الاثنين، 22 يونيو، 2015

تفسير سورة الأنعام (١١١ - ١٣٥ ) / دورة الأترجة

د. عبد الرحمن بن معضة الشهري


الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله وسلم وبارك على سيِّدنا ونبِّينا محمِّد وعلى آله وأصحابه أجمعين..
 اللَّهم علِّمنا ما يَنفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وارزقنا الإخلاص والتَّوفيق ياربَّ العالمين.
حيَّاكم الله أيُّها الإخوة الكرام، وأيَّتُها الأخوات الكريمات في هذه الجَلسَة التَّـفسيرية ولازلنا في سورة الأنعام.
 هذِه السُّورة المكيِّة التِّي تَحدَّثنا عن نزولها. وقُلنا: إنَّها أطولُ سورةٍ في القرآن الكريم نزَلت جُملةً واحدة في مكة، عدد آياتها بِعَدِّ الكُوفة 165 آية .
 وقد وَصَلنا إلى قول الله تعالى (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم المَلائكةَ وكلَّمَهُم المَوتى وحَشَرنا عليهم كُلَّ شَيء قُبُلاً مَا كانــُوا لِيُؤمنوا إلاَّ أن يَشاءَ الله ولـكنَّ أكثرَهُم يَجهلُون) وهذه الآية مـُرتبطة بالآيات السَّابقة.
 المقطع الأوّل
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَـــوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَــــعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣))
/ قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى)
في آخر المَقطع قبل هذه الآيات يقول الله سبحانه وتعالى (وأَقسموا بالله جَهدَ أيمانهم لَئِن جاءَتهم آيةٌ ليُؤمِنُنَّ بها) يُقسِمُون بالله العَظيم -مُشركي قُريش- لو جِئتَنا يا مُحمَّد بالآية الفُلانية، والتِّي فيها المُواصفات التَّالية لَــنُؤمِنَنَّ بها، الله سبحانه وتعالى يقول هؤلاءِ يَكذبُون يا مُحمَّد، هؤلاء لن يؤمنوا، فإتماما ًلهذا يقول الله سبحانه وتعالى:
 (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم الملآئكةَ) كما قال الله سبحانه وتعالى (قُل لَو كان في الأرضِ ملائكةٌ يَمشونَ مُطمئنِّين لنزَّلنا عليهم من السَّماء مَلَكاً رَسُولاً) أيّ لو كانُوا يرون الملائكة تمشي بينهم لن يؤمنوا فيقول الله (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم المَلائكةَ وكلَّمَهُم الموتى) لو رَجَع الموتى الذِّين هم من آبائهم، ومن أجدادهم من القُبُور يُكلِّمُونهم، ويقولون لهم آمِنوا بمحمد فهُو صَادِقٌ (وحَشَرنا عليهم كلَّ شَيء قُبُلاً) أيّ جَمَعنا لهم كُلّ هذه الأدلة ،حتى الحجارة لو تكلَّمت وشَهِدت بِصدقك، وحتى الأشجار لو جاءت وشهدت بصدقك. (ما كانوا ليُؤمنوا) فهذا معنى قوله (وحَشَرنا عَليهم كُلّ شَيء قُبُلا ما كانوا لِيُؤمنوا إلا أن يشاءَ الله ولـكنَّ أكثرهم يجهلون) 
هذه الآية أيُّها الإِخوة: فيها إشارةٌ إلى سِعَةِ عِلمِ الله سبحانه وتعالى، وتعلُّقِ عِلمِه سبحانه وتعالى بالمعدوم. فالله سبحانه وتعالى يعلمُ ما كَان وما سيكونُ في المُستقبل وما لم يَكُن لو كَان كيف يَكُون. اُنظر إلى سِعَة علم الله سبحانه وتعالى. يعني علمُ البَشر مَسبوقٌ بجَهل ومَتبُــوعٌ بنسيان أمَّا علمُ الله سبحانه وتعالى فهو غيرُ مسبوقٍ بجهل وغير متُبوعٍ بِنسيان قال ( في كِتابٍ لا يَضِلُّ ربِّي ولا يَنسى) وأيضا ًعلمُ الله سبحانه وتعالى مُتعلِّقٌ بالمعدوم ما لم يكن لو كان كيف يكون. ولذلك قال (ولَو رُدُّوا لَعَادوا لِمَا نُهُوا عنه) هُم لَن يُرَدُّوا ولكن لو رديناهم سيكون هذا هو الوَاقع. فقال هنا (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم الملآئكةَ) مع أنه لن يُنزِّل عليهم ( وكلَّمهُم المَوتى) لَن يُكلِّمُهُم الموتى (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) وهذا فيه إشارةٌ إلى تَبكيتِ هؤلاء، وإلى أنَّ الله سبحانه وتعالى قد اطَّلَع على سَرائرهم، وأنَّهم يُضمِرون في أنفسهم التَّكذيب مهما جاءتهم الأدلة وجاءتهم البراهين (ولـكنَّ أكثرهم يجهلون) .
 وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الجَهل سَببٌ عظيم من أَسباب الكُفر والإعراض عن الله سبحانه وتعالى.
 وفِيه فائدة أيضاً: إلى أنَّ العلمَ سَببٌ من أسباب الهداية وأسباب التَّـوفيق للحقّ.
 ( وكذلك جعلنا لكل نَبيٍّ عدواً شياطين الإنس والجنّ يُوحِي بعضُهم إلى بعض زُخرفَ القَولِ غُروراً) تسليةً للنَّبي صلى الله عليه وسلم:  يا محمد لستَ وَحدَك الذِّي كذَّبَهُ قومُه.
 يا محمد لستَ وحدَك الذِّي آذاه قومُه.
يا محمد لست وحدك الذِّي طَردَهُ قومُه.
سَبَقَك كثير، بل إنَّها تكادُ تكونُ سُنَّةً ماضية أن يكون هذا هو واقع الأنبياء مع أقوامهم، فالنَّبي صلى الله عليه و سلم يقول الله له(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) ممَّن؟ قال (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَـــوْلِ غُرُورًا) أيّ أنّ الله يَجعلُ لِكُلِّ نبيٍّ أعداءً من الإنس ومِن الجِنّ ، يَصُّدون عن دَعوته، ويُزيِّنُون تَكذيبه، ويُعينُون عَلى ذلك، ويُزيِّنُون للنَّاس التَّكذيب، والفِسق، فلا تَأسى يا مُحمَّد واصبر إنَّ العاقبة للمتقين.
 ثُمَّ يَصِف الله سبحانه وتعالى هذه الوسوسة وهذا الإضلال للأتباع بأنَّه (زُخْرُفَ الْقَـــوْلِ غُرُورًا) إشارة إلى أنَّه كَيدٌ ضَعيف كما قال الله تعالى في وصفِ كيد الشيطان ( إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً) ولكن بالرَّغم من ذلك يَضِّل ُبه أقوامٌ وينخدِعُون به.
 قال (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَــــعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أيضا ًكما تقدَّم معنا في قَوله سبحانه وتعالى (ولو شَاءَ اللهُ ما أشركوا ) أنَّ كُلّ هذا مرتبطٌ بمشيئة الله سبحانه وتعالى وتقديره: ولو شَاء ربُّك يا مُحمّد ما فعلوه أي ما أضلُّوا عن طريقك، ولا صَدُّوا عن سبيلك، ولا كذَّبُوك، ولا كذَّبُوا ما جئت به (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) النَّبي صلى الله عليه و سلم كان يُصيبه عَنتٌ شَديد ممَّا يقولُه هؤلاء المُكذِّبون، ومِمَّا يَصُدُّ به هؤلاء عن طريق الحقَّ، كان يَحزَن عليه الصَّلاة والسَّلام، وربما يَهتَمّ لذلك فالله يقول (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي لا تُبالي بهم، ولا يَكُن في صَدرك حَرَج من ذلك، فسوف نُجازيهم على ذلك.
(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) تَصغَى بمعنى: تَمِيل، وإذا قلتَ لِفُلانٍ أَصغي إليِّ يعني أَمِل إليَّ أُذُنَك حتَّى تسمع جيداً. فقوله (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) أَيّ أنَّ الله سبحانه وتعالى قَد جَعَلَ هؤلاء الأعداء، وهَؤُلاء الشَّياطين الذِّين يَصُدُّون عن طريق الرُّسل، ويُــزيِّنُون للنَّاس البَاطل فتنةً للنَّاس لِيَميل إليه من أشَاءَ الله إِضلاله. ولاحظُوا أنَّه يقول (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ) ولم يقل : "ولِتصغَى إليه آذانٌ أو أَعين" للإشارة إلى أنَّ العبرة أيُّها الإخوة بالفُؤاد والقَلب إذا صَدَّق القلب أو إذا كذَّب القلب. ولذلك قال الله في الآيات السابقة (ونُقلِّبُ أفئدتهم وأبصارهم) لأنَّ العِبرة بالقُلوب. النَّبي صلى الله عليه وسلم قد ذَكَر هذه المُضغة التِّي إذا صَلُحت صَلُح الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَد الجَسدُ كُلُّه (أَلاَ وهي القَلب). فقال الله (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) أيّ إلى البَاطل، وإلى تزيين الباطل (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) وهُنا نعودُ ونُكرِّر معنى الذِّي قُلناه (الإيمان بالآخرة) وكيف جعلَهُ الله سبحانه وتعالى علامةً، ومِيزةً للمؤمنين به، وعلامةً وميزةً للمُكذِّبين به أيضا .ًفالذِّين لا يــُؤمنون بالآخرة لا يؤمنون بالله والذِّين يُؤمِنــُون بالآخرة يؤمنون بالله لكنَّه يَذكُر دائما ًاليوم الآخر في القرآن الكريم إشارةً إلى الحِساب والجزاء. والنَّفس البشرية تنتظر مثل هذا، تنتظر الجَزاءَ والحِساب. المؤمن يعمل وهو ينتظر الجزاء والحسابَ يوم القيامة، والكافرُ يخافُ من الحساب والجزاء يوم القيامة، فأصبحت هذه علامة تُكرَّر كثيراً في القرآن الكريم تَهديداً، وأيضا ًترغيبا ً.
/ قال (وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) أيّ حتَّى ينخدِع بهذا الإضلال أُناسٌ لم يُرِد الله أن يَهديهم لِيَرضَوه، ولِيرضُوا هذا الكُفر، وهذا الشِّرك (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) أي ولِيزدادوا من الذُّنوب و المَعاصي.
والله قال (وَلِيَقْتَرِفُوا) والاقتراف هو: الكَسب الذِّي يَظُنُّ صاحبُه أنَّه مكسب له ولذلك قال من (ومن يقترف حسنةً نَزِد له فيها حُسنى) أيّ أنَّه جاء العَمل الحَسَن وهو مُحِبٌّ له وحريص عليه. فكذلك هنا هؤلاء يقترفون هذه الأعمال السَّيئة وهم حريصون عليها، وسيكون لها عَاقبةٌ وخيمة في الآخرة.
/ (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) هذا خطابٌ من النَّبي صلى الله عليه و سلم لهؤلاء. بَعد كل هذا التَّعداد لِقُدرة الله ولِخَلق الله سبحانه وتعالى يقول (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) يَحكمُ بيننا (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) أيّ يقول أين عقولكم؟ هذا سؤالُ استنكار، وأنَّه لا ينبغي أن يكون هناك حَكَمٌ يَحكم بيننا غيرَ الله، وهو الذِّي أنزلَ هذا الكتاب المُفصَّل بما فيه من البَيان ومن الوُضوح
 (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ (مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)
هذا الكلام أيُّها الأخوة لا يقولُه إلا الله سبحانه وتعالى، لأنَّه يتحدَّثُ عن النُّفُوس والقُلُــوب ولا يعلمُ ما بالنُّفوس والقُلُوب إلاَّ جلَّ جلاله. فالله تعالى يقول (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) من اليهود والنَّصارى (يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ) أيّ أنّ القرآن مُنزَّل (مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) ولكنَّهم يَكتُمُون ذلك، ويَجحدونه، ويُكذِّبون مع استيقانهم بأنه حقٌّ من عند الله سبحانه وتعالى.
وذكرتُ لكم في أحدِ المَجالس، قصة حُيِّي بن أخطب - وهو من زعماء اليهود، ووالد صفيِّة رضي الله عنها أم المؤمنين- عندما جاء النَّبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة فذهَبَ، واستكشف فلمَّا رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم وَجَد أنَّها تنطبق عليه المُواصفات التِّي في التَّوراة فلمَّا رَجَع سَمِعتهُ صَفِيِّة وهُو يتكلَّم مع أخيه : فيقول له: أهُوَ هُوَ ؟ - نفس المواصفات- قال: هُوَ هُو. قال: فماذا ترى؟  قال:عداوتُهُ مَا حَيِيت . فتُلاحظون أنَّه يعرف الحَقّ، ولكنَّه يُكذِّب به.
فالله يقول هنا (والذِّين آتيناهم الكِتابَ يعلمونَ أنَّه مُنزَّلٌ من ربِّكَ بالحقّ فلا تَكونَنّ مِن المُمترين ) المُمترين أَيّ الشَّاكِين لأنَّ المِريَة هي الشَّك (فَلا تكُن في مِريَةٍ) وهنا قال (فلا تَكُونَنَّ من المُمترين) أيّ الشَّاكين المُكذِّبين.
 (وتمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقاً وعدلاً) كَلمَةُ رَبِّكَ المَقصود بِهَا هُنا: القرآنُ الكريم  صِدقاً بأخباره، وَعَدلاً في أحكامه.
(لا مُبدِّل لِكلمَاتِه وهو السَّميعُ العليم ) سبحانه وتعالى.
/ قال الله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)
هذه الآية أيُّها الإخوة مُخيفة، لأنَّ الإنسان أحيانا ًيَظُنّ أنَّ ما عليهِ أكثرُ النَّاسِ هُوَ الحَقّ، وكثيرٌ من النَّاس يَضِلُّ عن الحَقّ بسببِ الكثرة، فيقول هذا من غير المعقول أن يكون هؤلاء النَّاس الكثير على البَاطل، ونحن قِلَّة على الحقَّ. فَيَضِلّ بسبب ذلك فالله تعالى ذَكَرَ الكَثرة، والقِلَّة في القُرآن الكَريم. تُلاحِظُون في القُرآن الكريم كُلِّه، ما تَجِد أنَّ الكَثرة مَمدوحة، تَجِد أنَّها مَذمُومة.مثال ذلك: ( وما أكثرُ النَّاسِ ولو حَرصَت بمؤمنين ) وهنا يقول (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) هذه والله قاعدة مُهمِّة: ينبغي على الإنسان أن يَستحضرها دائماً، وأن يَحذَر إذا سَمِعَ الدُّعاة وإذا سَمِعَ الذِّين يَدعُونَ إلى البَاطِل أن يَحذَر، ويَخَاف، ويتوقف، ويَشُّك لأنَّ الله سبحانه وتعالى حذَّر فقال
 (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) أيّ الشَّك، والزُّور، والبَاطِل.
 (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)   يَخرصُون: أيّ يَختلِــقُون. ويقُولُ الله في آيةٍ أُخرى (وقَليلٌ من عِبَادِيَ الشَّكور) .
 وقال الله (وما أكثرُ النَّاسِ ولو حَرَصت بمؤمنين )
 وقال أيضاً ( وما آمَنَ مَعهُ إلاّ قليل ) وقِس على ذلك.
 فَلِذَلك يقول العلماء: عليكَ بِطَريق الحَقّ..ولو كُنتَ وَحدَك.. ولا تَغـتَـــرّ بِكثرَة الهالِكين... ولا تـستوحـِشّ لِقلِّة السَّالكين...
هذه يا إخواني قوانينٌ في الحياة. الله سبحانه وتعالى يَضعُ لنا في هذه السُّورة قَوانينَ للحياة -للألوهية- يُبيِّن لنا بأدلة ٍكثيرة مُتكاثرة: أنَّه هُوَ وحده الذِّي يَستحق العبادة فقط، وأنَّه ليس هناك غيره من يَستحِقُّ أن يُعبَد من دونه، وأنَّه هو الوحيد المُتفَرِّد بالخَلق، والإعادة، والبَعث بعد الموت وليس أحدٌ من خَلقه، ولا حتى أنبيائه. وهذه المسألة ضلَّت فيها ملايين من النَّاس، فما نُقرِّره - ولله الحمد - نحن الآن، نُـؤمن به، ونتلوه. فأنا الآن أقرأ، وأُفسِّر أحيانا ً أشياء واضحة بالنسبة لكم - ولله الحمد- ولكنَّها مُعضِلةُ لملياراتٍ من النَّاس في العالم، هناك ملايين من البَشر - أيُّها الإخوة- لا يعبدون الله، ويُشركون به غيره ويَسجُدون لغيره، ويعبدون الأَصنام، ويعبدون المَادة، ويعبدون كُلَّ شيء إلا الله. ومسؤولية البَلاغ أيُّها الإخوة على المُسلمين كبيرة جِدّاً. وقد قرأتُ كثيراً من قَصَص الذِّين أسلموا من الغَربيين ومن غيرهم، تَكادُ تكونُ الكَلمةُ التِّي يقُولها جميعُ الذين يُسلِمون: أينَ المُسلمون من بَيان هذه الحَقَائقٍ لغير المسلمين؟!  فكثيرٌ من غير المُسلمين ليس بينَهُ وبين الإسلام إلاّ أن يُبيَّنَ له الحَقّ. فالنَّاس ملَّت من الضَّياع، والضَّلال، والشَّك، والرِّيبة، والخَوف، والقَلق الذِّي يعيشون فيه. ربُّما يعيشُون في حياةٍ رغيدة من الحياة الدُّنيا. ولكنَّهم يَعيشُون في تَوتُّرٍ، وفي خَوفٍ، وفي أمراضٍ نفسيةٍ، وفي قَلقٍ لبُعدهِم عن الله سبحانه وتعالى. التَّــوحيد -أيُّها الإخوة- شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله طمأنينة لا يعرِفها إلاّ من ذاقها، طُمأنينةٌ بِكُلّ معنى الكلمة (الذِّين آمنوا وتَطمئن قُلُوبُهُم بذكرِ الله ألا بِذكرِ الله تطمئنُّ القُلُوب) وأعلى أنواع الذكر هي لا إله إلا الله.  فلا تستغرب أنت الآن ونحن نقرأ مثل هذه الآيات فهُناك أُمَمٌ كثيرة ضَلَّت عن هذه الحقائق الكثيرة التِّي هَدَاك الله إليها. (الحَمد لله الذِّي هَدَانا لـِهَذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله) .
/ ثُمَّ يقول الله تعالى (إنَّ ربَّك هُو أعلمُ من يَضِلُّ عن سبيله وهُو أعلمُ بالمُهتدين) تَجِدُون في القرآن الكريم مِثل هذه الصِّيغة أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول الله أعلم. وصيغة أفعل في اللُّغة العربية هي صيغة تفضيل إذا قلت محمدٌ أعلمُ من عبد الرحمن فهذا فيه إشارة إلى مسألتين أنَّ محمد وعبد الرَّحمن يشتركون في صِفَةِ وهِي صفةُ العلم ولكنَّ محمداً يزيدُ على عبد الرحمن فيها،فيُقال فلانٌ أعلم. فعندما تقول هنا عن الله ( إنَّ ربك هُو أعلمُ من يَضِلُّ عن سبيله) فهل معنى هذا أنَّ هُناكَ مُقارنــةٌ أصلاً، أو مُوازنةٌ بين الله وبين خَلقة في هذه الصِّفة؟ الجواب: لا.
 طيب هل العَرب تستخدم صيغَة أَفعل مع عدم وجود التَّفضيل؟
الجواب: نعم، كثيراً. وأظُنَّكم تحفظُون لامية العَرب للشَّاعر (الشَّنفَرة) التي يقول فيها:
 أَقيمُوا بَنيّ أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُم ** فإنِّي إلى قَومٍ سِوَاكُم لأَميَلُ.
 ولم يقل "لَمَائِلُ" والمَقصود بها أنّه لَمَائل فعبَّر بـ (أفعل) والمقصود بها (فَاعِل) فكذلك هنا (الله أعلم) ليسَ المقصود بها التَّفضيل لأنَّه لا يُفاضَل بين الله وبين أحد من خلقه.
 (إنَّ ربَّك هُو أعلمُ من يَضِلُّ عن سبيله وهُو أعلمُ بالمُهتدين) وهذه الآية تُطمئِنُ النَّبي صلى الله عليه وسلم وتقول له: يا محمد لا تَخف، ولا تقلق ولا يكُن في صَدرِكَ حَرج فأنا أعلمُ بالضَّالين المُضلِّين وسَوف أُجازيِهم.
 والعِلم هنا المقصود به ثمرتُـه عندما يقول الله سبحانه وتعالى (وقُلِ اعملوا فسَيَرى اللهُ عَمَلَكُم ورَسُولُه ) سيراه، طيب والثَّمرة؟ الجواب: المقصود سيراهُ وسيحاسِبُكُم عليه. هذه المُشكلة، هي الثَّمَرَة. فكذلك هُنا عندما يقول الله (إنَّ ربَّك هُو أعلمُ من يَضِلُّ عن سبيله) وسوف يكفيك هؤلاء (وهُو أعلمُ بالمُهتدين) .
/ ثم تبدأ الآيات أيُّها الإخوة الآن في الحَديث عن الأنعام.
 سورة الأنعام سُميِّت (بالأنعام) مع أنَّ الأنعام قد ذُكِرت في سورة النَّحل أيضا وفي غيرها لكن نحن قلنا: سورة الأنعام هي سورة التوحيد والعقيدة وتقرير العقيدة والرَدّ على المنكرين للتَّوحيد -توحيد الرُّبوبية وتوحيد الأُلوهية-.
 إذاً لماذا سميت بسورة الأنعام مع أنَّ الحديث عن التَّوحيد ؟
الجَواب: المُشركون قد وقعوا في الشِّرك، وظهرت آثار الشِّرك حتَّى في الذَّبح، وفي الأنعام،وفي الأَكل،وغيرها .فنَصَّ الله على هذهِ المُخالفات الذَّبح لغير الله ...الخ. وسوف نستعرضها إن شاء الله.
 فهذا هو سبب تسمية السُّورة بالأنعام فلذلك قال الله تعالى (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) فَدَلَّ هذا على أنَّه لا يجوز أن تأكل ممَّا لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه.
 ثم يقول الله (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) أين فصَّل لنا ما حرَّم علينا؟ الجواب: في سورة المائدة، قال الله تعالى (حُرِّمَت عليكمُ الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به والمُنخنقة والمَوقوذة والمُتردِّيَةُ والنَّطيحة وما أَكلَ السَّبُعُ إلاَّ ما ذكيَّتم وما ذُبِحَ على النُّصَب وأن تستقسِمُوا بالأزلامِ ذالِكُم فِسق ) فهذه تفاصيل.
 وأيضاً في سورة البقرة (إنَّما حَرَّم عليكم الميتةَ والدَّمَ ولحمَ الخِنزير وما أُهِلَّ بِهِ لغير الله) في سورة الأنعام تفصيلٌ سيأتي، وفي السُّور التي سَبقتها أيضاً تفصيل. وجاء في سورة المائدة تفصيل أيضا ً. فأنت الآن تقرأ، وأنت تُحَال إلى هذه التَّفاصيل في القرآن الكريم. الآن لو سألتُك الآن أين التَّـفصيل؟ تقول قد ذُكِرَ في سورة المَائدة تفصيل، وفي سورة البَقرة تفصيل وفي ما سَبَقها تفصيل. لكن عندما تتحدث عنها تقول كيف يقولُ الله ذلك، وسورة الأنعام مكيِّة ولم يسبقها سورة المائدة؟
 الجواب: نقول نعم، قد سبق سورة الأنعام هُنا تفصيلٌ في سورة المائدة وسيأتينا تفصيلٌ أيضاً في سورة الأنعام في قوله تعالى (ثمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) .
/ فيقول الله هنا (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ) أيّ ما الذِّي يمنعكم أن تأكلوا (مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) ولا تأكلوا ممَّا لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) أيّ قد جَاءكم تفصيلُ ما حرَّم عليكم من المَأكولات (إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فَلكُم أن تأكلوا منه بقدرِ الحَاجَة. كما قال أيضا ًفي سُورةِ المائدة (فمن اضطر في مَخمصةٍ غَير مُتجانفٍ لإثمٍ فإنَّ الله غفورٌ رحيم) ولذلك يقول الفُقهاء أخذاً من هذه الآيات [الضَّرورات تبيح المحظورات] أيّ تُبيح المحظورات بِقَدَرها.
 سؤال: إذا كان الواحد منّا جائعا وأوشكَ على المَوت ثم وَجَد ميتةً فهل يأكل حتى يشبع أو أنَّهُ يأكل بِقدر ما يُقيم به صُلبه؟
الجواب: الآية واضحة (فمن اضطر غيرَ باغٍ ولا عَاد) غيرَ باغٍ : بمعنى مُتجاوزٌ لحدِّ الحَاجة والضَّرورة.  ولا عَادٍ: بمعنى:أنَّه وجدَ حلالا ً فتَركَه وأكَلَ من الحَرام. فالمَسألة واضحة وإذا فَكَّرت فيها في النِّهاية فإذا بها من أَجل مصلحتك لأنَّ الميتة ستسبِّب للإنسان الأمراض وإنَّما أُبيحت لأنَّه أصبَح الخِيَار بين أن تَبقَى أو تموت وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا .
 / قال الله (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا) رَجَعنا لذَمِّ الكَثرة مَرّة أخرى (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) يقول الله: بأنَّ كثيراً من النَّاس يُضِلّ النَّاس ويُفتي ويتكلَّم بأهوائهم -بغير علم-. لذلك بعض الناس يقول: لا يمكن أنَّ فُلاناً يقولُ بغير علم، أو فلان، وفلان. لا، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ) يُضلِّون النَّاس، ويَجرفُـونهم عن الطَّريق (بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) جُرأةٌ على الله سبحانه وتعالى.لذلك جَعل الله سبحانه وتعالى القَول عليه بغيرِ عِلم مِن الكبائر ولِذلك قال في سورة الأعراف ( قل إنَّما حرَّمَ ربِّي الفَواحشَ ما ظَهرَ منها وما بَطَن والإثمَ ) بدأ بالأخفّ ثُمَّ انتقل للأثقل فقال (والبَغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم يُنزَّل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فجعلَ القول على الله بغير علم أعظم من الشِّرك بالله في هذه الآية، وهُو أن تقول: أنَّ الله حلَّل كَذَا. وحرَّم كذَا. قال الله (ولا تقولوا لِمَا تَصِفُ ألسنتكم الكَذِب هـذا حلالٌ وهـذا حرام لِتفتروا على الله الكَذب إنَّ الذين يفترون على الله الكَذبَ لا يُفلِحُون ) .
فكذلك هنا يقول الله (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم ) أي بما تهواهُ نفوسُهُم ( بِغَيْرِ عِلْمٍ)، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ )  فَسَمَّى الذِّين يتكلَّمُون بغير علم مُعتَدِين أيّ اعتدَوا حُدُودَهُم.
/ ثم يقول الله سبحانه وتعالى وهذه من أجمع الآيات في القرآن الكريم
 (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) هذه الآية من أجمع الآيات في القرآن الكريم على قِصَرها، ففيها نَهيٌّ عَن كُلِّ الذُّنُوب (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) فدخل فيها كُلُّ المَعاصي الظَّاهرة والباطنة، يأمُر الله سبحانه وتعالى عِبادَه بتركِ الذُّنوب والإثم (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ) أيّ سَوف يُحاسبهم الله سبحانه وتعالى جزاءَ ما اقترفته أيديهم من الإثم ظاهره وباطنه.
/ ثُمَّ يقول الله (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ففيه تحريمٌ من أن تأكل من ذبيحة لم يُذكرِ اسم الله عليه عند ذَبحها. وسمَّى الله هذا الفعل -الذَّبح مع عدم ذكر اسم الله- أنَّه فسق والفِسق في اللُّغة: هو الخُرُوج .فيقاُل مثلا ً فَسقَت الفأرة إذا خَرَجَت من جُحرِها .
سؤال: بالنِّسبة للدَّجاج الذي يُستورد من الخَارج، هل ذُكِر اسم الله عليه عند ذبحه أو لا ؟
الجواب: بالنِّسبة للدَّجاج الذِّي يأتي من بعض الدُّول غير المسلمة بعضها يُكتَب عليه (حلال) و يكون معروف المَصدر، مثلا ًعندنا في السعودية أنَّه لا يُستورد الدَّجاج إلاَّ من أماكنَ معروفةٌ أنَّها تَذبَح ذبَحاً شَرعيا ً، فإذا فعلا ًضَمِنَ الواحد منَّا هذا فليأكل. وأمَّا إذا شَكَّ في ذلك فَليتوقَّف لأنَّ هذه من الأشياء المُحرَّمة كَمَا نَصَّ عليها القُرآن الكريم (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فإذا غَلَبَ على ظَنِّك أو دخل الشَّك في قلبك أنَّ هذا الطَّعام سواء كان (خَروفاً أو دجَاجةً أو حَمَامةً أو أيّ حيوان) من الذِّي يجوزُ أكلُه أنَّه لَم يُذكَر اسم الله عليه فتوقَّف مباشرة. وقد حصلت نقاشات حول بعض أنواع الدَّجاج - قبل فترة - هل الدَّجاج التِّي من الشَّركة الفُلانية يجوز أكله أو كذا؟ فدار النِّقاش في هذا. ولكن باختصار شديد هي هذه لأنَّ الله تعالى قال (وطعامُ الذِّين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكٌم وطعامكم حِلٌّ لهم ) فإذا كان قد ذبَحَه يهوديٌّ أو نصراني ذبحاً. لأنَّ من اليَهُود والنَّصارى من يقتُلُ الذَّبيحة قتلاً، أو يَصعقُها صَعقاً كهربائياً، وكذلك لو كانَ مسلماً ويصعق الذَّبيحة بالصَّعق الكهربائي فلا يجوز أكلُ ذبيحته لأنَّها مُحرَّمَة، هذه مَــــيتـــة وليست ذبيحة.
 / ثم يقول (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)
 هذه الآية عجيبة (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ) قبل قليل يقول (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) يقول هنا (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ)
 وسمَّاهم الشَّياطين كأنها الشَّياطين الحقَيقيين الذِّين لا يُسمَّى شيطان إلا هُم، هُمُ الذِّين يُضلِّون النَّاس بجانب الأطعمة وما يتعلَّق بها، لأنَّ فيه ناس بعض هذه الذَّبائح مُحرَّمة قَطعاً ويأتي ويجادل عنها ويقول لا، هؤلاء يقتلونها بالطَّريقة الفلانية وهذه فيه نظر، يُجادل عن الذين يَختانون أنفسهم. وبعضهم -للأسف الشديد- يتقاضَى على ذلك - بعض من ضَعُفَ إيمانه- تخدَعُهُ بعضُ الشَّركات التي تبيع أو تذبَحُ ذبحاً مُحرَّماً تُقنِعُه بأن يُقنِعَ النَّاس أنَّها مذبوحةٌ على الطَّريقة الإسلامية، فيأخذ نسبةً مُعيَّنةً على ذلك.
 فيقول الله سبحانه وتعالى هنا (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)
 فيقول قائلٌ مثلاً :ما الفَرق بين الذَّبيحة وبين المَيتة؟ الذَّبيحة أنت تذبَحُها بيَدك.أمَّا الميتة فالله هو الذِّي قتلها، فكيف تأكل أنت من ذبيحتك ولا تأكل ما قتل الله ؟!
 هذه شُبهة بعض النَّاس يقول هذا، فالله سمَّى من يُروِّج لمثل هذا أنَّهم شياطين يجادِلُون بمثل هذه الشُّبهات لِكَي يُحلِّلوا للنَّاس ما حرَّمه الله عليهم، ولذلك قال الله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ولَم يَقُل (لفَاسِقُون) - سبحان الله- مع أنَّه مُجرَّد أكل. قال لا، إذا أكَل الإنسان من ذبيحةٍ لم يُذكرِ اسم الله عليه وهو يَعلم فهو مشرك رَضِي بهذا.
ولاحظوا أيُّها الإخوة أنَّ هذا هو سبب تسمية السُّورة بسورة الأنعام، أنَّ الأكل من ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليه شركٌ، فالشِّرك ليسَ مُجرد سُجُود لصنم أو غيره، وإنَّما يَدخل أيضاً في الطَّعام وفي الشَّراب وأنَّه لابُدَّ للمُسلم أن يُسمِّي على ذبيحته. ولذلك ستأتي الآيات في آخر السُّورة (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فالصَّلاة، والنُّسُّك، والذَّبائح، والحَياة، والمَمات كُلُّها لله سبحانه وتعالى، فلا يوجد علمانية -فصلٌ للدِّين عن الحياة-  بمعنى أنّك تُصلِّي في المسجد وإذا خرجت افعل ما تشاء.لا، هذا ليس من الإسلام في شيء.
قال الله (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). لعلَّنا نتوقف عند هذه الآية في هذا المجلس لأنها . ونكمل  في المجلس القادم -بإذن الله تعالى- الحديث عن هذه الآيات لأنها بدأت بداية جديدة. أقولُ هذا القَول، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم على سيِّدنا ونبِّينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 سؤال: في قوله تعالى (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) هل هذه الآية تدخُل فيه ؟
الجواب: نعم يدخل فيه دُخُولا ً أوليِّا ً(إن أطعتموهم - في هذا الذي يفعلونه- إنَّكم إذاً لمشركون بهذا ولذلك عديّ بن حَاتِم سَمِع النَّبي صلى الله عليه وسلّم يقرأ هذه الآية ( اتَّخَذُوا أحبارهُم ورُهبانهُم أرباباً من دُونِ الله والمسيح ابن مريم وما أُمِروا إلاّ ليعبُدوا إ لهاً واحِداً لا إله إلاّ هُو سبحانه عمَّا يُشركُون) فقال عدي بن حاتم : إنَّا لسنا نعبُدُهُم. قال: أليسَوا يُحللون لكم ما حرم الله فتُحلِلوه ويُحرِّمُون ما أحلَّ الله فتُحرِّمُونه؟ قال: نعم. قال: فتلكَ عبادتهُم جوابٌ واضِحٌ، وصَريح.

 المجلس الثّاني:
 بسّم الله والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسول الله وعلى آله و صحبه وسلَّمَ تسليما ً كثيرا ً..
 كُنَّا وقفنا في المَجلسِ السَّابق عند قولِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى في سورة الأنعام (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) وقُلنا إنَّ هذه الآية واضحة في دُخُــول ما يتعلَّق بالأنعام والذَّبح لِغَيرِ الله سبحانه وتعالى في الشِّرك. وهذا من أسباب تسميةِ سورة الأنعام بهذا الاسم مع أنَّ سورةَ الأنعام جاءَت في أَصلها : لتقرير التوحيد ونبذ الشرك والرَّد على حُجَج المُبطلين الذِّين يُزيِّنُون للنَّاس عبادةَ غير الله سبحانه وتعالى.
ونبدأ في هذا المجلس من الآيةِ التِّي تليها، وهي قولُه تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)..
 المقطع الأوّل:
 (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وإذا جَاءتَهُم آيةٌ قَالوا لن نؤمِن حتَّى نُــؤتَى مثلَ ما أُوتي رسُل الله الله أعلمُ حيثُ يجعل رسالَته سيُصيب الذِّين أجرمُوا صَغارٌ عند الله وعَذابٌ شَديد بِمَا كانوا يمكرون (124) فَمن يُرِد الله أن يهديَه يشرح صَدرَه للإسلام ومن يُرد أن يُضلَّه يَجعل صَدرهُ ضيِّقاُ حَرَجاً كأنَّما يَصَّعَد في السَّماء كذلكَ يجعلُ الله الرِّجسَ على الذِّين لا يُؤمنُون)
 بعد الحديث -أيُّها الإخوة- عما تقدّم من النَّهي عن تحريم الأكل ممَّا لم يُذكرِ اسمُ الله عليه انتقل الحديث هنا عن الإيمان، وضَربَ الله  مثلاً في غاية القُوَّة. فمثَّلَ الله سبحانه وتعالى المُشرك بالميّت، ومثّل اللهُ المؤمن بالحيّ فقال: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)
(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا) الميِّتة هنا المقصود بها ميِّتُ القلب،وموت القلب بالشِّرك والكفر.
 (فَأَحْيَيْنَاهُ): أيّ فَهدَيناهُ للإيمان وللحَقِّ (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (وهذا كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ) فوصَف القرآن بأنَّه كتابٌ مباركٌ ونور. وكثيراً ما يَصفُ الله القرآن بأنَّه نور قال: (ولكن جعلناه نوراً نَهدي به من نشاء من عبادنا) ووَصف الكُفُرَ بالظُّلُمات. تعال ننظر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جاؤا به فإذا به أصدق وصف يُصف به أنه نور ولذلك وصفَ الله التَّوراة بأنَّها نور (فيها هُدىً ونُور) ووصف الإنجيل بأنّ (فيه هُدىً ونُور) وهذه دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام كُلُّها (نور)، وأيضاً في الآخرة (النُّورُ) مُرتبطٌ بهم ولذلك تجد الله قال : (يَسعى نــُورُهُم بين أيديهم وبأيمانهم) والمُنافقين يَتَّبِعُونُهُم يقولون (اُنظُرونا نقتبس من نُوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً) الرُسل عليهم الصلاة والسلام ودعواتُهم هي النور الحقيقي والإيمان هو النُّور الحقيقي والقرآن هو النُّور الحقيقي ويقابِلُهُ الظُّلمة مع أعداء الأنبياء.
 الآن اذهب إلى أيِّ ساحرٍ من السَّحرة ستجدُ أنّ كُلَّ أعمالهِ في الظُّلمة,كُلّ حياته مقترنة بالظَّلام، يقرأ ويَعمل في الظَّلام, يُطفئ المَصابيح، وكُلّ أعماله مشبوهة. الأنبياء لا، أعمالهم ظاهرة. ولذلك عبد الله بن سلاّم ذكيّ أول ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ورأى الناس مجتمعين عليه جاء فنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقط  فرأى أنَّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتلألأُ نوراً فقال هذا ليسَ بوجهِ كذَّاب، فقط بمجرد النَّظر فلما دَخل وناقش ثبتَ له ذلك .
الأنبياء دائماً دَعوتُهُم ظاهرة في النُّور ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: (اللهُ ولي الذين آمنوا يُخرجُهُم من الظُّلمات إلى النُّور ) الظُّلُمات كثيرة الكُفُر والشِّرك وغيرها، لكن طريق الحقّ واحد، وسيأتي الحديثُ عن هذا . 
قال الله (وهذا صِراطُ ربك مستقيماً) فهُو طريقٌ واحد (والذِّين كفرُوا أولياؤُهم الطَّاغوت) قال: يُخرِجهُم ؟ لا ، بل يُخرجُونهم فهُم كثير (يُخرجونهم من النُّور إلى الظلمات) لو نتتبَّع فقط كلمة (النُّور والظُّلمة) في القرآن الكريم تَجد أنَّ النُّور مُقترنٌ بالله، وبرسله، وأنبيائه، وأوليائه، والظُّلمة مقترنة بأعداء الله والمُكذِّبين والمُشركين وغيرهم. ولذلك آية سـورة النُّـور (الله نور السَّماوات والأرض) هذه الآية العظيمة.
/ فالله سبحانه وتعالى يقول هنا: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) لاحِظُوا كيف يقول: (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) كأنَّ النُّور هذا يشمَلُهُ كُلُّه وهو كأنَّه ظرفٌ داخلَ هذا النُّور و(يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) ينشُرُهُ بين النَّاس ويستفيد منه الناس .
 ولم يقل: يمشي به مع النَّاس وإنَّما قال (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) في وسَطِ النَّاس..في غِمَار النَّاس وهذا شأنُ الأنبياء والمُصلِحين والدُّعاة  والمُحسنين والمؤمنين أنَّ نورُهُم يتعدَّى إلى غيرهم وهدايَتُهُم تتعدى إلى الأقربين وإلى الأَبعدين يدعُون إلى هذا النور الذِّي جاءَ به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
 قال: ( كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) قال لا يستوي المُؤمن الذِّي رزَقَه الله الهِداية ونوَّر بصيرته ونوَّر قلبَه بنور هذا الإيمان وهذا القرآن والذِّي كذَّب بهذا. فهو يعيشُ في الظُّلماتِ ليسَ بخارجٍ منها إلاّ إذا آمن به.
 (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) كما قال الله في الآية التِّي قبلها (وكذلك زيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلُهُم) (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ) أي كما أنَّ الله قد قدَّر الهدايةَ للنَّاس، وقدّر النُّبوة للنَّاس واختار الله من الأنبياء من اختار,واختارَ الله من المؤمنين من اختار، فالله تعالى قد قدَّر أنَّه يجعلُ في كل قريةٍ مجرمين، ولم يقل سبحانه وتعالى فقط مجرمين بل (أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا) فقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) هذه من سُنَّة الله تعالى أنَّه يَبتلي بعض النَّاس ببعض (ولكن ليبلوَ بعضَكُم بِبعض) وقال (ولو شاء الله ما أشركوا) ولذلك لا تستغرب أن يُعاديِكَ الكافِر والمنافق والمشرك ويحاربَك ويقطع الإمدادات عنك ويُجمِّد أرصدتك، ويقف ضدك في المحافل الدولية، هذا شيء طبيعي والغَريب هو العكس أن يقف معك المُجرمون والمشركون، والمُكذِّبون. كيف تطلب ذلك من هؤلاء والله تعالى قد ملأ القرآن الكريم بالآيات التي تُثبِت أنَّهم أعداءٌ لنا!! هؤلاء يُناصبُونكَ العَدَاء لأنَّك مسلم لأنك على مِلَّة التوحيد .
 فالله تعالى يقول: (وَكَذَلِكَ) أي هذه سُنَّةٌ ماضِية (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) والقرية سُمِّيَت قريةً لاجتماع النَّاس فيها، والقَرَى في اللُّغة العربية -قَرى بدون هَمزة وليس قرأ- معناها جَمَعَ , (قَرَى، يَقري، قَرية، قِرىً) وإلى آخره. فالقَرية سُمِّيَت قريةً لاجتماع النَّاس فيها, وهي أصغرُ من المَدينة. وقد ورد في القرآن الكريم تسميةُ القريةِ بالمدينة والعكس كما في سورة الكهف (حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) ثُمَّ قال الله (وأمَّا الجدارُ فكانَ لغُلامَين يتيمين في المدينة ) وهي نفسها، وأم القُرى مَرَّت معنا جمعُ (قرية).
 قال: (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا) أيّ كِبَارُ المُكذِّبين. وتجدون دائماً في كل مُجتمَع أُناس قادةً للفساد ولذلك ذكر الله (وكان في المدينة تسعةُ رهطٍ يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون) لجنة الإفساد، فكما أنَّ هُناكَ لِجانٌ للإصلاح هناك لجنة للإفساد (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا) هذا تَخَصُّصُهُم. فالمهام التِّي يقومون بها - إن صحّ أن نُسَميها مَهــامُ اللَّجنة- أنَّهم يُفسِدُون في الأرض ويَصُّدُونَ عن سبيل الله وكُلَّما رأَوا مُهتدياً وَضَعُوا العَراقيلَ في طريقه، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لم يَسلَم من ذلك وقد حَاولوا قَتله، وحاولوا طرده..الخ.
 كل هذه تُلاحظون تسليةً للَّرسُول صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له، وكلُّها تدُلُّ على أنَّك يا مُحمَّد لستَ وحدك، هَذِه سُنَّةٌ مَاضية.
 / (لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) يعني هم يمكرون ويُخطِّطُون للصدّ عن سبيل الله ومحاربة أولياء الله (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ) فتقعُ دائماً عاقبةُ مَكرهم كما قال الله: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهِم أنَّا دمَّرناهم وقومَهم أجمعين).
/  ثم قال الله تعالى : (وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ)
هذا من التَّعنُت أيضاً:  لن نؤمنَ لكَ يا محمد حتى يكون لكُلِّ واحدٍ منَّا كالذِّي أعطاك الله. يَنزل عليك الوحي يَنزِلُ علينا الوحي مثلك.
 لكَ معجزات نحن نريد معجزات مثلك . فالله سبحانه وتعالى قال: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الله تعالى أَعلم ويعلَم من هو الذي يستحقّ أن يختصّه الله برسالته، لأنّ اختصاص الله بالرِّسالة فضلٌ عظيم ليس كُلَّ واحدٍ يصلُح أن يكون رسولاً. وهؤلاء يريدون أن يُصبِحُوا كُلَّهم أنبياء حتى يُصَدِّقوا. فيقول الله: (وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) هذا هو الجواب وسكتَ عنهم.
 (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ) والإجرام هنا المقصود به الشِّرك (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ) في الدنيا والآخرة (وَعَذَابٌ شَدِيدٌ) في الآخرة (بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ) .
/ (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)
(فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ) أي يُوفِّقَهُ لسُلوكِ طريق الهداية (يَشْرَحْ صَدْرَهُ) ليس المَقصود بانشراح الصَّدر أن يَتوَسَّعَ صَدرُ الإنسان تَوَسُّعَاً فيزيائياً وإنَّما انشراحُ الصَّدرِ هو قَبُوله للحقّ. وأنت تجدُ هذا في نفسك فأحياناً يَنشرح صَدرك لبعض الأمور فمثلا: تُريدُ أن تدرُسَ في جامعةٍ مُعينة فتجدُ نفسكَ منشرحة لهذا الموضوع ومُقبلة عليه هذا هو انشراح الصدر، تأتي إلى الطاعة وإلى الإيمان فتجد نفسك منشرحة، تدخل المسجد فتجد نفسك منشرحة، تقوم الليل فتجد نفسك منشرحة لهذا الأمر. فالله تعالى يقول من أراد الله هدايته إلى الحق جَعلَ صدره ونفسَه تتقبَّل لهذا الحقّ. ولذلك كان من الدُّعَاء (اللَّهُمَّ اشرح صَدري) بمعنى اجعله يقبَلُ الحقّ . ولذلك قال موسى عليه الصلاة والسلام في دعائه (قال ربِّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني) فقدَّم شرحَ الصَّدر.
وامتنَّ الله على النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذه المِنَّة فقال: (ألم نَشرَح لكَ صَدرك ) امتناناً على النَّبي صلى الله عليه وسلم لأنّ شرح الصَّدر من أعظم النِّعم على الإنسان. نسأل الله أن يَشرَح صُدورنا وإياكم للإيمان.
  فيقول: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ) إرادةً قَدرية أن يَهديَه..أن يدُلَّهُ ويُوَّفِقُهُ للهِداية (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ) يعني يجعل نفسه وصدره تتقبَّل الإسلام بقَبُول حسن وتُقبِل عليه، (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ) إرادةً كَونيةً قَدرية ، يعني يُقدِّر الله عليه الضَّلال.ماذا يفعل به؟
 قال (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا) لو جئتَ الآن إلى صدر المؤمن وصدر الكافر وأجريتَ له عمليةَ تشريح ستجد أنَّه نفس القفص الصَّدري والقَصَبَة الهوائية والبُلعُوم هُو ذاتُه لا فرق لكن المسألة مسألة معنوية. انشراح الصَّدر وضيقه مسألة معنوية، فَتَجِد الإنسان إذا ضَاقَ صدره يقول ضَاقَ صدري، وهو لا ضاق صدره ولا انشرح صدره  إنما انشراح معنوي أو ضِيق معنوي.
 قال: (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا) ولم يكتف بذلك بل قال: (حَرَجًا) الحَرَج هو: الضِّيق الشديد ومنه الحَرَج إذا قلت له لا تجعلني في حَرَج أي: لا تُضيِّق عليَّ ضِيقاً شَديداً يُحرجُنِي فأقولُ ما لا ترضى. ولذلك رفع الله الحَرَج عن المُسلم (وما جعل عليكم في الدِّين من حَرج) أيّ من ضِيق، والعرب تسمي الغابة الضَّيقة المُلتفة (حَرَجَة) وهي التي يعيش فيها الأُسُود عادة، وهناك منطقة في جنوب السُّعودية اسمها (الحَرجَة) قريبة من سِراج عَبِيدَة  وسُميِّت (حَرَجة) لأنَّ الغابات كثيرة فيها، فهذا مَعنى الحَرَج، الحَرَج هو الضِّيق.
 (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) أي يضُيق صَدرُه ضِيِقاً شديداً فيكونُ حالُه كأنَّه يصَّعَدً في السَّماء.
 هذه الآية طبعاً يدور حولها حديثٌ الآن فيما يُسمَّى بالإعجاز العلمي يقولون الآن ثبَتَ عِلمياً – والحقيقة هي ليست ثابتة حديثاً- هي مسألة ثابتة قديماً. فأنا شخصِّياً أعرف هذه الحَقائق، فأنا من أهل جِبَالِ السَّرَوات، وعِشتُ في هذه الجِبال وإذا نزلتُ إلى تِهامة وإلى البحر تجد الأكسجين يـــَزيد، ويَنشرح صَدرك أكثر من الجبال، فالإنسان إذا صَعَد الجبال يضيق النَّفَس بالنِّسبة له والأُكسجين يَقِلّ، ويصبح التَّنفس صعب عليه ، فإذا نزل إلى المناطق المُحاذية لسواحل البحر يزيد الأكسجين ويتنفس بسهولة . فالعرب تُدرِك هذا بشكل بسيط أنَّه إذا صَعَدَ الجَبل يقلّ الأكسجين وإذا نزل يكون أسهل في التَّنفس.
 فالله تعالى يقول هنا أنَّ الذِّي يَضيق صدره من الضَّلال كأنَّه يصّعد في السَّماء، لذلك يقول المفسرون المعاصرون الآن أو بعضهم إنّ هذا من الإعجاز العلمي لأنّ هذا فيه سبقٌ إلى هذه الحقيقة العلمية ، النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدري أنَّه كلما ارتفعت كُلَّما قلّ الأكسجين لدرجة أنَّك الآن لو ترتفع ارتفاعاً كبيراً, لو تركب الطائرة الآن وتفتح النَّوافذ تصل إلى مرحلة تموت لأنَّه ينعدِم فيها الأكسجين، ولكن هُم يُغلِقـُون الطَّائـرة بإحكام ويكُون فيها أكسجين داخليّ.
 أنا أقول: فعلاً هذه الاكتشافات الحديثة الآن هي زادت تأكيداً الحقيقة المعروفة. فأنت الآن إذا صعدت الجبل يَقُلّ الأكسجين ويضيق صدرك, فَكلَّما زادَ الصُّعـُود كلَّمَا زادَت هذه الحقيقة. فالاكتشافات الحديثة زادت هذه الحقيقة المعروفة زادتها رسُوخاً فتكون هذه الآية مُصَّدِقةً لها (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) أي كأنَّ الإنسان يصعدُ في السَّماء يضيق صدره حتى يختنق لأنَّه لا يوجد أكسجين. فالآية تدُل على هذا أنّ الله سبحانه وتعالى يقول أنّ الكافر المُشرك الذِّي لا يهتدي بِهُدَى الله سبحانه وتعالى يضيقُ صدرُه من الشَّك،ومن التَّكذيب. ولذلك يكثُرُ الانتحار في الكفَّار ويَقِلُّ جداً جِدَّاً عند المسلمين، المُسلمون الآن يَخضُون الحُروب ويُعانون من الفقر ويعانون من الجوع والفيضانات والنَّكبات. تقريبا رُبَّما خمسة أخماس الفقراء أو أربعة أخماس الفقراء في العالم من المسلمين وقليل أن تجِد من ينتحر منهم ، أمَّا المُشركون فَتجد اليوم من ينتحر بالعَشَرات وهم في غِنَى وفي رغَدٍ من العيش لكن كما قال الله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) والرِّجس هو الغَضب، الرِّجس هو السُّوء، يَحملُ كلَّ هذه المعاني أيّ على الذِّين لا يؤمنون .
/ (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) لاحِظُوا الآن الله يذكُر طُرُق مختلفة وكثيرة للكُفر والشِّرك طرق كثيرة ولذلك قال: (وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتِّبعوه ولا تتَّبِعُوا السُّبُل) ويقول هنا في سورة الأنعام (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) مستقيماً هنا حال (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) دارُ السَّلام هي الجنة نسأل الله أن يجعلنا من أهلها .
/ ثم يقول: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ) يوم يَحشُرُهُم أيّ يجمعهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فيجمع هؤلاء المشركين ويجمع الأصنام ويجمع الجميع في صعيدٍ واحد فيقول للجِنّ قد استكثرتم من الإنس أيّ أنّكُم أرهبتم الإنس حتى جرفتُمُوهم عن الحقّ ووقع كثيرٌ من الإنس في الشِّرك بِسَببكم أيُّها الجِنّ وهذا معنى قوله: (قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ).
 (وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ) أيّ الذِّين عَبَدُوهم من دون الله (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) يعني استمتع الجنُّ بالإنس واستمتع الإنس بالجنّ، (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا) أيّ هذا اليوم.
 (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أيّ الآن كُلُّ واحدٍ يوم القيامة يُحاجِج يُدافع عن نفسه فيأتي هؤلاء المشركون ويُقسمون بالله ما كُانوا مشركين وهم عاشوا حياتهم كُلَّها يُكذِّبُون الأنبياء والرُّسُل ويُشركون بالله لكن عندما يأتون إلى يوم القيامة ويُذهِلُهُم ذلك الرُّعب قالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون (اليوم نختمُ على أفواههم وتكلِّمُنا أيديهم وتَشهَدُ أرجُلُهم بما كانوا يكسبون) وهذا هو اليوم الذي يُختم الله فيه على الأفواه فلا تتكلّم بل ستتكلّم أعضائك، يوم رهيب أيًّها الإخوة ,
 فالله يقول في هذا الموقف أنَّ الذين يعبدون الجِنّ يأتون يوم القيامة كلٌّ يَدفَعُ التُّهمة عن نفسه فيقولُ الإنس: هؤلاء الجنّ هم الذِّين أَضلُّونا ياربّ، لعله يُقتَصُّ منهم  فيقول الله سبحانه تعالى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ) ولاحظوا هنا أنّه قدَّم الحِكمةَ على العلم كما قدَّمها أيضاً في الآيات التِّي مرَّت معنا للإشارة إلى أنَّه سبحانه حكيم في كُلِّ ما يحكُم به، فإنَّ ما يفعله سبحانه هو عن علم وعن حكمة.
/ ثم يقول الله سبحانه: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) من سُننِ الله تعالى في خلقه أنَّه يُسلِّط الظالمين على الظالمين، وقال هنا (نُولِّي) من الولاية، فتجد دائماً يُبتَلى الظَّالم بمثله ويُضِّل الظَّالِمُ الظَّالِمَ ويلعنُ بعضُهم بَعضاً في الآخرة، ويقول في الآية التي قبلها (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ) عن المؤمنين (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ) سبحان الله فرق كبير.
 لاحظوا كيف يذكر الله صفاتَ الأصنام، ويذكر صفاته سبحانه وتعالى، ثم يذكر صفات الذِّين عبدوا الأصنام ويذكر صفات الذين عبدوه ووحَّدُوه ، ثم يأتي هنا ويقول: كيف أنّ الأصنام تتبرأ يوم القيامة ممَّن عبَدَها ويتبرأُ الجنّ ممَن عَبدَهم، وأيضاً يذكُرُ في المُقابل أنَّ هؤلاء المُوحدين المؤمنين في الآخرة لهم دار السلام لاحظوا كيف سمَّاها (دارُ السَّلام) لِتطمينهِم وللإشارة إلى أنَّهم يعيشون ذلك اليوم في سلامٍ وفي طُمأنينة في الوقت الذِّي يعيش غيرُهُم في ذلك اليوم في خَوفٍ وفي وَجَل وفي قلق .
 وأنا أقول أيَّها الإخوة: 
- هل نستحضر فعلا نحن الآن ونحن نقرأ هذه الآيات العظيمة ذلك الموقف العظيم الرَّهيب .
- وهل نحن فعلاً نُعطي القرآن ما يَستحِقُّهُ من التَّدبر والتَّأمُّل والعَمل .
- هل نحن نشعرُ فعلاً بما تُعانيه البشرية اليوم من التِّيه والضَّلال ونعرف قدرَ نعمة الله علينا أن دلَّنا وهدانا إلى هذا القرآن .
 / هل نستشعر فعلاً كيف أضَلَّ الله أبا جهل وكِبار قريش عن هذا الدِّين وعن هذا الحق عن هذا الكتاب الذِّي نتدارسه اليوم وهدانا إليه سبحانه تعالى.
- هل رأيتُم – أيُّها الإخوة- ملايينَ البشر الذِّين يعيشون يعتنقون الكنفوشسية -ديانة الصين- والبُوذية، والهُندوسية،والسِّيخ، والذِّين يعبدون ثلاثة آلاف إله لم يتركُوا شيئاً إلا عبدُوه إلاَّ الله جَلَّ جلاله.
- هل فعلاً الواحدَ منَّا يستشعر هذه النِّعمة العظيمة ويُقدِّرها حَقَّ قَدرها . أسأل الله أن يَجعلَنا من أُؤلئك.
/ ثم يقول الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) لاحظوا كيف أنّ الله سبحانه وتعالى يقول يا معشر الجِنّ..يا معشر الجن (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) ويقدِّم الجنّ لأنّ الجنّ أكثر عدداً من الإنس فيقول هنا (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا) يُنذِرونكم : أيّ يُبَلِّغُونكم. هذا يُقال لهم يوم القيامة، وهذه الآية فيها إشارة إلى أنّ الله تعالى قد أَرسَل الرُّسل إلى الجنّ والإنس لِيُبَلِّغُوهم ويُنذرُونهم لقاء يوم القيامة ويُبيِّنون لهم أنَّ الله وحده هو المستحق للعبادة ..الخ .
 هل هذه الآية تدل أنّ هناك رسًلاً من الجن؟ لأنه قال: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) .
هناك بعض المفسرين يقول: الآية تَدُلّ على أنَّ هناك رسُلٌ من الجنّ، لكنَّه لم يثبُت بأدلة صحيحة أنّ هناك رسلاً من الجنّ. الآية تحتمل هذا لكن المشهور أنّ الرُّسُل كُلُّهُم من الرِّجال (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً) والنَّبي محمّد صلى الله عليه وسلم هو النَّبيُّ الوحيد الذِّي أُرسلَ إلى الجنّ والإنس جميعاً قال (أعطيتُ خمساً، لم يُعطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي) وذكر منها (وكان النَّبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى النَّاس عامَّة).
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) أي من جِنسكم (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) يُخبرونَكم بآياتي وكُتُبي وتكاليفي الشَّرعية (وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا) أيّ يوم القيامة (قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) اعترفوا نعم أتَانا رسُلٌّ منك يا رب بلَّغُـونا بما ذكَرت. (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) فكان سبب خذلانهم وسبب كفرهم ما غرّهم به من الحياة الدنيا (وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ).
/ ( ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) هذه سُنَّةُ الله في الأمم أنّ الله سبحان تعالى لا يُهلكُ أمةً من الأمم إلا إذا بلَغتهَا الرِّسالة, يُرسِلُ إليها الرُّسل ويُبيِّنُ لها, فمن آمنَ فلهُ الأمن والطمأنينة الذِّي ذكرها الله ومن كفَر أخذه الله سبحانه وتعالى قال: ( ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ) أي سُنَّةُ الله يا محمد في خَلقه أن لا يُهلكَ قريةً بِظُلم أيّ ظلماً منه سبحانه تعالى وأهلُها غافِلُون أي في غفلة عمَّا نريده منهم ثم نأخذهم بغتة وإنَّما نُرسِلُ الرُّسل يُبيِّنُون لهُم ويقيمون عليهم الحُجَّة فإن أقاموا على باطلهم أخذهم الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه إشارة – أيُّها الإخوة- إلى أنَّ الكافر غافِل عن الحق، وأنّ دور المؤمن كبير في بيان الحق خاصةً المسلم لأنَّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة عامَّة ولذلك ما يقوم به النَّصارى اليوم فإنّه باطل لأنّ رسالة عيسى عليه الصَّلاة السلام ليست رسالةً عامَّة، فعمل المُنَصِّرين الذِّين يقومون به اليوم باطلٌ وهو ضدُّ دينهم أصلاً فالنصرانية واليهودية دينٌ خاصّ لبني إسرائيل وليس ديناً عامَّاً للنَّاس كافّة لكن عمَّمُوه من أيام قَسطنطين الذِّي كان مَلِكاً للرُّومان وتنصَّر فيما يسمونه مؤتمر (نيقيا) ثم أصبح يُروّج للنّصرانية بعد ذلك وانتشرت النَّصرانية في العالم اليوم ولذلك تجدونها تكاد تكون هي الدِّيانة الأولى أو الثّانية أيّ أنّها تُنافِس الإسلام في عدد المُعتنقين ويُنصِّرُون المُسلمين في بلاد الإسلام اليوم مُقابل اللُّقمة ومقابل الدواء، واليهود دينهم مُنغلق لا يدخل في اليهودية أيّ واحد وهذا من حسن الحظّ  لازم تكون أمه يهودية فالحمد لله الذي ردّ َكيدهم إلى الوَسوسة، فالله سبحانه وتعالى يقول ( ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى.
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ) أي كلُّ عامِلٍ يعملُ عملاً فهو يأخذ جزاءه عليه، وأيضاً هي تَدُل بدلالة المُخالفة أي لِكُلِّ دركات أيضا مما عملوا لأنَّ الجنَّة درجات والنَّار دَركات فالمؤمنون يتفاضَلُون في الجنة، أيضاً الكفار يتفاضلون في النار -يجوز أن نقول يتفاضلون- يأخذ العذاب على قَدر عَمَلِه لذلك كان أبو طالب من أخَفِّ النَّاسِ عذابا ً في النَّار كما ذكر ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أنَّ الله خفَّفَ عنه العذاب بسبب شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم له فجعل عَذابَهُ أن يكون له نَعلانِ من نَارٍ في ضَحضَاحٍ تحت قدميه يغلي منهما دمَاغه وهو يرى أنّ لا أحدَ أشدُّ منه عذاباً. تأملوا . فمعنى قوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ)  أيّ من أهل الخير وفي الجنَّة، وأيضاً تَدُلّ بدلالة المخالفة على الدَّرَكات (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ).
(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)
يقول الله للنَّبي صلى الله عليه وسلم وربُّك يا محمد الغنيّ الذي إذا أُطلِقَت صفةُ الغِنى فلا تنصرف إلا لهُ . فَهُو الغــَنيّ وحدَه سبحانه تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) الغني المُستغني عن خلقه وخلُقُه هم الفقراء إليه. فليتأمّل الواحد منا في نفسه الآن أنت فقير إلى الله في كل شيء ، أنت فقير إليه في حَملِ أُمِّكَ بك، وفقير إليه في الولادة، وفقير إليه في الغِذاء وفقير إليه في النَّفَس وفقير إليه في الهِداية، وفقير إليه في التَّعليم وفقير إليه في الرِّزق وفقيرٌ إليه في كل شيء. وإذا شَعر الإنسان أنه غنيٌّ عن الله فقد هَلَك والعياذ بالله . وتأمَّل فقط في النَّفس الذِّي تتنفسه لو انقطع عنك ثلاثين ثانية ذهبت حياةُ الإنسان كُلَّها، والعجيب ممن يتكبَّر ويَظُنّ أنه يستغني عن الله سبحانه وتعالى ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيُّها الإنسان مَا غرَّك بِربِّك الكَريم) أيّ ما الذِّي جعلك تَغتَرّ بِسِعَة رحمته (الذِّي خَلَقَك فَسَوَّاك فَعَدَلك ) ويُعدِّد نِعَمه على الإنسان بعد ذلك، فالله يقول: (وَرَبُّكَ) يامحمد (الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) انظر  إلى هذه الصِّفاتِ العظيمة التي يَصِفُ الله بها نفسه وقارِنها بما وصَف الله به الأصنام والآلهة التي يعبدها هؤلاء من دونه.
 (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أيُّها المُكذِّبون، الكافرون، الجاحدون (وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) نعم بِكُلَ بَسَاطة لكنَّ لأنَّه هو الغنيُّ الرَّحيم فإنَّه لم يفعل ذلك رحمةً بكم ويترككم لعلكم تتوبون، ولعلكم تعودون.
/ (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) إنّ ما وعدكم الله به في الآخرة من النَّعيم ، وما وعدكم الله في الآخرة من الجحيم لآتٍ وإنَّ غداً لِنَاظِره قريب (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) أي وما أنتم بِخَارجين عن حُكمِ الله، ولا عن سيطرته ولا عن قُوَّته ولن تُعجزُون الله هَرَباً .
 / (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
وهذا تهديدٌ واضح من النَّبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المكذبين أيّ اعملوا ما تشاؤن وهذا تهديدٌ شديد، كأنَّه يقول ما دُمتُم مُكذِّبين افعلوا ما تشاؤن وسترون العاقبة، وهذا غايةُ ما يكون من التَّهديد ولذلك قال الله تعالى في سورة الكهف في آية نظيرة لهذه الآية وفيها تهديد لهؤلاء ( وقُلِ الحَقُّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظَّالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها) ليس معناها أنَّ من شَاء أن يكفرَ فليكفُر ولا مشكلة في ذلك. (فهذا غير صحيح) وإنَّما من شاء أن يكفُر فليكفر ولكن سيرى النَّتيجة، فلذلك يقول الله هنا (اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) أي اعملوا ما تَشاءون كما ترَون وكما أقدَركُم الله عليه (إِنِّي عَامِلٌ) ما أَمرني الله به وما أمرني به مِن التَّوحيد .
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أيّ سوف تَرون (مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ) أيّ في الآخرة.
 (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) هَذه قاعدةٌ من قواعد القرآن العظيمة الظَّالِم نفى الله عنه الفَلاح في الدُّنيا والآخرة، ولابُدّ أن يَخسر في الدُّنيا والآخرة .
 وإلى هنا ينتهي هذا المَجلس ونُكمل بإذن الله بعد الصلاة مجالس هذه السُّورةَ العظيمة. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------------------------------
مصدر التفريغ / ملتقى أهل التفسير (بتصرف يسير)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق