الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

تفسير سورة المَائدة من الآية (109 إلى نهاية السورة) / من دورة الأترجة


د.مساعد الطيار



 بسم الله الرَّحمن الرحيم.الحَمدُ الله ربِّ العَالمين،والصَّلاة والسَّلام عَلَى أَشرَفِ الأَنبياءِ والمُرسلين نبيِّنا مُحمد وعلى آله وصَحبِهِ والتَّابعين . لَعلَّنا نُكمِل ما بَدَأَنا بِهِ مِن تَفسير.
 قِراءَة مِن كِتَاب كلماتِ القُـرآن: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم.الحمدُ لله ربِّ العالمين،والصَّلاةُ والسَّلامُ على أَشرَفِ خَلقِ الله أجمعين. اللَّهُم اِغفر لَنَا ولِشَيخنا أجمعين.
قَالَ الله عزَّوجَل: يَومَ يَجمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقـُولُ مَاذا أُجِبتُم قَالُـوا لا عِلمَ لَنَا إنَّك أنتَ عَلاَّمُ الغُيُوب.إذ قالَ اللهَ يا عيسى ابنَ مريمَ اُذكُر نِعمَتي عليكَ وعَلَى وَالِدَتِكَ إذ أيَّدتُك جِبريل عليه السَّلام .تُكلِّمُ النَّاسَ في زَمنِ الرَّضَاعة قَبلَ أوانِ الكَلام،وفِي حالِ اكتمال القُوَّة بعدَ نُزُولِه. وإذ علَّمتُكَ الكِتَابَ والحِكمَةَ والتَّوراة والإِنجيل وإذ تُصَوِّر وتُقدِّر مِنَ الطِّين كهيئةِ الطَّير بإِذني فتَنفُخُ فيها فتكونُ طَيرا ًبإِذني وتُبرِئُ الأَعمى خِلقَةً والأَبرَصَ بإِذني، وإذ تُخرِجُ المَوتَى بإِذني وإذ كَفَفتُ بَني إسرائيل عنكَ إذ جئتَهُم بِالبيِّنات فقال الذِّين كَفَرُوا منهم إن هَذَا إلاّ سِحرٌ مُبِين.
قراءة من التَّفسير المُيَسَّر -التَّفسير الإجمالي- : واذكروا - أيُّها النَّاس- يومَ القيامة يومَ يَجمعُ الله الرُّسل عليهم السَّلام, فَيسألُهُم عن جوابِ أُمَمِهِم لهم حِينَمَا دعَوهم إلى التَّوحيد فيُجِيبُون:لا عِلم َلنا, فنحنُ لا نعلمُ ما في صُدُورِ النَّاس, ولا مَا أحدثوا بعدنا إنَّك أنت عليمٌ بِكُلِّ شَيء ممَّا خَفِيَ أو ظَهُر. إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى ابنَ مريم اُذكُر نِعمتي عليكَ إذ خلقتُك من غير أَبٍ, وعلى وَالِدَتِك حيثُ اصطفيتُهَا على نِساءِ العَالِمين, وبَرَّأتُها مما نُسِب إليها,ومن هذه النِّعم على عيسى أنَّه قوَّاه وأعانَهُ بجبريل عليه السَّلام, يُكلِّمُ النَّاسَ وهُوَ رَضِيع, ويدعُوهُم إلى الله وهو كبير بِمَا أوحاهُ الله إليه من التَّوحيد, ومنها أنَّ الله تعالى علَّمه الكتابةَ والخطَّ بدون مُعلِّم, ووهبه قوَّةَ الفهم والإدراك, وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على مُوسى عليه السَّلام, والإنجيل الذي أَنزَل عليه هدايةً للنَّاس, ومن هذه النِّعَم أنه يُصوِّرُ من الطِّين كهيئة الطَّير فينفُخُ في تلك الهيئة, فتكونُ طيرًا بإذن الله, ومنها أنَّه يَشفي الذِّي وُلِدَ أعمى فيُبصِر, ويَشفِي الأبرص, فيعود جِلدَهُ سَليمًا بإذن الله, ومنها أنَّه يَدعُو الله أن يُحييَ الموتى فيقُومُون من قبورهم أحياء, وذلك كُلُّه بإرادة الله تعالى ويإذنه, وهي معجزاتٌ باهرة تؤيِّدُ نُبوَّة عيسى عليه السَّلام, ثم يُذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ مَنَعَ بني إسرائيل حين هَمُّوا بقتله, وقد جاءَهم بالمعجزات الوَاضِحَة الدَّالة على نُبُوَّته, فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البيِّنَات سِحرٌ ظَاهِر.
تعليق الشِّيخ : بسم الله الرحمن الرحيم في قوله سبحانه وتعالى (يَومَ يَجمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فيقُول مَاذا أُجبتُم) في كلمات القرآن: لم يَذكُر الشِّيخ في هذه الآية أيَّ معنى من جهة الألفاظ يُعتبِر مُشكِلا ً. في التَّفسير المُيسَّر: عند قوله (مَاذَا أُجِبتُم) ما معنى قوله ماذا أُجبتُم ؟ نَجِد أنَّه قال: اُذكروا أيُّها النَّاس يوم القيامة، يومَ يَجمَعُ اللهُ الرُّسُلَ عليهم السَّلام فيَسألُهُم عن جوابِ أُمَمِهِم لَهُم حِينَمَا دَعَوهُم إلى التَّوحيد (مَاذا أُجِبتُم) أيَّ مَاذا أَجَابَكُم أَقوَامُكُم (قَالُوا لا عِلمَ لَنَا إنَّك أَنتَ علاَّمُ الغُيُوب) لأنَّ الأنبياء مَاتُوا وبَقِيَت أَقوامُهُم بَعدَهُم،والأنبياء لا تَعلَم بما حَصَلَ من أَقَوامِهم بَعدَهم, أَمَّا مَا دامُوا فِيهِم فَهُم شُهدَاء. كَمَا سَيَرِد في قوله (وكنتُ عليهِم شَهيدا ًما دُمتُ فيهم فَلمَّا تَوَفيتَنِي) فإذا ًكَأنَّ السُّؤالُ مُوجَّهٌ للأَنبياء أنَّه بِمَاذَا أَجابَكُم أقوامُكُم بَعدَ مَوتِكُم؟ وهذا فِيه إشعارٌ بأنَّه في هَذَا اليَوم لا عِلمَ ولا أَمرَ إلَّا للهِ سُبحَانَهُ وتعالى,لأنَّ الأَمرَ مُرتَبِطٌ بِعلمِ الغَيب ولهذا قالوا (إنَّك أنت علَّامُ الغُيُوب) لأَنَّهم لا يَعرفوُن ماذا حَصَلَ من أَقَوامِهِم بَعدَ مَوتِهِم. خَصَّ الله سبحانه وتعالى من هَؤلاءِ الرُّسل بِهَذا الخِطَاب عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام, ويَظهَر -واللهُ أعلم- أنَّ سببَ اِختصَاصِهِ بِهَذا الخِطَاب أنَّه مِن أَشهرِ الرُّسُل الذِّين اُدُّعيَ فيهم أنَّه ابنٌ لله، أَو أنَّه إله . المَعنى: أنَّ المَقام الآن في يوم القيامة هُو مقامُ التَّوحيد الأعظم، فالله سُبحَانه وتعالى كأنَّهُ يُنكِر على من عَبَدَ من دُونِه أيَّ مَخلوقٍ حتَّى لو كان أَحَدَ رُسُلِه فكانت هذه المُحاوَرَة بينَ الله سبحانه وتعالى وبَينَ عِيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام التِّي يَحكيها لنا الله سبحانه تعالى الآن وهِيَ سَتَقَع في المُستقبل.ولهذا لمَّا قال (إذ قال الله يا عيسى ابنَ مَريَمَ) فيَرِد سؤالٌ هنا: هل هذا القَول قد وقَع أو سَيقع ؟ الجواب: أنَّه سَيقع,وما دَام أنّه سَيَقع معنى ذلك أنَّ الحَدَث المُستقبلي جاء بصيغة المَاضِي. وهذه قاعدة: أنَّ الحَدَث المُستقبلي إذا جَاءِ بِصيغَةِ الفعل المَاضي فهو للدِّلالة على تَحَقُّقِ وقُوعِه مثل قوله (أَتَى أمرُ الله فلا تَستعجِلُوه) . فإذا ًنحنُ الآن نُشاهِد أو نَطَّلِعُ على مَشهَد مِنَ المَشَاهِدِ التِّي ستكُون يوم القيامة, وهُوَ أنَّ الله سبحانه وتعالى يُوقِف هَؤلاءِ الأَنبياء، ويَسأُلُهم أمَام النَّاس جَميعاً,ثُمَّ خَصَّ منهم -كمَا قُلنَا- عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام (إذ قالَ الله يا عيسى ابن مريم اُذكر نعمتي عليك وعلى والدتِك إذ أيَّدتُك بِرُوح القُدُس) رُوحُ القُدُس كَمَا ذكروا هُنا في التَّفسير هو جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام، وجبريل أُطلِق عليهِ رُوحُ القُدُس في القُـرآن في مَواطِن مُتعددة,وكذلك أُطلِق عليه الرُّوح فقط مثل قوله سبحانه وتعالى (نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمِين) فَوَصَفُه بالأمين ومثل (يومَ يقُوم الرُّوحُ والمَلائِكةُ صَفّاً) على أنَّه في هذا المَوطِن في سورة النَّبَأ قد وَقَع خِلاف بين المُفسِّرين من هو، لكن الأَشهر والأظهر أنَّه جبريل عليه السَّلام ,لأنه وَرَدَ في القرآن في غير ما مَوطِن بنفس هذا الاسم الذِّي هُوَ الرُّوح .
 قال الله (تُكَلِّم النَّاسُ في المَهد وكَهلاً) تُكلِّم النَّاس في المَهدِ هذه معجزة من معجزات عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام,ومع حُضُور هذه المُعجزة، إلّا أننَّا نَجِد أنَّ اليَهُود قد استنكروا هذا الفِعل من مريم عليها الصَّلاة والسّلام واتَّهمُوهَا بِمَا اتَّهمُوهَا بِهِ.وهنا نَنتَبِه إلى قضيِّة مُهمِة جدَّا ًفي طبع البشر وهي : أن قَضِيَة المُعجزَات. وَهِيَ قَاعــــِدَة: أَنَّ المُعجِزَات هِي دَالّة عَلى صِدق الأنبياء لكن لا يَلزَم منها أن يُؤمِن بِسَبِبها جميعُ النَّاس. فبعضُ المُعجزات يُؤمِن بِسبَبِها أُناسٌ وبعضُ المُعجزات لا يُؤمِن بِسبَبِهَا إلّا أُنَاسٌ قِلَّة. فعيسى كما نُلاحِظ من بِدَاية أَمرِه وهُو في مُعجِزَات.فحديثه وهُو صَغِير لَيسَ شَيئا ًطَبِيعِيّا ًوإنَّمَا هُوَ أَمرٌ مُعجِز,ومَعَ ذلِك لم يُؤمِن به اليَهُود مع أنه بــَرَّأ أُمَّه مِمَّا يُظنُّ أنَّها تَقَع فيه،وكذلك مِمَّا اُتِّهمَت فيه بعد ذلك . (وكهلاً) إشارةً إلى ما سَيكُونُ في المُستقبل بَعد أن يَرجِعَ إلى الدُّنيا،وكأنَّ فِيهِ إشارة إلى رُجُوعِهِ إلى الدُّنيَا بعد رَفعِه إلى الله سُبحَانَهُ وتَعَالى أَو إلى السَّماء . (الكتاب) هنا جَعلُوهُ بمعنى الخَطَّ أيّ عَلَّمَهُ الخَطّ,وهُوَ أحدُ الأَقوال في معنى الكتاب ولَعلَّنا نـَرجِعُ إِلى هَذِهِ الآية ونَأخُذُهَا -كَمِثَال- لــِنَعرِفَ مــَا هِيَ الأقوال،وكيفَ يُمكِن أَن يتغيَّر المَعنى بِسَبب اختيار أحدِ المَعاني غيرِ المَعنى الذِّي ذكَرُوهُ في التَّـفسير المُيَسَّر .
 في بَقِيَة الآية ذكَرَ الله سبحانه وتَعالى مَجمُوعةً من المُعجِزات، وكُلُّ هذه المُعجزات هي بإذن الله سبحانه وتعالى . ولكن لاحِظُوا أنَّهُ في قَولِه (وإِذ تَخلُقُ مِنَ الطِّين كهيئة الطَّير بإذني فَتَنفُخُ فِيهَا فتكونُ طَيرا ًبإذني وتبرئُ الأَكمَهَ والأَبرصَ بِإذنِي وإذ تُخرِجُ المَوتى بِإذنِي) فَكُلُّ عَمَلٍ مِن هَذه الأعمال يُنبِّه الله سبحانه وتعالى على أنَّها بإذن الله جَلَّ جلاله,ولهذا من ضلَّ من النَّصارى هو بسبب زَعمِه أو ظنِّه أنَّ هذا إنَّما هو من فعل عيسى مباشرة ثم اِدَّعُوا له - والعِيَاذُ بالله - الإلهية . وهذه الآيةُ تنبيهٌ: على أنَّ كُلَّ حَدَث أو كُلَّ حدث أو كل عَمَل عَمِلَهُ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام إنَّما كان بإذن الله سبحانه وتعالى ومشيئته، وليس بأَمرِ عيسَى مُستَقِلا ً.
 قال (وإذ كَففتُ بني إسرائِيلَ عَنكَ إذ جئتَهُم بالبيِّنَات فقال الذِّين كَفَرُوا منهم إن هذا إلاّ سِحرٌ مُبينٌ) فقوله تعالى ( كَفَفتُ بَنِي إِسرائيلَ عَنكَ) فمَعنى ذلك أنَّهم نَاصَبُوهُ العَداءَ، ولكن الله جَلَّ جلاله عَصَمَه من اليهود حتى أَذِن الله سبحانه وتعالى بِرفَعِه, فَرُفِعَ إلى السَّماء وَأُلقِيَ الشَّبَهُ - على الصَّحيح - على أَحَدِ تَلامِيذه فكانَ هو الفِدَاء لِعِيسى عليه الصَّلاة والسَّلام فَصَلَبُوا الشَّبيهَ ظَنّا ًمنهم أنَّهُم صَلَبُوا عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام. وهذا التِّلميذ كان مِمَّن فَدَى عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام وليسَ كما يَقُولُ النَّصارى إنَّهُ خَانَ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام بَلِ الصَّحيح أنَّه فَداهُ بِرُوحِه فَأُلقِيَ الشَّبَهُ عَليه فَظنَّوا أنَّهُم قتلوا عيسى عَلَيه الصَّلاة والسَّلام. ولِذَلِكَ الله سبحانه قال (وَمَا قَتَلُوه يَقِينَاً) 

قراءة من كِتابِ كلمات القُرآن: وإذ أَوحَيتُ إلى الحَوَاريِّين- أَيّ أَنصارَ عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام وخَواصِّه- أن آمِنُوا بي وبرسولي قَالُوا آمنَّا واشهد بأنَّا مُسلِمُون.إذ قال الحواريُّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيعُ رَبُّك أن يُنزِّل عَلينَا مَائِدَة - أيَّ خِوانَا ًعَليهِ طعَام- مِنَ السَّماء قَالَ اتَّقُوا الله إن كُنتُم مُؤمنين.قالوا نُريدُ أن نأكُلَ منها وتَطمَئِنَّ قُلُوبُنَا ونَعلَمَ أن قَد صَدَقتَنا ونكون عليها من الشَّاهدين.قال عِيسى ابن مريم اللَّهُم ربَّنا أَنزِل عَلينا مائدةً من السَّماء تكونُ لنا عِيدَا ً- أَيّ سُرورا ًوفَرَحَا ًأو يَوما ًنُعظِّمُهُ - لأوَّلِنَا وآخِرِنَا وآيةً مِنكَ وارزُقنَا وأنت خيرُ الرَّازِقِين. قال الله: إنِّي مُنَزِّلَهَا عليكُم فمن يَكفُرُ بَعدُ منكم فإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا ًلا أُعَذِّبُه أحدا ً من العَالمِين.
 قراءة من التَّــفسير المُيسَّر -التَّفسير الإجمالي- : واذكر يا عيسى نِعمَتي عليك, إذ ألهمتُ, وألقيتُ في قُلُوبِ جماعة من خُلصَائِكَ أن يُصَدِّقُوا بِوَحدانية الله تعالى ونُبَوَّتك, فقالوا: صدَّقنَا يا ربَّنا, واشهد بأننَّا خاضِعُون لك مُنقادُون لأَمرك. واذكر إذ قال الحواريُّون: يا عيسى ابن مريم هل يستطيعُ ربُّك إن سَألَتَهُ أن يُنزِّل علينا مائدةَ طَعامٍ مِن السَّماء؟ فكانَ جَوَابُهُ أن أَمَرَهُم بأن يتَّقُوا عذابَ الله تعالى, إن كانُوا مُؤمنين حقَّ الإيمان. قال الحواريُّون: نُريدُ أن نأكل من المائدة،وتسكُنَ قلوبُنا لرؤيتها, ونعلمَ يقيناً صِدقِك بِنُبُوَّتك,وأن نكونَ من الشَّاهدين على هذه الآية أنَّ الله أنزلَها حُجَّةً لَهُ علينا في توحيده وقُدرَتِه على ما يَشَاء, وحُجَّةً لك على صدقك في نُبُوَّتِك. أجاب عيسى ابن مريم طَلبَ الحَوَارييِّن فَدَعَا ربَّه جَلَّ وعلا قائلاً ربَّنا أنزل علينا مائدة طعام من السَّماء نتَّخذ يَومَ نُزُولَهَا عيدًا لنا نُعَظِّمُهُ نحن ومَن بعدنا,وتكونُ المائدة علامةً وحُجَّة منك يا الله على وحدانيِّتك، وعلى صِدقِ نُبَّوَتِي, وامنحنا من عَطَائِك الجَزِيل وأنت خيرُ الرَّازقين قال الله تعالى: إنِّي مُنزِلٌ مائدةَ الطَّعامِ عليكم, فمن يَجحَد منكم وحدَانيتي ونُبوَّةَ عيسى عليه السَّلام بعد نزولِ المائدة فإني أُعَذِبُّهُ عَذابًا شديدًا, لا أُعَذِّبُهُ أحدًا من العَالَمِين. وقد نَزلَت المائدة كَمَا وَعَدَ الله.
تعليق الشِّيخ : الآن انتقَلَ الخِطَاب بَعدَ أن بَيَّنَ سُبحَانَه وتعالى نِعمَتَهُ على عِيسى عليه الصَّلاة والسَّلام إلى ذِكِرِ نِعمَتُهُ على عيسى بالأصحاب الذِّين هُمُ الحواريُّون قال (وإذ أوحيتُ إلى الحوارييِّن) الوَحِي هنا كمَا نبَّه – الشِّيخ حَسَنِين مَخلُوف في كلمات القرآن - هَذَا الوحي الذِّي كَانَ لهَؤُلاء إنَّمَا هُوَ كَمَا قَال إذ أوحيتُ إلى أَنصارِ عِيسى عليه الصلاة والسلام وخواصَّه-هذا ممَّا يكون من أنواع الإلقاء في الرُّوع أو الإِلهام,ألقى الله سبحانه وتعالى في رُوعِهم أو ألهَمهم ما ذكرَهُ الله سبحانه وتعالى أن آمنوا بي وبِرَسُولي,فَإذَا أُلقِيَ هَذَا في قَلبِ العبدِ المُؤمِن وهُو نَوعٌ من الوَحِي فَلا شَكَّ أنَّ هذا فِيه مِنَ التَّـثبيت ما فيه لأنَّه من الله سبحانه وتعالى. قال (أَن آمنُوا بِي وبِرَسُولي قالوا آمنَّا واشهد بأننَّا مُسلِمُون) هُنا قَاعـِــــــــدة أيضا ًمُهمَّة جِدّا ًفي قضيِّة الأديان : وهِيَ أنَّ أيَّ نَبيٍّ يأتي فإنَّهُ يَدعُو النَّاس أوَّلاً إلى أن يُؤمِنُوا بالله وَحده ، والثَّاني أن يُصَدِّقُوا بِهِ. وهي ما نُسَمِّيه نحنُ الآن في الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمَّدا ًرسُولُ الله. وهذا مِمَّا تَتَّفِق فِيهِ جَميعُ الأديان,الذِّي هو شهادة التَّوحيد، والإيمان بالرَّسول الذِّي نَزَلَ عليهم .طبعا الحَال لمَّا جَاءَ الرَّسُول اختَلَف الأمر. فَوَجب على كُلّ من سَبَقَهُ من أَتباعِ الأنبياء أن يُؤمِنَ بِهِ، ولا يُقبَل منه أيَّ دِينٍ غَيرَ دينِ الإِسلام. أمَّا مَن كَانَ قبله -قبل محمد- فمن دَانَ بِدينِ مُوسَى الصَّحيح فهُو على الحَقّ,ومَن دَانَ بِدينِ عِيسَى الصَّحيح فَهُوَ عَلى الحَقّ، وهَكَذَا. فإذا ًالمقصود الآن أن نَنتَبِه أنَّ قَاعِدَة أن لا إله إلا الله، وأنَّ ذاكَ النَّبي رسولُ الله مَوجُودة فِي كُلِّ شَرع,وهِيَ المَبنى الأوَّل مِن مَبَانِي دِينِ الإسلام العامّ للرُّسُل,ثُمَّ تأتي بعد ذلك المَباني الأربعة المَشهُورة وهي مما اِتَّفَقَ فيهِ جميعُ الرُّسُل .
 (إذ قَالَ الحواريُّون) أيّ واذكر أيضا (إذ قَالَ الحواريُّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيعُ رَبُّك أن يُنزِّل عَلينَا مَائِدَةً مِنَ السَّماء) في قوله (هل يستطيعُ ربُّكَ) يعني إن سألتَهُ (أن يُنزِّلَ علينا مائدةً من السَّماء) وطبعا لا شَكَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى قادِرٌ على ذلِك، هَؤُلاء هُم أصفيَاءُ الأنبياء يَسألُون بهذا الأسلوب,وهذا نَوعٌ لاشَكَّ أنّه سيكونُ آيةً لهؤلاء الحَواريِّين . وَقَد وقَعَ خِلافٌ بين العُلمَاء هل نــَزَلت المائدة أو لم تَنزِل ؟ في التفسير المُيَسَّر: ساروا على أنَّها نَزَلَت المَائدة، وهذا هو القولُ الأوّل. والقولُ الثَّانِي: أنَّها لَم تَنزِل لأنَّهم خَافُوا العَذَاب،وخَافُوا ألَّا يُؤدُّوا حقَّها فَتَركُوا هَذَا السُّؤَال . ظَاهر الآيات -كما ذَهَبَ إليه أصحاب التَّفسير المُيَسَّر- أنَّها نَزَلَت ، لِمَاذا ؟ لأنَّهُ لَيسَ في الآيات أيُّ إِشَارَةٍ إلى أنَّها لَم تَنزِل,وإنَّما فيهَا نَوعٌ مِنَ التَّهديد والوَعِيد لَهُم إن لَم يُصَدِّقُوا بهذه الآية ويُؤمِنُوا بِعِيسَى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام . (قَالُوا نُريدُ أن نَأكُلَ مِنهَا وتَطمِئِنَّ قُلُوبُنَا) ،(نُريدُ أن نَأكُلَ مِنهَا) هَذَا الجَانِب هُوَ جَانِبُ الإشباع الحَياتي (وتَطمِئِنَّ قُلُوبُنَا) هذا جانب الإِشباع الرُّوحي أو النَّفسِي.
 وهُنا سُؤال: قد يَقُول قائِلٌ هل طَلَبُ الحَوَاريِّين لِهَذِهِ المَائدة بهذه الطَّرِيقة لاطمئنان القلب، مَطلَبٌ صحيح أو فيه إشكال ؟ الجَوَاب: المَطلَبُ صَحِيح. مثل قصَّةُ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ، فإبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أَرَاهُ اللهُ سبحانه وتعالى مَلكوتَ السَّماواتِ والأرض قال الله (وكَذَلِكَ نُرِي إبراهيمَ مَلكوتَ السَّماوات والأَرض ولِيَكُونَ مِنَ المُوقنِين) ومَعَ ذلك لمَّا جَادَل قَومَه وحَصَل مَا حَصَل منه عليه الصَّلاة والسَّلام مِن كَسرِ الآلِهَة, وصَارَت المُناظرة بينه وبين المَلِك بعد مُناظرَتِه للنُّجُوم, ثُمَّ بَعدَ كُلَّ هذه المُناظرَات لمَّا قَالَ المَلِك أنا أُحيي وأُميت تَشَوفَّت نفسُ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أن يَرى كيفية الإحياء والإماتة فقال (ربِّي أَرِنِي كيف تُحيي المَوتى) لو كانَ هذا السُّؤال خطأ مثلما سأل نوح عليه الصلاة والسلام لَوَعظَه الله قال (إنِّي أَعِظُكَ أن تكونَ من الجَاهلِين) هَذَا فِي حَقِّ نُوح عَليهِ الصَّلاة والسَّلام لما طَلبَ نجاةَ اِبنه, أمّا لما كان سُؤُالُ إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسَّلام سُؤالٌ مَشرُوع وليسَ فِيهِ إِشكَال. الله سبحانه وتعالى يُربِّينا نحن فقال (قَالَ أَولَم تُؤمِن) مع أنَّ الله سبحانه وتعالى عليمٌ بما في نفس إبراهيم (قَالَ أوَلَم تُؤمِن قَالَ بَلى) إذاً لماذا طلب؟ قال إبراهيم عليه السّلام (لِيَطمئِنَّ قَلبِي) فَطَلَبُ طُمأنِينة القَلبِ مع وُجُود اليَقين أمرٌ لا إشكال فيه أبداً . وهنا أيضا لا يُعابُ على الحَوَارييِّن أنَّهُم طَلــَبُوا ما يَجعلُ قُلُوبُهُم تطمئِن,ومن يقرأ في سيرة عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام وما واجَهَهُ هُوَ والحَوَاريين، وَقلَّة عدد هؤلاء الحَواريين يتَصوَّر ذلك القَلق الذِّي يُمكِن أن يعيشُهُ هؤلاء وعدَدُهُم قَليلٌ جداً, مَا ذُكِرَ إلَّا اثنا عشرَ شَخصاً كانوا معه عليه الصلاة والسلام. ما كان يُحدِثُه هذا المجتمع الذِّي كانوا يعيشونه مجتمع -اليَهُود،ومجتمع الرُّومَان الكَافِـر- في هذه الفِئةِ الصَّغيرةِ جِداً التي آمنت بعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام. فطبيعيٌّ أن يطلب هؤلاء ما يُثبّتهُم ويُطمئِنُهُم فكان هذا المَطلَب وهو مَطلبُ نزولِ المائدة . قَالُوا (ونَعلمَ أن قَد صَدقتنا ونَكونَ عليها من الشَّاهدِين) كُلُّ هَذِه المَطالِب مَطالبٌ مُعتبَرة ولا يُقالُ كيف يَطلُب هؤلاء أو إنَّ هؤلاء قد أَساءُوا الأَدب, لو كان فيه إساءةُ أدب لَـــنبَّهَ الله سبحانه وتعالى عَليها أو نَبَّه عِيسَى عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام على هذه القضايا, لكن ما دام أنَّ الله سبحانه وتعالى ذَكرَ هذه المَطالب دونَ أن يُشيرَ إلى وقُوعِ أيِّ إشكالٍ في هذه المَطالِب فَيَدُلُّ على صِحَتِهَا. ولهذا قال عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام (اللَّهُمَّ ربَّنا أَنزِل عَلينا مَائدةً من السَّماء تكونُ لنا عيدا ًلأوَّلنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خير الرَّازقين) فإذا ًالنَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام قد طَلَب، وما دام طلب فالغالب أنَّه يتحقق. ولكن وقع خِلافٌ -كما قلت لكم- بين العُلماء عند قول الله جَلّ وعلا (قال الله إني منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أُعَذِّبُهُ عَذَابا ًلا أُعَذِّبُهُ أَحداً من العَالَمِين) قالوا إنَّ الحواريين لمَّا سمعوا هذا قالوا إذا ًلا نحتاج إلى هذه الآية- هذا على قول- خوفاً من أن لا يُؤدُّوا حقَّها وهو شكرها . وقال آخرون - والذي مشى عليه أصحاب التفسير الميسّر- أنه قد أنزل الله سبحانه وتعالى هذه المائدة ونزولها كان - على قول بعضهم- كان يوم الأحد فاتَّخذوا يوم الأحد بالنسبة لهم يوم عيدٍ, فأضلّ الله سبحانه وتعالى النَّصارى كما أخبر - الرسول - عن يوم الجُمُعة , كما أضلَّ اليهود إلى يوم السَّبت عن يوم الجمعة, وبقي يوم الجُمُعة لخير الأمم .
قراءة من كتاب كلمات القُرآن : (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) قال تنزيها ًلك من أن أقول ذلك (ما يكونُ لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علّام الغيوب.ما قلت لهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربكم وكنتُ عليهم شهيداً ما دُمتُ فيهم) فَلمَّا أَخذتني إليك وافِيا ًبِرفعي إلى السَّماء حيّا ً(كُنتَ أنتَ الرَّقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) (إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ً ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم.لله مُلكُ السَّماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير).
قراءة من كتاب التفسير المُيَسَّر -التَّفسير الإجمالي- : واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأُمِّيَ معبُودين من دون الله؟ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى- ما ينبغي لي أن أقول للنَّاس غير الحقّ. إن كنتُ قلتُ هذا فقد عَلمتَه; لأنه لا يخفى عليك شيء, تعلم ما تُضمرُه نفسي, ولا أعلم أنا ما في نفسك. إنَّك أنت عالِمٌ بكل شيء مما ظهُر أو خفي قال عيسى عليه السلام: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيتَهُ إليَّ, وأمرَتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة, وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شَاهِدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم,فلمَّا وَفَيتَني أجلي على الأرض, ورفعتني إلى السماء حيًّا, كنت أنت المطَّلِعَ على سَرائرهم, وأنت على كل شيء شهيد, لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء. إنك يا ألله إن تُعذبهم فإنهم عبادك وأنت أعلم بأحوالهم، تفعل بهم ما تشاء بِعَدلك, وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة, فإنَّك أنت العزيز الذي لا يُغالَبُ, الحكيم في تدبيره وأمره. وهذه الآية ثناءٌ على الله تعالى بحكمته وعدله, وكمال علمه. قال الله تعالى لِعِيسى عليه السلام يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع المُوَحدين توحيدهم ربهم, وانقيادِهم لشرعه, وصِدقهم في نِيَّاتهم وأقوالهم وأعمالهم, لهم جنَّاتٌ تجري من تحت قُصُورها وأشجارِها الأنهار,ماكثين فيها أبدًا, رضي الله عنهم فَقَبِل حسناتهم, ورضُوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه. ذلك الجَزاء والرِّضا منه عليهم هو الفوزُ العظيم. لله وحده لا شريك له مُلكُ السموات والأرض وما فيهن, وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يُعجزُه شيء.
تعليق الشِّيخ : لاحظوا الآن الحديث الأوَّل مع عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام وخبَرُه كان في الدنيا (وإذ أوحيتُ إلى الحواريين) أيضا ًفي الدنيا، بداية الحديث كان في الآخرة .. الآن الحديث سيرجع مرة أخرى إلى الآخرة مع عيسى عليه الصلاة والسلام وقضية التَّوحيد التي هي أهم قضية جاءت بها الرسل لما قال (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) وهذا تبكيت في ذلك المَوقف لِمن ادَّعى ألوهية عيسى عليه الصلاة والسَّلام، أو ألوهية أُمِّه، أو ادَّعى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قد دَعَا لِنفسه بالألوهية ,فهذا تَبكيتٌ لِمَن يَسمَع هذا الخِطَاب مِمَّن عَبَدَ عيسى عليه الصلاة والسلام . ولاحظوا أنه قال عيسى ابن مريم وهذه فَائدة في القرآن يُنتبه لها: أن القرآن يُؤكِّد بشرية عيسى عليه الصلاة والسلام في كل مقام إذا نَسَبَه إلى أمه ,كأنَّه مقصود أن ينبّه على أن عيسى عليه الصلاة والسلام بَشري وأنَّه فقط جاء بمعجزة في كَونه جاء بلا أب . قال (ءأنت قلت للناس اتَّخذوني وأُمِّيَ إلهين من دون الله قال سبحانك) وهنا (سُبحَانك) فيها معنى التَّنزيه ومعنى التَّعظيم معاً. وهذه فائدة يُنتَبه لها: مادّة سبحان تحمل التَّنزيه والتَّعظيم معاً,ولكن السِّياق يُقدِّم أحد المعنيين على الآخر. فهل المقام مقامُ تنزيه فنقول إنه تنزيه ، وهل المقام مقام تعظيم فنقول إنه تعظيم ، أو أنَّ المقام متساوٍ فيه التَّنزيه والتعظيم مثل هذا الموطن. فنقول إنّ (سبحانك) تعظيما لك وتنزيها لك لأنه في مقام التنزيه والتعظيم .. ونلاحظ أنَّه قال في سورة الإسراء(سبحان الذِّي أسرى بعبده ليلا ًمن المسجد الحرام) هل في قوله (أسرى بعبده) نَقِيصَة أو شيء فتحتاج إلى التَّنزيه ؟ الجواب: لا. فإذا هذا المَقام مقام تعظيم,يعني تعظيما ًلمن أسرى بعبده ليلا ًمن المسجد الحرام, والتَّعظيم يَستلزم التَّنزيه،فما دام مُعظَّما ًفإنه يلزم منه أن يكون مُنزَّها . لكن في قوله (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه) هذا مقام التنزيه،والتنزيه يتضمَّن التَّعظيم فإذا المقصود من ذلك أن مادَّة (سبحانك) في القُـرآن يتجاذبُها التَّعظيم،والتَّـنزيه . والسياق هو الذِّي يُقدِّم إحدى الدِّلالات أو يُساوِي بينهما فإذا معناها هنا الآن تعظيما لك وتنزيها لأنَّ المقام مقام توحيد (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ليس من حقوق الأنبياء هذا التَّعظيم الذِّي يصل بهم إلى هذا الحَدّ. وهذه قاعــــدة ننتبه لها ونحن نتعامل مع الأنبياء سيكون عندنا تجاذُب بين تعظيم كلام الله سبحانه وتعالى وتنزيله منزلته من الظَّاهر الذِّي يَدُلّ عليه ,وتقديس الأنبياء من رفعهم عن مرتبتهم ,فيجب أن يكون عندنا نوع من التَّوازن ولا يقع عندنا تقليل من شأن كلام الله سبحانه وتعالى وتعظيم أو تقديس لشأنِ الأنبياء . وأعني بذلك أنه إذا ورد عن نبي من الأنبياء أمرٌ قد أثبتَه الله سبحانه وتعالى عليه من الأَخطاء فإننَّا نُثبته كما أثبته الله سبحانه وتعالى ,وأيّ تأوُّل فإنَّه نوعٌ من التَّحريف الذي يَصرِف المعنى عن ظاهره فيكون فيه عَدم حِشمة مع كلام الله سبحانه وتعالى،واحتشامٌ لأمر النبي مع أن هذا من الأمور التي لا تَخدِش في عِصمَة الأنبياء ولا تؤثِّر عليهم , ولكن الفهم غير الصحيح للعِصمَة هو الذي يؤثر في مثل هذا الانحراف في فهم بعض المعاني المتعلِّقة بالأنبياء . ولهذا بعض السلف كابن قُتيبَة، والحسن البصري، وبعض اللغويين أيضاً مثل أبوبكر ابن الأنباري وأبو عُبَيدة القَاسِم بن سلاَّم , من السَّلف ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم كانوا يَتعاملون مع هذه الآيات بِظَواهرها ولم يكن عِندهم أي نوع من التأويل المُنحرِف الذي يَصرِف الآية عن ظَاهرها وكأنَّ الله سبحانه وتعالى قد خاطبَنا بما لا نفهم من تلك العِبَارات وهذا سيكُون فيه نوع من التكلُّف وصعوبة,ولهذا لاحظوا مثلا ًقول الله سبحانه وتعالى (لقد كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً.إذا ًلأَذقنَاك ضِعفَ الحَياةِ وضِعفَ المَمات) وهو يُخاطِب أحبَّ الخَلق إليه فهو كلامه سبحانه وتعالى, ويُبيِّن لنا عن هذه النَّفسية البشرية في محمد قال (كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً) لو حصل منك هذا الشيء القليل توعدَّه الله قال (إذا ًلأَذقنَاك ضِعفَ الحَياةِ وضِعفَ المَمات). فكيف نُواجِه مثل هذا الخطاب؟ لا يمكن أن نواجهَهُ بالاستنكار، أو الاستغراب أو نقول إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم مَعصوم عن هذا. نقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد عَصمه عن أن يقع في الخطأ , لكن مثل هذا يَدُلّ على أنَّه لو وقَع منه لَحصل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُعاقِبُه هذا العقاب (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) (إِذَاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) فإذا أقصِد من ذلك أنَّ في مثل هذه الأمور يحتاج إلى نوع من التوازن . هنا الآن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) فإذا هناك حُقوق خاصّة بالأنبياء معروفة وواضحة في القرآن, وهناك من يدَّعي للأنبياء حقوق زائدة. من يَدعِّي للأنبياء حقوق زائدة فإنه سيدخل في مثل هذا الخطاب الذي يقوله عيسى (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) قال (إِن كُنتُ قُلْتُهُ) أيّ هذه الدَّعوة بأنِّي دعوتُ إلى أُلُــوهيَّتِي (إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ).
قال بعد ذلك (إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ*مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) الذِّي هو التوحيد لَكِن لاحظ الآن هَذِه المخاطَبَة، وهذه المحاورة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وفيها معاني كثيرة. لاحظ لمَّا قال (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النَّبي في هذا المَوطن مع أنَّه موطن شديد جِدّاً، والله سبحانه وتعالى جَبَلَ الأنبياء على الرَّحمة، هو يطلبُ لهم المغفرة، ولكنه طلبٌ فيه خفاء ، كيف ؟ الآن الموقف موقف عَظَمَة وموقف غَضَب إلهي من أولئك الذين عبدوا غيره سبحانه وتعالى وهذا هو أكبر الكبائر كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقول هو عليه الصلاة والسلام (إن تعذِّبهم فإنَّهُم عِبَادك) فقدَّم العذاب لمناسبة المَقام. وإن تغفر لهم،.هل هذا مقام طلب مغفرة لهؤلاء ؟ الجواب: نعم، لكن كيف يُغفَر لهم ؟ قال (إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يعني إن غَفَرت لهم فمَغفرتك عن عِزّة وليست عن ضَعف,عن حِكمة وليست عن عَجز أو جهل . فكأنَّه طلب لهُم المغفرة بهذا الطَّريق . لا يتناسب في هذا الموطن أن يقول وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، لأن الموطن هذا موطن غضبُ الرب سبحانه وتعالى وبيان عظمته سبحانه وتعالى, فلا يتناسب مع عظمته سبحانه وتعالى في هذا الموطن إلّا أن يوصف بأوصاف الجلال التي تَدلُّ على القوة والعظمة ,فطلَبَ لهم المغفرة من هذا ، وهذا يدل على رحمة الأنبياء عليهم السلام , وأنَّ الله سبحانه وتعالى جَبَلهم على الرحمة حتى في هذا الموقف الذي نوقن أنه لا يُفيد هؤلاء الذين عَبدُوا غير الله سبحانه وتعالى مثل هذا ,لكنها كما قلنا من رحمة الله . ولهذا قال (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) صدق الأنبياء لا يُشَك فيه,يعني ما هو لازم الخبر الذِّي نحن نستفيد منه من هَذه المُحادَثة أو هذا الأمر الذي يكون بين الله عز وجل وبين أحد عباده وأحد أشرف عباده وهو عيسى عليه الصلاة والسلام. فلمَّا يقول الله هذا هو تنبيه لنا نحنُ الآن , لأننّا نَقرأ هذا الخِطاب (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) سواء صدق الأقوال أو صدق الأفعال, وصدق الأفعال لا شك أنه هو المهم .. فإذا المقصد من هذا الخبر أو أحد مقاصد هذا الخبر هو التنبيه على هذا المعنى (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) فهو المطلوب منا إذا أن نكون مع الصَّادقين لكي يحصل لنا ما ذكره الله سبحانه وتعالى قال (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
ولعلنا نقف عند هذا لانتهاء الوقت سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

لحفظ الملف الصوتي :




---------------------
مصدر التفريغ / ملتقى أهل التفسير (بتصرف يسير) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق