الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

أمثال القرآن الكريم - التعريف بعلم أمثال القرآن -

د.عبد الرحمن بن معاضه الشهري


 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى صحابته أجمعين..
حياكم الله إخواني الكرام وأخواتي الكريمات ...
اليوم هو الجمعة الثالث من شهر رجب من عام ١٤٣٥هـ وهذا هو المجلس الأول من مجالس دورة أمثال القرآن، والمقصود من هذه الدورة المخصصة والمكثفة هو استعراض الأمثال الظاهرة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن العظيم حيث إن الله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت:٤٣] ولذلك كان بعض السلف -رحمهم الله- ربما بكى إذا لم يفهم مثلا من أمثال القرآن الكريم ويقول الله سبحانه وتعالى يقول ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) وأنا لا أعلم معنى هذا المثل فلا يزال يبحث ويسأل حت يعرف معنى هذا المثل أو ذاك من أمثلة القرآن الكريم .
في هذا الدرس -أيها الإخوة- الأول سوف أبدأ بمقدمة أتحدث فيها عن الأمثال عند العرب والأمثال في القرآن الكريم وأُشير إلى أنواعها وتعريفه وأشير أيضا إلى أهم النؤلفات التي ألفت في اﻷمثال وشرح مبسط عن هذه الكتب والمؤلفات لمن أراد أن يرجع إلى شيء منها ثم أبدأ مباشرة في اﻷمثال المخصصة لي في هذه المحاضرة وفي المحاضرة التي بعد العصر بإذن الله تعالى. وسوف يستعرض الزملاء في بقية المحاضرات اﻷمثال التي هي بين أيديكم في المذكرة التي توزع عليكم اﻵن.
اﻷمثال هي من اﻷساليب البلاغية التي يستعملها الناس جميعا في كل الثقافات فتجد في اللغة العربية الفصحى أمثال وتجد في اللغة العربية العامية بمختلف البلدان والثقافات هناك عندهم أمثال خاصة بهم، فتجد أمثال هنا في جزيرة العرب في السعودية وفي اليمن وفي الخليج وتجد أمثالا  عامية مصرية ، وأمثالا عامية شامية، وأمثالا عامية مغربية وأندلسية وفي كلٍ من هذه اﻷمثال قد صُنفت مصنفات وكتبت مؤلفات.
ومن اﻷمثال المشهورة في اللغة العربية -والكل يحفظها- كقولهم -مثلا- "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة" يُضرب مثلا لمن استعجل شيئا فوقع في شر فيُقال له : في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.
أو يقال -مثلا- لمن استبطأ شيئا وأبطأ عليه "إن غدا لناظره قريب" كما قال الله سبحانه وتعالى (...إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [سورة هود 81] لذلك تجدون اﻷمثال تتنقل في الثقافات فتجد المثل في اللغة العربية له صيغة وبالعامية له صيغة مختلفة وباللغات اﻷجنبية له صيغ مختلفة فتجد اﻷمثال تتنقل بين الثقافات وبين اللغات وسأذكر شيئا منها -إن شاء الله-.
أيضا كقولهم في اﻷمثال الشعبية -مثلا-《أسأل مجرب ولا تسأل طبيب》يضربونه مثلا لمن يستحق أن يُسأل فيقولون له《أسأل مجرب ولا تسأل طبيب》ﻷن صاحب التجربة أعلم من الطبيب المتخصص.
وكما يقولون -مثلا- في العامية قالوا《اللي ما يعرفك ما يثمنك》إشارة إلى أن الجهل باﻹنسان قد يُوقع اﻹنسان في لبس فترى الشخص أمامك وهو ذو مكانة رفيعة ولكن ﻷنك لا تعرفه لا تستطيع أن تعطيه مكانته فيقال: معذرة لا تؤاخذنا اللي ما يعرفك ما يثمنك. فهذا مثل من اﻷمثال الشعبية المتداولة.
وأيضا -كما يقولون مثلا-《الجود من الموجود》هذا يُضرب مثلا لمن يقدم الاعتذار لما يملك ولا يملك غيره فيعتذر ويقول والله الجود من الموجود هذه من اﻷمثلة الشعبية المتداولة عندنا.
هناك كتاب جميل جدا للعلامة -رحمه الله- أحمد تيمور باشا عنوانه (اﻷمثال العامية) وقد أورد فيه ما يقارب أكثر من مئتي مثل من اﻷمثال العامية -المصرية خصوصا- وشرحها بأسلوب موجز وقد اخترت بعض اﻷمثلة التي ذكرها -رحمه الله- واﻷمثال المصرية كثيرة جدا يعني قد يكونون من أكثر الشعوب العربية التي تداول الناس الأمثال الخاصة بهم كما يقولون مثلا -على سبيل المثال- أنا وجدته من أول اﻷمثال في كتاب تيمور باشا -رحمه الله- ويقول《آخر المعروف ينضرب بالكفوف》يُضرب مثلا لمن يعمل معروفا في غيره ثم تكون عاقبته وخيمة "يضربه بالكفوف" يعني يعطيه كف، وهذا يشبه كما يقولون المصريون على رأي المثل《خيرا تعمل شر تلقى》هو نفس المعنى تقريبا مع تغيير العبارة، يعني كما يقولون في المثل المصري وهو مشهور أيضا حتى عند غيرهم يقولون《تغدى به قبل أن يتعشى بك》وهذا مثل يُضرب لمن يُعاجل اﻹنسان باﻻنتقام أو بالفتك به قبل أن يفتك اﻵخر به.
وبالمناسبة اﻷمثال تعكس ثقافات الشعوب ويستطيع الذي يُحسن تحليل الخطاب أن يستخرج من هذه اﻷمثال ثقافة هذا الشعب أو ذاك ﻷن اﻷمثال في الحقيقة هي عبارة عن خُلاصة تجارب اﻷمم وﻷنه خلاصة تجربة ومصوغة في أسلوب موجز يتناقله الناس ولذلك يقولون اﻷمثال السائرة وقد صنّف ابن اﻷثير -رحمه الله- كتابا سماه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر).
أضرب لكم مثالا: هناك كتاب قيم مُلحق بالمعجم اﻹنجليزي -ديكشنري- الذي صنّفه منير بعلبكي -معروف- الذي يُحدَّث كل سنة، جمع في آخر المعجم كتابا سمّاه (مصابيح التجربة) أورد فيه في الطبعة التي معي ربما أنها طبعة (٢٠١٠) أو (٢٠١١)، أورد فيه ما يقارب المئتين مَثَل من اﻷمثال اﻹنجليزية وترجم هذه اﻷمثال، فعندما تقرأ هذا الكتاب تستطيع أن تستخرج منه ثقاقة اﻹنجليز، تقرأ في كتاب (مجمع اﻷمثال) للميداني -مثلا- الذي جمع فيه أمثال العرب تستطيع أن تستخرج منه ثقافة العرب يعني على سبيل المثال: فيه مثل أمريكي موجود في القاموس يقول "Don't kill the natives until you get the map" وله نظائر، يعني معنى المثل "لا تقتل السكان اﻷصليين حتى تحصل على الخريطة" وهو يعكس الثقافة الاستعمارية الموجودة عند هؤلاء، يعني يقول لا تقتل ال "نيتف" الذين هم السكان اﻷصليين "" حتى تحصل على الخريطة، فهم ينظرون إلى اﻵخرين على أنهم مجرد وسائل لتحقيق أهدافهم وغاياتهم ثم يفقدون قيمتهم تماما كما فعل النعمان عندما بنى له سِنِمّار قصرا وكان  سِنِمّار هذا معماريا- فلما بنى هذا القصر خشي النعمان أن يبني مثله لغيره - سِنِمّار هذا شكله مهندس ومقاول في نفس الوقت- فاستدرج هذا المهندس حتى بلغ به أعلى القصر ثم رماه من فوق القصر فقتله، يعني لم يستفد  سِنِمّار إلا هذا المشروع، فأصبح مثلا فقالوا له "لقي جزاء  سِنِمّار" فأصبح يضرب مثلا إذا فعل أحدهم معروفا ثم عوقب بنقيض معروفه وتنكر له من أحسن إليه قال له: لقد لقيتني جزاء سِنِمّار وأصبح مثلا.
فهذه اﻷمثال طريقتها -فعلا- هي أنها أقوال قصيرة موجزة تشتمل على خلاصة تجربة رأى الناس فيها غرابة وفيها جودة وفيها صدق فتناقلوها حتى إن بعض اﻷمثال قد نسي الناس من هو الذي قاله ولذلك صنف العلماء المؤلفات في اﻷمثال فجمعوها وشروحوها، وقد أعجبني كلام ﻷبي عبيد القاسم بن سلاّم -رحمه الله- في كتابه اﻷمثال، كتاب اﻷمثال ﻷبي عبيد القاسم بن سلام هذا من أقدم الكتب التي صُنّفت في اﻷمثال ومؤلفه أبي عبيد القاسم من أئمة اﻹسلام الكبار توفي -رحمه الله- في السنة التي ولد فيها اﻹمام محمد بن جرير الطبري سنة ٢٢٤هـ، ذكر في مقدمة كلامه السبب الذي دعاه إلى تأليف الكتاب فقال "هذا كتاب الأمثال وهي حكمة العرب في الجاهلية واﻹسلام وبها كانت تُعارِض كلامها فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: [إيجاز اللفظ، وإصابت المعنى، وحسن التشبيه] وهذا صحيح فعلا ﻷنه موجز وبليغ وسهل وواضح فأنت بدل أن تقول أو تستشهد -مثلا- في هذا الموقف وتتكلم بكلام فيه طول، -مثلا- على سبيل المثال: عندما يكون هناك شخص مليء بالعيوب ثم يأتي فيرمي بالعيوب التي فيه عليك فتقول《رمتني بدائها وانسلت》هذا مثل مشهور، تشير في هذا المثل إلى أنك أنت الذي فيك هذه الصفات وهذه اﻷدواء وهذه اﻷمراض وتبتليني وترمي هذه اﻷوصاف عليّ فتقول "رمتني بدائها وانسلت" فأنت قد استخدمت عبارة وجيزة وبليغة وواضحة المعنى والناس يتداولونه.
قال أبو عبيد هنا "وقد ألّفناها في كتابنا هذا على منازلها ولخصّنا صُنُوفها وذكرنا المواضع التي يتكلم بها فيها وتضرب عندها وأسندناها إلى علمائها واستشهدنا بنوادر الشعر عليها أو على ما أمكن منها" ثم قال "وكان مما دعانا إلى تأليف هذا الكتاب وحثنا عليه ما روينا من اﻷحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ضربها وتمثّل بها هو ومن بعده من السلف" .
النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشهد بهذه الأمثال ويضرب بها وقد حُفظ الكثير منها في السنة النبوية وشرح العلماء أمثال الحديث النبوي في كتب.
قال "وقد ذكرنا بعض ذلك ليكون حجة لمذهبنا " ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في المثل الذي ضربه للإسلام والقرآن فقال قول النبي صلى الله عليه وسلم (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتوحة وعلى تلك اﻷبواب ستور مُرخاة وعلى رأس الصراط داعٍ يقول ادخلوا الصراط ولا تعُوجُوا -يعني لا تلتفتوا-) قال أبو عبيد : "الصراط اﻹسلام والسُتور حدود الله واﻷبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي هو القرآن" فلاحظ النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُقرِّب للناس معنى الاستقامة على اﻹسلام والحذر من الشهوات والشبهات والاستجابة لداعي الله في القرآن بهذا المثل، قال: (مثل الصراط) والصراط هو: الخط المستقيم والصراط المستقيم هو كتاب الله وهو اﻹسلام وهو الاستقامة عليها، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر قد ضرب مثلا فخطّ خطا في التراب وقال هذا صراط الله وخطّ خُطوطا جانبية قال هذه طُرُق الشيطان أو سُبُل الشيطان، فالشيطان لا يزال بالمسلم حتى يحاول أن يُغويه عن هذا الصراط المستقيم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد استخدم اﻷمثال وضربها في السنة النبوية ولذلك أبو عبيد يقول: أنا جمعت أمثال العرب ﻷنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد تمثّل بها والسلف الكرام أيضا قد فعلوا ذلك فصنّف كتابه هذا اﻷمثال وشرحه عبدالله بن عبدالعزيز البكري المشهور بأبي عبيد البكري اﻷندلسي في كتابه شرح أبي عبيد وهو من أروع وأفضل شروح كتب اﻷمثال.
هناك من العلماء من المتقدمين وهو الحسين بن الفضل -رحمه الله- صنّف كتابا سمّاه (الأمثال الكامنة في القرآن الكريم) وهو كتاب غريب ونفيس وهو صغير ليس كبيرا عنوانه (الأمثال الكامنة في القرآن الكريم) وذلك أن اﻷمثال في القرآن الكريم كما قسّمها هو وقسّمها السيوطي وقسّمها الزركشي وكثير من العلماء الذين صنّفوا في علوم القرآن قالوا: أمثال القرآن تنقسم إلى قسمين :
القسم اﻷول: هي اﻷمثال الواضحة الصريحة التي صرّح الله فيها بلفظ "مثل" أو القريبة منها وهي التي معنا في هذه الدورة.
والنوع الثاني من أنواع اﻷمثال: سمّاها اﻷمثال الكامّنة، واﻷمثال الكامنة هي التي يمكن التنظير بينها وبين بعض أمثال العرب السائرة والتي صنّف فيها الحسين بن الفضل هذا الكتاب الذي سمّاه (الأمثال الكامنة في القرآن الكريم) والحسين بن الفضل مُتوفى سنة مئتين واثنين وثمانين للهجرة وهو من أئمة الكوفيين رحمه الله تعالى.
في أول الكتاب قصة طريفة : يقول الشيخ أبو الفتح محمد بن أسماعيل الفرغاني -رحمه الله- قال: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري -المُفسر المعروف- قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مُضارب بن طوق قال: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل فقلت: "إنك تُخرِّج أمثال العرب والعجم من القرآن". يعني يقول أنت عندك موهبة في استخراج أمثال العرب، أي مثل من أمثال العرب يُقال لك تقول هذا موجود في القرآن في قوله تعالى كذا وكذا ، قال: نعم، قال: فهل تجد في كتاب الله تعالى 《خير اﻷمور أوسطها》؟ يعني هذا مثل معروف《خير اﻷمور أوسطها》هذا مثل معروف يُشار أن الإنسان عندما يختار أمرا يختار اﻷمر اﻷوسط. قال: نعم في أربعة مواضع في القرآن الكريم:
 في قوله تعالى في سورة البقرة في وصف بقرة بني إسرائيل (لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ) يعني وسط.
قال: وفي قوله تعالى في النفقة (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:٦٧] يعني وسطا.
قال: قوله سبحانه وتعالى في الصلاة (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء:١١٠].
قال: وقوله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) [الإسراء:٢٩] .
قلت: فهل يوجد في كتاب الله تعالى <من جهِل شيئا عاداه>؟
قال: نعم، في قوله عز وجل (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) [يونس:٣٩] .
وفي قوله تعالى (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) [الأحقاف:١١] .
قال: فهل يوجد في كتاب الله تعالى <احذر شر من أحسنت إليه>؟ وهذا مثل <اتقِ شر من أحسنت إليه>.
 قال: نعم، في قوله تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ) [التوبة:٧٤]
وعلى هذا المنوال أكمل كتابه الحسين بن الفضل تقريبا ما يقارب الخمسين أو السبعة والأربعين مثلا سمّها (الأمثال الكامنة في القرآن الكريم) بمعنى أنك يمكن أن تستخرج من الآية معنى يُماثل المعنى الذي في المثل المشهور والسائر والمعروف .
وبعض العلماء قد اعترض على هذه الطريقة التي سار عليها الحسين بن الفضل وقال إن هذه الأمثال الكامنة نزلت في سياقات وفي مناسبات مختلفة فلا يصِح انتزاعها من هذه السياقات التي نزلت فيها وضرب المثل بها. مثلا -على سبيل المثال- أن تقول عندما تظهر حقيقة أمر كان مُشتبها فتقول "الآن حصحص الحق، الحمد لله الآن حصحص الحق" هذا يعتبر عند الحسين بن الفضل من الأمثال الكامنة. وبعضهم يرى أن هذا فيه شيء من العبث بالقرآن الكريم .
وهو له صلة بموضوع مشهور عند البلاغيين يسمونه الاقتباس، الاقتباس هو: أن يُضمِّن الأديب -الناثر أو الشاعر- في كلامه شيئا من القرآن الكريم دون إشارة إلى أنه من القرآن ولذلك ليس من الاقتباس قولهم -مثلا- في كلام أحد الشعراء يقول:
 أنلني بالذي استقرضت خطا ** وأشهد معشرا قد شاهدوه
فإن الله خلّاق البرايا عنت ** لجلال هيبته الوجوه
يقول إذا تداينتم بدين ** إلى أجل مسمى فاكتبوه
فهذا ليس من الاقتباس لأنه قال فيه فإن الله خلّاق البرايا يقول .. كذا وكذا وكذا.
فالاقتباس هو هذا، وسُمي الاقتباس اقتباسا لأن القرآن الكريم عندما يُوضع بين كلام الشاعر أو الناثر كالنور المضيء وكالقبس، فيُسمى ما يؤخذ من القرآن في كلام الشاعر أو الناثر اقتباسا، ويُسمى ما يؤخذ من كلام الشاعر أو الناثر في كلام الشاعر أو الناثِر الآخر <تضمِينا> تضمِّن كلام شاعر أو ناثر آخر في كلامك هذا يُسمّى تضمين، أما تضمِّن كلام الله سبحانه وتعالى في كلامك هذا يُسمّى اقتباس .
وهناك اختلاف بين العلماء في جواز الاقتباس: فالإمام مالك -رحمه الله- يرى حُرمته لأن هذا فيه استهانة بالقرآن الكريم. وغيره من الشافعية وغيرهم لا يرون في ذلك بأسا بشرط أن يُستعمل الاقتباس في موضع الجِد وليس في موضع الهزل، ولذلك يقول السيوطي -رحمه الله- في ألفيته عقود الجُمان تكلّم عن حكم الاقتباس قال:
قلت وأما حكمه في الشرع ** فمالكٌ مُشدِّد في المنعِ
وليس فيه عندنا صراحة ** لكن يحيى النووي أباحه
فالشاهد أن طريقة الأمثال الكامنة فيها شبه بموضوع الاقتباس من القرآن الكريم. بعض العلماء يُجيزه وبعضهم يمنعه فهذا من هذا الباب.


 

/ نعود إلى أمثال القرآن الكريم:
القرآن الكريم -كما تعلمون- نزل بلغة العرب ونزل بالأسلوب الذي اعتاد عليه العرب وعرفوه قال (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:٢] ولذلك لا يُعرف أن أحدا من الكفار أو المشركين اعترض على أسلوب من أساليب القرآن أو اعترض على لفظة من ألفاظ القرآن الكريم بأنها ليست في لغتنا أو لا نعرف هذه الآية، ولو وقع أنه نزل شيء بشيء لا يعرفونه وليس من لغتهم لكان هذا من أيسر الطرق في الطعن على القرآن الكريم ولكنهم لم يجدو فيه مطعنا.
فالقرآن الكريم ضرب الله فيه الأمثال وقد قال الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:٢١] وقال الله سبحانه وتعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت:٤٣] ولذلك فإن فهم الأمثال دليل على العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى، لذلك أنا أُحييكم على حرصكم على هذه المجالس لأنها -فعلا- تفتح للإنسان معاني هذه الأمثال ودلالاتها وما فيها من البلاغة والصور. وقال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [الزمر:٢٧] ودلّ على هذا أيضا قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه (إن الله أنزل القرآن آمرا وزاجرا وسُنة خالية ومثلا مضروبا) ومع أن هذا الحديث في سنده مقال إلا أن فيه إشارة إلى العناية بالأمثال وأنها موجودة في السنة النبوية.
تتبع ابن القيم -رحمه الله- أمثال القرآن الكريم التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحُكم فبلغت بضعة وأربعين مثلا وجرى على طريقة القرآن في ضرب الأمثال أيضا النبي صلى الله عليه وسلم في أمثال كثيرة ذكرها أبوعبيد القاسم بن سلّام وذكرها غيره، وقد عقد الأمثال النبوية أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- في جامعه بابا أورد فيه أربعين حديثا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي في تعليقه على كتاب الترمذي قال: "لم أرَ من أهل الحديث من صنّف فأفرد للأمثال بابا غير أبي عيسى ولله دره لقد فتح بابا وبنى قصرا أو دارا ولكنه اختطّ خطا صغيرا فنحن نقنع به ونشكره عليه".
والسبب في العياية بالأمثال -أيها الإخوة- في الثقافات جميعا وفي السنة النبوية وفي القرآن الكريم أن الأمثال لها أثر بليغ تختصر الكلام اختصارا، والعرب هم من أولع الأمم بالاختصار والإيجاز والبلاغة ولذلك هم يقولون في تعريف البلاغة قالوا: البلاغة الإيجاز، ويقولون <خير الكلام ما قلّ ودلّ> وهذا صحيح، الناس لا تحب كثرة الكلام وإنما تحب الكلام الموجز الذي يدل على المقصود بأيسر عبارة.
الآن نريد أن نُعرِّف المثل -مالمقصود بالمثل- وحتى نُفرِّق بين الأمثال في القرآن الكريم والأمثال الموجودة في كتب الأمثال لأننا نريد أن نقول في تعريف الأمثال -وهذا هو التعريف الذي اعتمدناه- أن أمثال القرآن هي: ما يضربه الله للناس من أقوال تتضمّن ما فيه غرابة من تشبيه أو استعارة أو قصة. ويدخل في هذا كل ما سمّاه القرآن قبل ذلك أو بعده مثلا. ويُعدّ في أمثال القرآن كل ما اشتمل على تمثيل حال شيء بحال آخر. هذه أمثال القرآن.
لكن الأمثال عند العرب: يُستعمل المِثل في اللغة بمعنى الشِبه -الشبيه- فيقال مثلٌ ومثيل مثلُ شِبهٍ وشبيه وزنا ومعنى.
ثم قالوا للمثل السائر أو للمَثل المُمَثل بمورده مثلا. فالأمثال عند العرب يقول أهل البلاغة: المثل له مورّد وله مضرِب، أما مورده فهي قصة المثل التي وقعت، هي قصة المثل اﻷولى التي وقعت. وأضرب لذلك مثالا يقول الشاعر:
وإن يك هذا اليوم ولى ** فإن غدا لناظره قريب
هذا مثل عند العرب 《إن غدا لناظره قريب》قصة هذا المثل أن رجلا كفَل رجلا في الجاهلية -عند العرب- وقالوا له إن لم يأتِ هذا الرجل فسوف نقتلك ﻷننا سوف نُطلقه ﻷنك على أن تكفلَه، فقال: أنا أكفله فيذهب ويأتي بما تريدون ثم يعود في الوقت -إن شاء الله - عاد لا أدري إن قال إن شاء الله أو لا ﻷن هذا كان في الجاهلية- فلما ذهب هذا الرجل غاب عنهم وانتظروه وطال اﻷمر عليهم في الانتظار حتى لم يبقَ إلا وقت يسير ربما يوم وكانوا كل يوم يخرجون ينتظرون ويترقبون عودة هذا الرجل ويُعاتبون هذا الذي كفِله كيف تكفل إنسان ما تعرفه! اﻵن إذا تخلف سوف تُقتل أنت بدلا منه، قالوا فلما قارب يعني آخر يوم من الأيام التي ينتظرونه فيها على الغياب- قال هذا الرجل -يتمثل- قال:
"فإن يك صدر هذا اليوم ولى" يعني إذا كان الصباح والنهار وصدر النهار وإلى الظهر وإلى العصر ولّى قال :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى ** فإن غدا لناظره قريب
يقول إن شاء الله يأتي في صباح الغد، وبينما هم يترقبون جاء الفرج وجاء هذا الرجل.
طبعا القصة جميلة وقد ذكرها صاحب كتاب أمثال العرب وقالوا له بعد ذلك لماذا كفِلته وأنت لا تعرفه؟ قال كفِلته حتى لا يقال أنه ذهبت المروءة من الناس. وقيل للرجل الذي رجع مع أنه كان بإمكانه أن يذهب ويترك هذا الذي لا يعرفه؟ قال: إنما رجعت حتى لا يُقال أنه ذهب الوفاء من الناس. في قصة جميلة من قصص العرب. فهذا هو مورد المثل وهي قصة المثل.
 اﻵن عندما -على سبيل المثال- تنتظر شيئا .. تنتظر -مثلا- ترقية، تنتظر نتيجة نجاح، تنتظر ولادة زوجتك، أو شيء مما ينتظره الناس فيطول الانتظار فيقولون《إن غدا لناظره قريب》يُضرب مثلا لمن استبطأ شيئا وقد قرُب الفرج. فيُسمُّون القصة الأولى اللي  في الجاهلية التي وقع فيها صاحبنا هذا يُسمونها مورِد المثل ﻷنها هي  التي ورد المثل فيها أول اﻷمر تشبيها لها بمورد الماء الذي يرِد الناس عليه. وتُسمى القصة المُشابهة التي تشبهها فيُستشهد بالمثل الذي فيها مضرِب المثل -على رأي المثل- هذا هو الفرق بين مورِد المثل ومضرِب المثل. ولذلك في كتب الأمثال التي لعلي أذكر لكم شيئا منها أيضا هم يشرحون اﻷمثال، يذكرون المثل يبيّنون ما فيه من معاني ثم يذكرون مورِد المثل وقصته اﻷولى ومضرِب المثل الذي يُناسبه. وهذا النوع من اﻷمثال هو الذي صنّف فيه العلماء الكتب:
كتاب أبي عبيد القاسم (اﻷمثال)، كتاب (جمهرة اﻷمثال ) ﻷبي هلال العسكري، وكتاب (المستقصى في أمثال العرب) للزمخشري، وكتاب (مجمع اﻷمثال) للميداني، هذا هو أوسعها وأجودها ولذلك العرب لا يضربون المثل إلا بالقول الحسن الغريب، وأيضا نقلوا لفظ المثل إلى معنى ثالث هو الشأن الغريب والقصة العجيبة فيسمون الشأن الغريب والقصة العجيبة مثلا، تُسميها العرب مثلا  ولذلك فسّر المفسرون بهذا المعنى كثير من اﻵيات التي وردت في القرآن الكريم كما في قوله سبحانه وتعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ....) [سورة محمد 15] (مثل) يعني صفة، وصف الجنة التي وُعِد المتقون كذا وكذا وكذا، وصف. وقوله سبحانه وتعالى (...وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ..) [سورة النحل 60] أي ولله الصفات العظيمة والوصف العظيم وليس المقصود بها المثل الذي معنا هنا.
وقد نبّه الزمخشري -رحمه الله- في الكشاف على هذه المعاني الثلاثة ودلّ على أنها وردت في اللغة على هذا الترتيب فقال في الكشاف: "والمثل في أصل كلامهم للمثل والنظير ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه ثم استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيه غرابة".
ذهب علماء البلاغة -وستجدون هذا في كتب البلاغة- إلى معنى رابع للمثل إذ قالوا في مبحث المجاز في كتب البلاغة ولاسيما في بحث المجاز المركب قالوا: إن المجاز المركب الذي تكون علاقته المشابهة إذا فشى استعماله وصار بين الناس يسمى مثلا. مثال -على سبيل المثال- يقولون عندما قال يزيد بن معاوية لما رأى مروان بن محمد يتردد في مبايعته فكتب له رسالة وقال: "إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيهما شئت والسلام" فأصبح هذا مثلا للإنسان المتردد يقدم رجل ويؤخر رجل فيقول إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى  يعني يضرب هذا مثلا للمتردد الذي لا يستطيع أن يتخذ قرارا مرة يقدم ومرة يتأخر. فهذا يعتبر استعارة أو مجاز مرسل وسار وانتشر في الناس فسمي مثلا وهذا اصطلاح خاص بعلماء البلاغة.
 ويقال مثلا لمن ترك شيئا عند سنوح الفرصة ففوت على نفسه الفرصة يقال له 《الصيف ضيعت اللبن》وهذا أيضا أنصحكم بمراجعة قصة هذا المثل في كتب اﻷمثال وهو له قصة طريفة.
فيتلخص مما سبق من تعريفات المثل أن للمثل معنى في أصل اللغة وهو: الشبيه والمثيل
 ومعنى القول السائر وهو الذي ينتشر ويشيع في الناس
 وقول هو الوصف الغريب أوالقصة الغريبة
 ومعنى رابع وهو المجاز المُركب الذي تكون علاقته المشابَهة بشرط أن يكون قد فشى استعماله وانتشر.
المؤلفات التي أُلفت في أمثال القرآن:
منها الذي ذكرت لكم قبل قليل (اﻷمثال الكامنة في القرآن الكريم) للحسين بن الفضل المتوفى سنة -282- وقد حقّقه الدكتور علي البوّاب قبل سنوات وطبعته مكتبة التوبة.
هناك كتاب بعنوان (اﻷمثال في القرآن والسنة) للحكيم الترمذي.
 هناك كتاب ثمين ومطبوع عنوانه (أمثال القرآن) للماوردي محمد بن حبيب النيسابوري الذي ذكرته قبل قليل المشهور بالماوردي صاحب التفسير المشهور بـ (النكت والعيون) صاحب كتاب (النكت والعيون ) في التفسير له كتاب في أمثال القرآن مطبوع.
أيضا هناك كتاب مطبوع اسمه (أمثال القرآن) لابن القيم -رحمه الله- وفي الحقيقة أنه ليس كتابا مستقلا وإنما هو كتاب استُلّ من كتابه (أعلام الموقعين عن رب العالمين)  لكنه عندما جاء إلى شرح رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري قال فيها عمر ﻷبي موسى "وقِس اﻷشباه والأمثال" فقال ابن القيم : "واﻷشباه واﻷمثال كذا وكذا وكذا وقد وردت اﻷمثال في القرآن الكريم ثم ذكر ثلاثة وأربعين مثلا" فطُبع مستقلا.
وهناك كتاب بعنوان (أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع) لعبد الرحمن حبنَّكة الميداني وهو مطبوع في دار القلم.
هناك كتاب (أمثال القرآن) للد. محمد جابر الفياض (اﻷمثال في القرآن الكريم ) وهذا الكتاب عندي من أجود الكتب التي صُنّفت في اﻷمثال، كتاب (اﻷمثال في القرآن الكريم ) للد.محمد جابر الفياض، هذا رسالة ماجستير تكلّم فيه كلاما رائعا عن أنواع اﻷمثال وما صُنِّف فيها من كتب وأنواعها ووصفها وتعريفاتها وقام بإحصاء دقيق للأمثال الموجودة في القرآن الكريم سواء اﻷمثال الصريحة أو غيرها فأنصحكم بها، وهو موجود على الانترنت بصيغة pdf.
أيضا هناك كتاب (أمثال القرآن) للد. محمود الشريف وهو كتاب صغير.
 (الصورة الفنية في المثل القرآني ) لمحمد حسين الصغير، أيضا كتاب مطبوع
 (أمثال القرآن) للد.منصور العبدلي أيضا هو كتاب قيّم.
 (أمثال القرآن وأثرها في أدب العرب ) لنوري تنوير
 (اﻷمثال القرآنية دراسة تحليلية ) للدكتور محمد بكر إسماعيل وهو أيضا كتاب قيّم
 (اﻷمثال في القرآن الكريم) للد.حمد بن محمد المنصور كتاب قيّم شرح فيه أمثال القرآن الكريم بأسلوب سهل وموجز.
 إضافة إلى الكتب التي تكلّمت في علوم القرآن  فأوردت اﻷمثال في ثناياها مثل كتاب (البرهان في علوم القرآن) للزركَشي -رحمه الله- ومثل كتاب (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي فقد أوردوا في كُتبهم حديثا مطولا عن أمثال القرآن الكريم.
أما الكتب التي صُنِّفت في أمثال العرب فهي -كما قلت لكم كثيرة- منها الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلّام بتحقيق عبد المجيد قطامش وهو كتاب قيم يعتبر من أروع وأفضل الكتب التي صُنِّفت في أمثال العرب وشرحه أبو عبيد البكري، وأيضا كتاب (جمهرة الأمثال) للعسكري، و (المُستقصى في الأمثال) للزمخشري، و(مجمع الأمثال) للميداني، مجمع الأمثال للميداني هو عندي أفضل لأنه جمع خلاصة الكتب التي سبقته وأفضل طبعة لأمثال الميداني طبعة طبعتها دار صادر في أربعة مجلدات بتحقيق الد.جان عبدالله توما.
/ نرجع الآن أيها الإخوة إلى المثل في القرآن الكريم المشار إليها بقوله تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:٢١] مالمراد بالمثل الذي يضربه الله للناس؟
 هل يراد منه الشبيه والنظير كما هو معناه في اللغة؟
 أو يُراد منه القول السائر الذي يُشبّه مورده بمضربه كما هي أمثال العرب المعروفة؟
 أو يراد منه الحال أو القصة الغريبة التي تروى وتتناقل؟
أو يراد منه المجاز المركب المستعمل على وجه الاستعارة الذي فشى وانتشر؟
 يمكن أن نقول لنا في هذا الموضوع نظران:
النظر اﻷول: ننظر في كلام من تصدوا في علوم القرآن إلى أمثاله فكتبوا فيها مصنفات مستقلة كما فعل الماوردي، أو عقدوا له بابا خاصا كما فعل السيوطي في كتاب الإتقان وكما فعل ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين.
ثم ننظر ثانيا: في معاني اﻵيات التي استعمل فيها القرآن كلمة (المثل) . الماوردي -رحمه الله- يقول في مقدمة كتابه اﻷمثال يقول "من أعظم علوم القرآن علم أمثاله والناس في غفلة عنه لاشتغالهم باﻷمثال وإغفالهم المُمثلات والمثل بلا مُمثّل كالفرس بلا لجام والناقة بلا زمام" وهذه العبارة تدل على أنه يريد من أمثال القرآن اﻵيات المشتملة على تمثيل حال بحال أخرى سواء أورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة أو بطريق التشبيه الصريح وهذا المعنى هو الذي نفهمه من قول السيوطي -أيضا- عندما قال في اﻹتقان "الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد" وهذا صحيح أن المثل في جانب كثير منه يكون المقصود منه تصوير الشيء المدرك أو المعنوي بالشيء المحسوس الذي يعرفه الناس، في القرآن الكريم -على سبيل المثال- يقول الله سبحانه وتعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة الجمعة 5] وطبعا هذا مثل في غاية القسوة، يضرب الله المثل لعلماء اليهود الذين يعرفون التوراة ويدرسونها لكنهم لا يعملون بها، فيقول مثل هؤلاء كمثل الحمار الذي توضع فوق ظهره الكتب -أسفار- اﻷسفار هي الكتب، فلو وضعت فوق رأس الحمار -مثلا- كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري فهل يا ترى هذا الحمار يُدرك قيمة هذا الكتاب أوما فيه من العلم؟ لا يدري، فكذلك هؤلاء،  فهذا تشبيه في غاية القبح لهم ولذلك يقول أحد الشعراء يهجو بعض الذين يحملون الكتب فقط ذهابا وإيابا وهم لا يعلمون ما فيها:
زوامل .. "زوامل" هي الرواحل التي تحمل الأشياء فيقول
زوامل للأسفار لا عِلم عندهم ** بجيِّدِها إلا كعِلم اﻷباعرِ
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ** بأوساقه أو راح ما في الغرائر
 فالجمل فقط يحمل اﻷشياء ولا يدري ما المادة التي فوق ظهره هل هو طحين وإلا حبّ لا يدري. فانظر هنا كيف شبه الله سبحانه وتعالى صورة معنوية وهي هؤلاء العلماء الذين لا يعملون بعلمهم فضرب لهم مثلا بأخسّ اﻷشياء -والعياذ بالله- ونعوذ بالله أيها الإخوة والأخوات أن نكون ممن أصبح علمه حجة ووبالا عليه وألا يجعله حجة علينا.
فضرب الله لهم في القرآن مثلين قبيحين، هذا المثل في سورة الجمعة والمثل اﻵخر في سورة اﻷعراف في قوله سبحانه وتعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ) هنا يأتي المثل حتى ينقل لنا قُبح هذه الصورة وأنها صورة في غاية القبح، هذا العالِم الذي لا يعمل بعلمه بل يعمل بخلاف ما يعلَم، قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) و(تحمل عليه) ليس معناها تحمل عليه أثقال، لا.. تحمل عليه يعني تطرده - تحمل عليه تشير إليه فيهرب، فهو سواء كان يركض من اللهفة فهو يلهث وإذا كان جالسا فهو يلهث قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وسوف يأتي معكم شرح هذا المثل. هنا تلاحظون -كما قال السيوطي- أن المثل هنا فيه تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد.
وأذكر لكم قصة طريفة تُروى عن أبي عبيدة مَعمر بن المثنى وهو من علماء القرآن الكبار ومن علماء اللغة، سأله أحدهم سؤالا ذُكِر في ترجمته في معجم اﻷدباء لياقوت الحموي فيقول: "قال رجل ﻷبي عبيدة: يا أبا عبيدة إن العرب تشبِّه المجهول بالمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال الله في القرآن الكريم قد شبّه لنا مجهولا بمجهول؟! فقال: أين ذلك؟ قال: في قوله تعالى في وصف طعام أهل النار(طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [سورة الصافات 65] فنحن لا نعرف كيف شكل طلعها ولا نعرف كيف شكل رأس الشيطان. فقال له أبو عبيدة كلاما جميلا قال: إنه قد استقر في أذهان العرب وفي ثقافة العرب أن الشيطان قبيح المنظر. ولذلك كما قال الرافعي -رحمه الله- في مقدمة كتابه (تحت راية القرآن) قال " ولا أظنه يأتي يوم يقول الناس فيه عن الشيطان رضي الله عنه" ﻷن الشيطان مذموم في كل الثقافات وفي كل الديانات، فيقول لما استقر في اﻷذهان أن الشيطان قبيح ومكروه شُبِّه قبح المنظر بقبح منظر الشيطان فقال الله سبحانه وتعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) فالناس استحضرت غاية ما تستطيع من البشاعة ومن القبح لتعرف قُبح هذه الشجرة منظرا وطعما. ومن الطرائف في هذا : يقولون الجاحظ -اﻷديب المعروف- كان يمشيفي السوق فاستوقفته امرأة وقالت أتأذن لي أن تصحبني إلى هذا الصائغ -وهو لا يدري ما القصة- فذهب معها فلما وقفت أمام الصائغ فقالت مثل وجه هذا الرجل، فاستغرب الجاحظ ومضت المرأة، فقط قالت مثل هذا الرجل وانصرفت. فقال الجاحظ للرجل ما شأن هذه المرأة؟ قال الرجل: جاءت لي بخاتم وقالت انقش لي على هذا الخاتم وجه شيطان، فقلت لها أنا لم أشاهد الشيطان قط ولا أعرف شكل وجه الشيطان فجاءت بك وقالت مثل وجه هذا. وطبعا الجاحظ سُمِّي الجاحظ ﻷنه كان في عينيه جحوظ وهو إمام من أئمة اﻷدب صاحب كتاب الحيوان والبيان والتبيين.
فالشاهد: أن هذا من فوائد ضرب المثل وهو تشبيه الشيء المعنوي بالشيء المحسوس الذي يعرفه الناس ويشاهدونه.
السيوطي -رحمه الله-  قسم اﻷمثال -كما قلت- إلى أمثال صريحة وأمثال كامنة وأتى إلى الأمثال الصريحة من الآيات المشتملة على تشبيه حال بحال كما في المثل الذي سيأتي معنا في قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) [سورة البقرة 17] وأما الكامنة فقد ذكرتها لكم كما ذكرها الحسين بن الفضل في كتابه وهي: استخراج معاني الأمثال العربية المشهورة من الآيات القرآنية. ولذلك نحن نقول -أيها الإخوة- أمثال القرآن لا يصح حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو التشبيه والتنظير أو الشبيه والنظير ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند من ألفوا في الأمثال إذ ليست أمثال القرآن أقوالا استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، لا يوجد في القرآن الكريم مثل نقول والله هذا أصله قصته كذا وكذا ثم استخدمه، لا، هي من أول ما نزلت وهي أمثال الناس يستخدمونه.
وأيضا لا يستقيم حملها على معنى اﻷمثال عند علماء البيان. ولذلك نحن نقول: أن أمثال القرآن هي ما ذكرته لكم في صدر الكلام وهي ما ذكره الله سبحانه وتعالى أو ما ضربه الله من أقوال تتضمن ما فيه غرابة من تشبيه أو استعارة أو قصة ويدخل في هذا كل ما سمّاه القرآن قبل ذلك أو بعده مثلا، ﻷنه قد يأتي آية يقول الله مثلهم ككذا وكذا أو يقول بعد أن يذكر المثل ثم يقول ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ).
ابن القيم -رحمه الله- أيضا تحدث في كتابه عن شيء فيه تشبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من اﻵخر واعتبار أحدهما باﻵخر وذكر أكثر من عشرين مثالا كـ (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وقوله تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ...) [سورة يونس 24] .
وأيضا يأتي بعضه على هيئة التشبيه الضمني أو التشبيه المُكنى به عند علماء البلاغة كما في قوله سبحانه وتعالى (... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ...) [سورة الحجرات 12] فهذه ما فيها كامة كلمة مثل ولا شيء لكن واضح أن الله سبحانه وتعالى يشبه المُغتاب بمن يأكل لحم أخيه وهو ميت.
النظر الثاني -أيها الإخوة- في كلمة (مثل) فالله سبحانه وتعالى قد استعمل كلمة (مثل) في القرآن الكريم كثيرا كقوله سبحانه وتعالى (مثلهم ... ) وكقوله (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) وقد يستعمل القرآن كلمة (مثل ) في وصف أو قصة كما في قوله سبحانه وتعالى (ضُرب مثل فاستمعوا له) فضرب المثل في القرآن قد يستعمل في تمثيل حالة غريبة بأخرى مثلها، وقد يستعمل في ذكر حالة غريبة تُقصد لنفسها ولا يراد تنظيرها بغيرها. ومن هنا تلاحظ في كتب التفسير  اختلاف بين المفسرين في تفسير هذه اﻵيات كقوله تعالى (.. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [سورة الحج 31] وهذا سوف يأتي معكم، وقوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [سورة النور 39] .
وهناك اﻵيات التي يقول بعضهم هذه جرت مجرى المثل، هذه اﻵية جرت مجرى المثل ولا يسمونها مثلا كقوله -مثلا- (لكم دينكم وليَ دين) يستخدمها بعضهم في المُتاركة إذا رأى واحدا مختلفا معه ولا يمكن أن يلتقي معه في الأمر قال لكم دينكم ولي دين، فأخذ هذه اﻵية من موضعها وأجراها مجرى المثل.
بعض علماء البيان أو علماء البلاغة يقولون "وهذه خرجت مخرج المثل أو جرت مجرى المثل" وهو ما لم يستقل بإفادة المراد مثلا -على سبيل المثال- (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [سورة اﻹسراء 81]  بعضهم يُجريها مجرى المثل عندما ينصر الله الحق فيستشهد الناس ويقولون (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل إلى الكعبة يهدم اﻷصنام ويستشهد بهذه اﻵية وهي قد نزلت من قبل ذلك (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) وقد أخبرنا السيوطي -رحمه الله- بأن جعفر بن شمس الخلافة عقد في كتاب له سماه اﻵداب، عقد بابا (في ألفاظ القرآن تجري مجرى المثل) كقوله تعالى (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) [سورة النجم 58] وقوله تعالى (... كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [سورة المؤمنون 53] وقوله تعالى (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ..) [سورة المائدة 100] وقوله تعالى (... مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة التوبة 91] وقوله تعالى (... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ .. ) [سورة فاطر 43] ونحو ذلك.  وقد أدخل علماء البديع هذه اﻵيات وأمثالها في النوع الذي يُسمّونه إرسال المثل وهو أن يأتي المُتكلم بما يجري مجرى المثل من حكمة أو غيرها فيما يحسُن الثمثل به.
هنا نأتي إلى مسألة ضرب اﻷمثال وفوائدها عند العرب: يعني يُضرب المثل -كما تلاحظون- لتقريب المعنى واختصار الكلام وتأكيد الكلام، وتلاحظون أيضا أن ضرب المثل يحفظ  القصة، اﻵن عندما تستشهد بالمثل تُلخِّص الكلام كله ولذلك يقولون "وفي قليل الإشارة غنية عن إطالة العبارة" والعرب قد طُبعت على هذا تحب اﻹيجاز في الكلام والاختصار  وجاء القرآن الكريم على هذا المنهج الذي تعرِفه العرب وتُدركه ولذلك سوف يأتي معنا قوله تعالى (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا..) [سورة البقرة 264] وسوف نشرحه -إن شاء الله- في وقته.
أيضا يضرب المثل للترغيب في الشيء ويضرب المثل أحيانا للترهيب يعني مثلا للترهيب منه وللتقبيح لشأنه قوله سبحانه وتعالى (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ...) [سورة الحجرات 12] هذا لتقبيح شأن الغيبة وتصويرها كأنها أكل لـ..، أنت اﻵن تستبشع أن تأكل لحم أخيك وهو حي فكيف به إذا كان ميّتا؟! هذا دليل على قُبح الغيبة.
ويضرب المثل للمدح والتحسين كما قال الله سبحانه وتعالى عندما ذكر الصحابة رضي الله عنهم ومدحهم فقال (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّورَاة وَمَثَلُهُم فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ ..) [سورة الفتح 29] .
ويُضرب المثل للذم كما ذكرنا لكم قبل قليل في ضرب المثل للعالِم الذي لم يعمل بعلمه بالحمار وبالكلب.
 والعجيب وأنا أقرأ في الموضوع قبل أن آتي إليكم أجد أن الأمثال الموجودة في القرآن الكريم، اﻷمثال الموجودة في لغة العرب، اﻷمثال الموجودة في العاميات العربية باختلافها، اﻷمثال الموجودة في اللغات الهندية والإنجليزية والفارسية راجعتها جميعا فوجدت المعاني مُتقاربة ﻷن اﻹنسان واحد والتجارب التي يمرُّ بها الناس واحدة ولذلك وجدت مثلا عند اﻹنجليز يقول 《إذا أردت السلم فاستعد للحرب》(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... ) [سورة اﻷنفال 60] ترهبون فقط، نحن نريد السلام ولا نريد الحرب لكن ليس معنى أنك تُريد السلام أن تتخلى عن أسلحتك ﻷن العالم اﻷقوياء لا يعترف إلا بالقوي ولذلك أنظر هذا مثَل عندهم يقولون إذا أردت السِّلم فاستعدّ للحرب  أنت لا تعتدي ولكن سوف يردع ذلك المعتدين.
فهذه الأمثال متقاربة وقد كتب أحدهم كتابا سماه (رحلة اﻷمثال) بعضهم يقول هذا المثل لنا أصلا لكن أنتم أخذتوه، لكن نحن نقول هذه أصبحت من التراث اﻹنساني المشترك،هذه الأمثال ولذلك يحضرني مثل صيني قديم يقول 《لا تلُم أخاك حتى تمشي في حذائه عشر خطوات》أنت أحيانا ترى بعض الناس مهموم أو يتخذ قرار تلومه عليه في حين أنك لو وضعت نفسك في مكانه ربما اتخذت نفس القرار أو ربما قرارا أصعب منه، فلا تلُم أخاك حتى تقف في موقفه هذا معنى المثل. هذا المثل مشهور عند العرب وقد أخذه أبو الطيب المُتنبي فأودعه قصيدته:
لا تعذِل المشتاق في أشواقه ** حتى يكون حشاك في أحشائه
إن القتيل مضرجا بدموعه ** مثل القتيل مضرجا بدمائه
هو بنفس المعنى، وأيضا يوجد له لفظ عند العرب وعند اﻹنجليز، فهذه تجارب مشتركة بين اﻷمم لا تكاد تختصّ بها أمة دون أمة.
هذا -أيها الإخوة- مقدمة عن اﻷمثال عند العرب وما أُلِّف فيها وما صُنِّف فيها وعن كون هذه اﻷمثال هي هذه الخلاصة المركّزة المُوجزة التي أوجزها العرب وجمعوها في قول بليغ موجز حتى يسير ويشيع في الناس.
 استخدمها القرآن الكريم في مواضع كثيرة وجاء القرآن الكريم بأمثال لم تعرفها العرب في بلاغتها وإيجازها وإن كانت فهِمتها، وهناك آيات صرَّح الله فيها بذكر المثل وهذه التي ركزنا عليها في هذه الدورة مثل قوله سبحانه وتعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ..) [سورة البقرة 17] ومثل قوله سبحانه وتعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة 171] ومثل قوله سبحانه (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة آل عمران 117] إلى آخرها.
والمؤلف هنا الد. محمد جابر الفياض جمع اﻷمثال التي وردت فيها اﻷمثال الصريحة والتي ذكرها ابن القيم أيضا وذكرها الماوردي، وأيضا رتّب اﻷمثال التي وردت في العهد المكي واﻷمثال التي وردت في العهد المدني وكانت أكثر .
والموضوعات التي وردت فيها هذه اﻷمثال متفرقة منها موضوعات في شأن المنافقين والحديث عن المنافقين وستأتي معنا اﻵن في أول سورة البقرة،  ومنها أمثال وردت في شأن اﻹيمان بالله سبحانه وتعالى، وفيها أمثال ضربت في شأن المخالفين -الكفار-، وفيه أمثال ضربت للمعرضين من العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم أو الذين كفروا أو غير ذلك. فهي في موضوعاتها مختلفة إختلافا كثيرا حسب السياقات التي وردت فيها.
                                                                                                                                  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق