الاثنين، 11 يوليو، 2016

المثل في سورة الزمر

د. محمد بن عبد الله بن جابر القحطاني


 ننتقل إلى مثلٍ أخر وهو المثل الثالث في سورة الزمر 
 قال -اللَّهَ تَعَالَى-: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[الزمر: 29].

 طَبْعًا قبل هذه الآية: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[الزمر: 27- 28]. الأولى يتذكرون: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[الزمر: 27-29].
 ما هو المقصود من المثل؟ واضح جدًا، مثل مَن ومَن؟
 أعظم حقيقة في الإسَّلَام وأعظم موضوع في القُرْآنِ ماذا؟ التوحيد والشرك، هذا مثلٌ للمُوحد والمشرك، وبيان الفرق بينهما. الذي لا يسع العاقل إذا عرفه إلا أن يكون من أهل التوحيد ويشمئز من الشرك وينفر منه ولا يتلبس به بأي حالٍ من الأحوال.
 فيقول الله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) والضارب للمثل هنا هو الله عز وجل وفيه معنى الأمر: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) فاضرب لهم مثلًا (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) طَبْعًا المثل الشأن أو القصة العجيبة مر معكم تعريف الأمثال.
  (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا) طَبْعًا المثل - بالمناسبة خاصة أنه جاء معنا- المثل يا إخوان هل هو شيء حقيقي وإلا شيء معنوي وخيال؟ هل يشترط في المثل أن يكون واقعًا؟ طيب هل يمكن أن يكون واقع؟ 
 نعم ممكن يكون واقع وهو قليل، والأكثر لا أنا أقصد أمثال القُرْآنِ أكثرها معنوية معقولة، أما الواقع عندنا سورة يس مثل وقع -قصة- (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) إذًا هي مثل لشيءٍ وقع حقيقة مثل القصة؛ لكن أكثر أمثال القُرْآنِ هي تصويرية ليست مثل القصة، القصة حقيقة واقعة، لكن المثل تصوير -خيال- يضرب لك شيء متخيل في الذهن لكنه يُصور المعنى المعقول في صورةٍ محسوسة، لا يلزم أن يقع طَبْعًا لا يلزم أن يقع المُمثل به. لذلك يقولون في تعريف الأمثال: هي تصوير المعنى المعقول في صورةٍ محسوسة لها وقعها في النفس بعبارةٍ بليغةٍ مؤثرة، فالأمثال أكثر مجرد شيء يُضرب للتصوير، قد يكون واقعًا كقول -اللَّهَ تَعَالَى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ)، (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً)؛ لكن كثير من الأمثال هي عبارة عن أشياء متخيلة في الذهن لا يلزم أن تقع.
فيقول الله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا) هل الرجل هنا مرادٌ به الاقتصار على الرجل، وإلا يدخل فيه المرأة؟ يعني لو كانت امرأة تدخل؟ تدخل.. لو كانت المرأة مشركة ما تدخل؟ لكن المقصود لأن أكثر خطابات العرب تُوجه للرجال، هذا من جهة .
 والأمر الثاني: أن الذي يتأثر بالصورة المُمثل بها أكثر هو الرجل، لأن الرجل هو الذي يتضايق ويتعب من الاختلاف. بخلاف المرأة أَحْيَانًا لا تبالي، وإلا فهي داخلةٌ في المثل، داخلة في المُمثل به هنا، فيقول الله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)[الزمر: 29]. ما معنى (فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)؟ 
التشاكس هذا يعني الاختلاف مع سوء الأخلاق، يعني مُتَشَاكِسُونَ مختلفون سيئو الأخلاق ما هو فقط اختلاف ، مع سوء. ولذلك لفظ (مُتَشَاكِسُونَ) هنا لفظ بديع يعبر عن معنيين في آنٍ واحد، عن اختلاف مع سوء خلق، لم يقل: فيه شركاء مختلفون وإنما مُتَشَاكِسُونَ. الاختلاف مع الأخلاق قد يُوصل فيه إلى حل ويتفاهم المختلفون؛ لكن مع سوء الأخلاق لا مجال للوصول إلى حل، ففيه شركاء يعني يملكه عددٌ من الشركاء المختلفين المتشاكسين سيءِ الأخلاق. هذا يأمره بالقيام وهذا بالقعود، وهذا أذهب وهذا تعالِ وهذا أحضر كذا وهذا اجلس معي، ما حاله؟ يعني مثل واحد عامل عنده خمسة يشتغل معهم في آنٍ واحد.. أحضر الشاي .. تعال أريدك تجلس .. اذهب بهذه الأوراق .. أين أنت ما رأيتك .. واحد مرسله إلى السوق .. واحد يقول أريدك تجلس ، عذاب، يعني هذا مثل المشرك له أكثر من آلهة (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) وَرَجُلًا سَالَمًا لِرَجُل .. وَرَجُلًا خاَلَصًا لِرَجُل، طَبْعًا يُتصور هذا أكثر في العبد؛ لما يكون عبد وسيده واحد وعبد سيده خمسة .. ستة كلهم مشتركون فيه. رجل خالص لرجل يفهمه ويعرف ما يريد، وما يطلب وما مقصده وما أخلاقه وما طباعه خلاص عرف.
(هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) طَبْعًا الاستفهام بمعنى؟ الجواب لا طَبْعًا. (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)؟ لا والله لا يستويان فكذلك حال المشرك والمُوحد، لْا يَسْتَوِيَانِ بحالٍ من الأحوال، فالمُشرك مترددٌ بين آلهته التي يعبدها يُرضي من ويسخط من .. ويدعو من ويلجأ إلى من .. من هو الحق منهم .. من هو الأنفع منهم، الشرك هذا حتى الفطرة لا تُقِره، ولذلك هو مكابرة ، الشرك مكابرة، حتى لو قيل للمشرك: يعني لو كان عاقلًا ومنصفًا يعني ترضى بهذا في قرارة نفسك، عقلك يقبل؟ يقول: لا.. مثل هذا الرجل حُصين لما جاء إلى الرسول -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام-، قال: «كم لك من آلهة؟ »، قال: سبعة ستةٌ في الأرض وواحد في السماء ، عدد كبير هذا. لما سأله سؤال عقلي: «من لرغبك ورهبك؟ »، من الذي صدق؟ قال: الذي في السماء، طيب خلاص ما هو الداعي للذي في الأرض؟ تقليد ولا أيش ولا جهالات طَبْعًا، تقليد الآباء والأجداد هذا المشرك متردد. لكن لو فكر بعقله الشرك تمُجه العقول والأفهام أَصْلًا؛ لكن سبحان الله إذا أُتبع الهوى وكُذب بالحق يعمه الإنسان، ويُختم على قلبه ما عاد يميز. الموحد ما يعبد إلا ربًا واحدًا يسعى في رضاه، ويطيعه ويعرف من هو ويرتاح، طَبْعًا هذا في الشرك والتوحيد.
 لكن أَيْضًا يا إخوان هل هذا له تعلقٌ بنا نحن؟. 
أعظم الناس سعادةً وفلاحًا هم أهل التوحيد، ما هو بشرط يعني التوحيد في كل شيء، أنت لما يكون لك هدف واحد تنجزه وإلا ما تنجزه؛ لكن لما تحدد لك في الأسبوع خمسة أهداف ضعت فيها يعني. ولذلك مهم جدًا لذلك قال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) يعني مؤمن موحد له رب واحد. من أسوء ما يجعلنا نهتم ونغتم ونضيع إرضاء جميع الناس. نريد نرضي هذا وأرضي هذا وأرضي هذا، في سلوكياتنا في أفعالنا في حياتنا فنتعذب، ولذلك النعمة العظيمة التي من رُزقها فقد وفُق هدف واحد ما تُرضي إلا الله ولا تهتم إلا بالله ولا تتعلق إلا بالله ترتاح؛ لكن ما أكثر ما نهتم في الناس؛ حتى في لبسنا .. حتى في أكلنا .. ترانا جالسين نُمثل نريد نرضي هذا ونرضي هذا، لا يتكلم عليَّ أحد. لذلك أحد من المربين جالس يربي ولده، قال: يا ولدي ترضي مين -باللهجة المصرية طبعا- قال: أرضي الله، قال: وبعدين؟ قال: أنت، قال: لا، قال: الرسول، قال: لا، قال: أمي، قال: لا. قال: يا الله أبحث عن الجواب، قال: فمن طيب؟ قال: ابحث عن الجواب، جلس مدة طويلة يبحث في الأخير طفش الولد، قال: ترضي مين؟ قال: الله، قال: ومين بعدين؟ قال: وبس، قال: صح هذا هو الجواب. وبس أرضي الله وبس، لماذا تسعى في إرضاء الناس؟ هذا يريدك تلبس لبس ، والثاني يقول: ما هو هذا اللبس؟ ما هو لائق، وهذا يقول. وحتى لما ندعو أحد إلى مناسبة هذا يبغى أكل وهذا يبغى أكل، وهذا ترضي هذا وترضي هذا ستعذب، لذلك أسعد الناس من جعل همه رضا ربه بس، قبل أن تفعل أي شيء لا تقول: ماذا يريد الناس بل ماذا يريد الله ما الذي يرضي الله وبس، غضب من غضب ورضي من رضي لا يهم، ومن فعل هذا رضي الله عنه وأرضى الناس عنه وارتاح.
وما أكثر ما نتعذب في حياتنا بسبب إرضاء الناس، لما يأتي الصيف تأتي مناسبات زواج، يريدون يرضون الناس كلهم، يدعوا هذا ويدعوا هذا ويسووا في هذا لماذا؟ من أجل الناس. لكن لو كان يريد يرضي الله ماذا يسوي؟ يفعل شيء مختصر وينتهي، لكن يخاف يقول الناس لماذا، لماذا لم تصنع .. لماذا لم تفعل؟ هذه صورة أخرى للتوحيد والشرك.
 ليس معنى الشرك أن تعبد عبادة، التعلق الخوف الحب والرجاء إرضاء الناس هو نوع من جعل لهم نصيب في أعمالك وفي حياتك. ولذلك هذا مثل عجيب قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)[الزمر: 29]؟ والله لا يستويان. كذلك التوحيد والشرك لا يستويان.
 الحمد لله .. الحمد لله على وضوح الحقيقة، الحمد لله على نعمة التوحيد، تراك في نعمة عظيمة، خاصةً من لم يعرف الشرك، ما درى ما هو المشرك فيه. لكن الذي أشرك -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشرك- كان مشركًا، لذلك ترون أنتم من مَنّ الله عليه بالهداية يشعر بشعور لا يوصف، كأنه كان في غاية العذاب والألم ودخل في نعيم (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)، المشرك هذا في الظلمات: (لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)[الأنعام: 122] وفي نفس السورة: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[الأنعام: 22] ضلال .. حيرى .. تخبط .. بس كثير من الناس ما يعرف فضل الإسَّلَام، ولا قدر نعمة الله عليه بهذا التوحيد، تعبد الله وتصلي لله، وتقول: أشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ وأن محمدًا رسول الله، هناك من يسجد لصنم، يسجد لبقر، يسجد لشمس، يسجد لفأر، يسجد لكل شيء يعبدونه من الذي أنعم عليك بهذا؟ ذكاءك .. عقلك .. قدراتك؟ لا والله، الله أنعم عليك قل الحمد لله ، لذلك قال: الحمد لله، وتخيل دلالة الحمد لله هنا، الحمد لله على وضوح الحقيقة .. الحمد لله على رد شبه المبطلين .. الحمد لله على نعمة التوحيد (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) والله قد منّ عليك بالعِلم، فأحمد الله -جَلَّ وعلا- على أن جعلك ممن يعلم مثل هذه الحقائق ويطبقها في حياته؛ احمد الله حمدًا دائمًا كثيرًا طيبًا على أن جعلك مُوحدًا ولو شاء لما كنت كذلك. نسأل الله -جَلَّ وعلا- أن يثبتنا وإياكم على التوحيد وعلى الإيمان الصادق حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا، غير مبدلين ولا مغيرين.

 لتحميل الملف الصوتي :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق