الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

تفسير قصار المفصل -٣- الشيخ د محمد بن علي الشنقيطي / سورة الليل



 الحمد لله .. الحمد لله العلي العظيم ..العلي الكريم ..الحي القيوم .. الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وإمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين ثم أما بعد ..
 معاشر الأخوة الفضلاء .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحباً بكم في روضة من رياض الجنة يُتلى فيها كتاب الله ويُتدارس فتنزل الرحمة وتنزل السكينة وتنزل الملائكة وتحصل المغفرة بإذن الله .
 هذه السورة تُسمى سورة الليل لأن الله جل وعلا ابتدأ فيها القسم بالليل وقد ذكرنا فيما مضى أن القَسَم بالشيء يدل على تعظيم ذلك الشيء
وأن له شأن خاص، وأن التقديم في الذِكر يدل على الأهمية وقد قُدِّم في الذكر هنا الليل على النهار فأيهما أفضل ظرف الليل أو ظرف النهار ؟
كلاهما ظرف للعمل لكن أحدهما العمل فيه مخفي لا يُرى، والثاني العمل فيه ظاهرٌ يُرى، والعمل الخفي أحب إلى الله من العمل الظاهر لذلك قال الله جل وعلا : { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}.
إذاً هذه السورة أيضاً أُفتُتِحت بثلاثة أقسام :
القَسَم الأول :وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }
القَسَم الثاني : { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }
القَسَم الثالث : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } .
طبعاً سنأتي لـ "مَا" ونتحدث عنها هل يُقصد بها "من" فتكون بمعنى الموصول ويكون المُقسم به هو رب العالمين، أو أنه المقصد خلق الذكر والأنثى ويكون المُقسَم به هو فعل الله في خلق الذكر والأنثى وفي ذلك آية.
 طبعاً هذه الأقسام الثلاثة بمجموعها هي سِر تقدم الشعوب، سِر تقدم الحضارات، سِر تقدم الإنسان ، فإن جمع هذه هو القوة .
 الليل والنهار ظرف لزمان ، والذكر والأنثى الإنسان ، والسعي الذي جاء بعد ذلك لا يخلو من هذين، لايخلوا سعيٌ من زمان يُسعى فيه، ولا يخلو سعيٌ من إنسان يسعى به فأصبحت الثلاثية هذه : الزمن والإنسان والعمل هي ثلاثية النجاح، فإذا أُعطِيت زمناً وأُعطيت عملاً وقمت بالعمل في الزمن المحدد فأنت ناجح ، لكن إذا أُعطيت زمناً وأُعطيت عملاً وانتهى الزمن ولم ينتهِ العمل فهل تكون ناجحاً؟ لذلك هذه المعادلة هي معادلة أُمم قبل أن تكون معادلة شعوب أو أفراد، هذه المعادلة هي سر نجاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لهذه الأمة وللأمم السابقة عليها فقال : ( إنما مثل أمتي ومن كان قبلها - يعني من الأمم - كمثل رجل استأجر أُجرَاء يبنون له بيتاً فعمِلوا من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر ثم رفعوا أيديهم وقالوا : أعطنا أجرنا قال : لم ينتهِ العمل ولم ينتهِ الأجل فتركهم واستأجر أُجرَاء من بعد الظهر فعملوا حتى صلاة العصر فرفعوا أيديهم وقالوا : أعطنا حقنا قال : لم ينتهِ الأجل ولم ينتهِ العمل فتركهم واستأجر أجراء فعملوا حتى انتهى اليوم وغربت الشمس فأعطاهم أجرهم وأجر من كان قبلهم ) الأمة الأولى : أمة اليهود عمِلت حتى بعث عيسى فكفرت به وقالوا : ليس برسول هو ابن زنا شيئاً فرياً فلعنهم الله وغضب عليهم. الأمة الثانية : أمة النصارى عمِلت من الظهر إلى العصر فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به وقد كفرت به اليهود من قبل فأيضاً غضب الله عليهم ولعنهم وطردهم.
 والأمة الثالثة : أمة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت في الوقت ما بين العصر إلى المغرب نهاية الدنيا .. آخر الأمم وأخذت الأجر كاملاً أجرها وأجر من كان قبلها لذلك قال الله جل وعلا : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أُخرِجَت قبلكم أمة اليهود، أُخرجت قبلكم أمة النصارى، أُخرِجَت أمة الصابئة، أُخرِجَت أمم الأنبياء لكن كل أمة فشلت في الاختبار الزمن انتهى وما عمِلت شيء، لكن أنتم أُخرِجتم فحافظتم على الزمن { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } فما مرّ ليل إلا ولكم فيه صلاة ، وما مر نهار إلا ولكم فيه صلاة، ما مر ليل أونهار إلا ولكم فيه زكاة، ما مر ليل أونهار إلا ولكم فيه طاعة وقُربة لله، إذاً ذكرُكُم وأُنثاكم يحبهم الله ولذلك أقسم الله بالذكر والأنثى بعد الليل وبعد النهار لأن العمل مشترك بين الإثنين فكل ساعٍ ذكراً كان أو أنثى فإن سعيه سوف يُرى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } .
/ هذه السورة نزلت بعد سورة الأعلى بعدما نزلت سورة الأعلى { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } نزلت سورة الليل
والمناسبة بين سورة الأعلى وسورة الليل واضحة جداً فإن سورة الأعلى فيها تسبيح لله { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } .. إلخ السورة ، طيب متى تُسبِّحوا ؟ إما في الليل إذا سجى أو في النهار إذا تجلى فإن الوقتان وقتا تسبيح لكن الله جل وعلا خصّ بعض الأوقات بالتسبيح لأهميته فقال الله جل وعلا : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ } فلو نظرت لهذا التداخل بين ساعات الليل وساعات النهار في التسبيح لرأيت أن الليل والنهار كلاهما ظرف للتسبيح والتسبيح هو تنزيه الله جل وعلا ، وأول التسبيح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله لأنها تنزيه الله سبحانه وتعالى التنزيه المطلق .
/ أيضاً نزلت بعد هذه السورة سورة الفجر يعني بعدما انتهت في النزول سورة الغاشية نزلت بعدها سورة الفجر وجاءت سورة الفجر على نفس المنوال فقد أفتتحت سورة الليل بالليل { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } ولما انتهى النزول جاءت السورة التي بعدها بتقرير مسألة الليل فجاءت بالفجر وهو آخر الليل ثم ذكرت بعده ليال عشر حتى لا تبعد عن أهمية الليل وعن أهمية الفجر بالذات وقرآن الفجر { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } .
/ سبب نزول هذه السورة قيل أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما اشترى بماله الأرِقّاء المسلمون كبلال بن رباح وغيره واعتقهم في سبيل الله فكان ذلك الفعل منه سبباً لعِتقه هو من النار فسُمي عتيقاً لأنه اعتق العُتقاء في سبيل الله ولأنه أول من أعطى ماله يتزكى في سبيل الله ولذلك نزل فيه قول الله جل وعلا : { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } ، وأبو بكر بإجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل السنة والجماعة أتقى هذه الأمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك نزلت فيه الآية { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ } هذه الآية نزلت رداً على كلام أمية وغيره من المشركين عندما جاء أبو بكر يحمل الذهب ودفعه فداء لبلال قالوا : إنما اشترى أبو بكر بلال لأن بلال كانت له حسنة على أبي بكر ، فقال تعالى : { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } .
/ طبعاً في ترتيب المصحف - وهو ترتيب توقيفي على الصحيح - جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة بين سورتين بين سورة { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا } وسورة { وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } والمناسبة في جعل الليل بين نهارين واضح لأنه لا يمكن للنهار أن يتصل بالنهار حتى يدخل بينهما ليل لذلك كانت السورة الأولى الشمس وهي آية النهار والسورة التي تأتي بعدها في المصحف الضحى وهي أيضاً من النهار فجاءت سورة الليل بينهما.
 أيضاً أن خواتم سورة الشمس التي كانت معنا ماهي ؟ درس أمس آخر آية { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} هؤلاء المفعول بهم هل هم في هدى أو في ضلال ؟ في ضلال ، أيهما أنسب للضلالة { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } أو { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } ؟
{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } فكأن الليل بسواده يرمز للظلام والظلم والضلال والفساد كما يرمز أيضاً للعذاب لأن الليل سبب الضيق، الظلمة سبب الضيق والنور سبب الانشراح والسِعة ولذلك قال الله جل وعلا : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } شرح الصدر يكون بالنور { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } وضيق الصدر يكون بالظلمة ، لذلك قال الله جل وعلا : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } .
/ أيضاً من مناسبة هذه السورة مع السورة التي قبلها: أن السورة التي قبلها ذكر الله فيها الفلاح المطلق { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } في هذه السورة بيّن لنا نموذج للمُفلح الذي زكّى نفسه وهو مَن ؟ الأتقى ، فإذا أردت أن تعلم معنى { قَدْ أَفْلَحَ } و {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ونزلت إلى سورة الليل فإن سورة الليل تُبين لك ما لم يتِمّ تفصيله في السورة التي كانت عندك من قبل ولذلك هذا سر تسمية سور القرآن بسور القرآن فأصل تسمية السورة من السُؤر والسُؤر البقية ، إذا شربت من الماء أو غيره وتركت بقية يقال : هذا سؤر فلان أي بقية شُربه ومنه كما ورد في الحديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سُؤر الهرة يعني إذا شربت الهرة من إناء وبقي سؤرها قال : ( هن من الطوافين عليكم ) إلى غير ذلك ، فالسؤر هو البقية فمن هذا المعني عُلِم أن كل سورة في القرآن تبقى بقية من معانيها في السورة التي تليها ، أضرب لكم أمثلة : - أول سورة في القرآن عندما تفتح المصحف سورة الفاتحة ، الفاتحة جاءت مُجملة وما بعدها سورة البقرة فصّلت بعض الإجمال الوارد في سورة الفاتحة تقول في الفاتحة : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ثلاثة ، تجيك البقرة تُفصِّل لك المُنعَم عليهم هم المتقين كما قال تعالى : { الم* ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } ما صفاتهم ؟ { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } إلخ الآيات ، طيب { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تأتيك أيضاً { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } طبعاً يدخل اليهود والنصارى في { الَّذِينَ كَفَرُوا }، ثم يأتيك أولائك الآخرين هم الضالون المُنافق ضال ولو كان في الضلالة سبقه النصراني ولكنه ضال ويدخل في عموم الضالين لأن الضال هو: الذي يحسب أنه يصنع شيئاً ويعمل شيئاً وهو لا يعمل شيئاً { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ } ماذا ؟ {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } فيدخل المنافقون في الضالين وتأتي التفاصيل لما أُجمل في خواتم سورة الفاتحة .
- كذلك خواتم سورة البقرة تأتي فواتح سورة آل عمران تُفصِّل لك ما أجمل - هذا من باب المثل - فمثلا : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } ماهو الذي أنزل إليه؟ وكيف آمن ؟ تأتيك فواتح سورة آل عمران لتُبين لك ماذا أنزل يقول الله جل وعلا : { الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ }، هناك في خواتم البقرة { أُنزِلَ } وهنا جاء التفصيل.
 وقِس على ذلك بقية السور فمثلاً عندنا في سورة الشمس قال : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } انتهى الموضوع آيتين فالذي زكّى نفسه تأتي التفاصيل في سورة الليل كما بينا .
هذه السورة أختلف في نزولها الصحيح أنها مكية وهذا القول الصحيح وهناك قول أنها مدنية وأصحاب هذا القول أستدلوا بسبب نزول وذُكِر - وهو ضعيف - أن رجلا من المنافقين كان مُجاور لرجل من المؤمنين في المدينة هذا الرجل المؤمن فقير لا يملك شيئاً وهذا الرجل المنافق في حائطه نخل وإحدى النخلات هذه قريبة من جدار المؤمن فلما ارتفعت مالت على جهة حائط المؤمن فأصبح بعض الرطب يتساقط في حائط هذا المؤمن وهذا الرجل المنافق كل ما سقطت تمرة نزل حتى بعض الأحيان الأطفال يجد هذا المؤمن قد أخذ التمرة إلى فمه فالمنافق ينزعها من فمه من شدة بُخله، فهذا المؤمن تأذى فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو الحال قال يارسول الله : إن جاري له نخلة وقد طالت وتساقط بعض ثمرها وقد طلبت أن يبيعني إياها فأبى وطلبت منه أن يسامحني فيما أخذ غلماني من ثمرها فأبى فاحكم بيني وبينه يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المنافق قال ( يا فلان أتبيعني نخلتك هذه بنخلة في الجنة؟ فقال هذا المنافق : لا ولا ألف نخلة - يعني واحد في يدك ولا ألف ليست في يدك انظروا عدم الإيمان تكذيب- سمِع هذا الكلام رجل من الأنصار اسمه أبوالدحداح عنده مزرعة من أحسن مزارع المدينة، بستان فيه أربعين نخلة من أجود نخيل المدينة فجاء إلى هذا الرجل وقال : بكم تبعني نخلتك ؟ قال : لا أبيعها إلا إذا عطيتني بستانك الفلان الذي فيه أربعين نخلة أبيعك ، قال : قد أعطيتك إياه - اشترى نخلة واحدة بأربعين نخلة .. بستان كامل- قال : لا أقبل حتى تُشهِد، فأشهد جماعة من الصحابة فشهدوا فذهب أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول النخلة أصبحت في ملكي وهي لك يا رسول الله إن شئت أعطيتها للرجل وإن شئت أفعل فيها ما تشاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ربح البيع أبا الدحداح كم في الجنة من عِذْق لأبي الدحداح ) واشترى أبو الدحداح نخلة واحدة في الجنة بأربعين جنة في الدنيا فكان تصدُق فيه هذه الآية { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } ولكن الصحيح أن هذه ليست سبب النزول وإنما وافقت سبب النزول والعلماء يقولون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والصحيح أن الآية هذه نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
/ يقول الله جل وعلا : { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } هنا سؤال والذي يجيب عليه له جائزة إذا جاءت الجوائز لأن جاءني خبر إن فيه جوائز.
 لماذا قال الله جل وعلا : { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } بصيغة المضارع - "يغشى" فعل مضارع - وقال : { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } و { تَجَلَّىٰ } فعل ماضِ؟
 { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ } طبعاً ذكرت لكم في البداية أن هذه الثلاث هي سِر التقدم [زمنٌ، وعاملٌ في الزمن وسعي العامل] الإنسان ذكراً كان أو أنثى والسعي .
سبحان الله يقول الله سبحانه وتعالى : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ } قدَّم الله الذَكر في هذه الآية على الأنثى كما قدم الليل على النهار أتدرون لماذا ؟ لأن الذكر هو الأصل قال تعالى : { اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } والنفس الواحدة هو آدم وزوجها يعني حواء والأصل مُقدم على الفرع .
 كذلك الأخ أشار إلى إشارة حلوة لكن ليس فيها الجواب أن الليل سابِق والليل هو الأصل والنهار فرع منه، لكن ليس معنى الأصل أنه يكون مضارع المضارع لأمر آخر ، الليل يأتي بالتدرج قليلاً قليلاً قليلاً حتى يكتمل أما النهار مرة واحدة فلذلك أصبح النهار كأنه ماضٍ من أول ما تطلع الشمس خلاص نهار أما الليل تصلوا المغرب ومازال نهار والليل لا تدرون باقي نور، فالليل يأتي سواده بتدرج شيئاً فشيئاً فأصبح مضارعاً لأنه مُعاش وأما النهار فلأنه يأتي دفعة واحدة ومرة واحدة فأصبح النهار إذا تجلى وظهر وانتهى . / هنا يقول الله جل وعلا بعد هذه الأقسام : { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } سبحان الله هناك كلام جميل ذكره ابن القيم يقول -رحمه الله- : "زمان السعي أقسم الله بزمان السعي و هو الليل والنهار وبالساعي وهو الإنسان ليُبين أن الساعي مُختلف كاختلاف زمان السعي" .
 الآن الليل والنهار بينهم تشابه ؟ متعارضين هذا سواد وظلام وهذا نور وضياء وإشراق، كما أن هذا يختلف عن هذا فإن سعي الساعي مُختلف، واختلاف السعي على اختلاف الليل والنهار فمن السُعاة -الناس الذين يسعون- مَن سعيه نهار ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك هذه كتاب الله وسنتي ) هؤلاء سعيهم نهار كُله، وهناك سعي آخر سواد كله { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } لذلك كان القَسَم بالليل والنهار قبل السعي مناسب جداً .
/ { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ }
{ إِنَّ } تفيد التوكيد وهذا المقسَم عليه { إِنَّ سَعْيَكُمْ } ما الفرق بين السعي والعمل ؟ لماذا لم يقل : إن عملكم لشتى ؟ هل العمل شتى أو السعي شتى ؟ هل هناك فرق بين العمل والسعي أو لا ؟
الله عز وجل يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ }
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أذن للصلاة - وفي رواية إذا أقيمت الصلاة - فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون فما أدركم فصلوه وما فاتكم فأتموا ) وفي رواية ( إذا أقيمت الصلاة ) الآية تقول : { فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ } والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تأتوها وأنتم تسعون ) كيف نجمع ؟
السعي - افهموني كلام متداخل - السعي والعمل بينهم عموم وخصوص فكل سعي هو عمل وكل عمل هو سعي لكن الفرق بين السعي والعمل أن السعي أسرع من العمل، ولذلك الإنسان يُسارع وكل الدنيا مُسارَعة فذاك الي مر معنا { انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } هذا سعى للشقاء لأنه انبعث كان جالس ما عليه كلفة ولا شيء فانبعث قام وعقر، سعى وسعيه عمل ، فالسعي أعظم وأوسع وأشمل من العمل ولذلك لا يُقصَر على المشي بسرعة لأن المشي بسرعة هذا سعي الأقدام مثل السعي بين الصفا والمروى لكن ليس هو السعي المراد الله عز وجل يقول : { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ } والآية الأخرى : { وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } فالسعي هو العمل الذي بذل فيه جهد وسابق ونافس وأصبح يريد أن يكون الأول كحال أبي بكر ، أبو بكر كان الأول في كل شيء رضي الله عنه الأول في الإسلام الأول في الإنفاق، الأول الإعتاق، الأول في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك ، فالسعي يقتضي المبادرة ، والعمل قد لا يقتضي المبادرة نقول : السعي المنهي عنه هو الجري والسرعة ، والسعي المأمور به هو المبادرة ، فالمبادرة لا تقتضي الجري { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا } يعني تعالوا من قبل أن يؤذِّن أو من بعد الأذان مباشرة -الأذان الأول- لكن لا تترك حتى يجيء الإمام وتجري فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السعي بمعنى الجري والسرعة التي تناقض السكينة والوقار وأمْرُ الله بالسعي يعني الإقبال بسرعة - الوقت - وليست سرعة الحركة بالمُسابقة بأن تكون أول في الصف الأول كما ورد في الحديث ( أن يوم الجمعة تأتي ملائكة عند أبواب المساجد تكتب اسماء الداخلين ) حاول أن يكون اسمك يوم الجمعة أول إسم تكتبه الملائكة اسبق المؤذن إذا أستطعت .
/ { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } أضاف الله السعي للإنسان { سَعْيَكُمْ } للناس ثم قال : { لَشَتَّىٰ } وفعلاً تجد في الصف الواحد في الصلاة الواحدة سعي الناس -المُصلين- شتى واحد يريد الله والدار الآخرة وواحد خايف من هيئة الأمر بالمعروف - والله يا اخي الهيئة يشوفونا ما نصلي - فجاء يصلي ليس لله -مراءاة- كما قال الله جل وعلا : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ } .
/ { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } هذه الآية جمعت أصول الدين كله
{ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } .. كيف ؟ "أعطى" لا تكون أبداً إلا بالاستجابة للأمر ، أَعطي، سمعاً وطاعة ، أَعطي وقتاً للصلاة، سمعاً وطاعة ، أَعطي مالاً في سبيل الله، سمعاً وطاعة ، أَعطي وقتاً لأهلك .. وقتاً لكذا يعني تقتضي الاستجابة لامتثال الأمر مطلقاً من الله { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } هذه "أعطى" لأن كل هذا يدخل فيه العطاء، أعطي لله إخلاص .. توبة .. صدق .. خوف .. رجاء.. محبة. أعطِ لنفسك {ِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ } وغير ذلك ومجاهدة النفس. أعطي للآخرين حسن الخلق .. الإبتسامة في وجه أخيك صدقة إلى غير ذلك هذا كله داخل في باب أعطى الأمر كله .
ثم تأتيك كلمة { وَاتَّقَىٰ } { اتَّقَىٰ } بمعنى أجتنب وهي قوة الكف والإمساك، غُضّ البصر - اتقى - لا تنظر .. لا تسمع .. لا تمشِ هنا .. لا تشرب خمر ، لا تفعل كذا فهذه "اتقى" للمَسك مسك النفس قوة إرادة الكف وتلك قوة إرادة الفعل.
يبقى معنا { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } هذه عمل القلب ، فدخل في هذه الآية ثلاث قوى هي سر سعادة الإنسان : قوة إراة الفعل ، قوة إرادة الترك ، قوة التصديق والعِلم وتسمى القوى العلمية ، هذه القوة العلمية الأخيرة هي أفضل القُوى لأنه إذا صدق بالحسنى أعطى واتقى، وإذا لم يُصدِّق بالحسنى لا يعطي ولا يتقي { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } ماذا يفعل ؟ { فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } لايعطيه يدُّعُّه -يطرده- { وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ } هذا مع الناس ..طيب مع الله ؟ { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } ساهي لأنهم {يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} السِر لأنه لم يُصدق بالحسنى لأنه كذب بالدين لكن عندما يُصدِّق فماذا يفعل ؟ قال تعالى في شأن المُصدِّق بالدين : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } لماذا؟ { إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً }
{ صَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } فعمل ، لذلك الإيمان باليوم الآخر والتصديق به وبالبعث هو سِر الإخلاص ، قال الله جل وعلا : { إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } يعني الدار الآخرة .
/ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } على رأس هؤلاء من ؟ أبو بكر أعطى المال واتقى الله وصدَّق أن الجزاء عند الله ، اختلفوا في قوله تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } أعطى ماذا ؟
- فقيل أعطى ماله كله
- وقيل أعطى وقته
- وقيل أعطى امتثال أوامر الله، كل شي أمره الله منه خلاص يعطيه لأن كل هذا داخل في العطاء
- وقيل أن هذه الآية فيها بيان أهمية الأخلاق لأن العطاء أساساً للمال وسيأتي في آخر السورة { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ} إذاً هذا العطاء هو الكرم، والكرم قُدِّم على التقوى وعلى الإيمان باليوم الآخر لماذا ؟ لأهمية الأخلاق تجد مثلاً أن الأخلاق مكانتها عظيمة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وقال : ( إن الرجل ليصِل بحُسن خُلقه درجة الصائم القائم) وقال : ( وأنا ضامن ببيت في أعلى الجنة لمن حسُنت أخلاقه ) .
طبعاً قال الإمام ابن القيم في هذه الآية كلام جميل قال : "وهذه الآية فيها أصولٌ ثلاث : الأصل الأول : أصل الحب والإرادة فإن العطاء لا يكون إلا من بعد الحب والإرادة "عندما تُحب تعطي وعندما تكره وتُبغض تُمسك فإذا أحببت شخص أعطيته .. صح أم لا ؟ ولذلك لما أحب الله أولياءه أعطاهم لأن الله عز وجل قال: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } لأنه أحبه ، وقال لسليمان : { هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } هذا العطاء دليل المحبة، كذلك أنت إذا أحببت الله أعطيت، أعطيت المال .. أعطيت الوقت ..أعطيت حتى النفس رخيصة في سبيل الله لسان حالك يقول كما قال خبيب بن عدي عندما قُرِّب ليقتَل في سبيل الله قال :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ** على أي جنب كان في الله مصرعي
ولذاك في ذات الإله ** وإن يشأ يبارك على أوصالِ شلو مُمزع
 فإذا أحببت الله جعلت كل غالي رخيص في سبيل الله، والمال شقيق النفس ولذلك قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } الآن النفس الله أعطاها المال أعطاه لأن صدق أن الجنة موجودة، (صدق بالحسنى) بالجنة، لكن عندما يكذب بالجنة يُمسِك المال ويُمسك النفس ويُمسك الوقت ويُمسك كل شي ويصبح بخيل ولذلك اليهود أبخل خلق الله لأنهم لا يُصدِّقون باليوم الآخر ولا بالجنة و { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ } هذه القوة الأولى قوة الحب وهي تدفع للعطاء .
 القوة الثانية : قوة البغض وهي قوة نقيض هذه القوة لأن كل شيء أحببته كرهت ضده، فمن أحب الله كره الشرك والمشركين لأن كل شيء أحببته لابد أن تكره ضده أما أن تحب الشيء وضده فهذا لا يجتمعان، من أحب القرآن كره الأغاني، ومن أحب الأغاني كره القرآن، وهذا الشيء معروف الذي يسمع الأغاني دائما إذا شغلت القرآن يقول طفي القرآن ياخي ايش فيه طفي القرآن لكن تشغل أغاني عادي شغل، أما إللي يسمع القرآن وتشغل أغاني يقول يا أخي طفي الأغاني قرآن شغل، فالضدان لا يجتمعان فمن أحب الله كره كل شرك، كل ما سوى الله ، كل شيء لا يحبه الله يكرهه، هذه القوة الثانية قوة البغض.
 وهاتان الآيتان { أَعْطَىٰ وَاتَّقَى } هما أصل الولاء والبراء فالولاء كله داخل في { أَعْطَىٰ } تُعطي الولاء ، والبراء كله داخل في ٰ{وَاتَّقَى} وهي قوة البغض حتى تُبغض كل شيء يبغضه الله ، الله يبغض الخمر وهو من الخبائث تكرهه، يبغض الزنا تكرهه، يبغض المعاصي تكرهها، لذلك تصبح الطاعة تشرح صدرك والمعصية تُضيق صدرك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ) يرضى ؟ لا ( فبقلبه ) قلبه ليس براضٍ أبداً ( وذلك أضعف الإيمان ) وفي رواية : ( وليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل ) .
/ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ }
القوة الثالثة : قوة العلم ويسميها ابن القيم قوة العلم ، يقول: "إن هذه القوة - وهي قوة العلم هي سر القوتين فلا حب بلا علم ولا كره بلا علم  فرجع كل شيء للعلم لهذا قال الله جل وعلا : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ }" . عندما تُحصِّل العلم خلاص أخذت الطريق الصحيح أما إذا لم يكن عندك علم فمهما عملت فإنك في ضلال بعيد لذلك لا يقبل الله عملا بلا علم ولا يقبل قولاً بلا علم ، باب العلم قبل القول والعمل كما بوّب على ذلك الإمام البخاري رحمه الله .
/ ثم يقول الله جل وعلا : { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } سبحان الله ماهي اليسرى ؟ طبعاً أهل العلم المفسرين أكثرهم يقول اليسرى الجنّة لكن هناك أقوال أخرى أيضاً لأهل العلم أن اليسرى ليست خاصّة بالجنة بل اليسرى أيضاً في الدنيا فمن يفعل هذه يُعطي ويتقي ويُصدق حتى الدنيا ييسرها الله له قال تعالى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } والآية الأخرى { يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } يقول : { إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } فاليُسر يحصُل بهذه الثلاث بالعطاء بالتقوى بالتصديق .
وهذه مُجربة، جاءني أحد الطلاب عنده مادة الرياضيات وقت الاختبار وقد صعُبت عليه -ما فهم شيء- قال لي : يا أستاذ أنا ما فهمت شيء من المادة هذه ، قلت له : تصدَّق ييسر الله لك فإن الله يقول : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } اليسرى : الألف واللام تفيد الاستغراق ، اليسرى في جميع الأمور، في اختبار.. في زواج ..في تجارة ..في مال.. في عقار.. في صحة..في أي حاجة تَصدَّق واتقِ الله في المحارم وصدِّق أن الله يراك ويعلم وستجد اليسرى في أمر دينك ودنياك وآخرتك.
لذلك ذكر الله جل وعلا عن الحُجاج أدعيتهم فقال : { فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } ما أنكر الله أنه يقول : { آتِنَا فِي الدُّنْيَا }  لم يُنكِر الله أنه يقول { آتِنَا فِي الدُّنْيَا } من حقك تقول آتنا في الدنيا لكن ليس من حقك تنسى الأخرة.
{ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ } انظروا إلى الذي يحبه الله { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } النصيب هذا في الدنيا والآخرة. / { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }
 طبعاً هذه الآية مقابل لهذه - نقيض - لكن أسالكم سؤال { أَعْطَىٰ } تقابلها { بَخِلَ } صح أو لا؟ لكن { اتَّقَى } هل تقابلها { اسْتَغْنَىٰ } أو لا ؟ الآية الأولى : { أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } والآية الثانية : { بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ } عندنا { أَعْطَىٰ } و { بَخِلَ } بينهما مباينة يعني مقابلة، و { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } و { وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ } بينهم أيضاً لكن بقيت معنا { اتَّقَى } و هنا {اسْتَغْنَىٰ} لماذا عبَّر بـ { اسْتَغْنَىٰ } مقابل { اتَّقَى } ؟
 الاستغناء عن الجنة.. الاستغناء عن الله هذا هو الطغيان هو مجاوزة الحد { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ } جاوز حده ،{ بِالطَّاغِيَةِ } مجاوزة الحد .
/{ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }
طبعاً هذه الآية تبين أهمية الأخلاق، الكرم والجود والعطاء صفة المؤمن، والبخل والإمساك صفة الكافر ، فإذا رأيت واحد كافر وكريم ماذا تقول عنه ؟ تقول هذا لا ينقصه إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وسيكتب له كل ما كان يفعل وهذا سبق معنا في السورة الماضية { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ } يعني هو قال : { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا } هذا الكريم خلاص اتركه يقتحم العقبة ويؤمن بالله سبحانه وتعالى ويُكتب له كل ما كان قبل ذلك { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } جميع إنفاقه لا يُضيعه الله ، ولذلك يقال كل أعمال الكافر تذهب هباءً إلا الكرم فمن أنفق وتصدق يُخلِف الله عليه حتى لو كان كافر { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } آية عامة الله يخلف للكافر ويخلف للمسلم .
{ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } انظر البخل سبب العسر، دائماً الإنسان البخيل أموره مُعسرة يعني مشاكله مشاكل، والكريم أموره مُيسرة ولو أنه ما عنده شيء، فالرجل الكريم كل ما جاء ضيف أكرمه ويُكرم الناس هذا إذا جاء للناس كلٌ يرحب وكلٌ يهلي لأن كل واحد سبق له حسنة عليه، والبخيل الماسك الذي أتيته تريد منه حاجة قال لك : لا والله وذلك لا والله ، يوم يحتاج ويجي عندك ماذا تقول له ؟ تقول له لا والله - مثل واحدة بواحدة - لذلك يُيسر للعُسرى دائماً أموره مُعسرة والعياذ بالله .
/وهذه الآية الأخرى هي نقيض القوى الثلاث يعني القوى الثلاث التي هي سر السعادة نقيضها هذه الصفات ، فالبخل قوة إمساك فليس عنده قوة عطاء والاستغناء قوة ضعف عن الاتصال يعني ليس عنده قوة اتصال بالآخرين لا اتصال بالله ولا اتصال بخلق الله .
 { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ }
طبعاً المال لا يغني شيئاً عن صاحبه لا في الحياة ولا بعد الوفاة لماذا ؟ لأن المال مخدوم وليس بخادم ، المال أنت تخدمه وليس هو يخدمك فإذا ترديت وانتهيت وضعوك في القبر .. مالُك ينفعك ؟ لو تملك ملايين الدنيا ما عاد تنفعك { إِذَا تَرَدَّىٰ } في القبر أو تردى {إِذَا تَرَدَّىٰ } بردائه أو { إِذَا تَرَدَّىٰ } المعصية أو إذا أرتدّ عن الإسلام أو { إِذَا تَرَدَّىٰ } في جهنم كلها أقوال لكن ماله أبداً ما ينفعه ، إذاً متى ينفعه المال ؟ إذا { أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } طبعاً هذه الثلاث هي سِر سلامة الصدر ، لو سألك سائل قال لك ما معنى سلامة الصدر ؟ تقول له : سلامة الصدر بثلاث: بالعطاء والتقوى والتصديق لذلك قال تعالى : { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قلب قد اتقى قد { أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ } أما الذي { بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ } قلبه كيف هو ؟ سليم أو مريض ؟ مريض أو ميت، هذا القلب لا ينفع صاحبه لا في الدنيا ولا في الآخره بل هو قلب ميت مُغلّف { َقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } { قَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } .
{ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ }
إذاً هذا واجب علينا أن نُبين دين الله لخلق الله { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } الضمير هنا يرجع إلى الله لكن على الله الهدى وقد بيَّن، وعلى الرسل الهدى وقد بينوا، وعلى العلماء و أهل العلم الهدى لأن الله جل وعلا يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ } يكتمون ماذا ؟ { يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
{ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } يعني علينا بيان طريق الهدى، وهذا البيان واضح جداً لأنها ( محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك). 
وقيل { عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } لمن سلك طريق الهدى أما من لم يسلك طريق الهدى فمالنا عليه أن نهديه ولا شيء، فكأن الله يشترط الهدى لأهل الهدى وهذا المعنى يؤكده قول الله جل وعلا : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } فأنت ما عليك إلا أن تهتدي ويهديك الله ولذلك كان في الصلاة يقول المُصلي : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } فإذا طلبت الهُدى فعلى الله أن يهديك الصراط المستقيم، أما إذا لم تطلب الهدى فأنت الذي أبيت ، فمن صلى فقد طلب الهدى ومن لم يصلِ فقد كفر ( العهد بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) لأن من تركها فقد ترك الهُدى ولذلك سمّاها ابن مسعود قال سُنن الهدى، سمّى الصلوات سُنن الهدى فقال : "فإنهن من سنن الهدى" فلا هداية لتارك الصلاة .
 ومما يؤكد هذا المعنى أيضاً قول الله جل وعلا : { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ } السبيل الجائر ليس على الله لكن السبيل المستقيم هذا الذي على الله بيانه وهذا الذي الله جل وعلا عليه { إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } من سار عليه وصل إلى الله ومن سار على غيره ضل عن الله ، كان النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع الصحابة فخط خطاً في الأرض وخطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قرأ قول الله جل وعلا : { وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }.
قال ابن القيم رحمه الله : "الهدى يقتضي و يتضمن أمور أو ثلاث أشياء : الشيء الأول : توحيد المطلوب أن يكون المطلوب موحداً" أنت عندما يكون مطلبك واحد تسعى إليه تهتدي أو لا؟ خرجت مثلا تريد جامع الراجحي تمشي مع الخط حتى تصل إليه لكن عندما يكون لك أكثر من مطلوب في وقت واحد لا تهتدي لشيء تريد مثلاً أن تأتي لجامع الراجحي وتريد في نفس الوقت تأتي إلى جامعة الإمام في وقت واحد وأنت في النُّص في مخرج عشرة تستطيع أن تجمع بينهما ؟ لا تستطيع واحد عن يمينك وواحد عن يسارك فلو مشيت هنا ورجعت هنا لن تصل لا إلى هذا ولا إلى هذا، لكن عندما توحد طريقك توحد طلبك تصِل .. فما طلبكم ؟ الله ، فمن كان طلبه الله إبتغاء وجه ربه سيصل .. هذا الأول في الهدى توحيد المطلوب .
 الثانى : توحيد الطلب هذا المطلوب ماذا تطلب منه ؟ الله هو المطلوب، طيب ماذا تطلب من المطلوب جل وعلا ؟ الرضا والجنة فهذا توحيد الطلب. فالأمة الإسلامية كلها عندما تأتي للجنة ماذا تطلب من الله ؟ أول شيء رضاك فلا تسخط علينا أبداً قال : ( أحللت عليكم رضاي فلا أسخط عليكم أبداً ) اثنين : النظر إلى وجهك الكريم إذاً توحيد الطلب طلب واحد الجنة وإذا دخلت الجنة عندها طلب موحد. طيب بقي معك شي واحد وهو توحيد الطريق عندما يكون المطلوب واحد والطلب واحد والطرق كثيرة ، هل تستطيع تمشي مع الطرق كلها في وقت واحد وأنت واحد ؟ عليك أن تختار طريق واحد من الطرق المُوصلة للمطلوب وتسلُكه.
 فَهِم الإمام مالك هذا المعنى فهماً دقيقاً، كان يُدرِّس في مسجده -في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- ويشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم فجاؤا شباب متحمسين للجهاد قالوا : يا إمام أنت جلست في مكان كان يجلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم وخالفت ما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. - يالطيف  الإمام مالك يواجهه شباب ويقولون له جلست في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وخالفت النبي صلى الله عليه وسلم - خاف مالك وقال : فيم خالفت رسول الله ؟ قالوا : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده يعلم الناس العلم ثم يخرج للجهاد في سبيل الله وأنت منذ عرفناك وأنت جالس تُعلِّم الناس العِلم وما خرجت للجهاد في سبيل الله!! ماذا أجاب مالك رحمه الله ؟ أول شيء بكى ثم قال : "إني أرى أن الله جل وعلا قد فتح لي باباً إلى جنته بشهادة رسوله -( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )- وإني أكره أن يفتح لي الباب لألج منه ثم لا أدخل" .
رأيت الفقه، يعني كل مُيسر لما خُلق له، عندنا ناس يصلح للعلم ولا يصلح للجهاد ، ابن باز رحمه الله لا يصلح للجهاد لكنه عالم يصلح للعلم قال الله قال رسول الله ، عندك شخص أخر -خالد بن الوليد- يصلح للجهاد وقد لا يصلح للعلم ليس مثل أبو هريرة رضي الله عنه في حفظ الحديث وهكذا فكلٌ مُيسر لما خُلق له، وقد يفتح الله لك باب للجنة من هذا الطريق فأولج منه ولهذا قال : توحيد الطريق، إذا فُتِح لك في باب فسِر بعض الناس يُفتح له في العطاء والصدقة مثل صاحب هذا المسجد حفظه الله هذا رجل مُنفق في سبيل الله كما شهِد له بذلك القاصي والداني وإن شاء الله يدخل الجنة من هذا الباب فلا نُكلفه يأتي يُفسِّر القرآن يكفيه ما فعل هذا طريقه. وآخر يفتح له في العلم ولا نُكلِّفه ينفق ما عنده مال وهكذا ، فمن فُتح له باب إلى الجنة فليلج وحِّد طريقك إلى الجنة ، وليس معنى ذلك أن لا تعمل غيره إعمل لكن ركّز على الطريق الذي فُتِحَ لك فيه ، بعض الناس يفتح له قيام الليل وآخر يُغلق عليه قيام الليل لكن يُفتح له في الجهاد في سبيل الله في النهار أو يُفتح له في العلم .
 الإمام الشافعي رحمه الله جاء إلى العراق يزور الإمام أحمد بن حنبل وكانت ابنة الإمام أحمد تقول : اللهم إني أسألك أن لا تُميتني حتى تريني محمد بن ادريس الشافعي، من كثرة ما يذكره الإمام أحمد فاستجاب الله دعاءها وجاء محمد بن إدريس في ليلة شاتية -برد- ومُصدع تعبان فدخل عليهم فرحب به الإمام أحمد وقال لابنته اعملي العشاء وقسم الإمام أحمد بيته إلى قسمين -كان فقيرا رحمه الله- فجعل نصف البيت للضيف والنصف الآخر له ولأهل بيته، قامت هذه البنت تراقب الإمام الشافعي ماذا سيفعل جاء العَشاء فتربع الإمام الشافعي وأكل بالخمس
 فاضرب بخمس ولا تأكل بملعقة ** إن المعالق للنعماء كفران
 ضَرب بالخمس والسُّنَّة أن يأكل بثلاث لما شبع والإمام أحمد أكل بالثلاث ورفع يده قبل الشِبَع، الإمام الشافعي استلقى على ظهره والإمام أحمد قام يصلي الليل، طبعا الإمام أحمد ينظر للإمام الشافعي مستلقٍ لم يصلِ من الليل شيء، والبنت تصلي وترى الشافعي قام أو لا ، ظل نائماً - لا حول ولا قوة إلا بالله- أذَّن الفجر قالوا : الصلاة يا إمام قام للمسجد بدون ما يتوضى ، توضأ الإمام أحمد -جدد- والإمام الشافعي ذهب من غير وضوء.
 - يالطيف - البنت عدت هذه الملاحظات طبعاً الأكل أول تربع منهي عنه وأكل بخمس واستلقى على ظهره ولم يصلِ من الليل شيئاً وقام لصلاة الفجر من غير وضوء خمس ملاحظات كل واحدة قاسمة الظهر -البنت مُقيدتها- بعد صلاة الفجر شكَّت هل هذا محمد بن إدريس أو لا ، قالت له : يا أبتي هذا هو محمد بن إدريس ؟ قال : نعم ، قالت : إني قد لاحظت عليه خمس ملاحظات أولا .. ثانيا .. قال طيب استمعي أساله وهو يجيب أنا مثلك لاحظت ما لاحظته، السؤال الأول قال له : يا إمام تربعت وقد ورد النهي عن التربُع في الأكل ؟ قال : نعم ، قال: وأكلت بخمس والسُنة أن تأكل بثلاث ؟ قال : نعم ، قال : واستلقيت على ظهرك والسنة أن تنام على جنبك الأيمن ؟ قال : نعم ، قال : ولم تصلِ من الليل شيء والسُنة أن تحيي الليل ؟ قال : نعم ، قال : وخرجت لصلاة الفجر من غير وضوء والسُنة أن تتوضأ بل الواجب أن تتوضاء ؟ قال : نعم .
 الآن اسمعوا الجواب قال : أما أنَّي تربعت وأكلت بخمس فقد حدثني فلان عن فلان عن فلان - بسند - إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( طعام الأسخياء شفاء ) وكنت أشعر بمرض أو عاهة فتداويت بطعامك فشفاني الله به .. هذه واحدة .
 قال : وأما اني استلقيت على ظهري والسنة أن أنام على الجنب الأيمن فإني علمت أن الاستلقاء على الظهر أعظم لجمع الفكرة ففعلت ذلك. وأخذت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم استنبطت منه ليلة البارحة مائة مسألة فرأيت أن العلم أفضل من القيام فاشتغلت به تعبداً لله ، قال : وما هو رحمك الله ؟ ماهو الحديث الذي اشتغلت فيه وأخرجت منه مائة مسألة ماهو ؟ قال : هو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عُمير - أخو أنس بن مالك - : ( يا أبا عمير ما فعل النُغير ) كلمتين ، في الحديث يقول أنس بن مالك : كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي بأحد طرقات المدينة فمر بغلام كان يلعب بطائر بيده فطار الطير فبكى الغلام فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليه فسلّم عليه ومسح رأسه وقال : ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) هذا الحديث .
 أخذه الإمام الشافعي فاستنبط منه مائة مسألة في ليلة واحدة ، قال : ماهي رحمك الله ؟ قال :
 المسألة الأولى : جواز السلام على من لا يرد السلام لأن الطفل لا يرُد السلام وقد سلَّم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وردّ السلام واجب فلا إثم عليك إذا سلّمت على من لا يرد عليك السلام .
 اثنين : جواز تكنية من لا يولد له فقد كنى النبي صلى الله عليه وسلم الغلام أبا عمير والغلام لم يتزوج حتى يُولد له وهو مازال طفلاً صغيراً .
 ثلاثة : جواز المسح على رأس الطفل ولو لم يكن يتيماً الطفل، هذا ما كان يتيم حتى الطفل العادي -أبوه حي- أمسح على رأسه .
 أربعة : جواز تمثيل الإنسان حركته بحركة الحيوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الغلام ( ما فعل النغير ) حرك الطفل يديه مشيراً على حركة الطير فكانت حركة اليدين من الطفل تأسياً بحركة الطائر تمثيل فجاز تمثيل الإنسان للحيوان للفائدة والتعليم .. إلى غير ذلك من المسائل المائة كتبها الإمام أحمد وقال له خلاص ما عاد باقي إلا واحدة رحت للمسجد من غير وضوء ؟ قال : لم ينتقض الوضوء لأني كنت مشتغلاً وما نمت وإنما ينقض الوضوء النوم وليس الاضطجاع أنتهت المسائل .
 / { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ }
قُدِّمت الآخرة على الأولى لماذا ؟ الآخرة قبل أو الأولى قبل ؟ الأولى، قبل وذكرت أن القاعدة تقديم الأهم ، وأيهم أهم الآخرة وإلا الأولى ؟ الآخرة { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ } فقدمها الله لأهميتها وفضلها ومكانتها ولأن الآخرة هي دارنا، نحن الدنيا ليست لنا (أما ترضون أن تكون لهم الدنيا ولكم الآخرة ) .
{ إِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ } طبعاً هذه الآية فيها دليل على أن من طلب الأولى وهي الدنيا فليطلبها من الله ومن طلب الآخرة فليطلبها من الله فلا غنى يحصل بمعصية الله لذلك الربا الناس تظن أن الربا سبب للغنى لكن الله يقول : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } فكل من جمع مال بالحرام نهاية ذلك المال المحق.
 وقوله : { لَنَا } تفيد المُلك اللام لام المُلك فالله يملك الآخرة ويملك الأولى دليل مُلكه للآخرة { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ودليل ملكه للدنيا
{ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } .
القاعدة تقول كل خطاب للنبي فهو خطاب لأمته من بعده ما لم يرِد التخصيص فكل شي له هو للأمة وقد يكون الخطاب له صورة وللأمة حقيقة ، مثل قوله : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } تعرفون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يبلغ عنده الكبر لا أحدهما ولا كلاهما صح أو لا ؟ فالخطاب مُوجه له لكن المراد أمته .
/ ثم يقول تعالى : { فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى }
{ فَأَنْذَرْتُكُمْ } : النذارة ضد البشارة والنذارة هي دائماً تقوم على أمرين :
 الأمر الأول : أن يكون الشخص النذير هذا مُحب للمنذُور -أنذرتك- فأصل النذارة الحب لأنك إذا ما تحبه ليس لك علاقة به ، لو رأيت أحد سيسقط في حفرة أمامك حفرة إذا تحبه تمسكه وإذا لا تحبه تتركه يذهب بيَّنت له وهو حر صح أو لا ؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم مُحب ولذلك قال الله : { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ } وقال : (أنذرتكم النار أنذرتكم النار) { فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ }
قوله : { تَلَظَّىٰ } فعل مضارع يعني هذه النار الآن موجودة وتتلظى يعني قد خُلِقَت، وقد خلق الله الجنة والنار معاً في اليوم السادس من أيام الخلق وخُلِقا يوم الجمعة وهما موجودتان الجنة فوق عند سدرة المنتهى والنار تحت أسفل السافلين .
/ { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى } هنا سؤال ما معنى { الْأَشْقَى } ؟ يعني هل النار لا يصلاها - طبعاً هنا لا نافية - { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} يعني غير الأشقى لا يصلى النار ؟ الأشقى صيغة مبالغة الشقي نفسه دون الأشقى  يصلى النار أو لا ؟ لا يُخلَّد لأن الصليّ هو شدة العذاب المُتصل من الصلة يعني متصل بعضه ببعض لا انفكاك فيه فهذا لا يحصل إلا للأشقى، أما المؤمن الذي اقترف كبائر واقتضت حكمة الله أن يُطَهَّر في النار فإنه يُطَهَّر ويخرج منها ولا يخلُد فيها نسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها .
/ { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } كذَّب بماذا ؟ كذَّب بالبعث فمن كذَّب بالبعث يصلى النار { هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } من كذَّب بالبعث كذَّب بالنار { وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } هذه حياته الحقيقية الحياة الآخرة .
/ { إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } كل تكذيب نهايته التولي والإدبار وكل تصديق نهايته الإقبال، فمن صدّق أقبل ومن كذَّب أدبر ، صدِّق وأقبِل، كذّب وأدبِر والمسألة ترجع للقلب فالتصديق في القلب والتكذيب في القلب لكن من صدّق لابد أن يُقبِل بالعمل ومن كذب لا بد أن يُدبِر بالعمل وفي هذا بيان على أن الإيمان يدخل فيه ماذا ؟ يدخل فيه العمل فهو تصديق وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
/ { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } ما الفرق بين يصلاها ويتجنبها وكيف نجمع بين قوله تعالى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } وبين { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى }؟ كيف يتجنبها والله يقول : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا }
 - نسأل الله العافية - الصلي أن يدخل فيها ويُشوى فيها ويصلاها - نسأل الله العافية - { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } (الأتقى) يعني غير الأتقى لا يتجنب النار، هذه نفس مسألة الأشقى (الأتقى) صيغة مبالغة، هنا ذكر الله أعلى الصنفين أعلى الوصفين، أعلى وصف أهل النار وأعلى وصف أهل الجنة ، فأعلى وصف أهل الجنة الأتقى وأعلى وصف أهل النار الأشقى فالأشقى في النار خالداً مخلداً والأتقى مُجنب للنار أبداً. عرفتم لكن قد يكون هناك شقيٌ دون الأشقى يكون عذابه دون الصلي، وقد يكون هناك تقي غير الأتقى يكون له مرور على النار قد يمكث فوق جهنم -على الصراط- ما شاء الله له أن يمكث فمن الناس من يمر كالريح ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالجواد كالرجل يجري كالرجل يمشي كالرجل يحبو كالرجل -أعوذ بالله- يُوقف ويُحبس فوق جهنم { وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ } - سأل الله العافية - .
/ { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } هذا أبو بكر وكل من أتصف بهذه الصفات ولذلك قيل أن أكثر شيء يبعدك عن النار الصدقة لهذا قال النبي صلى الله عليه في خطبة الفطر : ( يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) وقال للصحابة : (اتقوا النار ولو بشق تمرة ) اجمع بين الحديثين تجد عظمة الصدقة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الحديث الآخر : (المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة فمن شاء فليُكثر ومن شاء فليُقل) من كثُرت صدقاته كثُر الظل عليه ومن قلت صدقاته قل ظله، ولذلك ذكر ضمن الذين يظلهم الله بظله ( رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ما تعلم شماله ما تنفق يمينه ) أو العكس ( لاتعلم يمبنه ما أنفقت شماله ) فيه روايتين .
/ { الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } { يَتَزَكَّىٰ } من التزكية وهي التطهير وإعطاء المال { أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ } من أكبر ما يزكي النفس لأن النفس ما هي طبيعتها ؟ الشّح والبخل وحب المال { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } فإذا أعطيته المال -شقيق النفس- فإن ذلك سبب للتزكية { وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } { يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } طيب لماذا قال : { مَالَهُ } ولم يقل : بعض ماله ؟ هو أعطى ماله كله فمن أعطى من المال فكأنما أعطى المال كله ولو أعطى الجزء ولذلك أبو بكر خرج من ماله كله لم يخرج من داره لم يخرج من بعض الأشياء التي له إنما أخرج من ماله الذي كان في يده، ولذلك من خرج من ماله، لو أنك خرجت -مثلاً- من المسجد وليس في جيبك إلا مائة ريال، فهذه مائة ريال مالك فإذا أعطيت كلها فإنك أعطيت مالك كله لأن العبرة بالحال التي أنت فيها وليس المراد الأمور التي في البنك تخرجها كلها أخرج الشيء الذي عندك وإذا أخرجته كله في وقت الصدقة للصدقة فهذا قد تصدقت بمالك كله، ولذلك أبو بكر في غزوة تبوك جاء بماله كله ، هل جاء بالفرش والمخدات والمساند والبيت ؟ لا.. لا جاء بماله الذي يحمله كله ، أما عمر فالمال الذي كان يحمله قسمه قسمين قسم أعطاه وقسم أبقاه وقال اليوم أسبق أبو بكر لكن كان الصديق سابقاً .
/ { يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } هذا يبين لنا ما مضى { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وأن من تزكية النفس الصدقة { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } قال الإمام ابن القيم رحمه الله : "هذه الآية فيها بيان أن الصالحين وأولوا العلم من الناس ينبغي أن لا يترك أحد منهم لأحدٍ نعمة عليه حتى لا تكون جزاء له في فعله" فمثلاً : عندما تكون مُتصدق فتصدقت على زيد ثم جاء زيد يرد لك والله ياخي أنت أعطيتني وأنا ودي أرد لك، لا..لا جزاك الله خير { لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً } الجزاء من مَن ؟ من الله {وَلَا شُكُورًا } الشكور من من ؟ من الله ، كانت عائشة رضي الله عنها إذا تصدقت بصدقة وأعطتها المسكين تُغلق الباب فلا تريد تسمع دعاء الفقير قيل لها : يا عائشة ألا تؤمنين على دعاء الفقير فإنه ربما استجيب ؟ قالت : إني أخاف أن يكون دعاؤه هذا من باب الجزاء . لا تمنعه لكن لا تستمع له ولا تأمره، بعض الناس يتصدق يشترط ادعو لي بكذا وادعو لي كذا فيمرر عليك الصدقة التي أعطاك أو الشيء الذي أعطاك من طلباته التي جاءت بعدها . وبعضهم يمُنّ، ألم أعطيك كذا .. أما فعلت لك كذا وهذا كله مُخالف للكمال .
/ يقول الله عز وجل : { إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَى } يعني لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه الله يعني الإخلاص وابتغاء وجه الله متى يُرى وجه الله؟ في الجنّة يعني إلا ابتغاء دخول الجنة والنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى .
/ { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } طبعاً هذه الآية نزلت في أبي بكر إجماعاً وأبو بكر مُخلص لله ولذلك سُمّي الصديق لأنه أصدق الناس نية وسريرة ومن تكلّم في عِرض أبي بكر من الشيعة وغيرهم فقد ضلوا ضلالاً بعيداً لأنه رجل رضي الله عنه وأرضاه وزكّاه وسماه صاحبا لرسول الله وأثبت معيته معه وقال : { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } فضمِن الله تعالى لأبي بكر الرضا في الدنيا والآخرة فكان رضي الله عنه راضياً مرضياً مطمئناً وهو خير هذه الأمة إجماعاً .
{ وَلَسَوْفَ يَرْضَى } هذه الآية لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يجعلوا هذه السورة قبل سورة والضحى حتى يجمع بينه وبين صاحبه هذه نزلت في أبي بكر وسورة الضحى نزلت فيه { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } فمن قرأ السورتين علِم مكانة الرجلين أبو بكر والنبي صلى الله عليه وسلم.
 والفرق بين العبارتين أن الله قال لأبي بكر : { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } أما محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله له : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } انظر إلى العبارتين متساويتين أو لا ؟ محمد صلى الله عليه وسلم { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } كم كلمة ؟ أربعة ، أبو بكر { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } كلمتين فهذا الفرق بينهما واحد أضاف الله فيه قال : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ } طيب أبو بكر من يُعطيه ؟ ربه ، لكن ما ذكر ذلك قال : { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } أهم شيء أنه يرضى لكن محمد لا.. شيء آخر سنأتيه في سورة الضحى بإذن الله في الدرس القادم . أسأل الله أن يغفر لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق