السبت، 20 يونيو، 2015

سورة المجادلة/ سِعة علم الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
* الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا..
أيها اﻹخوة المشاهدون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
س: هل هي المجادَلة -بفتح الدال- أم المجادِلة -بكسر الدال-؟
عندما يتحدث العلماء عن اسم هذه السورة فإنهم يذكرون الصيغتين اللتين ذكرتهما المجادِلة أو المجادَلة وإن كان مُعظم الكتب لم تضبطها بالشكل فلا تعلم إن كانت المجادِلة أو المجادَلة لكن نحن نقول بأن اﻹثتين كلاهما جائز -كما ذكر أهل العلم-.
وإهمالها عند الخطاطين يدل على جواز قراءتها بالوجهين.
المجادِلة نسبة إلى المرأة اسم فاعل من جادلت فهي تجادل وهي مجادِلة وهو اسم تلك المرأة التي جاءت تشكو إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى- فهي المجادلة اسم فاعل. والحوار والجدال كائن بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم كام مُجادلة فكانت تُجادله وتُحدثه وتُحاوره كما قال الله عز وجل (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا).
اسم السورة : هل لها أسماء أخرى غير هذا اﻻسم؟
هذا هو اﻻسم المشهور ولكن سماها بعض العلماء بـ ( سورة قد سمع) وهذا لكونها افتتحت بهذا الاسم. وهذا كثير في مُعظم السور أنها تسمى بشيء بارز فيها أو بمُفتتحِها كما يقال -مثلا- ( الم تنزيل ) في السجدة مثلا على سبيل المثال، أو ( أتى أمر الله ) في سورة النحل.  وهناك أيضا بعض اﻷسماء ذكرها بعض العلماء ووجدت عند بعض العلماء سمّاها سورة الظهار ﻷنها تعرضت لحُكم الظهار لكن اﻷشهر هو سورة المجادلة وهذا هو المشهور عند العلماء.
نزولها: هذه السورة من السور المدنية بدون خلاف وأن كان في بعض آياتها خلاف، بعض العلماء يرى أن العشر الآيات اﻷولى كانت في المدينة لكن الذي يظهر أنها كلها في المدينة ذلك أنها تحدثت في بدايتها عن هذه القصة وهي حاصلة في المدينة، تحدثت بعد ذلك عن المنافقين والحديث عن النفاق لم يكن إلا في المدينة فالسورة -كما عليه جمهور العلماء- أنها مدنية. وصدر هذه السورة نزل في بيت عائشة رضي الله عنها.
موضوعها الرئيس:  أبرز موضوع يمكن أن يكون جامعا لعلوم هذه السورة هو الحديث عن علم الله عزوجل ابتداء من قول الله عز وجل (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) ثم جاء في ثنايا الحكم الشرعي للظهار
 (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ) 
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ )
فكلها تتحدث عن هذا وكأنها سورة لبيان علم الله ولفت النظر إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى لهذا يمكن أيضا أن نجد رابطا قويا بين هذه السورة وبين سورة الحديد التي قبلها عندما تحدثت سورة الحديد أيضا في بدايتها عن عِلم الله عز وجل.
لفتة في سورة المجادلة: كل آية من آيات السورة فيها لفظ الجلالة وهي السورة الوحيدة، والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا مرتبط بموضوعها الذي ذكرناه فهي تصِل اﻹنسان وتبقيه مُتصلا بالله عز وجل مُراقبا لله عزوجل عالما أن الله عز وجل موجود وأنه مُطّلع على كل شيء فهؤﻻء البشرية وهؤلاء الناس ﻻ ينفصلون في حال من اﻷحوال عن علم الله عز وجل أينما كانوا وفي أي حال كانوا.  فموضوعها اﻹشارة إلى علم الله سبحانه وتعالى وسعته.
قصة مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم لخولة:
هذه القصة كما مشهور عند المفسرين أنها نزلت في خولة بنت ثعلبة وفي بعض الروايات خولة بنت خويلد -وهي صحابية- بعض العلماء يجمعون بين القولين بأنها خولة بنت ثعلبة بنت خويلد منهم من نسبها إلى أبيها ومنهم من نسبها إلى جدها. وهناك أقوال أخرى أيضا في اسمها لكن ﻻ يهمنا اسم المرأة بقدر ما يهمنا الحاصل من القصة.
خولة بنت ثعلبة أو خولة بنت خويلد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها أوس بن الصامت وكان قد ظاهر منها، ظاهر منها ثم خرج إلى قومه وبقي فيهم ساعة ثم عاد إليها فكان -كما تقول- كان به لَمم - هو طرف من الجنون- يعني ربما يحنق بسرعة -يغضب بسرعة- فلما عاد قالت: ﻻ والله حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادها على نفسها فامتنعت، وفي بعض الروايات أنه وثب عليها قالت فاستطعت فدفعته كما يدفع الرجل كبير السن -ﻷنه كان كبيرا- ثم خرجت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت إليه وأخبرته بالقصة. وكان الظِهار مُحرِّما في الجاهلية، ما كان معلوما في الجاهلية وفي بداية اﻹسلام أن الرجل إذا قال ﻻمرأته أنت علي كظهر أمي فإنها تحرُم عليه وﻻ يجوز له الرجوع إليها بحال من الأحوال، إما أن تبقى معلقة وحراما على زوجها أو يطلقها ومن ثمّ فإنها تتزوج برجل آخر. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أراك إلا قد حرُمتي عليه) أخذت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم وتحاوره وتقول: يا رسول الله والله ما ذكر طلاقا، قال: ما أراك إلا قد حرُمتي عليه، وهي تحاوره وتجادله، وتشتكي وكان من ضمن شكواها أنها قالت: يا رسول الله إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا. بمعنى أن هؤلاء الأطفال ﻻ يستغنون عن أبيهم ولا عن أمهم فإن بقوا عند أمهم جاعوا وإن ذهبوا إلى أبيهم ضاعوا من الرعاية التي ترعاهم اﻷم .
وتقول أيضا: يا رسول الله أبلى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبِر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك.
فنزلت اﻵيات مع ما في هذه الكفارة من غِلَظٍ إلا أنها رحمة باﻷمة ﻷن اﻷسوء هو أن تبقى هذه المرأة مُحرمة على زوجها إلى اﻷبد. ولذلك بعض العلماء يربط بين هذه السورة وبين سورة الحديد بأن سورة الحديد أشارت في نهايتها إلى ( والله ذو الفضل العظيم ) فكأن هذا الحكم هو من فضل الله عزوجل على هذه اﻷمة.
والحقيقة كل أحكام التشريع هي فضل على اﻷمة حتى اﻷحكام التي فيها شدة وفيها تعب وفيها ابتلاء هي من فضل الله عليك. عندما تصوم هذا فضل من الله عليك، عندما يأمرك بالصيام ﻷن هذا الصيام يرفعك درجات، وعندما يأمرك بالصلاة وعندما يأمرك بالجهاد وإن تعبت فهذا كله رحمة من الله بعباده ﻷنه لوﻻ هذه التكاليف لما وُفِقنا لهذه الدرجات.
فيرى بعض العلماء أن هذا علاقة بينها وبين سورة الحديد (انقطع) فضل الله عزوجل، فلما جاء في سورة الحديد ( والله ذو الفضل العظيم ) جاءت هذه ( قد سمع الله ) ليُبين فضل الله عزوجل ولطفه بعباده. هذه القصة هي سبب النزول وهو ما جرى من هذا الظِهار.
من اﻷشياء الجميلة في هذا ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تعجب وتقول تبارك الذي وسع سمعه كل شيء -وفي بعض الروايات- تبارك الذي وسع سمعُه اﻷصوات إني لفي جانب البيت وخولة بجانبه تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم اسمع بعض حديثها ويخفى عليّ بعضه. عائشة في جانب البيت -والبيت صغير- ولكن ﻷن الحديث كان مُسارّة يخفى ومع ذلك ينزل الوحي من فوق سبع سموات  (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَاوَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) ثم انظر إلى تذييل اﻵية (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) فهو يسمعكم سبحانه وتعالى وهو يُبصر. وهي الحقيقة من اﻵيات المهمة في:
أولا: مراقبة اﻹنسان لربه.
ثانيا: -وهو الذي يغفل عنه أناس كثيرون- لُطف الله عزوجل واطّلاعِه على حاجة عبده، الله عزوجل مُطّلِع على حاجتك، الجأ إلى الله وتوكل على الله واعلم أن الله عز وجل هو عليم بحالك وهو سبحانه وتعالى لطيف بك وسيسمع شكواك إن اشتكيت إلى الله عزوجل.
لفتة مهمة: النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بأمته ما استطاع أن يُفتيها إلا بالتحريم حسب عِلمه عليه الصلاة والسلام، وما كان في استطاعته أن يُيسر عليها أكثر من ذلك لكن الله سبحانه وتعالى لُطفا بها وتوسيعا عليها وعلى الأمة نزلت هذه. وأتصور نزلت وهو في نفس المجلس.
/ مسألة نحن بحاجتها في هذه الحادثة: جلوس النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه المرأة الكبيرة في السِّن واستماعه إلى شكواها وحواره لم ينهرها ولم يُنفِرها ولم يطردها ، مع الأسف أن بعض العلماء اليوم يكون شديدا ويكون قاسيا ويكون مُتعنتا ويرمي بالفتوى كأنه يصفع بها المستفتي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما أراكِ إلا قد حرُمتي عليه) حتى أنه في البداية نصحها وقال : ارفقي بزوجك فإنه كبير السِن فأخبرته القصة وبقيت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستمِع إلى هذه الشكوى - وزوجها أوس رضي الله عنه من الصحابة الكبار ومن رواة الحديث معروف - لكن هذه الشكوى لم تكن من جمعية ولم تكن عبر مجالس نيابية أو شعبية ، ولم تكن شكوى شعبية، شكوى من امرأة في المجتمع للمسلم لكن القرآن لا يُهمل وإن كانت حادثة في بيت صغير مع رجل كبي في السِن مع امرأة طاعنة في السِن إلا أن القرآن لا يُهمل مثل هذه القضايا وهذه الحقيقة من الأشياء التي ينبغي أن نقف عندها في نظرتنا إلى كتاب الله عزوجل . ورضي الله عن خولة فقد كانت سببا في مثل هذا التشريع الذي كان فيه تخفيف على الأمة .
قضية الظِهار: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) 
الظهار يمكن أن يكون موجودا في أي لحظة لأنه لفظ ، وأصله عند العرب أن يقول الرجل لامرأته أنتِ عليّ كظهر أمي -في التحريم- ويريد بذلك تحريمها ، ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك فيما إذا شبهها بإحدى محارِمه فيما إذا قال أنتِ عليّ كوجه أمي..كيد أمي..كجزء من أجزائها، ولعل أبرز الأقوال في ذلك أن يُقال: بأن الظِهار تشبيه الرجل امرأته أو جزء منها بإحدى محارمه . ونحن هنا عندما نتحدث عن هذا التشبيه وهو التشبيه الذي يعني أن الاستمتاع بهذه المرأة هو بمقام الاستمتاع بهذه المحرَم ، لكن لو أنه أراد أن يُشبِّه زوجته في المعزة بأخته أو في أنه يُقدِّم ويُعطيها فليس هذا من الظِهار وإنما المراد بذلك أن يُشبِهها أي أن استمتاعي بهذه المرأة هو حرام عليّ كاستمتاعي بإحدى هذه المحارِم.
وهذا يؤكده القاعدة الفقهية المعروفة في الفقه [العِبرة في المعاني وليست العِبرة في الألفاظ]  في مثل هذه العقود ، الرجل عندما يقول لزوجته أنتِ عليّ كظهر أمي يقصد تحريما وفي العادة أنه لا يقول هذا إلا في حالة غضب وفي حالة المفارقة .
والذي ينبغي الإشارة إليه أن الظِهار حقيقة لا ينبغي إيقاعه بل لا يجوز، لماذا؟
 لأن الله عزوجل قال (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم) أولا قال (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) فهؤلاء النِسوة لا يمكن أن يكن بحال من الأحوال أُمّا وإن قلت بأنها كأمك وجعلتها أُمّا لك . هذه واحدة.
 (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الَّلائِي وَلَدْنَهُمْ) ثم قال (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) هذا الأمر وهو الظِهار وصفه الله عزوجل بأنه مُنكر وزور يدل على أن من ارتكبه أو فعله فهو آثِم وأنه لا يجوز .
ولهذا نقول: ينبغي بأن يفقه الرجل وينبغي أيضا أن تفقه المرأة إن حصل من زوجها شيء من هذا أنه لا يجوز أصلا، لا ينبغي للرجل أن يقول مثل هذا الكلام وإن أراد أن (**) امرأته أو يختلف معها فهناك أساليب كثيرة لكن لا يصِل إلى هذا لأنه مُحرم.
كفارة الظِهار: كما ذكرها الله سبحانه وتعالى إذا وقع هذا الظِهار من الرجل فإن الكفارة على الترتيب:
أولا: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) أن يُعتِق رقبة إن كانت موجودة وكان قادرا من قبل أن يمسّها فإن مسّها قبل الكفارة فهو آثِم، يتحمل إثم، لا يجوز له ذلك. وكثير من العلماء اليوم ربما يتجاوز الرقبة لأنها لم تعُد موجودة في الحقيقة -فيه صعوبة- ربما كان هناك بعض الرِّق في بعض البلاد لكن من الصعوبة أن تصِل إليها وأن تُعتِق وأن تشتري .
 ومن ثَمّ إن تعثر لعدم وجود الرِّق أو لكونه غير قادر على الشِراء فينتقل إلى المرحلة الثانية (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) وهذا الصيام يجب أن يكون شهرين كاملين وأيضا ألاّ يكون هناك انقطاع فلو توقف يوما واحدا بلا عُذر فإنه يستأنف من جديد ولا يُحتسب له ما مضى . بل حتى عند بعض العلماء -كما هو الحال عند أبي حنيفة- لو أفطر بعُذر يرى أنه حتى لو أفطر بعذر فإنه يعيد من جديد. لكن الصحيح -إن شاء الله تعالى- أن العُذر لأنه أحيانا مرض أو نحوه بل حتى المرأة في غير كفارة الظهار كفارة قتل الخطأ إذا لم تجد فإنها تصوم شهرين متتابعين والمرأة معلوم لا تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين فيعني -إن شاء الله تعالى- إن أفطر بعذر فلا بأس.
ثم إن لم يستطع الصيام أو كان ممن لا يستطع الصيام فقد جعل الله له إطعام ستين مسكينا. وينبغي أن نُشير إلى أن هذه الكفارة هي على الترتيب وليست على التخيير أي أنها الأصل عتق رقبة إن وُجدت، إن لم توجد فإن الأصل هو الصيام إلا لمن كان عاجزا عن الصيام فإن كان ممن لا يستطيع الصيام فبعد ذلك يأتي الإطعام وهو إطعام ستين مسكينا .
لفتة في ختام الآيتين اللتان ذُكرت فيهما كفارة الظهار:  بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى الكفارة الأولى قال (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ثم ذكر الخيار الثاني والثالث فقال (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) الذي يظهر - والله أعلم - ذُكر بعد الكفارة الأولى  (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) وهي الأعلى في التغليظ فهو يقول بأن هذا زجر ووعظ لك حتى ترتدعوا ، وبعد أن ذمر سائر الأحكام المتعلقة بيّن أن الالتزام بهذه الحدود هو سبب في الإيمان بالله عزوجل ورسوله فـ (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) جاء تعليقا على الحُكم عموما وذلك جاء تعليقا على العِتق.
إضافة إلى ذلك كثير من أبناء المسلمين الآن أصبحوا يُشككون ويُهونون من شأن هذه الحدود الشرعية ويرون أن -مثلا- قطع يد السارق أو جلد الزاني أو مثل هذا الحدّ الذي ذكره الله سبحانه وتعالى أنه نوع من التخلف وأنه يتعارض مع حقوق الإنسان ويتعارض مع المدنية ..الخ فلعل التنصيص هنا (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) إشارة إلى أن التسليم والانقياد لأوامر الله في مثل هذه الحدود مما ..
الحقيقة أن الحديث مع هؤلاء يكون من جانبين:
الجانب الأول: الديني الشرعي فالمسلم يجب أن يُسلِّم لأمر الله عزوجل أيا كان . هذه واحدة وهذا لمن كان مسلما معترفا بالإسلام، لكن هناك جانب آخر وهو جانب واسع للذين لا يريدون أن يلتزموا بالنصوص وهو أننا حقيقة لا نجد تشريعا كالتشريع الإسلامي يعالج القضايا كما ينبغي. اليوم على سبيل المثال تعال إلى البلدان الإسلامية التي تطبق القصاص وإن كان قد لا يُطبق أحيانا لكن هذا هو الأصل ، ثم تعال إلى الدول التي لا تُطبق القِصاص وانظر إلى الجرائم، انظر إلى معدل الجرائم في هذه البلدان وفي تلك البلدان وهكذا. فقس على ذلك سائر الأحكام فنقول تعالوا لا يمكن لهذه العقول البشرية مهما اجتهدت ومهما توسعت لا يمكن أن تصِل إلى التشريع الإسلامي .
/ بعد أن ذكر الله حدّ الظِهار هنا والكفارة ذكر الله سبحانه وتعالى بعده (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) ما مناسبة ذكر هذه الآية بعد ذكر الظِّهار وكفارته؟
نجد في هذه السورة تسلسل عجيب ، فهذه السورة تحدثت عن قضايا متعددة ابتداء من قصة حصلت وهي قصة خولة مع زوجها وبيان أحكام الظِّهار ، ثم تحدثت عن الكفار في هذه الآية ، تحدثت عن المنافقين، تحدثت عما كان يكون من نجوى بين المنافقين أو بين المنافقين واليهود كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، تحدثت عن الأدب في المجالس، تحدثت عن علاقة  اليهود بالمنافقين.
جوانب مختلفة والشيء الجميل جدا في هذه السورة الذي ينبغي أن تتأمله أنك لا تجد فاصلا بين موضوع وموضوع، هناك رابط عجيب وغريب وهذا سر من أسرار القرآن ، بين كل موضوع لا تشعر بذلك الانتقال من موضوع إلى موضوع ، انتقال حدّ فاصل.
الروابط بين الآيات وبين الموضوعات المتعددة:
/ حكم من أحكام الظِّهار خولة جاءت تشتكي فجاء الحُكم قال الله عزوجل (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الذين لا ينفذون حدود الله.
 / ثم جاء الحديث بعد ذلك عن الذين يُحادُّون الله ورسوله وهم الكفار، ما شأنهم (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ*يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) انظر هذه الجملة (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ) جاء هذا الرابط الحديث عن الكفار وبعثهم ليربطك أيضا بالآية التي بعدها وهي (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) ذلك الذي يُنبئ هو الذي يعلم ما في السموات بما في ذلك النجوى.
ثم انظر (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى) ضُرب المثل في عِلم الله عزوجل هنا بالنجوى لمناسبة الحديث عن النجوى بعد ذلك فجاء هنا (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى  ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) .
/ ثم جاء توجيه المؤمنين وأنه لا ينبغي أن يتناجوا بالإثم والعدوان وكيف يتناجوا.
/ ماذا عن سائر الأداب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ)
ماذا عن النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)
/ من هو هؤلاء الذين يتناجون؟ المنافقون (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم).
فالحقيقة تناسب واضح وقوي وهو إعجاز من إعجاز القرآن، وموضوعه بيان علم الله سبحانه وتعالى واضح في كل هذه القصص .
/ مالمقصود بالنجوى؟
النجوى هي الحديث السريّ -المُسارّة- أن يتسارّ اثنان أو أكثر ، وقد جاء الحديث هنا ليس عن عموم النجوى وإنما جاء عن النجوى التي نُهي عنها هؤلاء المنافقون الذين كانوا إذا مرّ بهم المسلمون فإنهم يبتعدون ويتحدثون فيظن هذا المُسلم أنهم أرادوا به سوءً.
في بعض الروايات أن الآية تتحدث عن اليهود أو اليهود مع المنافقين يتناجون فيقول المؤمن ماذا أراد هؤلاء بي ، ماذا حصل للمسلمين ، ربما هُزموا..أصاب إخواننا هزيمة أو غير ذلك . هذه هي النجوى فنُهوا عن النجوى .
ومن المناسب أن نذكر هنا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، انظر كيف معاملة النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه لنا في الأدب مع بعضنا، حتى المناجاة والحديث سِرا لا ينبغي أن يكون إذا كان يؤذي الآخرين فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون ثالثهما فإن ذلك يُحزِنه) . وهذا فعلا يُحزِنه. والذي يظهر -والله أعلم- أنه حتى الاستئذان لا ينبغي، لكن إذا كان هناك أكثر من واحد فلا بأس بذلك.
/ في قوله تعالى هنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) بعد أن تحدث عن النجوى وهي مما يحدث في المجالس انتقل للحديث عن آدب آخر ، أدب المجلس، وهذه -كما يذكر العلماء- جاء جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من البدعيين فجاؤا فسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم  وبقوا واقفين -كان المجلس مليء- وسلموا على الناس فردوا عليهم السلام ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض من حوله بالقيام لهؤلاء.
وهذا من الأدب أن نحترم الإنسان القادم . بعض الناس ربما يُشكِل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه بأن يُقيم الرجُلُ الرجلَ من مجلسه. ونحن نقول نعم أنت لا ينبغي لك أن تُقيم إنسان لكن أنا كصاحب بيت أقول لابني أو لأخي أو لمن يعِزّ عليّ أن أقول له قُم ليجلس الضيف، فالنهي هنا مُوجّه لك أيها الإنسان ألاّ تُقيم الرجل من مجلسه. والأصل هو التفسّح فإن عجِز ولذلك بدأت الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) لكن بعدها ( وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا) النشوز هو: الارتفاع، والمراد هنا القيام ( وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا) فإذا طُلب منكم القيام فقوموا، وهذا فيه -حقيقة- تأدب مع الآخرين، فيه تربية للنفس أنه لا ينبغي أن يكون هدفي أناني، لا..مالمشكلة لو أنني قمت؟! ليس هناك إشكال أن أقوم من أجل فلان أو فلان، فيه تربية للنفس وفيه إيثار وفيه أشياء كثيرة.
من الأشياء المُلفتة هنا: أن الله عزوجل رتّب على الاستجابة لهذا الأمر (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا) ما الذي يحصل؟
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) هذا جواب الطلب..جواب الأمر لأنه لم يقل الله (يرفعُ) ليست جملة مستأنفة، انشزوا حتى يتحقق لكم الرِفعة . فإذا التزمت بهذه الأوامر تحققت الرِّفعة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
/ جاءت الآية التي بعدها في قضية مُناجاة خاصّة وهي : مُناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق معنا في سورة الحُجرات الحديث حول (لا تُقدموا بين يدي الله ورسوله) (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ) ما العلاقة بينها؟
المناجاة هنا جاء الحديث عنها من جوانب متعددة أولها: أولئك الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى ولكنهم لم ينتهوا وهم المنافقون ثم جاء بعد ذلك تأديب المؤمنين فيما هو موضوع النجوى إن كانت هناك نجوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) فهو توجيه لموضوع النجوى بصرف النظر عن الأدب الذي يكون هذا شيء، لكن موضوع النجوى يجب أن يكون كذلك.
ثم جاء بعد ذلك -في هذه الآية- الحديث عن النجوى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، النبي صلى الله عليه وسلم هو قائد الأمة وهو شخص ليس له مثيل وليس هناك من يقوم مقامه وحاجات الناس المختلفة قد تُثقِل على النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن يكون هناك إثقال على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله عزوجل المؤمنين أن من أراد أن يُناجي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم صدقة عندما يُناجي النبي صلى الله عليه وسلم -يتصدق ثم يُناجي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فأُمروا بذلك. ولكن ربما كان هناك أيضا ثِقل على الناس فيَقال بأنه لم يعمل بهذه الآية إلا علي رضي الله عنه ناجى النبي صلى الله عليه وسلم وقدّم صدقة وما لبثت أن نُسخت الآية ربما بعد عشرة أيام أو أقلّ -كما يذكر بعض العلماء- فجاءت الآية التي بعدها تخفيفا على الأمة أو على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بمعنى اكتفوا بهذا وعفا الله سبحانه وتعالى عنكم. عِلما أن إيجاب هذه الصدقة ليست إلا على من يجدها فالآية الأولى (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فمن كان يجد الصدقة فليُقدِمها ومن لم يجد الصدقة فلا شيء عليه فإن الله غفور رحيم ، ثم خفّف الله عزوجل عن الجميع عمن يجد وعمّن لا يجد ونُسِخت الآية فهي من الآيات المنسوخة. كان الهدف منها والغرض هو توقير النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاؤه مكانته و بيان أيضا لرحمة الله عزوجل بالأمة .
/ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)
س: لماذا يُكثر المنافقون من الحلِف للناس وحتى في يوم القيامة يحلفون لله؟ وهل كثرة الحلِف دليل على النِفاق؟
جـ: أولا هذه الآية تتحدث عن المنافقين في الظاهر -والله أعلم- وهو غاية لأن هناك من يقول بأنها تتحدث عن اليهود (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم) لكن القوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود ومن ثَم فإن الأولى أن يُقال بأن الآية تتحدث عن المنافقين الذين تولوا اليهود .
وقوله (مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ) أي هؤلاء المنافقين ليسوا من المسلمين وليسوا من اليهود كما قال الله عزوجل (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ) فهكذا طبيعة النفاق، النفاق كما قال الله عزوجل لماذا؟
الإجابة صريحة في الآية على هذا (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) وقاية..سُترة لأن هذا الحلِف هو الذي يقيهم العقوبة ولذلك اقرأ سورة التوبة (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا) (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) وهكذا، لماذا لأنه مفضوح ، سورة المنافقون أيضا (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فلا يستطيع أن يقي نفسه إلا بالحلِف وهذا هو شأن المنافقين لأن الأفعال تُناقض الأقوال فلا يجد طريقة إلا الحلِف من أجل إقناع الآخرين بأن هذه الأفعال هي أفعال صحيحة فيلجأ إلى الحلِف.
هل الحلَف هو من علامات النفاق؟
نقول الحلِف الكذب نعم هو من علامات النفاق، لكن في الجانب الآخر لا ينبغي للمؤمن أن يعوِّد نفسه الحلِف حتى وإن كان صادقا، الإنسان الواثق من نفسه لا ينبغي أن يُكثِر من الحلِف لأن هذا يدل على أنني غير واثق، بالعكس الذي يجب على الإنسان الحازم أن يقول كلمته بدون يمين ويقول أنا سأنفذ فإذا قلت وصدقت وأنت لم تحلِف فهذا أقوى.
نختم بالحديث عن حزب الشيطان وعن حزب الله تعالى في آخر السورة:
جاء الحديث عن هؤلاء المنافقين وقد بيّن سبحانه وتعالى ذلك بقوله (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) استحوذ بمعنى استولى وغلب عليهم وهو بمعنى السيطرة. والحقيقة أنك تعجب -فعلا- من هؤلاء المنافقين لا يسمعون ولا يُبصرون ولا يعقلون وتعجب من هؤلاء الكفار فلا تجد تفسيرا لذلك إلا أن الشيطان قد غلب عليهم واستولى فهو يوجههم إلى كل ما فيه سوء ويقودهم إلى كل شر. لو كان عندهم عقل منطقيا لا تمشي لكن إذا عميت القلوب انتهى الأمر (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) ثم وصفهم الله عزوجل بأن هؤلاء الذين انقادوا للشيطان هم حزب الشيطان. وهم في جملة الأذلين (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) فكل من حادّ الله  -وهي قاعدة- كل من حادّ الله، كل من شاقّ الله ورسوله فهو ذليل وإن بدا أنه مُنتصر لماذا؟ لأنه كتب الله لأغلبن أنا ورسلي فالغلبة هي لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
 ووصف الله المقابلين من المجاهدين بأنهم حزب الله .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق