الأحد، 17 مايو 2015

تفسير سورة الحشر -٢- / د. رقية المحارب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ..
اليوم -إن شاء الله- سنتابع سورة الحشر ولعلي أنهيها اليوم -إن شاء الله- قدر المستطاع سأحاول أن ننتهي من تفسير سورة الحشر ﻷن هذا اليوم سأتوقف بعده ﻷجل اﻻختبارات. أنا أرى أكثر الوجوه شابة وأتوقع أنها عندها اختبارات. سأتوقف إلى رمضان وفي رمضان -إن شاء الله- سأستأنف الدرس. رمضان شهر القرآن وﻻ بأس جيد أن نحضر ومن يفوته يمكن أن يأخذ تسجيل الدرس ويستمع إليه فإنه ينزل بروابطه يمكن متابعتها لمن تريد أن تتابع على ما فاتها. سيكون ثلاثاء -إن شاء الله- بعد التراويح بإذن الله تعالى كالعادة.  العادة أننا لا نتوقف ولكن بناء على رغبة كثير من اﻷخوات أننا نتوقف باﻹضافة إلى أنا عندي درس بعد اﻻختبارات مباشرة لصحيح البخاري ويمتد إلى الساعة الرابعة فسيكون صعب جداً. هذا درس خاص لفئة معينة فإن شاء الله ييسر الله ونكمل في رمضان -إن شاء الله- الله يلحقنا خير، ما أسرع الدنيا وما أسرع ما جاء.
وصلنا إلى قول الله جل وعلا (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وهذه اﻵية توقفنا عندها وما تكلمتُ عنها. أليس كذلك؟
   / يقول الله سبحانه وتعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) في قوله (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فهذه اﻵية قلنا في اﻷنصار وكنتُ ذكرت لكم أنه لما أفاء الله سبحانه وتعالى على رسوله من غير حرب وﻻ ركاب وﻻ قتال وﻻ شيء من هذا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصرف في هذا المال وفق ما يراه فكان اختيار النبي ﷺ أن يكون هذا المال للمهاجرين الفقراء وليس لفقراء المهاجرين، للمهاجرين الفقراء غير فقراء المهاجرين، للمهاجرين عامة لكن فقراء اﻷنصار اختار النبي صلى الله عليه وسلم منهم الفقراء الذين يحتاجون إلى أن يكون لهم فكان لهم من هذا الفيء، أما اﻷنصار أصحاب الدُور وأصحاب النخل وأصحاب المال فإنه أبقى لهم أموالهم التي اقتسموها مع المهاجرين حين هاجروا وجعل رؤوس أموالهم لهم وأبقى تلك النافلة أوذاك الفيء، أبقاه للمهاجرين وبعض من كان معهم من اﻷنصار الذين قال الله جل وعلا فيهم (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) هؤﻻء الذين أعطاهم النبي ﷺ من هذا الفيء.
/ قال الله جل وعلا (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي من يسلم من الشُّح فقد أفلح وأنجح، جاء عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال ( إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) وفي حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلمات يوم القيامة واتقوا الفُحش فإن الله ﻻ يحب الفحش ولا التّفحُّش وإياكم والشّح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالظلم فظلموت وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) ويتبين هنا الشح ماهو ﻷن بعض الناس قد يقول ماهو الشح؟ هل الشح هو البخل؟
جاء في حديث عن اﻷسود بن هلال جاء رجل إلى عبد الله فقال : يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون هلكت، فقال له عبد الله - عبد الله بن مسعود- وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أُخرج من يدي شيئا، فقال عبد الله: ليس ذلك بالشّح الذي ذكر الله في القرآن إنما الشّح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل) الذي أنت فيه هذا بخل وليس شحا (وبئس الشيء البخل) أيضا ( بئس الشيء البخل ) .
الشح قال أن تأكل مال أخيك ظلما وأما البخل أن يبخل بماله.
س: حديث ( وأنت صحيح شحيح ) ؟
ج: شحيح لنفسه، الله جل وعلا قال (وَأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) [النساء:١٢٨] متى قال (وَأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) ؟
في وقت الطلاق، فالعادة أن اﻹنسان في وقت الطلاق يصبح كل واحد يريد اﻷمر له فيأخذ الذي له والذي ليس له إما بقوة اللسان وإما بسلطة اليد وإما بقوة المنصِب وإما بالوجاهة .. أمور كثيرة تعرفونها ﻻ تخفى. فاﻷنفُس الشّح هي التي تأخذ لنفسها بكل ما تستطيع من قوة ولو كانت ظالمة. ولذلك هذا المقام -مقام الطلاق- العادة أنه -مثلا- قد تكون المرأة لنفترض اشتركت مع زوجها في بناء البيت وكانت مع الوئام تصرِف وﻻ تهتم وﻻ تقول هذا لي وهذا لك، لكن حين يختلف عليها حاله ممكن -مثلا - تطلب الطلاق منه فيقول لها ليس لك شيء ، ما كتبتي وﻻ وثقتي وعند المحكمة ما لها شيء ﻷنها ما كتبت -وهذا حال كثير من النساء- هنا الرجل شحيح أم لا؟ شحيح لأنه أكل مالها، إذا هنا هذا شُحّ.
 أيضا من الشُّح الرجل واجب عليه المتعة للمطلقة لكن كثير من الناس يطلقون وﻻ يُمتعون، يعني هو ليس عنده استعداد أن يعطيها مالا وقد طلّقها وفارقته، صحيح أم لا؟ فهذا شُح ﻷن من حقها المتعة، من حق المطلقة المتعة ومع ذلك كثير من الرجال ﻻ يعطون المتعة، هذا شح.
 الله جل وعلا نص عليها في كتابه في سورة البقرة قال (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:٢٤١] فلابد أن يدفع هذه المُتعة للمُطلَقة التي يُطلقها فهنا قال الله جل وعلا (وَأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) في حال التنازع بين الرجل والمرأة ﻷنه كل يريد اﻷمر له ولو ظلمَ فحينئذ يسمى ذلك شحا. أما البخل أن يُدعا للنفقة فلا ينفق، يريد الشيء لنفسه فيكون ذلك بُخلا منه.
أما قول النبي ﷺ ( أن تنفق وأنت صحيح شحيح ) فإن المقصود به هنا الشحيح الذي يريد الشيء لنفسه كان ما كان ولو كانت النفقة عليه واجبة فهو يُمسكها لنفسه ولا يُنفقها فلذلك من كان مُنفقا زكاته مُقرِيا ضيفه مُعينا على نوائب الدهر فلا يُعد بخيلا وإن لم ينفق سوى هذا.  ولذلك كان بعض الصحابة يرى أن الشُّح هو هذا، هو أن يظلم، أما الذي ينفق فيما ذكرت ينفق زكاته .. يُقرئ ضيفه .. ويعين من احتاج إليه فإنه ﻻ يُعد شحيحا بل قد أدى ما عليه.
قال  جاء في الحديث ( برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ) ولما كان الشّح من اﻷخلاق الرديئة وهو أسوأ من البخل، ولما ذُكر لرجل قال من سيدكم؟ قالوا : فلان لكنه بخيل، قال بئس الخلق البخل ، سيدكم عمرو بن الجموح.  يعني هذا ﻻ يصلح سيدا ﻷنه بخيل ، السيد من يُنفق.
وجاء عن أبي الهِياج اﻷسدِّي قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلا يقول: "اللهم قني شح نفسي"، ﻻ يزيد على ذلك، فقلت له فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزني ولم أفعل، وإذا الرجل هو عبد الرحمن بن عوف رحمه الله تعالى.
الشح أنواع: هناك شح بالمال، وهناك شح بالمشاعر -شح بالعاطفة- هناك شح بالكلمة الطيبة، وهناك شح بالنصيحة، وثَمَّ شح بالدﻻلة على الخير وهناك شح بالعلم ، بعض الناس عنده علم ويشح به، وهناك شح برد الجميل، وهناك شح بالوجاهة يعني إنسان عنده وجاهة وﻻ يبذل الشفاعة. فهذا من الشح أيضا. فكل ذلك من الشح.
ومن الشح السيء أن يذكر النبي ﷺ عند الرجل وﻻ يُصلي عليه، هذا من الشّح أيضا.
إذا وجوه الشّح كثيرة فليست وجها واحدا بل هي من هذه اﻷنواع شُح النفس، وشُح النفس هو أبرز صفة بل هو المُعوِّق عن كل خير ﻷن الخير بذل في أي صورة من الصور، بذل المال .. بذل العاطفة .. بذل في الجهد قال : (وأن تعين بقوة ساقيك وأن تفيض في دلو أخيك ) كل هذا من صدقتك على نفسك.  أيضا تصنع ﻷخرق يعني بعض الناس -مثلا- شحيح بالمعلومة، عنده معلومة وﻻ يعلمها الناس، المعلومة في التربية .. المعلومة في الخياطة .. المعلومة في الطبخ، حتى في الطبخ! ! أحيانا بعض الناس -مثلا- تجدينها إذا اتقنت صنعة لو في الطبخ تجدينها ما تُعلِّم أحد أو تعطي مقادير خطأ لماذا؟ تقول لا أريد أحد يصنع مثل صنعتي. هذا أيضاً كله من الشح. وبذل أيضا في جميع أمور الحياة وما يمكن أن يصنع فيه الخير ويمسك عنه فهو شحيح به.
/ قال الله جل وعلا (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) هذا الصنف الثالث، اﻵن سبق المهاجرون واﻷنصار ثم الفريق الثالث الذين جاؤا بعد المهاجرين وبعد اﻷنصار وهم الذين يقولون (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) يترحمون على المهاجرين ويترحمون على اﻷنصار، وهذه الصورة الثالثة برّأ اﻹمام مالك بن أنس -رحمه الله- ورضي عنه الرافضة منها يعني قال:  "من سب أصحاب النبي ﷺ فليس من هؤلاء الذين جاءوا من بعدهم (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) ولذلك اختار اﻹمام مالك أنه ﻻ يجوز للرافضة أن يُقسَمَ لهم من الفيء بهذه اﻵية .. بدﻻلة هذه اﻵية قال: "والرافضة الذين يقعون في أصحاب رسول الله ﷺ ليس لهم من الفيء شيء بدلالة هذه اﻵية ﻷن هذه اﻵية جعلت الفيء ﻷولئك النفر الثلاثة أو اﻷصناف الثلاثة والذين جاءوا من بعدهم". وهذه تبرز صفة أتباع هؤﻻء من الترضي وحسن اﻻقتفاء وحسن الاقتداء والتماس العذر واﻹمساك عن الخلاف الذي بين أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين واﻷنصار وحِفظ أعراضهم وصِيانة تاريخهم وعدم الخوض فيهم والتماس هديهم وتتبع ما قالوه بالتصحيح والتوثيق والتطبيق والنشر، كل ذلك من الحفظ لهؤﻻء الذين جاءوا من بعدهم وقالوا (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) .
وهذه الصورة هي الصورة الوضيئة الطاهرة النظيفة لذلك الجيل الذي ولِيَ أولئك النفر الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم.
وﻻشك أن هذا الثناء على هذا الفئة مفتوح يدخل فيه كلٌ بالسلوك، ويدخل فيه كلٌ بالتبِعة وكلٌ بالمنهج السليم القويم.
المهاجرون كان لهم صفة وتاريخ وزمان، واﻷنصار كان لهم صفة وتاريخ وزمان. أما أولئك الذين جاءوا من بعدهم فإنهم لهم وصف وﻻ زمان لهم ﻷن الله سبحانه وتعالى يقول (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) وهذا مفتوح، الذين جاءوا من بعدهم في القرن الثاني .. الثالث .. العاشر .. الرابع عشر، كل هذه داخلة في (جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) إلى أن يرث الله اﻷرض وما عليها، ولذلك يكون قوم أو يكون رجال في زمن الدجال عندما يقف للدجال يقول له سمعنا أو بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا وكذا فيُخبر عن الدجال فهؤﻻء كلهم تبع لأولئك، وهؤﻻء يدخلون ويلتحقون بهؤﻻء الموصوفون، والله جل وعلا يقول عنهم ثلاثة أوصاف قال: يقولون (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) فهم يترحمون عليهم ويدعون لهم بالمغفرة والرحمة ويُمسِكون عن سوى ذلك،  قال (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) فهم يطهرون قلوبهم من أي غِلٍ يمكن أن يكون في نفوسهم على من سبقهم لا حسدا منهم ولا نقدا منهم، ثم هم أيضا يتهمون أنفسهم بأنهم أصحاب تقصير ولذلك يقولون (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) فيسألون الله جل وعلا أن يرأف بهم وأن يرحمهم وأن يثبتهم على ذلك حتى يلقوا الله جل وعلا وهم على هذا الوِدّ وهذا الحب الذي أُمِروا به.
وقد جاء في الحديث (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملأ أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
وذلك من هؤلاء - من الفريق الثالث- يكون سرا وعلانية فهم التابعون بإحسان .. المقتفون للآثار الحسنة والأوصاف الجميلة.. الداعون لهم في السر والعلن ولذلك يقول الله جل وعلا (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) يعني بغضا ( لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
قال ابن كثير في قوله (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) :
"استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحدٌ إلا وله فيها حق" نقل قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك حتى قال "لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حِميَر نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه " يقول : "لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير" يعني بمنطقة نائية بعيدة يأتيه نصيبه فيها لو لم يعرق جبينه، ما جاهد ولا تعب فيها ومع ذلك يأتيه ﻷنها في الفيء والفيئ يدخل فيه كل أحد هذا وصفه وهذا حاله، ومن لم يكن هذا وصفه وهذا حاله فإنه ﻻ يدخل في هؤﻻء.
قالت عائشة رضي الله عنها في الرافضة : "أُمروا أن يستغفروا لهم فسبُّوهم ثم قرأت هذه اﻵية (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) .وقد سبُّوا عائشة رضي الله عنها وهي زوج النبي ﷺ.
ولذلك كان استنباط الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى وقد ذكر هذا الاستنباط الإمام ابن كثير في تفسيره كان استنباطه موفقا حيث قال " إن الرافضي الذي يسبُّ الصحابة ليس له نصيب في مال الفيء لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤﻻء" والله أعلم.
/ ثم تطوى صفحة هؤﻻء الصالحين من الصحابة المهاجرين واﻷنصار والذين اتبعوهم واقتفوا أثرهم ممن جاء بعدهم وبعد أن أبرزت كيف كان حال أولئك، كيف كانوا يقاسمونهم وتذكرون أن المهاجرين، ذكرت لكم أن المهاجرين لما جاءوا قالت اﻷنصار تعالوا نقاسمكم اﻷموال والزوجات حتى قال بعضهم البعض الذي عنده زوجتان قال أُطلِّقها وتعتد فإذا أنهت العدة تتزوجها، فيقول أمسك عليك زوجك، أمّا نخلهم وزرعهم فقالوا نقاسمكم إياه فقال النبي ﷺ ﻻ، ولكن يكفونكم المؤونة وتشركونهم الثمرة) فقالوا رضينا سمعنا وأطعنا -المهاجرون واﻷنصار.
هذه الصورة صورة عبقة بالتسليم والتكامل والشعور باﻷخوة، الشعور بالترابط، الشعور أنهم في رحِم واحد، هذه الصورة جاءت وليست الصورة هذه موصوفة بخُلُق اﻷغنياء، ليس هذا حال اﻷغنياء فحسب، الأغنياء كونهم يقولون ذلك فهذا شيءمنهم حسن  لكن أن تصل الدرجة إلى أن يكون الفقراء أيضا ينزل عليهم الضيف من أضياف رسول الله ﷺ من الذين هاجروا إليه فيقول الواحد لزوجته أكرمي ضيف رسول الله ، فتقول ما عندي إلا قوت أوﻻدي ، فيقول قومي كأنما تصلحين السراج أطفئيه ونوِّمِي صبيانك ونُجالسه نؤاكله ليظن أننا نأكل حتى يشبع ضيف رسول الله ﷺ.  فيُثني الله عليهم ويقول ﷺ ( لقد عجب ربكم من صنيعكم البارحة ) هؤﻻء هذه الصورة .. صور متكاملة .. صورة عميقة الطُهر .. صورة ناصعة البياض .. صورة ترسم حياة مثالية، حياة تعلقت بالله سبحانه وتعالى ورغِبت بما عنده، هذه الصورة تنتهي بالجيل الذي يأتي من بعد يتطلع أن يكون مُهاجرا فلا يكون، ويتطلع أن يكون أنصاريا فلا يكون، ويتطلع أن يكون خادما لرسول الله ﷺ فلا يكون، بل يتطلع أن يكون موﻻ من موالي الصحابة ولا يكون بل لقد قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه لولا الهجرة وبِرّ أمي والجهاد في سبيل الله لدعوت أن أكون موﻻ من الموالي، أو ﻷحببت أن أكون موﻻ من الموالي.
هؤﻻء الذين جاءوا وهذه رغبتهم وهذا حبهم هم أقرب إلى رسول الله ﷺ، أقرب إلى حديثه، أقرب إلى حب أحبابه، أقرب إلى نصرتهم، أقرب للترضي عليهم، أقرب إلى انتهاج نهجهم.  طُويت صفحتهم بكل ما فيها من الطُهّر والعفاف والكرم والشموخ -شموخ النفس وشموخ القلب- بأنموذج فريد لم يأت مثل هذا اﻷنموذج  على مر التاريخ لتكون النقلة إلى الصنف الثاني الذين كانوا يعيشون في المدينة، إلى المنافقين.  نستمع إلى اﻵيات:
(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ (١٢) لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
 هذا المثل للفريق اﻵخر، الفريق الثاني هذه صورتهم، هذه الصورة التي تُعطي اﻻنطباع عن التنافر .. عن الخيانة .. عن الكذب .. عن اﻷنانية، عن كل ما يمكن أن تصِفه هذه الصورة من اﻷخلاق الرديئة التي كانت في مناوئي المؤمنين ممكن أن تجديها في هذه اﻷوصاف التي وصف الله سبحانه وتعالى بها المنافقين يقول (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) وقال الله جل وعلا (إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) ما قال إلى فلان وإلى فلان، أولئك سمّاهم مهاجرين واﻵخرين سمّاهم أنصار ﻷنهم ناصروا، لكن هؤﻻء قال (الَّذِينَ نَافَقُوا) ليدُلك على أن الوصف المذموم هو وصف النِّفاق، متى وُجِد هذا النفاق فهو مذموم، في أي عصر .. في أي مصر .. في أي حال هو مذموم، لكن ديدن النفاق أنه واحد، ديدن النفاق واحد، ديدن المنافق .. منهج المنافق واحد. ماهو منهاجه؟
 (يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) قال (يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ) مع أن المنافقين هؤﻻء كانوا يظهرون اﻹسلام.
 إذا لِمَ قال الله جل وعلا (لإِخْوَانِهِمُ)؟
ﻷنهم يوالونهم مواﻻة اﻹخوة، والمؤمن يأبى أن يتخذ الكافر أخا له. قال عمر بن الخطاب ﻷحد الصحابة يا ابن أخي، قال : إن أبي مات في الشرك. قال من أنت؟ قال: فلان بن فلان، أبوه مات في الشرك، قال إذا يا بني. نزع عن كلمة "يا ابن أخي" ﻷنه ليس أخا له. فاﻷلفاظ كانت لها عبارة، كان لها اعتبار، كان لها دﻻلة.
س: هل نقول للشغاﻻت والممرضات أختي أو سستر؟
ج: ﻻ تقولين لها أختي،  الكافر ما يقال له أختي، سستر أنا أعرف أنها باﻹنجليزي بمعنى ممرضة ليس شرطا أن تكون أخت إﻻ أن تكون تُسمى أخت من باب تقريب لها ، الله أعلم. اسمها نيرس فيُقربونها يقولون لها أخت من باب أنهم عاطفة تقوم مقام اﻷخت فلا يقال لها سستر ﻷجل ذلك إذا لم تكن مسلمة.
فيقول الله جل وعلا (يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ومن هم هؤﻻء ( الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)؟
 المقصود بهم يهود بني النضير قالوا لهم ولم يفوا لهم وخذلوهم فيما آتاهم الله جل وعلا، ماذا قالوا لهم؟ قالوا لهم (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) نحن معكم، والله جل وعلا يقول فيهم ( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) قال الله رادا عليهم مبينا لنبيه قال (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) قال (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) وجاء هنا ( والله يشهد ) وما جاء ( والله يعلم ) ﻷنهم أظهروا ذلك علانية لكن هذا الذي أظهروه علانية لم يسمعه النبي ﷺ بل شهده غيره من الناس.
/ قال الله جل وعلا (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) كاذبون فيما وعدوا به ولهذا قال الله جل وعلا (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) أموالهم عليهم غالية .. بيوتهم عليهم غالية ﻻ يمكن أن يتخلوا عن بيوتهم من أجل أحد من الناس.
(وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ) هم اﻵن يقولون أنهم سينصروهم لكنهم في الحقيقة لن ينصروهم ﻷن نصرهم يعني أنهم يتعرضون للموت وهؤﻻء أجبن الناس عن الموت لذلك قال الله جل وعلا (وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ) وﻻشك أن الصورة في هذه اﻵية واضحة كأنك تشاهدينها، كأنك ترين هذا  المشهد ماثل أمامك ولا شيء يمكن أن يُصوِّر هذا المشهد بهذه الدقة ويمثله كأنه حاضر مشاهد كمثل القرآن الكريم قال الله جل وعلا (وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ) يقول ابن كثير: "وهذه بشارة مستقلة بنفسها ) بشارة للنبي ﷺ أنه أخبره عن سُلوك القوم قبل القتال، قبل أن يقاتلوا أخبره أنهم سيفرون وأنهم جبناء يعني معنى اﻹنسان عدوه إذا رآه جبان يزداد قوة وإلا يزداد ضعفا؟ يزداد قوة.  ولذلك يقولون
اضرب الجبان ضربة ** يطير منها قلب الشجاع.
فإذا كانت الضربة قوية يخاف الشُجعان ولذلك الله جل وعلا أخبر أن هؤﻻء القوم جبناء وأنهم ضعفاء وأنهم أهل فِرار وأنهم ﻻ يثبتون في لقاء العدو وﻻ يثبتون في القتال بل قال الله جل وعلا (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ) أنتم أشد رهبة في صدورهم من الله. اﻵن الله جل وعلا الذي خلقهم والقادر عليهم وهم يعلمون أنه لو شاء أن يطمس وجوههم طمسها، ولو شاء أن يجعلهم قردة وخنازير لجعلهم ومع ذلك لا يستحضرون عقابه وعذابه ولهم تاريخ سابق!! عجبا لهم.
لكن الحقيقة أنهم إنما هم يرهبونكم أكثر مما يرهبون الله ﻷنهم ﻻ يعقلون، هذا سبب أنهم يرهبونكم أكثر مما يرهبون الله ﻷنهم ﻻ يعقلون لذلك قال الله جل وعلا (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَفْقَهُونَ) فهم ﻻ يفقهون قوله وﻻ يعقلونه ، ولو كان عندهم من العقل أو عندهم من الفقه لخافوا الله أكثر من أن يخافوا خلقه.  ولذلك جاء وصفهم في سورة أخرى، جاء في سورة النساء قال الله جل وعلا (إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) ﻻهؤﻻء هم المنافقون، وهم ﻻ يريدون القتال (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ ) فالله عز وجل يقول متاع الدنيا قليل، هذا كما في سورة النساء.
/ يقول سبحانه وتعالى (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ) هؤﻻء فيهم من الجبن وفيهم من الهلع أنهم ﻻ يستطيعون مواجهتكم، المُسلم يخرج أمامهم وهو يقول الجنّة لكن أولئك ماذا يرجون؟ ﻻ يرجون شيئا ولذلك هم يحبون الحياة الدنيا. أحرص الناس على حياة، هم أحرص الناس على الحياة، هم ﻻ يريدون الموت وﻻ يستطيعون أن يقابلوا الموت ولذلك ﻻ يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر.
اﻵن حتى هذا الزمان، طائرة بدون طيار بينما المُجاهد المسلم تجدينه يخرج ليته يلبس درع، ﻻ يلبس ولا درع، بعضهم عاري الصدر، فهؤﻻء ماذا يرجون وأولئك ماذا يرجون، هؤلاء عندهم عقيدة، أولئك عقيدتهم دنياهم.
/ قال الله جل وعلا واصفا لهم (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) عداوتهم فيما بينهم شديدة لكنك إذا رأيتهم تحسبهم جميعا، حتى اﻵن في زماننا هذا عندهم حلف الناتو وعندهم ...الخ، ترين أن عندهم الدول الأوربية ..الخ وكأنهم متفقين لكن هم في الحقيقة هم بينهم بأسهم شديد، حصلت مقاتل بينهم فنيَ فيها ملايين الناس، الحرب العالمية الأولى والثانية وبريطانيا مع إيرلندا وإيرلندا مع اسكتلندا ...الخ تاريخهم مليء بالقتال بعضهم البعض ولكن مع ذلك تحسبهم جميعا لكن قلوبهم شتى، كذلك اليهود والمنافقون تحسبهم جميعا من مؤازرتهم لبعضهم حتى أن بعضهم يدعم بعضا، اليهود تجدينهم يدعمون المنافقين ويدفعون لهم رواتب ويدفعون لهم مكافأت ويكتبون في اﻹعلام بأشياء أحيانا تستغربين أنها تخرج من مسلمين.ﻻ أتكلم عن أمور فرعية عندنا أتكلم عن الوجه الذي للغرب بطريقة كأن يكون مع إسرائيل ويؤيد إسرائيل ويؤيد اليهود ويذم المسلمين ويكون دائما في صفّ اليهود وفي صفّ النصارى . هؤﻻء تحسبهم جميعا لكن في الحقيقة إذا دارت الدوائر تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، وكذلك هم في حقيقة الأمر مُتعادون مع بعضهم، حتى اليهود متعادون مع بعضهم حتى النصارى بعضهم مع بعض متعادون، المنافقون بعضهم مع بعض متعادون لكنهم في مقابل المسلمين متحدون ولكنهم مع هذا اﻻتحاد ﻻ يستطيعون المواجهة المباشرة وإنما يدفعون من وراء.
/ قال الله جل وعلا ضاربا لهم المثل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ) ثم قال جل وعلا (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) من هم الذين من قبلهم قريبا؟ بنو قينقاع.
تذكرون أن بنو قينقاع بعد بدر قاموا على النبي ﷺ بالمكيدة والمؤامرة ثم بنو النضير قاموا على النبي ﷺ بالمؤامرة، ما كان بين بنو قينقاع وبنو النضير إﻻ ستة أشهر لذلك قال الله جل وعلا (قَرِيبًا) قبل قليل رأوا ما فُعل ببني قينقاع من التشريد واﻹجلاء ويرجعون يعملون هذه العملة!! ولكن كان ذلك أيضاً، بنو قينقاع لما أنزلهم رسول الله ﷺ على حُكمه كان سيقتلهم فتشفَّع لهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، تشفع لهم فالنبي ﷺ وهبهم له على شرط أن يُجلوا إلى الشام فخرجوا إلى الشام ومات أكثرهم كما ذكرنا اﻷسبوع الماضي. فالله سبحانه وتعالى يُذكِّرهم يقول (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) سينالهم كمثل ما نال الذين من قبلهم قريبا (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بالتشريد والهلكة وأخذ الأموال والسلاح.
هؤﻻء مثلهم كمثل الشيطان يقول الله جل وعلا، مثل هؤلاء كمثل الشيطان في اغترارهم بوعد المنافقين لهم (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ) وهذا اﻹنسان هنا لم يُذكر في القرآن وإن جاء ذكره في بعض الروايات.
روى ابن جرير عن ابن مسعود في قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)  قال: "كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال فنزل الراهب ففجر بها فحملت فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل مُصدّق يسمع قولك فقتلها ثم دفنها، قال فأتى الشيطان إخوتها فقل لهم إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا فلما أصبحوا قال رجل منهم والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصّها عليكم أم أترك، فالوا بل قصها علينا، قال فقصها فقال اﻵخر وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقال الثالث -اﻵخر- وأنا والله لقد رأيت ذلك، قالوا فوالله ما هذا إلا لشيء قال فانطلقوا فاستعدَوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي واحدة وأُنجيك مما أوقعتك فيه، قال فسجد له فلما أتو به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا
وجاء مثل هذا في بلعام بن باعورا في قول الله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ..) [الأعراف:١٧٦] وله قصة قد ذكرتها في غير هذا الموضع.
/ قال الله جل وعلا (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) فكان عاقبة اﻷمر بالكفر مصيرها إلى نار جهنم.  يعني إما أن يكون عاقبة إبليس -الشيطان- وعاقبة من سجد للشيطان، يعني اﻵمر والمُطيع أو الذي اتبع الشيطان، ذاك الرجل الذي اتبع الشيطان وكذلك أولئك النفر الذين سلكوا هذا المسلك وكان لهم هذا المثل فكلهم عاقبتهم النار (وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) وهي جزاء كل ظالم يظلم نفسه باتخاذ الشريك والنِّد لله رب العالمين.
/ وبعد هذا تأتي الموعظة العظيمة التي تُظلل بظلالها وتُفيء بفيئها كل مؤمن .. كل مسلم .. وكل عامل لدين الله جل وعلا يستمع إلى اﻷمر ويستمع إلى الموعظة ويُطيع الدعوة إلى تقوى الله جل وعلا يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فيُناديهم بوصف اﻹيمان (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
  جاء في تفسير ابن كثير عن جرير بن عبد الله قال : كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار قال : فجاءه قوم حُفاة عُراة مُجتابي النِمار) مجتابي النمار يعني هي أكسية من الصوف أو قماش صوف ، والمُجتابي هو الذي يخرق القماش من النصف ويلبسه -بدون  خياط- وهذه النمار كانت قصيرة وبالكاد تستر العورة -من الفقر- فقال ( مجتابي النمار أو العباء مُتقلدي للسيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مُضر ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة قال : فدخل ثم خرج فأمر بلاﻻ فأذن وأقام الصلاة فصلى ثم خطب فقال (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ...) الخ اﻵية ، واﻵية التي في الحشر (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) تصدق رجل من ديناره .. من درهمه .. من ثوبه .. من صاع بر .. من صاع تمر حتى قال ولو بشق تمرة ، قال : فجاء رجل من اﻷنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها) يا هنيئاً لذاك الذي جاء أول من جاء وكان التتابع كله في ميزان حسناته ﻻ ينقص من أجورهم شيء (قال من سن في اﻹسلام سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، من سن في اﻹسلام سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .
فالله جل وعلا قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) فأمر الله سبحانه وتعالى بتقواه وتقوى الله عز وجل يشمل ما أمر الله به وترك ما زجر الله جل وعلا عنه ويشمل اقتفاء أثر النبي ﷺ وتصديقه فيما أمر وفيما نهى عنه مُخلصا له الدين.
/ قال الله جل وعلا (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وانظروا ماذا ادخرتم ﻷنفسكم من اﻷعمال الصالحة ليوم معادِكم وعرضِكم على ربكم.
/ ثم عاد مرة أخرى قال (وَاتَّقُوا اللَّهَ) تكرار للتقوى مرة أخرى لأن التقوى تريد تقوى، والطاعة تريد ثباتا عليها وتحتاج إلى إخلاص فيها ولذلك كانت التقوى أولا بالفعل ثم التقوى ثانيا بالمحافظة والثبات حتى يلقى اﻹنسان ربه ، العبد ربه وليس عليه شيء يخافه.
/ قال الله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وذكر هنا (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ليدُل على أن التقوى الثانية هي تقوى اﻹخلاص. التقوى اﻷولى تقوى العمل والتقوى الثانية تقوى اﻹخلاص وصلاح النية.
/ قال الله جل وعلا (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي اعلموا أن الله عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم ﻻ تخفى عليه منكم خافية.
- رفع أذان العشاء
/ إذا يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذه الحال من القتال واستقرار اﻷمر وكذا بقضية وهي تقوى الله جل وعلا وذلك أن اﻹنسان في الحرب -ﻻشك- يبدو له حال التقوى من غير طلب لأنه مُقبل على الموت .. مُشرف عليه ، هل أكثر من أن يُشرف على الموت واعظا؟! أكثر من واعظ الموت؟! ﻻ شيء أكثر من واعظ الموت.
لكن بعد أن يستكين الناس ويرجعون إلى السِلم ويرجعون إلى العمل ويرجعون إلى ممارسة حياتهم مالذي يحدث؟
 يركن اﻹنسان إلى الدنيا وإذا ركن إلى الدنيا غرّه فيها أمور ، مُلهيات ومُشغلات وتحاسد وتدافع وغيبة ونميمة وإلى آخر ذلك من اﻷمور التي قد تُشغل اﻹنسان وتلُهيه لذلك قال الله جل وعلا آمرا عباده بالتقوى (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .
والتقوى حالة في القلب، وهذه الحالة ﻻ يمكن أن تُقاس ولا يمكن أن يعرفها أحد ﻷنها أمر ﻻ يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
ولكن لو قلنا ما أبرز وأقوى ما يدفع إلى مراقبة الله جل وعلا وتقواه؟
النظر في الدار اﻵخرة ولذلك:
- إما أن يجعل اﻹنسان آيات وأحاديث النظر في الدار اﻵخرة نصب عينيه دائما. هذا واحد. إما أن ينظر في آيات الدار الآخرة واﻷحاديث التي تصف الدار الآخرة فيظل قلبه متعلقا بها .
- إما أن يرى حالا من اﻷحوال الناقلة إليها كأن يرى القبور (زوروا القبور فإنها تذكر باﻵخرة) أو يقع قريبا منه حاﻻت اﻻنتقال إلى اﻵخرة فيتصور ويستشعر هذا اﻻنتقال بالتالي يصيبه شعور اﻻنتقال هذا بالخوف واليقظة التي توقظ حِسه فيتقي وينظر ما قدم لغد، أنا  يوما ما سأكون هذا اﻹنسان، يوما ما سأكون هذا اﻹنسان. حينما نقف في المسجد ونصلي ويقول الصلاة على اﻷموات يرحمكم الله تخيلي نفسك أنتِ اﻵن واحدة تصلين ، غدا ستكونين أنتِ المُنادى لكِ، شعور اﻹنسان أنه هو المحمول .. شعور اﻹنسان أنه هو المدفون المتروك وحده، هذا يجعل اﻹنسان يتقي الله، مجرد ما يستشعر هذا الشعور يكف عن كل خطيئة كان يعملها، متى؟ إذا كان في قلبه إيمان ولذلك الله جل وعلا قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) النداء للمؤمنين أما غير المؤمنين لا ينفع فيهم هذا الكلام. فمن يرى أنه ﻻ ينفع فيه العِظة باليوم اﻵخر يتفقد إيمانه.
قال الله جل وعلا (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يعني ارتقبوا هذا اليوم وانتظروه وخافوا القدوم بين يدي الله جل وعلا وقت الحساب.
/ قال (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وهذه عقوبة أول ما تبدأ بهذا الشكل، أول ما تبدأ العقوبة أن ينسى اﻹنسان ربه، فإذا نسي ربه أنساه الله نفسه، قال (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)
 نسوا الله: نسوا أمره .. نسوا لقاءه .. نسوا كلامه .. نسوا رُسله، فلما كان هذا حالهم أنساههم أنفسهم صاروا ﻻ يتذكرون أنهم سيُحاسبون أو يقفون أو يخاصمون أو يبعثون، عاشوا للدنيا فحسب ولم يعيشوا للآخرة، ولم يستعدوا للآخرة.
قال الله جل وعلا (أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) الخارجون عن هذا الناموس .. عن هذه الحِكمة الربانية التي خلقهم ﻷجلها (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:٥٦] فلما خرجوا -فسقوا- عن هذا الطريق فما جزاؤهم يا ترى؟
قال الله جل وعلا (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) هذه الحقيقة يمكن أّﻻ يلتفت إليها اﻹنسان لماذا؟ ﻷنه خارج عن الطريق وهل يعرف الخارج عن الطريق بُنيات الطريق؟! هل الخارج عن الطريق يعرف علامات الطريق؟! لا يعرف علامات الطريق.
 في اﻵية الثانية يقول الله جل وعلا  (لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) إذا عرفتم هذا فاعلموا -الخطاب للمؤمنين- فاعلموا أنه ﻻيستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولما كان الخطاب ﻷصحاب الجنة قال الله جل وعلا (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) وأعرض عن ذكر أصحاب النار ﻷن الخطاب ليس لهم. خلاص هم ناسين ومُنسيين، اﻵن هم ما دام نَسوا ونُسوا ما يستحقون أن يُخاطبوا وﻻ يستحقون أن يُكلّموا ولا يستحقون أن يُذكروا بل قد أُعرِض عنهم. ﻻيستوي هؤﻻء وهؤلاء لا طبيعة وﻻ حالا وﻻ سلوكا ولا طريقا وﻻ وُجهة ولا مصيرا فهما على مفترق الطريق أو على طريقين ﻻ يلتقيان أبدا لا في الدنيا ولا في اﻵخرة فلما كانا لا يلتقيان في الدنيا كذلك هما لا يلتقيان في الآخرة إلا على سبيل واحد فحسب هوسبيل المكافأة كما كانوا يسخرون منهم في الدنيا سيسخر المؤمنون منهم في الآخرة. سيسخر هؤلاء منهم كما سخِروا منهم في الدنيا قال الله جل وعلا (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الفائزون بنعيم الله .. الفائزون برضوان الله .. الفائزون برحمة الله .. الفائزون بجنة الله .. الفائزون بالخاتمة النهائية .. الفائزون باﻷبدية في النعيم المطلق .
 / ثم يقول الله جل وعلا في عظة عظيمة يقول (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ)
هذه الموعظة موعظة القرآن، هذا الكلام كلام رب العالمين، ما بال قلوبنا حينما تستمع للقرآن ﻻ تخشع .. ما بالها ﻻ تتأثر .. ما بالها ﻻ تخشع ولا تخشى والله جل وعلا قال (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)  (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:١٤٣] الجبل اندك خشيةً من الله جل وعلا، ولو أنزل الله جل وعلا القرآن على الجبال لتصدعت (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) [الرعد:٣١] لكن هذه القلوب لماذا لا تتصدع وﻻ تتأثر؟
ﻷنها كالحجارة أو أشد قسوة قال الله جل وعلا ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [البقرة:٧٤] هذا هو الجبل فكيف بهذا القلب!! .
ولاشك أن القلب ﻻ يكون بهذا الحال دائما بل يكون أحيانا وأحيانا ﻻ يكون فمن كان -ولو مرة- خرج من عينه دمعة ولو كرأس الذباب فإن الله يُحرِّم وجهه عن النار. نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء.
 عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ مرة وهو يعُسّ في الليل فسمع وأحدا يقرأ (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ*فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ*وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ* وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ*وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ*إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ*مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) فارتكن إلى الجدار، ما استطاع أن يستقرّ على راحلته .. نزل من راحلته وجلس جنب الجدار، ما حملته قدماه وﻻ ركبتاه فمرِض وأخذ يبكي وصار يعوده الناس شهرا من هذه اﻵية لماذا؟ ﻷنه قد نزل في قلبه في تلك الساعة من الخشية ما لو كان في الجبل لتصدع.
الله جل وعلا قال (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) وهذه أمثال يضربها الله سبحانه وتعالى للناس لِمَ؟ لعلهم يتفكرون. والقلوب حقيقةٌ أن تتأمل وتتفكر وترجو.
وهناك قضية وهي : مالذي يجعل هذه القلوب تخشع؟ وما الذي يجعلها تتصدع؟ وما الذي يجعلها تطمئن؟وما الذي يجعلها تهدأ؟
نحن ما نريدها خاشعة على طول الخط وإلا ما عمرنا الأرض ولا تزوجنا ولا أنجبنا وﻻ نُمنا وﻻ أكلنا ولكن الله جل وعلا يريدها أن تكون أيضا على حال اﻷمن -تكون آمنة- وإلا لركنت للدنيا ونسيت اﻵخرة إذا ما الذي يُقيم هذه القلوب؟
هو التعلق بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا واستحضار هذه الأسماء لتعرف إن الله الخافض الرافع وأنه المُعز المُذِل وأنه الباسط القابض وأنه الجبار المتكبر .. الرحمن الرحيم فأنت وأنتِ تعرفين أن الذي يعيش مع أسماء الله يجد قلبه متوازنا قلبه متوازنا.
 / لذلك بعد هذه اﻵية العظيمة التي تهيأت القلوب لحملها وانزجرت بها النفوس عن كل معصية لربها تأتي اﻵيات المطمئنة المُنزلة للسكينة فيقول الله (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
إنها تسبيحة وتحميدة طويلة المدى، ليست آية وﻻ نصف آية ولا آيتان، إنها آيات تترا بالأسماء الحسنى والصفات العُلا في مقاطع متكاملة تُعطي جميع المعاني، أول ما بدئ به التوحيد فقال جل وعلا (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) واحد .. أحد .. مألوه .. معبود .. ﻻ أحد يستحق العبادة سواه.
 وأول ما ينبغي أن يستحضره اﻹنسان بعد التوحيد أن يستحضر أنه عالم الغيب والشهادة لأنكِ إذا علمتي أنه عالم الغيب والشهادة خشيتيه واتقيتيه وتوكلتي عليه وأطمأننتي به واستيقنتي به وخفتيه ورجوتيه وعاملتي الناس بأحسن ما يكون ﻷنه عالم الغيب والشهادة وأحسنتي العمل.
قال الله جل وعلا (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ﻻحظي هذه الخاتمة بعد هذه الهيبة، لما اﻹنسان يعرف أن الله عالم الغيب والشهادة ﻻشك أنه سيضطرب ويتعب، يتعب من ماذا؟ يتعب من أنه لن يُوفي الله حقه مهما بذل، سيغفل وسيُقصر وسينسى فماذا عساه أن يفعل والله رقيب عليه في كل شيء وعالم غيبه وشهادته فماذا يفعل؟ إذا تأتي (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) لتطمئنك بأن الله الرحمن وأن الله الرحيم وأن هذه الرحمة وسعت كل شيء وأنه سبقت رحمته  غضبه.
/ ثم يقول الله سبحانه وتعالى (هُوَ اللَّهُ) ليُعيد مرة أخرى التوحيد في نفسك ﻷنه ﻻبد أن يكون بينك وبين التوحيد ارتباط دائم ﻻ تغفلين عنه وﻻ تنسينه، كلما أصبحتي أصبحي بالتوحيد وكلما أمسيتي أمسي بالتوحيد وبعد كل شيء كوني مع التوحيد لذلك قال الله جل وعلا (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) ما الحاجة إلى إعادتها؟ الحاجة إلى الاستمرار والثبات عليها حتى تلقى الله جل وعلا.
/ قال (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)
 فهنا نحتاج أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى الملِك فيستقر في ضميرك أن لا ملِك إلا الله الذي ﻻ إله إلا هو وإذا علمتي أن الُملكية له وحده لم تذلي ﻷحد سواه ولم تتعبدي ولم تصرفي شيئا من عبودتك لسواه ﻷنه هو الذي يستحق عبوديتك، وهو السيد الذي يُطاع ،وهو الملِك الذي ﻻ يُقهر وﻻ يُغلب ، ومن أراد أن يطيعه ويُطيع سواه بنفس طاعته فإنه قد جعل في قلبه ملِكين وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. ولذلك ضرب الله مثلا لعبد مملُوك لشركاء متشاكسون أحد يقول له قُم والثاني يقول اقعُد، يُطيع من؟
 فهنا هذه حالة مأساوية مُزرية أن يكون اﻹنسان أن يكون له ملِك في قلبه، سيد مطاع في نفسه أكثر من واحد فلا يكون إلا هو سبحانه وتعالى المستحق للعبودية.
 (الْقُدُّوسُ) الذي ﻻ يرضى الظلم وﻻ يرضى الذل وﻻ يرضى المهانة لعبده فهو يُطهّر عبده من كل أدران الشرك والفجور والفِسق واﻷخلاق الرديئة فهو يُطهِّره سبحانه وتعالى فكما أن الله سبحانه وتعالى قدوس فإنه لا يرتضي إلا الطاهِر من عباده ليكون مُنتسبا إليه سبحانه وتعالى لذلك يقول الله جل وعلا (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‎) [البقرة:٢٢٢]
 (السَّلامُ) فهو السلام سبحانه وتعالى كما أن هذا الوصف يُشيع الطمأنينة والأمن في الوجود كله، فالمسلم مُسالِم لإخوانه .. مُسالِم لغيرهم إذا لم يُحاربوه ويُعادوه جل وعلا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق