الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

الوقفــ الأولى ــة من جـ 18 / مع قوله تعالى (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)


الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
 فهذه وقفات ثلاث حول الجزء الثامن عشر من كلام رب العالمين -جل جلاله-
- الوقفة الأولى: مع قول الله -جل وعلا- (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) إلى ما بعدهُن من الآيات.
 أمَّا مناسبة الآية لما قبلها : فإن الآية التي قبلها تقول (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) فشِرار الناس من الإنس يمكن ويُرجى أن يُتَّقى شرهم بأن يُدفعوا بالحسنة كما بين الله -جل وعلا- في فُصلت (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) وقال هنا (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) وهذا في حق من يأمر بالمنكر أو يُؤذي من الإنس هذه إحدى الطرائق للتعامل معه فلمَّا ذكر الله هؤلاء ذكر من يأمر بالشر من الشياطين و"من" هنا بيانية فقال (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) والمعنى : لا تسلك أيها النبي في دفع أذى الشيطان كما تسلك في دفع أذى الإنسان فالإنسان قد يُتقى بالحسنى لكن الشيطان لا سبيل لك أن تُحسن إليه لأن الشياطين مُرِدوا على أنهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولهذا قال له لا سبيل أمامك ولا طريق إليك إلا أن تستعيذ بنا منهم فعلَّمه كيف يستعيذ قال له قل (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) و"رَّبِّ" هنا وردت على أنها منادى وتصح أن تتصل بالياء لكن القرآن كله لفظ "رب" إذا جاءت على هيئة نِداء حرف النِداء فيها مسبوق محذوف فإنها لا تُلحق به الياء مع أنه لُغة جائز.
(وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) والمراد نزغاتهم أو وساوسهم وقد قال بعض العُلماء وقد رُوي هذا بإسنادٍ صحيح عن ميمون بن مهران (أن عمر بن عبد العزيز -الخليفة الأموي الخيِّر المعروف- سأل ربه عاماً كامِلاً أن يُريه كيف أو أين موضع الشيطان من قلب بني آدم فبعد عامٍ أُجيب فرأى أحد بني آدم أجوف يعني يُرى باطنه وظاهره ورأى الشيطان فيه على هيئة ضفضع جاءٍ أو واقفٍ في مُوخرته من جهة ظهره وله خُرطومٌ كخرطوم البعوضة مُتدلٍ إلى القلب فإذا ذُكر الله خنس) القِصة من حيث السند صحيحة كما بيَّنا لكن ينبغي أن يُعلم أنه لا يُجزم بهذا لأن هذا غاية الأمر أنه رؤيا لكن يُستأنس به ، والعُلماء إنما يذكرون هذا الاستأناس لأنهم لمَّا ذكروا ختم نبوته -صلى الله عليه وسلم- فالنبي -عليه الصلاة والسلام- خاتم النبوة من ظهره شُعيرات سود إلى جهة الشمال أقرب كأنها قريبة من القلب هذا الذي جعلهم يقولون إن المقصود بالختم الأمان فلو أن أحداً بعث خِطاباً إلى أحد وفيه أوراق لا يُحب أن يظهر عليها أحد ثم ختم هذا الخِطاب أو هذا المظروف بشمعٍ فوصل المظروف إلى من أُرسل إليه فوجد الشمع عليه اطمأن إلى أن هذا المظروف لم يفتحه أحد كما هو معمولٌ في أشياء كُثر منهُن أسئلة الامتحانات ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- شُق صدره وأُخرج قلبه وأُخرج حظ الشيطان منه وغُسل بماء زمزم ثم أُعيد ثم خاطه من شقه وكان الصحابة يرون أثر المخيط ، قالوا إن خاتم النبوة المعنى منه أنه كأنه يُختم من الخلف أن لا سبيل إلى الشيطان أن يأتي قلبه -صلى الله عليه وسلم- ثم اختلفوا -هذا استطراد- في خاتم النبوة هذا هل ولد -صلى الله عليه وسلم -وخاتم النبوة معه أو أُعطي خاتم النبوة بعد ولادته أو بعد شق صدره أو حينما نُبئ؟ وأرجحهن -والعلم عند الله- الثالث وأختاره جمع من العلماء منهم الحافظ ابن الحجر وجزم به القاضي عياض -رحمه الله- ، الذي يعنينا هنا أن الله-جل وعلا- يقول (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) ومعنى "أن يحضرون" أي أن يحضروا أي شيءٍ من أمري لا إذا أتيت أهلي ولا إذا أردت طعامي ولا إذا دخلت بيتي فأنا أستعيذ بك أيها الرب العظيم الجليل أن يحضر الشيطان شيئاً من أمري لأن حضور الشيطان شيئاً من الأمر إنما يريد بحضوره الإفساد (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) فالشيطان عدو لا خلاف في هذا ومع ذلك سمَّى الله -جل وعلا- قال عن الشيطان أنه عدو مبين والمبين هو الشيء الواضح الظاهر والشيطان لا يظهر عداوتنا لكن الله فضحه وهتك ستره وأظهر عداوة الشيطان لعباده قال هنا -جل وعلا- (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) .
ثم جاء الانتقال إلى أخبار ساعة الاحتضار فقال -جل وعلا- (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) مرجعها إلى أهل الكفر والفسوق (جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) المقصود مقدماته وحلت ساعة الاحتضار لأن الإنسان إذا مات لا يتلفظ ، لا يتكلم وإنما المقصود عاين الإنسان الموت (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) والمعنى: ارجعوني إلى الدنيا كرة أُخرى هناك يتيقن ، وقطعاً كل من عاين الموت سيتيقن أنه مقبل على عالم آخر ، وخليفة رسول الله أبو بكر لمَّا أراد أن يجعل عمر بعده خليفة كتب في كتابه "هذا ما كتبه أبو بكر الصديق حال كونه مقبلٌ على الآخرة فقد وليت عليكم من بعدي عمر بن الخطاب فإن أصاب فذاك ظني به وإن غيّر وبدل فلا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا اي منقلبٍ ينقلبون" موضع الشاهد من الخبر قوله "حال إقباله على الآخرة" ولهذا -عياذاً بالله- من لم يتعظ حينها ولم يُرزق رقة وقتها فهذا من القسوة بمكان وما ساعة الاحتضار إلا تحصيل لساعات مضت وأيام خلت وأعمال قد سلفت (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) جاء الجواب (كَلاَّ) وهي كلمة معناها الردع والزجر قال ربنا (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) من الناحية اللغوية معنى الآية أن الكلمة هنا ليست فرداً ، ليست لفظاً مفرداً وإنما جملة تامة المعنى وهذا في القرآن كثير ، الله يقول عنهم (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) قال في سورة الكهف بعد أن ذكر زعمهم قال (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) وهي ليست لفظة واحدة وإنما جملة تامة ، هنا يقولون كما يقول الله -جل وعلا- عنهم (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) قال الله (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) تخلُصاً بدليل أن الله قال في آية أُخرى (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ) والله لو علم الله أن سرائرهم تقبل الطاعة لما ماتوا على هذا لكن خبُثت السرائر فخبُثت الخاتمة ولا سبيل إلى أن يعودوا ولو عادوا لبقوا على ما كانوا عليه لأنه لا يهلك على الله إلا هالك. 
قال ربنا (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) كلمة "وراء" تأتي بمعنى وراء الخلف ، وتأتي معنى كلمة وراء بمعنى الأمام ومنها هذه الآية فإن الله يقول (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ) ومعلوم أن حياة البرزخ ليست قد مضت وانتهت وإنما هي في مقتبل ما سيرونه ، وتأتي أحياناً بمعنى غير ومنه قول الله -جل وعلا- (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ) أي غير ذلك من المحصنات ومن المحرمات.
 موضوع الشاهد: الله يقول (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) "البرزخ" في اللغة : الفاصل بين الشيئين كما أن وادي مُحسر برزخ ما بين منى ومزدلفة ، ويقول الله عن البحر (بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) ، هنا (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) حياة البرزخ الناس يرون الموتى ، يرون القبور عليهن رملٌ مسنم ويرون آية علامة حجر يدل على أنه قبر ويظنون أن صاحب الجسد لا يفقه شيئاً مما يقع حوله نعم لكن هو نفسه يعيش حياة أُخرى ، بموتك تنتقل من مرحلة إلى مرحلة ، من حياة لحياة لو قيل لأي جنين في بطن أمه اليوم أن الحياة الدنيا فيها وفيها وفيها ما نحن فيه لا يُصدق ، فذلك ما سنُقبل عليه شيء آخر ، عوالم لا تنتهي ، أقوام يُعذبون وأقوام يُنعمون ، أقوام يشعرون أنهم في ضيق وأقوام يشعرون أنهم في سعة ، هذا يُرض رأسه وهذا تُشقق شفتاه ، وهذا يُصنع به وهذا يُلقى ، الله -جل وعلا- يقول عن آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) هذا قبل يوم القيامة ثم قال (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) وهذا كله ويجب أن يُفقه أن تعرف أن البرزخ حياة ما بين الحياة الدنيا وحياة الآخرة وأنها عالمٌ ومرحلة لابد من خوضها وإتيانها عافانا الله وإياكم فيها . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق