الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

وقفات مع أواخر سورة البقرة / رحلة تدبر / الشيخ خالد الخليوي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد ..
 فنستعين الله سبحانه وتعالى في هذا اللقاء في ذكر كلام أهل العلم عند تأملهم عند تفسيرهم لآخر آيتين أو ثلاث آيات من سورة البقرة ونحن نأخذها من خلال حلقات رحلة التدبر.
 ورد في الحديث الصحيح في مسلم وفي النسائي وفي غيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع جبريل عليه السلام وهذا الحديث ذكرناه في خطبة الجمعة لكن تكلمنا عنه وعن الآيتين بما يناسب الجمعة والجمعة إنما يناسبها الاختصار أما الدرس ففيه الإسهاب والإطناب وذكر المسائل والأحكام واللطائف .
 (كان جبريل قاعداً مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع نقيضاً في السماء) ، ما النقيض ؟ صوت في السماء - (فقال جبريل عليه السلام : يا رسول الله هذا باب من السماء فُتح لم يُفتح قبل قط ) أول مرة يُفتح هذا الباب، والسماء أبواب { وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} إذاًً السماء أبواب ،هذا الباب لم يُفتح إلا في تلك اللحظة (فنزل منه ملك لم ينزل قبل قط) ملائكة الله سبحانه وتعالى كُثُر لا يحصيهم ولا يعلم عددهم إلا الله عز وجل فهذا الملَك نزل أول ما نزل تلك المرة فنزل الملك (فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال له : أبشر) وفي هذا استحباب التبشير بالخير ، الله عز وجل قال : { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ } بدأ بالبشارة وهو القائل في الصفاء والمروة : ( أبدأ بما بدأ الله به ) فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا أم بالمروة ؟ بالصفا لأن الله بدأ بالصفا { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ }، والأصل في دعوة الإنسان للآخرين أن يبدأ بالبشارة هذا هو الأصل كما بدأ الله سبحانه وتعالى مهمة الأنبياء مبشرين ومنذرين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا ) إذاً الأصل البشارة ، وقبول الناس سبحان الله بالبشارة أكثر ثباتاً وقناعة من قبولهم بالنِذارة، والبشارة ما تعريفها ؟ هي الخبر السار الذي يظهر أثره على البشرة -على وجه الإنسان- لماذا سُميت بشارة ؟ لأنه يظهر آثارها على البشرة قال الله سبحانه وتعالى : { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } لأنهم يعيشون في نعيم لامس قلوبهم فأثر على وجوههم.
 فقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم : ( أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك ) إذاً تكرر النفي ثلاث مرات :
باب من السماء لم يفتح قبل قط
 ملك نزل لم ينزل قبله قط
 ( أبشر بنورين لم يؤتاهما نبي قبلك سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة )
(أبشر بنورين) إذاً القرآن نور يُضيء لك الظلمات .. يدلك على الخير ، النور يجعل لك الأمور واضحة بيّنة تعرف الحلال من الحرام والخطأ من الصواب بل إذا استضأت بهذا النور ما تعرف الخطأ من الصواب والحلال من الحرام فقط بل تعرف شر الشرين وخير الخيرين، يكون عندك معرفة للأولويات وتعرفون أنه في قواعد الإسلام أنه ـ أحياناً ـ يجوز للمرء أن يرتكب أدنى المفسدتين في سبيل دفع أعلاهما، ويجوز له ـ أحياناًـ أن يترك أدنى الخيرين في سبيل التمسك بأعلاهما ولذلك قال شيخ الإسلام أو غيره : "ليس العالم الذي يعلم الحلام من الحرام النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الحرام بيّن والحلال بيّن ) إنما العالم الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين".
 قال : ( ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة لا تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته )
قال أهل العلم : أن المراد بالحروف هنا الدعوات الموجودة فيها فلا تدعو بهذه الدعوات الموجودة في سورة الفاتحة وفي خواتيم سورة البقرة إلا استجاب الله تعالى لك، وجاءت الأحاديث الصحيحة تدل على هذا المعنى في البخاري وفي مسلم، أما في سورة الفاتحة فقال الله عز وجل في الحديث القدسي : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل - حتى وصل إلى قوله - فإذا قال العبد : إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم - إلى تمام الآيات - قال الله عز وجل : هذه لعبدي ولعبدي ما سأل ) وفي نهاية سورة البقرة إذا قال العبد :{ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال الله عز وجل : قد فعلت ، فالحمد لله على فضل الله سبحانه وتعالى .
 / يقول الله عز وجل : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } هذه الآية تدل على عموم شمول ملك الله سبحانه وتعالى، كل ما في السماوات وما في الأرض لله عز وجل فالله سبحانه وتعالى هو مالكه والمُتصرف فيه وفي هذا إبطال ما اعتقده المشركون أو مازالوا يعتقدون أنه هناك من يملك غير الله سبحانه وتعالى يعني يملك إستقلالاً، وجاء الرد عليهم في قول الله عز وجل : { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } أنتم تظنون أنهم يملكون نفعاً أو ضراً أو تأثيراً في هذا الكون أو شفاء، أنتم تظنون أنهم يمكن أن ييسروا لكم الأمور ويختاروا لكم الخير، الله ينفي عنهم هذا ويقول: { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } ويقول :{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } فهذه الآية ترد على من يظن أن هناك من يملك ملكاً مستقلاً عن الله تعالى .
/ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ }
ظاهر هذه الآية أن أي شيء تُحدِّث به نفسك تُظهره تبديه أو تخفيه أن الله عز وجل يحاسبك عليه يوم القيامة ولذلك ورد في صحيح مسلم أن هذه الآية لما نزلت شقّت على الصحابة رضي الله عنهم وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجثوا على ركبهم : (يا رسول الله حُمّلنا ما لا نطيق الصيام والصلاة والزكاة وقد أنزل الله عز وجل عليك هذه الآية) وكأنهم يقولون الصيام والصلاة والزكاة استطعنا عليها لكن هذه الآية إذا فهموهما بظاهرها لا نستطيع عليها { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } فقال النبي صلى الله عليه وسلم يعاتب الصحابة : ( هل تريدون أن تقولون كما قالت اليهود والنصارى سمعنا وعصينا أو كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فبدأ الصحابة يقولونها فلما أقترأوها وسهُلت في ألسنتهم كرروا قولها سمعنا وأطعنا .. سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير أنزل الله سبحانه وتعالى البشرى لهم بقوله : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } ثناءً عليهم وعليه صلى الله عليه سلم ثم بعدها { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } إلى تمام الآيات . وفي هذا يقول أهل العلم إن طاعة الله سبحانه وتعالى والامتثال لأمره وتهيئة النفس والعزم على فِعل ما يريده الله مني سبب للتيسير ، وأن العزم على عدم طاعة الله عز وجل وتهيئة النفس على عدم الامتثال مُسبقاً سبب للتعسير والمشقة ولذلك اليهود لما { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } جاء عليهم التشديد، أما أهل الإيمان لما قالوا : { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} جاءت لهم البركات والخيرات { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } فوجب على الإنسان أن يهيئ نفسه، ولماذا يهيئ نفسه ؟
أولاً : لأن الآمر الله، ولأن هذا الإله الآمر رحمن رحيم هو أرحم بك من أمك وأبيك أرحم بك منك لو شرّعت أنت لنفسك .
ويا سبحان الله الآن تأتي الاكتشافات العلمية للتشريع الذي اختاره لنا في أدق الأمور، تجد أن الاكتشافات العلمية صحية كانت أو تربوية أو في الفلك تثبت أن ما اختاره الله عز وجل لك هو الأفضل، والمجال يتسع من أجل الحديث عن هذا الموضوع لكن من ألطف ما ورد في تهيئة الصحابة قلوبهم لطاعة الله عز وجل ما ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية وأمّر عليهم عبدالله بن حذافة السهمي - رضي الله عنه وأرضاه - وعبد الله بن حذافة رجل صاحب مزاح ورجل غضوب في نفس الوقت فأغضبوه فقال لهم بعد ما أغضبوه : ألست أميركم ؟ قالوا : بلى ، قال : ولي الطاعة ؟ قالوا : بلى قال : إذاً فاجمعوا لي حطباً فجمعوا الحطب طاعة للأمير قال : فأشعلوا فيها النار فأشعلوا النار فقال لهم قعوا فيها. فترددوا قالوا : نحن ما اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم إلا هروبا من هذه النار ونقع فيها ، ثم قال الصحابة بعضهم لبعض : لا نفعل شيئاً حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم . إذاً ما معنى كلامهم ؟ يعني سنسأل إن قال النبي صلى الله عليه وسلم قعوا فيها نقع فيها نريد أن نتأكد من صحة الخبر هل هو شرعي أو لا، من صحة فعلنا، إذاً عندهم تهيئة نفسية لوسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : نعم أطيعوه لوقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا أن يقعوا فيها : ( لو دخلتم فيها ما خرجتم منها إنما الطاعة في المعروف ) لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حتى لو كان ما كان لأن كل أحد يؤخذ من قوله ويُرد، كل أحد يُخطئ ويصيب ، الذي نأخذ كلامه على الإطلاق ونطيعه هو النبي صلى الله عليه وسلم وما يبلغه عن ربه سبحانه وتعالى .
 { (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ }
إذاً الأمر بيد الله سبحانه وتعالى لكن لا تنسى أن مشيئة الله ليست كمشيئة المخلوق يعني لا تظن أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله عز وجل يحصل له ما يحصل للخلق من الضعف العاطفي ، من الغضب أحياناً على المخلوق ثم التعجّل بالعقاب لا .. الله سبحانه وتعالى لم يكن عنده مشيئة محضة، فقط مشيئة إنما مشيئة مع عِلم، مع حكمة، مع رحمة، مع لُطف، مع إحاطة وإطلاع على كل شيء، ليس كالمخلوق، المخلوق عنده مشيئة أن يفعل ما يشاء، أن يُنفق أو لا ينفق لكن أحياناً يخطئ، يخطئ المخلوق شاء شيئاً فأخطأ فيه .
بسم الله الرحمن الرحيم نُتِم ما قد بدأناه مستعينين بالله سبحانه وتعالى ..
إذاً مشيئة الله سبحانه وتعالى مشيئة مع حكمة مع علم مع لُطف ليست كمشيئة المخلوق ربما يجهل أشياء، ربما المخلوق أحياناً يعذب من يشاء أن يعذبه هو لكن يخطئ في هذا العذاب، أو يكرم من يشاء ثم يخطئ في هذا الإكرام .
{ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
{ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إذاً هذا خبر لكن هذا الخبر يحرّضك على أن تدعو الله سبحانه وتعالى بما تريد ، طيب لماذا أدعو الله عز وجل بما أريد من خيري الدنيا والآخرة ؟ لأن الله على كل شيء قدير ، الذي ليس على كل شيء قدير هو البشر، كثيراً ما تطلب البشر شيئاً فيقول ما أستطيع، ما أملك، إما أن يقول لا أملك أو أن يقول هذا ليس في يدي ما أملك التاجر أحياناً يقول : لا أملك الآن أو يقول : في هذه اللحظة لا أملك، الطبيب أحياناً يقول كل البحوث التي عملتها والاختبارات التي قمت بها لك تعطيني نتائج أنا أعجز عن التعامل مع هذه النتائج، أما الله سبحانه وتعالى فهو على كل شيء قدير، ويخطئ أحياناً بعض من يدعو الله سبحانه وتعالى فيقول : اللهم اغفرلي اللهم وفقنا اللهم انصرنا إنك على ما تشاء قدير .. لا الله ليس على ما يشاء قدير بل هو قدير على كل شيء ما شاءه وما لم يشأه فالله قدير على كل شيء .. عرفتم الفرق بين العبارتين .
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } { آمَنَ } هذا خبر من الله سبحانه وتعالى وخبر متحقق لأنه جاء بالفعل الماضي، إذاً أمر متحقق، طيب إذا قال المخلوق لمخلوق آخر : إن فلان آمن، إن فلان تاب، إن فلان أسلم، هذا فيما يظهر له يمكن يكون فلان آمن أو أسلم في الظاهر لكن في الخفاء هو آمن وأسلم خداعاً للمسلمين، أو نقول فلان قبل شهرين التزم وتاب إلى الله سبحانه وتعالى فيما نراه نحن من الظاهر لكن الله أعلم بسريرته، لكن إذا حكم الله عز وجل عن أحد بأنه آمن إذاً يقيناً آمن، يقيناً آمن، فالله عز وجل يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحكي عن أصحابه من المهاجرين والأنصار وهذا يرد على الرافضة الذين يعتقدون أن الصحابة كلهم أرتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو أربعة أو خمسة على حسب الخلاف عندهم، طيب كيف يقول الله سبحانه وتعالى { آمَنَ } فالله عز وجل يعلم ما الذي سيكون بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما الذي سيكون من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ومعاوية يعلم ما الذي سيكون من الصحابة كيف يقول : { آمَنَ } وهو يعلم أنهم سيرتدون إلا أن هذا محض افتراء على أولئك الأطهار قادهم إلى هذا الافتراء حقد دفين، بدأ هذا الحقد من حين أن أسقط عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بأيدي المؤمنين وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه امبراطورية فارس .
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } ألطف تعريف من أجمل التعاريف التي قرأتها لتعريف الإيمان وهو تعريف مختصر وجميل أن الإيمان هو: الإقرار المُستلزم للانقياد والإذعان ، إذاً تصديق إقرار مستلزم للانقياد والإذعان لا مجرد القول بأني مؤمن، هل يكفي القول بأني مؤمن ؟ هل يكفي قول بأن لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ ما تكفي، أما الإيمان بالربوبية فقط هذه آمن بها المشركون ومع ذلك سمّاهم الله مشركين، ها هو إبليس يؤمن بأن الله ربه، إذا ما يكفي مجرد التصديق أو مجرد المعرفة بأن تعرف أن الذي خلق الوجود هو الله سبحانه وتعالى .. لا ، لم لا تُكمل ولذلك يقولون الربوبية تستلزم الإلهية طيب ، والإلهية تتضمن الربوبية، الربوبية تسلتزم الإلهية مادمت آمنت بأن الله هو الخالق الرازق المُحيي المُميت طيب هذا يقتضي أن تعبده والا ما فائدة إذا سألناك من الذي ينزل المطر ؟ الله ، من الذي ينبت الزرع ؟ الله ، من الذي يشفي المرضى ؟ الله ، من الذي يعافي المبتلين ؟ الله ، من الذي يستحق العبادة ؟ الله ، من الذي خلق الوجود كله ؟ الله .. الله .. الله طيب تعبد من ؟ أعبد غير الله؟! النتيجة غير منطقية، أصلي لغير الله!! أخاف من غير الله!! أنحر لغير الله!! أحب المحبة الكاملة لغير الله سبحانه وتعالى!! نتيجة غير منطقية .
والإلهية تتضمن الربوبية ، مادمت تعبد الله سبحانه وتعالى وتنحر له يعني هذا أنك مؤمن بأنه الرب الخالق الرازق .
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } لاحظوا { آمَنَ الرَّسُولُ } من المراد بالرسول هنا ؟ محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك هنا أل الموجودة في الرسول تسمى "أل العهدية" هناك أل العهدية وهناك "أل الاستغراقية" وهناك "أل الجنسية" فإذا قلت مثلاً الإبل أفضل من الغنم هل هي استغراقية؟ لو كانت استغراقية يعني كل إبل خير من كل غنم هذا غير صحيح، بعض الإبل ضعيفة وهزيلة ومريضة، وبعض الغنم قوية فتكون الغنم هنا أفضل من الإبل، إنما الجنس - جنس الإبل - أفضل من الغنم لأنه أكثر لحماً وأطيب ربما ، أما إذا أردت العهدية فهي أمامنا الآن، أما إذا أردت الاستغراقية فهي التي تستغرق جميع .. إذا قلت الإنسان محاسب يوم القيامة يعني كل إنسان محاسب يوم القيامة هذه استغراقية تستغرق جميع أفراد هذا الجنس .
 { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه } { مَا } هنا اسم موصول والاسم الموصول يدل على العموم إذا آمن الرسول بكل ما أُنزل إليه من ربه ما اختار ولذلك الله عز وجل عاتب اليهود { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ } إذاً الله سبحانه وتعالى أنزل التشريع كاملاً والخير لك في اقتصادك وسياستك وتربيتك واجتماعك وعلاقتك الإنسانية وعلاقتك الفردية ومع زوجتك وأولادك أن تؤمن بالكتاب كله وهذا لم يحصل عند كثير من الدول الإسلامية قالت نحن مسلمون لأننا في العلاقات الزوجية إذا أردنا أن نعقد نعقد باسم الإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أتقبل بفلانة زوجة لك ؟ نعم قبلت طيب.
 وفي الإقتصاد؟ لا في الإقتصاد لا نأخذ بالإسلام.
 طيب وفي السياسة ؟ ما نأخذ بالإسلام
 طيب وفي الإعلام ؟ ما نأخذ بالإسلام
طيب أين { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ }؟
أين أنتم من قول الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً }؟
ما تختار، هذا الإسلام لا تختار أولست تؤمن أن الذي أنزل هذا القرآن هو الله سبحانه وتعالى، أولست تعتقد أن الله عز وجل هو أعظم وأجل وأفضل من يُشرَّع لهذا الإنسان لأنه هو الذي خلقه { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } فلماذا تلجأ إلى بشر؟! ما يقولونه اليوم يمكن أن يغيروه في الغد وما غيروه في الغد يمكن أن يرجعوا إليه بعد الغد وهذا حاصل في البشر، أما الله سبحانه وتعالى فهو العليم الحكيم. وقلنا من حظر منكم خطبة الجمعه أن هذه الآية رد على ما يتفوه به البعض ممن قرأوا في الليبرالية وربما أُعجِبوا بشيء منها ولا أظن أن فيها شيء يعجبك وعندك الإسلام فيقول أنا مسلم ليبرالي ، أو أنا مسلم علماني ، لا إذا فهمت حقيقة الليبرالية وحقيقة الإسلام لا يمكن أن تقول أنا مسلم علماني أو أنا مسلم ليبرالي، إما أن تقول أنا مسلم وإما أن تقول أنا ليبرالي، ما يمكن، كيف تجتمع ؟ إذا جمعتهما في نفسك يعني هذا أنك جاهل إما بالإسلام أو في الليبرالية والعلمانية أو بالتعبيرين كليهما، ما يمكن.
 يعني هل يمكن أن يقول أحد أنا اسود وأبيض؟ ما تجتمع ما تجتمع، ما يمكن أن تقول هذه العبارة أنا مسلم ليبرالي، حتى لو فصّلت لنا نقول تفصيلك يشفع لك أن لا نعاتبك كثيراً لكن تعبيرك خاطئ ، سيبقى تعبيرك خاطئاً.
 بعضهم يعرِّف الليبرالية ما هي الليبرالية يا جماعة ؟ الحرية المطلقة، وإلا الإسلام يعطيك حرية، حتى بعضهم يُعرّفها واشرحوا لي هذا التعريف يقول : الليبرالية هي منع المنع ، من يشرح لنا هذه العبارة الليبرالية هي منع المنع ، ما فيه خطوط حمراء، ما فيه أحد يمنعني، أفعل ما أشاء، أختار ما أشاء، آكل ما أشاء، أنكح ما أشاء، أعتقد ما أشاء <منع المنع>  شيء اسمه ممنوع ما فيه ، ويكذب ما يستطيع كيف منع المنع ؟ هل أنت تطبق الليبرالية في بيتك وتقول منع المنع وإذا اخطأ ولدك تقول ماذا أفعل منع المنع؟ ما تستطيع، هذا هُراء والله هراء، ثم يأتي بعض كُتابنا بعض مثقفينا - وعليهم العتب مثقف يُعتبر- ويتبنى هذه الليبرالية ويقول : أنا ليبرالي مسلم .. أنا علماني مسلم، ما يمكن وكيف تقارن بين مشروع قرره مخلوقون ضعفاء لا وقرروه مخلوقون كفار وقرروه في حيثيات معينة وظروف معينة هروب من تسلط الكنيسة فقامت عليها الثورة الفرنسية فخرجت العلمانية والليبرالية والحداثة حرباً على الدين الذي صوَّره بشكل خاطئ قساوسة ذاك العصر فتنقله إلى عالمك الإسلامي وعندك هذا النور ( أبشر بنورين أُوتيتهما ) لكن سبحان الله من خرج من هذا الدين ولم يستضئ بنوره يقع في التناقض .
 { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } ما الذي أُنزل من ربه ؟ الكتاب والسنة ، هل السنة أُنزلت ؟ هل السنة وحي؟ نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أوتيت قرآنا ومثله معه ) يعني أنه وحي ( أوتيت قرانا ومثله معه ) والله عز وجل قال : { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } فالكتاب هو القرآن والحكمة هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } قال الله عز وجل : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } طيب ما الفرق لو جاءت الآية آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه؟ هل فيه فرق ؟
جـ: الله عز وجل هنا يقول الرسول آمن بكل شيء لكن المؤمنون بعضهم آمن وبعضهم لم يؤمن.
 لا.. الله عز وجل يتكلم هنا عن الصحابة قال الله عز وجل : { وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ } فالله أثبت لهم الإيمان.
جـ : أن المؤمنين تبع للنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون لهم تشريع مستقل.
 طيب نُتم هذه النقطة بعد فاصل قصير فابقوا معنا .
نعود إليكم مرة ثانية مستعينين بالله سبحانه وتعالى كنا قد وقفنا عند ما الفرق بين { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } وبين ما لو كانت الآية آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه أو بما أنزل إليهم ؟
نقول أصل التشريع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تبع ولذلك وقف بعض أهل العلم عند هذه الآية وقال : إذا أردت أن تعرف مقدار إيمانك فانظر إلى مقدار اتباعك ، وهذا والله معيار كاشف لنا، تريد أن تعرف درجتك في الإيمان أنظر إلى درجتك في الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس أصلاً ما يمكن أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الامور لماذا ؟ لأنه لا يعرفها لم يقرأ عنها لم يطّلع عليها، إذا قبل أن تتبع النبي صلى الله عليه وسلم وتؤمن به عليك أن تتعرف سيرته، وقلت لكم وقلت ذلك في أكثر من مكان ليست سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليست الرحيق المختوم فقط أو سيرة ابن هشام فقط أو الفصول في سيرة الرسول لابن كثير فقط .. لا، أرجع إلى صحيح البخاري أقرأه كاملاً متع ناظريك وطهر لسانك وفؤادك وشنّف آذانك بقرآءة صحيح البخاري كاملاً سواء المُطوّل فإن لم تستطع فالمختصر وقل مثل ذلك في صحيح مسلم، وإن كان عندك يعني جهد أكثر فاقرأ كتب السُنن واختر اختياراً عشوائياً أو اختياراً منظماً حتى تعرف كيف كانت هذه السيرة.
 { وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } في قراءه سبعيه صحيحة { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُابِهِ وَرُسُلِهِ } إذا قلنا كتُبه يعني الكتب طيب وكتابه ؟ لا، ليس القرآن جنس الكتب، ليس المراد به كتابا واحد وإنما المراد جنس الكتب أحياناً يطلق الشيء مفرداً ويراد به الجنس كما قال الله عز وجل في سورة النور : { أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } يعني طفل واحد ؟ لا.. كل الأطفال، وكما قال الله سبحانه وتعالى : { أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ } هي غرفه واحدة أو غرفات ؟ ولذلك جاء في الآية الثانية { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ } فالمراد هنا الجنس وإن كان قد ذُكر مفرداً.
 { كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } هذه أصول وأركان الإيمان { كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ } وهو الإله الرب، ثم الملائكة، لاحظوا الترتيب يقول ابن حيان الأندلسي : "هذا ترتيب بديع الله وهو الرب، الملائكة وهم الواسطة، الكتب وهي المُرسل بها -المادة المُرسل بها- ثم الرسل" جاء الترتيب منضبطاً بديعاً .
 نحن نعرف أن أركان الإيمان بالله عز وجل ستة ما الذي لم يُذكر هنا ؟ اليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره لِم لَم تُذكر؟
هي مذكورة لكنها ضُمِّنت فذكرت الأساسات ، أين نضع الإيمان باليوم الاخر ؟ الكتب ففيها الحديث عن اليوم الآخر وفيها الحديث {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } هذا دلالة على أنهم آمنوا بالله واليوم الآخر وأن من معتقدهم الإيمان بالله واليوم الآخر { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }.
 { وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ } آمن بالله ماذا ؟ موجوداً .. خالقا .. رازقا .. إلها معبوداً { آمَنَ بِاللَّهِ } معبوداً لا يستحق العبادة أحداً إلا هو  {آمَنَ بِاللَّهِ} مُشرِعاً ، ماهو امن بالله خالقاً فقط ومُشرّعاً أيضا ، ولذلك ترى الخلاف مع من يُسمّون أنفسهم بالليبراليين أو العلمانيين تتفق معهم بأني أؤمن بالله خالقاً طيب الأنبياء ما جاءوا بالايمان بالله خالقاً وفقط لأن المشركين كانوا يؤمنون بالله خالقاً ورباً جاءهم بالتشريع مشرّعاً قالوا : لا.. التشريع نأخذ من الإسلام ما يناسبنا ونأخذ من اليهودية ما يناسبنا، من النصرانية ما يناسبنا، من منتوجات البشر ما يناسبنا .. لا هنا أنت خالفت الإيمان، أنت نقضت أصلاً من أصوله، فتؤمن بالله خالقا وتؤمن بالله مشرعاً لا يستحق أحد التشريع الا هو { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } .
{ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ } نحن نؤمن بالملائكة من نعرف منهم بشكل خاص ومن لا نعرف منهم نؤمن أن لله ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، ونؤمن بالتخصيص فنؤمن بأن جبريل أفضل الملائكة وأنه موكل بإنزال الوحي، وإسرافيل، ومالك خازن النار وهكذا.. إذاً نؤمن بالله سبحانه وتعالى وملائكته، والملائكة هذا اختبار لإيمان الإنسان بالغيب، ويا سبحان الله يقول أحدهم -أحد المفسرين- : "أنظر إلى المناسبة البديعة الجميلة ما بين بداية السورة و نهايتها { الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ } ذُكِر الكتاب { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } هنا يؤمنون بالملائكة وهي غيب { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } لاحظ { بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } فناسب بداية السورة نهاية السورة .
 { كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ } ما الكتب التي نعرفها ؟ الإنجيل لمن ؟ عيسى عليه السلام ، الزبور لداوود { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } والتوراة لموسى عليه السلام والقرآن للنبي صلى الله عليه وسلم والصحف لإبراهيم وموسى، وبعضهم يرى أن صحف موسى عليه السلام إنما هي التوراة { كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ } والأظهر - والله أعلم - أن كل نبي بعثة الله سبحانه وتعالى ورسول أرسله جعل معه كتاباً ويدل على هذا قول الله سبحانه وتعالى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } فكل من أرسله الله سبحانه وتعالى كان معه كتاب .
{ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } ما المراد بـ { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } يعني الإيمان بهم جميعاً وأنهم مُرسلون من عند الله سبحانه وتعالى وأنهم صفوة الخلق وأنهم صادقون وأن لهم الكمالات البشرية في الخلق وفي الخُلق، لا أن لا نفرق بينهم في التفضيل فبعض الأنبياء أفضل من بعض لكن كلهم جاوز القنطرة، كلهم بلغ الحد في الفضل والاصطفاء والإجتباء وإلا فالله عز وجل قال : {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} لكن إن كان التفضيل سبب للمنازعة فيأتينا هنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (لايقول أحدكم أنا خير من يونس بن متى ) وهذا من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فهو القائل بالوحي : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقال عن نفسه أن الوسيلة لا تنبغي إلا لشخص واحد هو هو صلى الله عليه وسلم فما أخذ الوسيلة إلا لأنه هو أفضل الخلق أو أفضل الانبياء على الاطلاق .
 { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } وليس المقصد هنا { لَا نُفَرِّقُ } يعني نحن نقول : يا أيها اليهود نحن نؤمن بموسى نبيكم ولكم أن تتبعوه، ويا نصارى نحن نؤمن بعيسى ولكم أن تتبعوه و تسيروا على شرعه، لا.. نحن نؤمن بنبيكم صحيح لكن لكم أن تتبعوا شرعه لا، هذا لكم أن تتبعوا شرعه حينما كان مبعوثاً لكم، وإلا فالانبياء ينسخ بعضهم رسالة بعض حتى جاء الدين الخالد { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بربه كما في صحيح البخاري ( والله لا يسمع بي مؤمن قط والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لايؤمن بي إلا دخل النار ) يحلف بالله سبحانه وتعالى .
{ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ويا سبحان الله نحن أهل الإيمان الذين نؤمن بالرسل جميعا وبالأنبياء جميعاً أما بقية الديانات المُحرفة فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون بالبعض الآخر، أما نحن فنؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجميع الانبياء .
{ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } قال المؤمنون وقال معهم النبي صلى الله عليه وسلم : { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } سبحان الله .. الآن بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبما أنزله عليهم وبالملائكة وبالكتب وبالرسل ومع ذلك ما اعتمدوا على عملهم طلبوا الغفران من ربهم سبحانه وتعالى وهذا ديدن الأولياء، ديدن الصُلحاء الذين وصلوا إلى درجة عالية مع كثرة ما يعملون سبحان الله .. تجد كثرت ما يستغفرون، عجيب يعني أنت مؤمن بالله، باذل للصالحات، محافظ على الصلاة، قارئ للقرآن، بار بوالديك، عندك من اليقين بوعد الله عز وجل ما ليس عند غيرك ومع ذلك تُكثِر الاستغفار ؟! هكذا ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله أنت عبد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر لماذا تقوم الليل حتى تتفطر قدماك ؟ ( أفلا أكون عبداً شكوراً) (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) كما قال الله سبحانه وتعالى : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } { يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } يعني يخافون على أنفسهم مع أنهم فعلوا ما فعلوا هكذا، ولذلك الصحابة يُبشرَون بالجنة يبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم وما يزيدهم ذلك التبشير إلا زيادة في العمل وزيادة في البذل وزياده في الخضوع لله والتواضع مع خلقه .
 { وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ما المراد بالسماع هنا ما المراد بسمعنا ؟ يعني الطاعة القبول لا مجرد سماع الأذن إنما سماع الأذن الممتد لسماع القلب، الممتد إلى عمل الجوارح كما نقول نحن : سمع الله لمن حمده يعني أجاب الله من حمده ليس مراد بها السماع وإلا فالكفار يقولون : { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ما المراد بالسماع هنا ؟ { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } يعني لو كنا نطيع وإلا هم فكانوا يسمعون، فالسماع أنواع: سماع الأذن، ثم سماع الفَهم، ثم سماع التطبيق { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } يعني أطيعون وإلا سماع الأذن حصل لكم لكن أطيعون يقول الشاعر :
دعوت الله حتى خفت ** أن لا يكون الله يسمع ما أقول
 ماذا يكون معنى السماع هنا ؟ الإجابة ، يقول : دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول يعني يستجيب ما أقول .
{ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }.
 إن شاء الله تعالى نُتم ما تبقى من هذه السورة في اللقاء القادم . أسال ربي سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسعادة في الدنيا وفي الآخرة بارك الله فيكم طابت أيامكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق