الاثنين، 18 مايو، 2015

تفسير سورة الطور (٢٣- ٢٨ ) / الشيخ محمد بن علي الشنقيطي


الحمد لله البرّ الرحيم .. العليّ العظيم .. العليّ الكريم .. الحيّ القيوم .. الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يعلم مافي السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى يعلم مافي نفوسنا ولا نعلم مافي نفسه وهو علاّم الغيوب ، وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ثم أما بعد…
أيها الأحبة في الله : دار خلقها الله جل وعلا ليُكرم فيها عباده لا تسأل عما أعدّ الله جل وعلا فيها من النعيم ، فيها مالا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها النعيم كله، هي دار الكرامة .. دار الجنة .. دار المِنّة .. دار الرحمة .. دار الرضوان .. دار لقاء الله جل وعلا والكلام مع الله من غير تُرجمان .. دار يؤذن للعيون فيها أن تنظر إلى وجه الله .. وللآذان فيها أن تسمع كلام الله، دار نُزع الغِلّ من أصحابها (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)، جمّل الله نساءها فلم تَر العين أجمل منهن، وجمّل خدمها وحشمها (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ) وفي الآية الأخرى (إِذَارَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) .
هذه الدار تحدث عنها القرآن في عدة سور، فتحدث عن أنهارها .. وعن شجرها .. وعن ثِمارها .. وعن خلقها .. وعن الناس فيها وعن الملائكة فيها وعن غير ذلك. وفي وهذه السورة تحدث جل وعلا عن طعامهم وشرابهم وتكلمنا عن ذلك يوم أمس واليوم وصلنا إلى حالتهم في اجتماعهم عند شُربهم وقد عبّرت عن هذا يوم أمس برومانسية أهل الجنة .
 ….. ولكل امرأة من أهل الدنيا دخلت الجنة سبعين حورية، فترتيب نساء الجنة أربعة:
 أولا: امرأة الدنيا معها سبعين حورية.
ثانيا: الحورية معها سبعين وصيفة .
 ثالثا: الوصيفة .
ثلاثة أنواع، عفوا النساء في الجنة ثلاثة أنواع، امرأة الدنيا وهي الملكة التي لا تُوصف حالها كحالِك.
 ثانيا: الحورية وهي كمُلك اليمين وتُوصف كما وُصِف الوِلدان المُخلدون.
الثالث: الوصيفة.
 فإذا كنت متزوج في الدنيا بزوجة فعندك وحدة -زوجتك التي في الدنيا- ثم معها سبعين حورية -حلالك- ثم حوريتين لك ثم مع كل حورية سبعين وصيفة. أصبح كم عندك من امرأة؟ هذا أقلّ واحد.
طيب لو فرضنا عندك أربع زوجات مع كل واحدة سبعين حورية مع كل حورية سبعين وصيفة كم صار الجميع ؟ أعانكم الله.
 إذا عندما تُقبل على زوجتك في الجنّة وتتنازع أنت وإياها الكأس ويتقارب سريرك مع سريرها سُرر مصفوفة عليها متقابلين وجهك إلى وجهها ما فيه عزل ولا فيه زعل - تحط ظهرك إليها وإلا تحط ظهرها لك - وجوه متقابلة تنظر إلى وجهك وتنظر إلى وجهها والحديث الطيّب بينكما ثم إذا التقيتما في ذلك اللقاء مدته سبعين سنة من سنوات الدنيا، هذا اللقاء الواحد، فإذا كمّلت ما يُقارب سبعين سنة تُناديك حوريتك الثانية من درجة فوق درجتك يا عبد الله .. يا ولي الله أليس لنا فيك نصيب؟! فترفع بصرك فإذا هي أجمل من اللي عندك تقول لها من أنتِ رحمك الله؟ تقول أنا حوريتك في الجنة، أنا التي ذكرني الله عز وجل لك وقال (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) أنا من المزيد. تترك هذه وتذهب للأخرى -أعانك الله- تجلس معها سبعين سنة شوي تُناديك الثانية يا عبد الله أليس لنا فيك نصيب ؟! تنظر فإذا هي أجمل من اللي عندك، رحمكِ الله من أنتِ؟ تقول لك أنا الذي قال الله عز وجل فينا (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) أنا مما أُخفي من قرة العين لك. تترك هذه وتذهب عند هذه.. وهكذا كل سبعين تغير. لذلك الله عز وجل أكرم أهل الجنة كرما لا مزيد عليه، وفي كل أسبوع من أسابيع الجنة زيادة (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) .
 / (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) طيب أنت الآن انتهيت من الحوريات وتريد أن تتحدث مع أصحابك، لك أصدقاء في الدنيا مؤمنين.. أصحاب الصفّ الأول .. الصائمين .. أصحاب الدرس.. أصحاب الدعوة .. أصحاب الإنفاق تريد أن تتحدث معهم لأن ذلك من تمام النعيم . طبعا هنا يأتي قبل الأصحاب إلحاق الأولاد ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) هذا تمام الإكرام لك.
 ثم يأتي الأصحاب فأصحابك يتجمعون بأسِرّتِهم في مكان مُعدّ لذلك اللقاء في الجنة وإذا بالأسِرّة تُقبل هذا سرير فلان وهذا سرير فلان وتتقارب وإذا بالغلمان كل واحد معه غلمانه يسكبون له الخمر الجميل والعسل والحليب وغير ذلك من أنواع المشروبات، والفاكهة تتقدم لكن لا ينظر أحد لحُورِك ولا تنظر أنت لحورهم النساء حور مقصورات في الخيام -الجنة ما فيها اختلاط- عندما يجتمع الرجال -رجال- هؤلاء الرجال في اجتماعهم ماذا يقولون؟ كما أن النساء يجتمعن أيضا في الجنة ويتحدثن كما يجتمع الرجال ويتحدثون.
 قال الله جل وعلا (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) يعني كل يسأل وكل يُسأل ليس واحد يسأل والآخرون يجيبون مسألة الكُل يسأل والكُل يُسأل (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) الآن الشياّب عندنا في هذه الأزمنة ومن قبل إذا جاء وقت معين أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ايش فيه جديد .. ايش سمعتم من أخبار، هذا التساؤل .. هذه السوالف موجودة على أحسن ما يكون في الجنة .(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) طيب يسألون عن ماذا؟
  أول شيء يسألون عنه كل يسأل صاحبه ما هي الساعة التي غفر الله لك وأوجب لك الجنة؟ هذا أول سؤال.
 يا الله.. واحد يقول أنا أول ما غفر الله لي كان في رمضان حضرت -إن شاء الله - درس سمعت عن الجنة فتُبت فكانت ساعة المغفرة. آخر.. أنا أول ما غفر الله لي في التراويح سمِعت قراءة ودخل الإيمان وتُبت .
 آخر .. أول ما غفر الله لي مشهد .. حادث رأيت أحد يموت فتُبت.
وهكذا كل يذكر الساعة التي أخلص فيها التوبة لله فوجبت له الجنة.
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا ) بعد ما عرفوا الساعة التي دخلوا فيها الجنة .. الساعة التي وجبت لهم فيها الجنة وعرفوا أن الله عز وجل غفر لهم وكذا .. وكذا ..  الخ جاءت أحاديث -سوالف- الدنيا، أصبحت الدنيا هذه حديث في خبر كان، جلساتنا هذه في هذا المسجد في هذه الدنيا سنتحدث عنها في الآخرة إن شاء الله -قولوا آمين - سنتدارس وإياكم …. ماذا يقولون ؟
/ قال الله جل وعلا ( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) انظر الآن سيُعطيك الله حال أهل الجنة وانظر هل أنت منهم فعلا الآن أم لا.
 حال أهل النَّار إنه كان في أهله مسرورا أما أهل الجنّة  (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) المؤمن في الدنيا مُبتلى حتى مع أهله، الزوجة -ما شاء الله- لسانها عشرين متر عليه -ما عندك إلا ذي اللحية والصلاة في المسجد واحدنا جاينا عيد ولا فعلت .. ولا فعلت .. ولا فعلت - يقول الله يجزاك خير، الأولاد يصرخون من جهة .. الجار يصرخ من جهة وهو مُشفِق يتحمل مرة يُتهم -مسكين- أنه مُتخلف .. مرة يُتهم بأنه مُتشدد .. مرة يُتهم أنه إرهابي .. مرة يُتهم بأنواع التُهم وهو يصبر (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) خائفين من الله (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) مُشفقين من النار .. مُشفقين من العذاب (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) .
طيب الكافر والمجرم والفاسق في الدنيا مُشفِق أم لا؟ 
مسرور، صاحب الجنتين (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) فهو مسرور على كل حال.
 المؤمن يقول ( رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) أنظر للفرق بين الإثنين واحد (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ( رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) فهمُّه أن يُصرف عنه العذاب، والآخر يقول لك لا (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) كأنه قد ضمِن الجنّة، فهذا مسرور لأن الدنيا عنده والجنّة ضامِنها، وهذا حزين الدنيا لا يريدها والجنّة يخشى ألا يذهب إليها، فهذا حاله مُشفِق وذاك حاله مسرور (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ).
/ ماذا قال الله (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ )
يا لطيف، في أهلنا.. في جماعتنا .. في قبيلتنا .. في مجتمعنا مشفقين معناه الفرح الزائد لا ينبغي للمسلم (لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) النبي ﷺ في كل ليلة يُسمع لصدره أزيز كأزيز الرجل من شدة الخوف من الله، عمر بن الخطاب في خديه خطين من كثرة الدموع من البكاء من خشية الله، أبو بكر الصديق إذا دخل الصلاة لا تُسمع قراءته من شدة البكاء رجل أسيف كثير البكاء إذا دخل الصلاة لا يُعلم ما يُقال من شدة اختلاط صوته ببكائه .
( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) عبد الله بن المبارك كان شديد الخوف من الله سبحانه وتعالى وكذلك ولدُه سمِع آية تُتلى فخرّ مغشيا عليه ثم مات .
 / (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ*فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) منّ عليهم أولا بالهداية (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ) هذه المِنّة يذكرها أهل الجنة في الجنة وقالوا (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُأُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)
لماذا قال عذاب السموم ولم يقل عذاب جهنم؟
جهنم كم درجة؟ كم دَرَك -ليس فيها درجات- سبعة (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) جهنم هذه لها لظى ولها شرارات تخرج منها ولها سَمُوم فوق ذلك، هذا السمُوم -حرارة جهنم- قد يجدها بعض المؤمنين وهم فوق الصراط لكن هؤلاء يقولون حتى السمُوم حتى الحرارة من بعيد ما وجدناها، ولذلك الريح الشديدة الحرارة تُسمّى سَموم ، ريح الشمال تُسمّى ريح السَموم لأنها تدخل مسامّ الجسم من حرارتها، وكذلك قد تأتي ريح باردة وتُسمّى سَموم لأن برودتها تدخل في مسام الجسم، هاتان الريحان مُمرِضتان وجهنم لها زفرتان الزفرة الحارة والزفرة الباردة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اشتد الحرّ فأبرِدوا بالصلاة فإن شدة الحرّ من فيح جهنم) وقال أيضا (قالت النار يا ربي أكل بعضي بعضا فأذن لي أن أتنفس فأذِن لها بنفسين نفسٌ في الصيف وهو شِدة ما تجدون من الحرّ ونَفسُ في الشتاء وهو شِدة ما تجدون من البرد ) كل هذا وقاه الله الذين آمنوا، طيب ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
 / (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)
“إنا” كلام أهل الجنة إجماعا “كُنا” يعني في الدنيا “ندعوه” يعني نعبده والدعاء هنا بمعنى العبادة قال الله جل وعلا (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّيلَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) لكن نعبده على ماذا؟
 هنا سِرّ جميل جدا، نعبده لماذا؟ (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) فعبدوه باسمه "البرّ" وباسمه "الرحيم" يعني لما كانوا مُشفقين قابلوا إشفاقهم بِبِر البرّ ورحمة الرحيم جلّ جلاله فخفّ عليهم الإشفاق في الدنيا بسبب رحمة الله وخفّ عليهم يوم القيامة أيضا بسبب فضل الله ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .
(إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) البرّ: من أسماء الله جل وعلا الجامعة للصفات، وصفات الله جلّ وعلا تنقسم إلى قسمين: صفات جمال وصفات جلال، وبالجمع بين الجلال والجمال يكون الكمال، فمن اتصف بالجمال دون الجلال فهو ناقص، ومن اتصف بالجلال دون الجمال فهو ناقص، لكن الله جمع بين الصفتين بين صفات الجمال التي تدخل في اسم (الرب .. الرحيم .. الرحمن .. الكريم) وبين صفات الجلال التي تدخل في لفظ الجلالة (الله .. الجبار .. المتكبر .. القهّار .. القوي .. المُنتقِم) فهم هنا لم يذكروا اسما من أسماء الجلال وإنما ذكروا اسما أو اسمين من أسماء الجمال لأنهم في عالم الجمال .. عالم العطاء .. عالم البهاء فقالوا (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) .
 طيب عندما تنظر إلى دعائهم في الدنيا ماذا يقولون ؟ كل أدعية القرآن مُصدّرة بلفظة “رب”
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) …الخ كلها رب .. رب .. رب، الربُ هذا الاسم لله جلّ وعلا دلّ على كمال الجمال ودلّ على عطاء الله جل وعلا ذي الجلال للعبد منذ نشأته إلى نهايته.
 / (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ) أي نعبده (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)  لما كان لله هو البرّ الرحيم جعل أوسع أبواب الجنة باب البِر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم (وإن أوسع أبواب الجنّة باب البِرّ ) باب البِرِّ يدخل فيه بِر الوالدين وهو أوسط باب الجنّة ، يدخل فيه بِر الأصحاب ، يدخل فيه البِر بالضعفاء .. بالمساكين ولهذا قال الله (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ…) ومع ذلك ما أمر الله بالبِر إلا وهو أبرُّ ممن أمره بالبِر . فِعل الله بنا وفِعل الله لنا خير وأعظم من فّعلنا نحن بأنفسنا .
فإذا كان الله أمرنا أن نتقرب إليه قال عز وجل ( واسجد واقترب ) فهل تقربنا إليه أعظم أو تقربه لنا؟
تقربه لنا أعظم من تقربنا له (إذا أتاني عبدي يمشي أتيته هرولة ) الهرولة أسرع من المشي لذلك إذا جاء العبد بحسنة واحدة جاءه الله بعشر حسنات، إذا جاء العبد ربه ب لا إله إلا الله كلمة واحدة ( إذا لقيه بملئ اﻷرض خطايا.... ) إلى غير ذلك (١)
(إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) كلمة (الرحيم) التي خُتمت بها اﻵية فيها حكمة عظيمة جدا ﻷنها جاءت على وزن "فعيل"، و"فعيل" تدل على الديمومة واﻻستمرار فأهل الجنة تيقنوا أن رحمة الله بهم دائمة مستمرة أبد اﻵبدين ﻻ تنقطع أبدا ﻷن وزن فعيل يدل على الديمومة واﻻستمرار.
اﻵن عندما تجد شخص يشرب الخمر ويسكر تقول ماذا؟ سكران، لكن إذا كان كثير السكر تقول سكير، يعني دائم السكر.
اﻹنسان الذي جاءه شوية تعب .. دخله برد .. تعب .. سَخّن، مرضان، لكن إنسان "مريض" يعني دائم المرض -مريض- فكل شيء جاء على وزن فعيل دل على الديمومة واﻻستمرار لذلك كانت رحمة الله بأهل الجنة دائمة أبداً ولهذا قال تعالى ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وكلما قرُب المخلوق من العرش عظُم حظه من الرحمة والجنة سقفها عرش الرحمن فهم أكثر خلق الله حظا من رحمة الله ولذلك قال النبي ﷺ ( إن لله مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة في الدنيا فبها يتراحم الخلق حتى إن اﻷم لترفع حافرها عن ولدها وادخر لعباده المؤمنين تسع وتسعون رحمة في الجنة ) تسعة وتسعون رحمة، ما ترونه في الدنيا رحمة واحدة من رحمات الله جل وعلا منذ قامت الدنيا واحدة من رحمات الله جل وعلا . (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
الحمد لله . موعدنا غدا إن شاء الله مع قوله تعالى (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) المخاطب محمد ﷺ وسنستمع بإذن الله غدا إلى كثير من النقاش القرآني والرد على الحجج بالحجج اﻷقوى حتى نعلم معنى قول الله ( وتلك حجتنا ) فحجة الله دائما اﻷقوى.
-----------------------------------------------------
(١) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وصححه ابن القيم وحسنه الألباني.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق