(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23) وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ (24))
غريب القرآن
مرية = شك
من لقائه = لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء
(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23))
مناسبة هذه الآية للآيات التي قبلها: قال بعض أهل العلم لما ذكر الله سبحانه وتعالى إعراض المشركين عن آيات الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه وتعالى (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ) ذكر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في حال إعراض قومه عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لقي ما لقي من قومه فإنه ليس ببدع من الرسل بل هو عليه الصلاة والسلام رسول قد خلت من قبله الرسل، ووجدوا من أقوامهم ما وجدوا، ومن أشد الأنبياء ابتلاء في قومه هو موسى عليه السلام ولذلك جاء الحديث هنا عن موسى عليه السلام فقال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ)
قال بعض أهل العلم: لماذا جاء الحديث عن موسى عليه السلام مع أنه قد سبقه أنبياء كثير وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته؟ قال بعضهم إنما خص موسى عليه السلام بالذكر أولا لقرب منزلته وزمنه من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قد يقول قائل عيسى هو أقرب الأنبياء زمنا للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن قال بعض أهل العلم شريعة عيسى عليه السلام تابعة لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، الأمر الثاني: موسى عليه السلام قد لقي من قومه ما لقي من الأذى، فإن موسى عليه السلام قد لقي من قومه الذين بُعث إليهم - من قوم فرعون - من الأذى ما الله به عليم، ثم لقي من قومه - بني إسرائيل - الذين آمنوا به أذى كثيرا ولذلك جاء الحديث في قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا مُوسَى فبرأه الله مما قالوا)، وأيضا كثيرا ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين الكتاب - أي التوراة - والقرآن، كثيرا ما يقرِن الله عز وجل بينهما، لأن هذه الكتب قد أُنزلت على أقوام هؤلاء الأقوام كان فيهم من الكبر والاستكبار والاستنكاف عن اتباع الرسل.
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ) الكتاب المراد به التوراة وقيل جنس الكتب.
/ قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) في قوله (فلا تكن) من المخاطب؟ هل المخاطب موسى عليه السلام أو المخاطب النبي عليه الصلاة والسلام؟
قولان لأهل العلم - وهذه الأقوال سينبني عليها الخلاف في قوله (لقائه):
القول الأول: قالوا المخاطب هو موسى عليه السلام في قوله (فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) إذا كيف سيكون تقدير الآية؟ قالوا ولقد اتينا موسى الكتاب قائلين له لا تكن في مرية من لقائه، ومعنى مرية المرية هي الشك والتردد في الأمر.
القول الثاني: قالوا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فلا تكن يا محمد في مرية من لقائه.
ثم اختلف المفسرون رحمهم الله في عود الضمير في قوله (لقائه) فلا تكن في مرية يا محمد من لقاء ماذا؟ على أقوال:
القول الأول: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء، والقائلون بهذا القول يرون أن هذه الآيات نزلت قبل حادثة الإسراء والمعراج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد التقى بموسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج وسلم عليه ودار بينهما حديث، وهذا مشهور معروف في حديث الإسراء.
القول الثاني: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى ربه تبارك وتعالى. وهذا جاء في سورة الأعراف في قوله سبحانه (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا.. ) الآيات
القول الثالث: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى، يعود الضمير على الأذى فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى عليه السلام الأذى.
القول الرابع: فلا تكن يا محمد في شك من تلقي موسى الكتاب في قوله (ولقد اتينا موسى الكتب)
ما هو سبب الخلاف الذي جعل المفسرين يختلفون؟
هذا يسمى عندنا في عود الضمير يسمى من الألفاظ المتواطئة يعني تحتمل هذا وتحتمل هذا، الضمير يحتمل هذا ويحتمل هذا وبناء على ذلك سيكون الحديث بعده، فأنت إذا مثلا اخترت قولا من الأقوال لابد أن تنظم الآية على هذا القول حتى يستقيم لك المعنى.
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) جعلنا ماذا؟
اختلف العلماء في مرجع الضمير في قوله (وجعلناه) هل يعود إلى الكتاب في قوله (ولقد آتينا موسى الكتب) أو يعود إلى موسى عليه السلام؟ قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا: الضمير يعود إلى الكتاب أي ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل. القول الثاني: قالوا: أنه الضمير يعود على موسى أي فلا تكن في مرية من لقاء موسى وجعلنا موسى هدى لبني اسرائيل.
يعني جعلنا موسى هدى أي مرشدا ودليلا لبني اسرائيل للحق، هذا معنى لو قلنا أن (وجعلناه) الضمير يعود إلى موسى (وجعلناه هدى) أي دليلا ومرشدا لبني إسرائيل للحق. أي القولين أصوب؟ الآية تحتمل الإثنين، ولكن بناء على ترتيب الأقوال تستطيع أن تختار القول الذي يناسب القول الذي اخترته في قوله (فلا تكن في مرية من لقائه).
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) أي وجعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب (هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) وهذا جاء في سورة غافر في قول الله سبحانه وتعالى (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب* هدى وذكرى لأولي الألباب) .
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) يعني جعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل لماذا خُص بنو إسرائيل؟ قال بعض أهل العلم: لأنهم هم المنتفعون من هذا الكتاب والكتاب هو الذي تنزل إليهم، أو أن المتعبدون بالكتاب الذي هو التوراة هم بنو إسرائيل الذين بُعث فيهم موسى عليه السلام.
/ (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24))
( لَمَّا صَبَرُوا ) الضمير يعود إلى من؟ قيل أنه يعود إلى بني اسرائيل هذا احتمال، والاحتمال الثاني: قال بعضهم هو يعود إلى أنبياء بني إسرائيل. قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) قبل أنبياء وقيل أئمة أي قادة في الخير لأن النبوة أصبحت تتابع في بني إسرائيل فكثُر فيهم الأنبياء، (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة في الخير يهدون بأمرنا، والسبب الذي جعل بعض المفسرين يقول أنهم هم الأنبياء هو قوله (يهدون بأمرنا) يعني بوحينا.
قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) أي قادة في الخير يقتدى بهم (يهدون بأمرنا) يعني يدعون الناس ويرشدونهم إلى الحق (بأمرنا) أي بأمر الله تعالى لهم أو لأجل أمرنا، ثم اختُلف في الأمر هنا في قوله (بأمرنا) هل المراد به الأمر الشرعي أو المراد به الأمر الكوني القدري؟ قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا: المراد به الأمر الكوني القدري، يصبح تقدير الآية (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) يعني بتقديرنا وبقدرنا، هذا إذا حملنا الأمر على الأمر الكوني القدري.
القول الثاني: قالوا المراد به الأمر الشرعي يعني (يهدون بأمرنا) أي يهدون الناس إلى دين الله عز وجل.
قال بعض أهل العلم والأمر يحتمل الأمرين.
/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وهذا فيه دليل على أن الأئمة الذين يُتبَعون هم يُتبَعون على الهداية وليس على آرائهم، فسبب اتباع الناس لهم هو بسبب اهتدائهم وليس بسبب آرائهم، وهذا يقود الإنسان إلى أنه لا يقلد أحدا إلا لأجل أنه متمسك بالحق ، ويقول الحق ويهدي إلى الحق ، أما أن يتبع الإنسان من يقلد من شاء لأجل آرائه فهذا غير سديد فلا يعلق الإنسان دينه بآراء الرجال بل يتبع المتبعين للحق والذين يقولون الحق بدليله.
/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)
قال بعض أهل العلم: (لما صبروا) أي: حين صبروا على طاعتنا، وفي قراءة ولكنها قراءة شاذة (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لِما صبروا) يعني لأجل صبرهم، قال (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) صبروا على ماذا؟ يحتمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله عز وجل ، والصبر عن معصية الله عز وجل، والصبر على أقدار الله المؤلمة والتي يدخل فيها ما يجدونه من أذية أقوامهم وتعنتهم، وما يجدونه على طريق الدعوة إلى آخره، والأذى في سبيل الله، كلها داخلة في قوله (لما صبروا).
قال بعض أهل العلم: أنهم لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء، هذا الجزاء من جنس العمل بقدر ما يقدم الإنسان لدينه بقدر ما يكون إماما في دينه يقتدي به الناس، الذي يصبر على أذى الناس ويصبر على تبليغ العلم لهم، ودعوتهم يكون إماما في الدين بقدر صبره.
/ قال سبحان تعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا)
إلى من يعود الضمير في قوله (وكانوا)؟ الضمير يعود إلى الأئمة في قوله (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا) أي وكان أولئك الأئمة بآياتنا يوقنون أي لا يشكون في هذه الآيات، ولا فيما دلت عليه من الحق، بخلاف الفاسقين الذين مرّ الحديث عنهم في الآيات السابقة، والذين أعرضوا عن هذه الآيات استكبارا وتعنتا في قوله (ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه ثم أعرض عنها، فهذا الفريق قادة الخير وأئمة الهدى لا يشكّون في هذه الآيات ولا فيما دلت عليه من الحق.
في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) ما المراد بالآيات؟ هل يُراد بها الآيات الشرعية أو يراد بها الآيات الكونية؟
ج: كلاهما يراد بها الآيات الشرعية والآيات الكونية.
في الآية تقديم وتأخير في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) كيف سيكون ترتيب النظم في هذه الجملة؟ التقدير: وكانوا يوقنون بآياتنا، فلماذا قدم الآيات على قوله (يوقنون)؟ للاهتمام بهذه الآيات في قوله (وكانوا بآياتنا يوفتون).
/ قال سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) قال بعض أهل العلم - وهذا من باب الفائدة - بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين، أي لا يكون الإنسان إماما في دين الله عز وجل بحيث يقتدي به الناس ويهتدون به في سيرهم إلى الله عز وجل إلا أن يكون قد حمل الركنين وهما اليقين والصبر، ولذلك قال بعض أهل العلم نصف الإيمان يقين ونصفه صبر، ولذلك الإنسان محتاج إلى الصبر وإلى اليقين، لماذا؟ لأنه إذا لم يصير فإنه نتيجة لذلك لن يوقن، أليس كذلك؟ كيف يستطيع أن يوقن بهذه الآيات وهو ما عنده صبر، قد يتزعزع، لذلك قال بعض أهل العلم: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وقال بعضهم: "الطريق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يعمره أهل اليقين والصبر لأن الإنسان قد يسبب الضغط الذي يحصل عليه من الأذى قد لا يصبر ويجزع، وتأتيه الشكوك يمنة ويسرة، ولذلك قال بعض أهل العلم: "الشهوات تُدفع بالصبر والشبهات والشكوك باليقين".
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (25))
قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ)
لمن الخطاب في قوله (إن ربك هو)؟ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا جيء بلفظ الربوبية في قوله (إن ربك)؟ وهذه فائدة أنكم تتبعون لفظ الربوبية في هذه السورة وسياقاتها فإن في سياقاتها معنى عظيم، الربوبية التربية الخاصة لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامة، والربوبية الخاصة، ولكن فيه فائدة وهي: أن الله سبحانه وتعالى يتولى شأن من يدعو الناس إلى الخير ومن يهديهم إلى الله عز وجل فيرعاه ويحفظه ويحوطه وبيسر له الخير ويحميه ويحفظه فلذلك قيل في الآية (إن ربك) حتى يكون الإنسان مطمئن في سيره إلى الله عز وجل لأنه قد يُلقى عليه من الشبهات أنه كيف وأنت على سبيل الحق تؤذى بهذه الطريقة!! فالله سبحانه وتعالى ينزل على أهل الصلاح وأهل الخير من الصبر أضعاف ما نزل عليهم من البلاء فينظر إليهم الناظر فيظن للوهلة الأولى أنهم في ابتلاءات عظيمة وفي شقاء وهم أكثر الناس طمأنينة وراحة واهتداء، وهذه المصائب يدفعونها بالصبر فهم في نعيم مقيم، فالبلاء هذا لا تظن أنه شر ووبال على الإنسان وإن كان ظاهره فيه العذاب لكن باطنه فيه الرحمة، فتجدهم أشد الناس ثباتا ورسوخا وطمأنينة وهدوءا وسكينة، فالله سبحانه وتعالى يتولى عباده الصالحين قال الله عز وجل (إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) فيحفظهم ويحوطهم بعنايته ويدفع عنهم من الشرور أضعاف ما كانوا يتوقعونه.
/ قال سبحانه وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ) (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم، بين من؟ الضمير يعود إلى من في قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ)؟ يفصل بين بني إسرائيل لأن الحديث عنهم، أو الأنبياء وأقوامهم، أو الدعاة إلى الحق وما لاقوه من الأذى؟ والأولى أن تحمل الآية على العموم أي (إن ربك هو يفصل بينهم) يعني بين جميع الخلق ومنهم بنو إسرائيل، (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون).
س: لماذا جيء بضمير الفصل في قوله (إن ربك هو يفصل بينهم)؟ لو قال إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؟
أن الله عز وجل وحده هو الذي يفصل بينهم وهذا فيه طمأنينة للدعاة الذين ابتلوا، ولأهل الحق أن الله عز وجل هو الذي يتولى هذا الأمر بنفسه جل وعلا فلا يظلم أحد هذا فيه تسلية للمظلوم ، وفيه تهديد ووعيد للظالم، ولذلك إذا علمت هذه الأمور ثبت اليقين في قلبك، وأن الله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم عنده أحد
وعند الله إلى الديان يوم الحشر نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم
فينتبه الإنسان في هذا الأمر.
/ قال الله عز وجل (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ) أي فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا من شأن الدين فيجازي الله سبحانه وتعال ىكل محق ويجازي المبطل كل بماء يستحقه.
وفي قوله (فيما كانوا فيه يختلفون) فائدة وهي: التحذير من الاختلاف في الدين، وهذا من أصل المفاسد، اختلاف الناس في أديانهم، بمعنى أنهم يتفرقون أشياعا وأحزابا في دين الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا قال (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شيعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يفعلون) وذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات في سورة الأنعام قال (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بِكُمْ عَن سبيله) الاختلاف في أصل الدين والمنازعة والتفرق هذا مذموم، هذا أصل المفاسد وأنه ينبغي للإنسان أن يؤوب إلى الجماعة، وأن يؤوب إلى الكتاب والسنة، وأن يرجع إليهما، وأن يرد الأمر إليهما عند الاختلاف والتنازع.
وهنا سؤال هل يدخل فيه الاختلاف في الفروع؟ ونحن دائما نقول اختلف المفسرون، الجواب: لا هذا الاختلافات في الفروع ليس داخلا في هذا نحن نتكلم عن الاختلاف في أسلوب الدين والتفرق والتشردم وفي العقائد ونحو ذلك، هذا هو الاختلاف المذموم، ينبغي للإنسان أن يتمسك بالحق، وأن يؤوب إلى الجماعة وأن يستمسك بالعروة الوثقى لذوي الكتاب والسنة قال الله عز وجل (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .
(أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26) أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28) قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29) فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30))
غريب القرآن:
أولم يهدِ لهم = أولم يتبين لهؤلاء المكذبين
الجُرز = اليابسة الغليظة
الفتح = يوم العذاب الذي تعدوننا
يُنظرون = يُمهلون
/ (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26))
يقول الله سبحانه وتعالى في مفتتح هذه الآيات الكريمات (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين لهم
الضمير يعود إلى من؟ إلى المشركين الذين حكى الله عز وجل عنهم الحديث في الآيات السابقة.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين للمشركين الذين مرّ الحديث عليهم قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا) أي كثيرا من قبلهم من القرون، أي من الأمم السالفة والماضية ككفار قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط ، وما إلى ذلك.
ما نوع الاستفهام في قوله (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ)؟ الاستفهام الكاري.
قال (أولم يهد لهم) يعني أولم يتبين لأولئك كم أهلكنا كثيرا من الأمم الماضية قبلهم (يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ) أي يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا من أولئك، قد أُهلكوا جميعا بسبب ظلمهم وكفرهم.
إلى من يعود الضمير في قوله (يمشون)؟ هل يعود إلى المُهلَكين أو يعود إلى الذين يمشون في مساكنهم؟
ج: احتمالان لأهل العلم تحتملهما الآية، يعني أولم يهد لهم لأولئك المشركين (كم أهلكنا من القرون من قبلهم من القرون يمشون) أي يكون أولئك الذين أُهلكوا هم حال كونهم ماشين في مساكنهم، أو يكون الخطاب لكفار قريش المشركين احتمالان تحتملهما الآية.
قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا منهم بالنسبة لأولئك الذين كانوا يمرون على تلك الديار والله عز وجل حكى ذلك عن كفار قريش قال (وإنكُمْ لَتمُرُونَ عَلَيْهِم مصبحين وبالليل أفلا تَعْقِلُونَ) وقال (وإنهما لبإمام مبين) فلا يتعظون حينما یرون تلك الأمم التي أُهلكت بسبب تعنتهم على أنبيائهم وإنكارهم ما جاءت به الرسل.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ) اسم الإشارة يعود إلى ماذا؟
إلى إهلاك أولئك القوم، قال (إن في ذلك) أي في ذهاب أولئك القوم وخلو مساكنهم بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه وتعالى وتكذيبهم لرسل الله عز وجل قال (إن في ذلك لأيات) يعني لدلالات وعِبر وعظات لمشركي قريش وغيرهم.
قال (إن في ذلك لآيات) لماذا جمع الآيات في قوله (إن في ذلك لآيات) ولم يقل إن في لآية؟ قال بعض أهل العلم: لأنه لما ذكر القرون والمساكن بالجمع ناسب أن يأتي يجمع الآيات.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ) أي أفلا يسمعون آيات الله سبحانه وتعالى وإخبار الله عز وجل عن الأمم الماضية ويسمعون ما حلّ بهم - أي بالأمم الماضية - سماع تدبر واتعاظ فيتوبوا إلى الله عز وجل ويتركوا الشرك ويصدقوا الأنبياء فإنهم إذا اتعظوا زال عنهم ما قد يحلّ بهم كما حل بالأمم السالفة من الهلاك.
س: لماذا جيء بقوله (أفلا يسمعون) عن الأخبار عن الأمم الماضية؟
قال أهل العلم: إنما جيء بلفظ السماع في قوله (أفلا يسمعون) لأن القرون الهالكة والماضية هم في الحقيقة لم ينظروا إلى عقوباتهم، ولم يشاهدوها، لكنهم وإن كانوا مروا عليها بعضهم أو تلقّاها بعضهم سماع وصارت أخبارهم تُنقل وتصل إليهم أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ، ولذلك الله سبحانه وتعالى لما ذكر عن قوم سبأ قال (ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) فقد استقر عند أولئك من الأخبار وتواترت عندهم الأخبار بأن الله عز وجل قد عاقب تلك الأمم، وأصبحت أخبارهم تصل إليهم فهم حينئذ لا يسمعون سماع تدير وانتفاع وإن كانوا يسمعون في الحقيقة، قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لآيت أَفَلا يَسْمَعُونَ)
(أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27))
(أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ) إلى من يعود الضمير في قوله (أولم يروا)؟ إلى المشركين المكذبين بالبعث.
قال (أولم يروا) أي: أولم ير المشركون المكذبون للبعث (أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا ، وسوق الماء هذا قد يكون بسوق السحاب الذي يحمل الماء، وقد يكون أيضا بسوق الماء نفسه أثناء السيل، وقد يكون أيضا بسوق الماء بإجرائه من الأنهار والعيون وكل ذلك محتمل.
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا (إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ) أي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وهذه الأرض اليابسة التي لا نبات فيها يحتمل فيها عدم النبات احتمالات:
الاحتمال الأول: أن لا تنبت هذه الأرض بسبب عدم وجود الماء
الأمر الثاني: أو أنها قد أنبتت لكن رُعيت هذه الأرض وأزيل نباتها فحينئذ سميت هذه الأرض بالأرض الجُرز
لا كما قد يفهم البعض أن الأرض التي لا تنبت أصلا، ليس هذا هو المقصود، هذه الأرض تنبت لكنها لم تنبت إما لعدم وجود الماء أو أنها قد أنبتت لكن أزيل هذا النبات بسبب رعي الأنعام فيها، لأنها لو كان الأمر كذلك، لو كانت الأرض هذه غير صالحة للزرع لما قال بعد ذلك (فنُخرج به رزعا) فدل على أن هذه الأرض صالحة للزرع لكنها كانت يابسة إما لعدم وجود الماء، أو أنها رُعيت، كان فيها نبات ثم رعي هذا النبات وأزيل.
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجُرز) أصل جُرز هذا يدل على ماذا؟ يدل على القطع، سميت الأرض بذلك لأنه قد قطع عنها النبات. قال: (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا) في قوله (فنخرج به) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى الماء، لماذا جيء بقوله (فنُخرج به) ولم يقل -مثلا- فيخرج منه زرعا؟
قال أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة العظيمة فإنهم ليس لهم فيها أدنى عمل قال الله عز وجل في سورة الواقعة (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) هذا من نعم الله سبحانه وتعالى ومنته على خلقه أن يهيئ لهم أسباب الزرع، وأن ينبت لهم الأرض، وهذا أيضا فيه دليل على ماذا بطريق الأولى؟ فيه دليل على البعث.
قال (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ ) أي فنخرج بذلك الماء (زَرۡعٗا) زرعا (تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ) أنعامهم أي مواشيهم، (وأنفسهم) أي تتغذى به أبدانهم، ولماذا قدم الأنعام على النفس؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقال بعضهم بل رعي المواشي وهذه الأنعام هو من أكلهم الذي سيأكلونه فيؤول إليهم.
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الخرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم) استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن الأصل فيما نبت من الأرض أنه حلال لنا لأن الله عز وجل ساقه مساق الامتنان قال (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) وهذه قاعدة أن الأصل فيما أنبتت الأرض أنه مبني على الحِل.
قال (فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ) الاستفهام استفهام تقريري، معنى الآية: أفلا يرون كيف أحيا الله الأرض بعد موتها فيعلم قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد موتهم، ولماذا جيء بقوله (أفلا يبصرون) والآية السابقة (أفلا يسمعون)؟ لأن إنبات الأرض شيء مشاهد ومرئي بالنسبة لهم فهم يرونه ويشاهدونه، وكذلك إنزال الماء فهم يرون الأمطار، ويرون جريان الأودية ويرون الأنهار والعيون وما إلى ذلك.
(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28))
على من يعود الضمير في قوله (ويَقُولُونَ)؟ إلى أولئك المشركين المنكرين للبعث.
قال الله سبحانه وتعالى (ويقولون متى هذا الفتح) أي متى هذا القضاء والحكم؟ متى يأتي الحكم الذي يفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون فيعذبنا وينصركم علينا؟ (إن كنتم صادقين) يعني إن كنتم صادقين في أننا معاقبون على شركنا وتكذيبنا، وهذا الأسلوب منهم أسلوب استهزاء وتكذيب لأنهم يقولون إن كنتم صادقين متى سيكون هذا اليوم والحكم الذي سيكون بيننا وبينكم فتنتصرون علينا ويعذبنا ربنا؟ فهذا كلامهم سيق مساق الاستفهام، ولو لاحظتم أنه جاء في بداية الآية بقوله (ويقولون) بالفعل المضارع لسبيين:
السبب الأول: أن هذا الأمر أي التكذيب والاستهزاء حاصل منهم على طريقة الاستمرار أنه مستمر تكذيبهم
السبب الثاني: بالفعل المضارع لإثارة التعجب منهم كيف يقولون هذا الكلام؟ وكيف يستعجلون عذاب الله عز وجل؟
قال الله عز وجل (ويقولون من هذا الفتح إن كنتم صادقين) يعنى متى يكون يوم الفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم ستُنصرون علينا وأنه سيحل بنا العذاب على زعمكم -كما يقولون-؟ هذا أسلوب استهزاء.
والصحيح أن المراد بالفتح هنا والمقصود به الحكم والفصل متى سيكون؟ بعض المفسرين ذهب إلى أن المراد بالفتح هنا فتح مكة، ولكن هذا القول قول ضعيف ومردود والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل يوم الفتح - فتح مكة - إسلام الطلقاء، ولو كان المراد بالفتح فتح مكة لما قبِل إسلامهم لأن الآية تقول (قل يوم الفتح لا ينفع الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانهم) فدل ذلك على أنه ليس المراد بالفتح هو فتح مكة، المراد به الفصل.
/ (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29))
الخطاب في قوله (قل) للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل يا محمد يوم الفتح - يوم الفتح أي يوم الحكم ومجيء العذاب - الذي تسألون عنه (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم)، هنا في فائدة: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (قُل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا) كان تقدير نظم الآية أن يقال قل يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم ، فلماذا جاء بالاسم الظاهر مقام المُضمر؟ قال بعض أهل العلم: لبيان أن كفرهم هو سبب خيبتهم وهلاكهم.(قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ)
قال سبحانه وتعالى (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ) هم سألوا عن ماذا في قوله (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين)؟ سألوا عن الوقت كان التقدير أن يكون الجواب عن الوقت فيقال وقت الفتح يوم كذا وكذا لكنه عدل عن الجواب إلى جواب آخر وهذا يسمى عند البلاغيين بأسلوب الحكيم، يعني أن تعدل عن جواب السؤال الذي سؤل إليك إلى جواب آخر، فهم سألوا عن الوقت قالوا (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) كان تقدير الجواب أن يقال يوم الفتح هو يوم كذا وكذا، ولكن قال (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) فجاء بجواب آخر وعدل عن تعيين يوم الفتح، كأنه قيل لهم ليس المهم أن تسألوا عن الوقت ولكن المهم سيقع الفتح بينكم وبين المسلمين وحينئذ لا ينفعكم إيمانكم فسلك بهم مسلك التهديد مطابق لتكذيبهم واستهزائهم، هل سؤالهم كان سؤال استعلام أو كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد؟ لما كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد، ناسب أن يأتيهم بتهديد مقابل استهزائهم، لو كان سؤالهم حقيقة سؤال استعلام حقا كان الجواب مطابقا لسؤالهم، لما كان سؤالهم تكذيب واستهزاء ناسب أن يأتي بتهديدهم، وبيان العاقبة لهم. وهذا مثل ما سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال له: ماذا أعددت لها؟ لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة.
قال الله عز وجل (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) أي ولا يمهلون ويؤخر عنهم العذاب ليتوبوا، وهذا يوم الفتح متى؟ يوم القيامة، وقال بعضهم: يوم الفتح يوم نزول عذاب الله وسخطه عليهم وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) أي لا يأخرون ولا يمهلون إلى أجل آخر.
/ (فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30))
(فأعرض عنهم) الخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: فأعرض عنهم يا محمد، (عنهم) أي: عن أولئك المشركين الذين يستعجلونك بالعذاب فإن استعجالهم بالعذاب كان من باب الاستهزاء والتهكم.
قال (فأعرض عنهم) أي فأعرض عن المشركين يا محمد وانتظر، انتظر ماذا؟
قيل: انتظر حتى ينزل بهم العذاب وينصرك الله عليهم، (إنهم منتظرون) منتظرون ماذا؟
*قال بعض أهل العلم: (إنهم منتظرون) أي أنهم منتظرون ما تعِدهم به من العذاب ومجيء الساعة
*أو يحتمل منتظرون بك يا محمد حوادث الأزمان ليستريحوا منك قال الله عز وجل في سورة الطور (أم يقولون شاعرٌ نتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُون (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فإني معكم من المتربصين (31))
*وقيل: هم منتظرون الفرصة لحربكم ولإخراجكم
ثلاث احتمالات قالها المفسرون في تقدير المعمول في قوله (منتظرون)، وأي الاحتمالات أقرب؟ جميع الاحتمالات فالقاعدة التي تعتمد عليها حذف المتعلق يفيد العموم فيدخل فيه الاحتمالات الثلاث.
الهدايات العلمية والعملية:
/ على الداعية أن يتمتع بعدة أوصاف منها: الصبر على مشاقّ العبادات وأنواع البليات، وحبس النفس عن ملاذ الشهوات.
/ في إهلاك الله تعالى للقرون السابقة أكبر واعظ لمن له قلب وبصيرة.
/ لا تُقبل التوبة عند الغرغرة وعند طلوع الشمس من مغربها.
العمل اليومي:
/ كن داعيا إلى الخير
/ استعرض من قصص القرآن ثلاثا من صور العذاب الدنيوي التي عوقب بها العصاة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق