما وصلت أول نسخة بيد أول طفل مسلم "قل يا أيها المسلمون لا أعبد ما تعبدون"  قال هذا كذب ، هذا ليس بكلام الله فجُمعت تلك النُسخ من العالم وأحرقت لكلمة واحدة بُدلت ، أما التوراة والإنجيل فقد بُدّلوا وحُرفوا وكُتبوا على غير ما أنزل الله لأن الله لم يتعهد بحفظهما إنما تعهّد بحفظ القرآن فله الحمد على ذلك .
أما الحجّ فحاولوا إبعاد الناس عن الحجّ بسنّ قوانين ألاّ يذهب إلى الحجّ إلا بعد السبعين أو الستين لأنه لا يجب إلا مرة في العمر فمضى على الأمة فترة لا يحجّ إلى بيت الله الحرام إلا كبار السن ولكن ذهبت تلك الخطط فاشلة وجاء الناس شبابا وشيبا ، رجالا ونساء إلى بيت الله من كل مكان من كل فجّ عميق .
 أما اللغة العربية فحاولوا تغييرها وتبديلها وإدخال اللهجات فيها وأن لكل قوم لهجتهم ، وأبى الله إلا أن يحفظ العربية بهذا القرآن وأن يحفظ العرب باللسان العربي وما زالت اللغة العربية هي اللغة السائدة في جميع أقطار العالم وستبقى كذلك بإذن الله .
(وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ*فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ*وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ)
 / (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) البيت المعمور :
-  قيل هو : بيت بناه الله في السماء السابعة وسبب بنائه أن الملائكة لما أخبرهم الله - جل وعلا - أنه جاعل في الأرض خليفة أخذتهم حمية وغيرة فقالوا ياربنا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ) مستعدون نحن (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نحن معاشر الملائكة ننزل للأرض فنسبح بحمدك ونقدس لك في الأرض ولا حاجة لخلق هذا الإنسان الذي يقتل النفس ويزهق الروح ويُفسد في الأرض ويفعل ويفعل ، فلما قالوا ذلك كأنهم استعجلوا فندموا على ما فعلوا فأمرهم الله أن يبنوا البيت المعمور أو بنى لهم البيت المعمور فوق السماء السابعة وكانت كفارة ذلك الاستعجال الطواف بالبيت المعمور ففي كل يوم منذ خلقه الله يطوف به سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه حتى تقوم الساعة .
 - وقيل البيت المعمور هو : بيت تحت عرش الله وفوق السماء السابعة ويُسمى الصُّراخ من كثرت دعاء وصراخ الملائكة فيه تعبدا لله .
- وقيل البيت المعمور هو : بيت في كل سماء .
- وقيل هي : السماء نفسها لأن الله بناها بناء وملأها بالملائكة يقول عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أطت السماء وحُقّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو قائم أو راكع هو كذلك حتى تقوم الساعة ) .
- وقيل : البيت المعمور هو الكعبة وهي معمّرة بمن جاورها من أهل مكة ، مُعمّرة بمن يصل للحرم من المعتمرين والحجاج ، ومُعمّرة إلى قيام الساعة فلا تموت أبدا ولا ينتهي شأنها إلا أذن الله بقيام الساعة فيأتي ذو السويقتين فيهدمها .
- وقيل البيت المعمور هو : بيت بُني لآدم مكان الكعبة حتى إذا ما جاء الطوفان ذهب البيت فلم يبقَ إلا قواعده فبوأها الله لإبراهيم (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) يعني البيت المعمور فيكون البيت المعمور مكان الكعبة قبل وجود الكعبة .
- وقيل البيت المعمور هو : كل بيت عُمر بذكر الله وتدخل فيها سائر المساجد ومن ذلك قول الله - جل وعلا - (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ*رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) .
- وقيل البيت المعمور هو : القلوب العامرة بذكر الله يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ( مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت ) وفي رواية ( كمثل العمران والخراب ) فالقلب الذي فيه حبّ الله وذكر الله بيت معمور والقلب الذي لا يذكر الله بيت خاوي مهجور .
 قيل للحسن البصري - رحمه الله - يا حسن ما بال الوسوسة لا تحصل إلا للصالحين من الناس فما رأينا كافرا موسوسا ولا فاسقا موسوسا ، قال : " ماذا يفعل الشيطان بالبيت الخرِب إنما يتسلط الشيطان على البيت المعمور " .
 (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ*وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) 
/ السقف ، السقف المرفوع هو : السماء ، فالله جعلها سقفا مرفوعا لهذه الدنيا مرفوعة بلا عمد (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) هذا السقف المرفوع يُقسم الله به وقد بيّنا في الدروس الماضية خلق السماء وما يتعلق بها من أبواب ومن غير ذلك مما هو وارد في بنائها . (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) 
 /  (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) اختلف العلماء في البحر المسجور ما المراد به :
- فقيل هو: جهنم فهي تموج كموج البحر ، هي مظلمة سوداء كظلمة البحر (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) وهي مسجورة مشتعلة نارا .
- وقيل البحر المسجور هو : بحر من النار في جوف الأرض تغطيه الأرض من جوانبها كما تغطي البيضة ما بداخلها وأثبت علماء الجولوجيا ذلك أن باطن الأرض نيران يضرب بعضها بعضا ومن ذلك البراكين التي تخرج إلى سطح الأرض بين الفينة والأخرى ، فالبحر المسجور هو البحر المحبوس ، البحر السجين داخل جوف الأرض . - وقيل البحر المسجور : هو البحر الممتلئ وهو المحيط بالكرة الأرضية من جميع جوانبها لأن السجر في اللغة بمعنى الامتلأ ، والسجر بمعنى الحرق ، والسجر بمعنى الجفاف وهي من الكلمات المتناقضة التي تحمل نقيضين .
- قيل أيضا أن البحر المسجور هو البحر اليابس الذي ذهب ماؤه .
- وقيل هو البحر الميت الذي ذهبت الحياة منه .
- وقيل البجر المسجور هو : بحر خلقه الله فوق هذا الكون (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء) أي على بحر ، وذالكم البحر هو الذي تُحيا منه الناس يوم القيامة بعدما تُطوى السماء كطي السجل للكتب يُنزل الله من ذلك البحر ماء كمني الرجال تنبت منه أجساد الناس في قبورهم كما تنبت البذرة في السيل .
(وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ*فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ*وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ*وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ*وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)
 هذه أقسام خمسة جاءت كلها مفردة بخلاف الذاريات (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) جمع ، (وَالصَّافَّاتِ) جمع ، فما العلة في الإفراد هنا والجمع هناك ؟
 قال أهل العلم في علة الإفراد هنا والجمع هناك قالوا : الثابت يُفرد بالذكر ، والمتنقل والمتنوع يُذكر بالجمع ، فالريح رياح ، والخيل أنواع ( الصافنات ) ، والصافات الملائكة أنواع ، لكن الطور واحد ،  البحر المسجور واحد ، الكتاب المسطور واحد فكان الإفراد من باب الثبات ، الشيء الثابت المعروف .
 هنا ملاحظة " الطور " عُرفت بالألف واللام لكن الكتاب المسطور جاء نكرا فلم لم يقل " والكتاب المسطور " لِمَ لم يُعرفه بالألف واللام كما عرّف الطور ، وكما عرّف البحر المسجور ، وكما عرف السقف المرفوع ؟
 / بعض العلماء قال حتى يكون نكرة في سياق العموم تُفيد العموم ، كل كتاب مسطور مُقسم به ، وبعضهم قال : لا ، إنما المراد القرآن لأنه قال (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ.
 / هذه الأقسام على ماذا ؟ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)
 كل واحد من هذه عُذب به :
- فالطور عُذب به قوم موسى (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) .
(وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) لا يقع عذاب إلا بكتاب من الله أو بكفر بكتاب نزل من عند الله .
(وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ)  البيت المعمور هو في حد ذاته سبب لعذاب بيت آخر ، عندما يوجد بيت عُمّر بطاعة الله وبيت عمّر بمعصية الله فأي البيتين أحق بالعذاب ؟ إذا البيت المعمور وجوده كان سببا لتعذيب البيت الذي لم يُعمّر بالطاعة ولذلك قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) .
(وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) فيه عذاب نزل من أعلى ، نزل من السماء ، كم عُذب من الناس عن طريق السماء ؟ قوم لوط ، أصحاب الفيل ...الخ .
 / (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ*مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) لماذا قال " عذاب ربك " ولم يقل " عذاب الله " ؟
 س / عندما يكون عندك شخص تحبه وهذا الشخص يتعرض لأذية وظلم من شخص آخر تكرهه فتعذيبك للذي تكره يزيد فيه حبك للذي تُحب ، فمحمد - صلى الله عليه وسلم - يحبه الله ، آذته قريش ، آذاه المشركون ، لما آذوه كانت أذيتهم له ولأصحابه سبب لمحبة الله له ولزيادة العذاب الذي ينتظرهم لأنهم آذوا من يحبه الله ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - ( من عادا لي وليا فقد آذنته بالحرب ) وهل هناك ولي أعظم من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟
 (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ) أضاف العذاب إلى ربه (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ) أي ربك الذي يُدافع عنك عذابه بأعدائك واقع لا محالة في الدنيا ولآخرة .
 (مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) أي لا يُدفع أبدا لا قبل وقوعه ولا بعدوقوعه .
 هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق