الثلاثاء، 12 مارس 2013

موضوعات سورة البقرة (١- ١٢٣)


د.محمد بن عبد العزيز الخضيري
 

إنَّ الحمْدَ لله نَحْمَدُه ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا مَن يهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَه، ومَن يُضْلِل فَلا هادِيَ لَه، وأشهدُ أن لا إلَهَ إلاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبْدُهُ ورسولُه صلّى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمّا بعد:
 تحدثنا في المجلس الماضي عن سورة البقرة، وبيّنّا اسمها، ووجه التّسميةِ بذلك الاسم وبقيّة الأسماء، وذكرنا مكانَ نزولِها، وذكرنا عددَ حروفها وكلماته وآياتها، ثم تحدثنا بعد ذلك عن فضائلها، واليوم نتحدّث عن موضوعات سورة البقرة.
 هذه السورة العظيمة نُلاحظ أنّها اشتملت على موضوعات كثيرة جدّاً، ومَن يقرؤُها قد يشعر بأنّ هذه الموضوعات منتشرة، وأنّها متفرِّقة، وأنَّهُ لا رابِطَ بينها، ولكنَّنا - إن شاء اللَّه - بعد هذا العرض الَّذي سنعرِضُهُ في هذا الدّرسِ - إن شاء اللَّه - سيتبيَّنُ لنا كم هي هذه السّورة متلائمة ومتناسبة ومترابطة، وفيها من الحكمة في وضعِ كُلِّ شيْءٍ في موضعِه قبلَهُ ما يخدمه ويعينُ على فهمه، وبعدَهُ ما يُلائمُه بما يجعل الإنسان يندهِشُ من عظمةِ هذا القرآن، ويشعر أنَّهُ بالفعل أمام سورة تستحقّ الكثير من التأمُّل، وأنَّها فُسطاط القرآن، وأنّها سنامُ القرآن - كما سُمِيت -، وأنّها جامعة الشّريعة، أو - كما عبّر بعضُ العلماء - كُلِّيَّة الشريعة، فقد جُمِعَت فيها الشريعةُ كُلُّها؛ بعقائدِها بعباداتِها معاملاتِها أقضِيَتِها، وأحكامِها، كُلُّ ذلك في هذه السّورة على نسَقٍ بديع، وما سنقولُهُ فيها لا يبلُغ أحبَّتي الكرام إلاّ نَزْراً يسيراً من قيمة التّفَكُّر في هذه السّورة من الكلام والإبانة، وإلاّ لو أردنا أن نتحدّث بشكلٍ مُفَصَّل، وأن نذكُر ما ذكرَهُ أهل العلم في هذا المَيْدان، وأن نتبيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ بشكلٍ دقيق لأخذ منّا ذلك وقتاً طويلاً، ولكن - كما قيل -: (يكفي من القِلادَةِ ما أحاطَ بالعُنُق).
 افتحوا المصاحف، أرجو أن يكون معكم المصاحف حتى نأخذ السورة آية، آية، ونحاول قدرَ المُسْتَطاع أن نُبَيِّن كيف انتظمت موضوعات هذه السورة.
/ افتُتِحَت هذه السورة بالحروف المقطّعة، والحروف المقطّعة - كما تعلمون - اختلف فيها العلماء، ما هي؟ وما حكمتُها؟ والأقوال في ذلك كثيرة جدّاً: منهم مَن تأوَّلَها، ومنهم مَن أعرض عن تَأَوُّلِها، وأصحُّ الأقوالِ فيها: أنّها حروفٌ لا معنى لها في ذاتِها، لكن لها حكمة ومغزى، فقد جيء بها؛ لِيُقال: إنَّ هذا القرآن مُؤلَّفٌ من هذه الحروف الّتي تنطِقون بها، وتتكلَّمون بها، وتُؤلِّفون كلامكم منها، ومع ذلك لا تستطيعون أن تأتوا بمثلها، ثمّ أنّ في هذه الحروف المقطّعة نوع من أنواع لفت الانتباه، فكأنّ الإنسان كان شارِداَ الذِّهن يتحدّث مع زميلِه أو صاحبِه، أو في منتدًى من المنتديات الكفار التي كانوا فيها فتأتي هذه الحروف؛ لِتُنَبِّه، وتوقِظ وتحاوِل أن تُحْدِث نوع من الصّوت الّذي يجعل الإنسان ينتبه إلى مُخْبِرِه ومتحدِّثه فيقول: ما هذا وما هنالك ؟
( الم) قال العلماء: " إنَّما يدلّ على صِحَّةِ ما قلناه من أنّ هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتِها، ولكن لها مغزى هو: "أنّه ما ذُكِرَت هذه الحروف المقطّعة في السُّور، السور 29 في القرآن الكريم إلاّ وذُكِرَ بعدها القرآنُ الكريم " انظر (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) فذُكِرَ الكتاب
 وذُكِر (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)
 (يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)
 (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) ... إلخ ما هنالك من الحروف الّتي ذُكِرَت وذُكِرَ بعدها القرآنُ الكريم. ممّا يدلّ على أنّ لهذه الحروف ارتباطاً بحقيقة القرآن ووجه التّحدّي به.
 / بعدما ذكر هذه الحروف المقطّعة واستفتح بها قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) يُشير إلى الكتاب الفاصل البعيد لرفعته وعلوّ منزلته ، (لاَ رَيْبَ فِيهِ) لا شكَّ فيه هو من عندِ اللَّه. يعني: فخذوه أخْذَ المُتَيَقِّن أنَّهُ من عندِ اللَّه، وأنّ جميع ما فيه من الأوامر والنّواهي قد جاءتكم من عندِ الرَّبّ العظيم الخالق الّذي يأمُرُكُم فليس من حقِّكم أن تعترِضوا، ولا أن تترَدَّدوا، ولا أن تشكّوا .
/ ثمّ بيَّنَ حقيقَتَهُ فقال: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) يهدي، يهدي مَن؟ مَن اتَّقى اللَّه، فمَن وقر في قلبِهِ تقوى اللَّه صار هذا الكتابُ هِدايةً له، ومَن لم يخَف من اللَّه، ولم يُعَظِّم اللَّه، ولم يقع في قلبِهِ خشيَةُ اللَّه؛ فإنَّهُ لا ينتفِعُ بهذا القرآن (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) [ق:45] (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37].
بدأ أوَّل ما بدأ بصفات المتّقين ، وكان في بدايةِ هذه السّورة قسّم النّاس إلى ثلاثةِ أقسام:
 - أُناسٌ قَبِلُوا القرآن، واهْتَدَواْ به، فذكر صفاتهم.
 - وأُناسٌ رَدّوه رَدّاً كامِلاً وأعْرَضوا عنه إعْراضاً تامّاً.
 - والصّنفُ الثّالث: بين هؤلاء وهؤلاء ، فهم ردّوه بالباطن وقبلوه في الظّاهر - وهؤلاءِ هم المنافقون - .
 هذه أصنافُ النّاس بالنّسبة لهذا الكتاب الّذي ذكره الله فقال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) هذا الكتابُ الَّذي لا رَيْبَ فيه النّاس مواقفهم منه على ثلاثةِ أصناف :
 - منهم مَن قبل ؛ وهم : المُتَّقون ؛ الّذين وصفهم اللَّهُ بقوله : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)).
(*1) فأوْجد صفاتَهُم وأعمالَهُم، ثمّ ذكر جزاءَهُم في أربع آيات.
/ ثمَّ انتقل بعد ذلك إلى الّذين أعرَضوا عنهم، وهؤلاء ذكرَهُم في آيَتَيْنِ فقط ذكر صِفَتَهم، وأنَّهُ ما منَعَهُم من الأخْذِ بهذا القرآن، أيُّ حُجَّةٍ أو برهان، أو دليل، ولكن هو الإعراض لذات الإعراض كِبْراً واتِّباعاً للآباء، وعدم انْصِياعٍ للحقّ، وخِذْلانٍ من الله - سبحانه وتعالى - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7)) فذكر صِفَتَهُمْ وأنَّهُمْ رَدّوا الحقّ وأنّه جِئْت بالنِّذارة أو لم تأتِ بِها، أتيت بالدليل أم تَركْتَه، الكُلّ سواء عنْدَهُم، لن يُغَيِّروا ما هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الباطِل والكُفْر، وما ألِفوه ووَرِثوه عن آبائِهِم. ثمّ ذكر جزاءَهُم؛ فقال: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) .
/ ثمّ انتقلت الآيات إلى صَنْفٍ ثالث مُعَقَّد ترْكيبَتُهُ صعبة، آمن في الظّاهر ولم يُؤمن في الباطن، قَبِلَ الحقّ ظاهِراً وكفر باطِناً؛ وهذا أشَدُّ من الصِّنف الثّاني، وأسْوَأُ منه؛ لأنَّ الصِّنف الثّاني كان صريحاً وواضِحاً في ردِّ الحقّ ظاهِراً وباطِناً، أمّا الصِّنْف الثّالث: فهو مُتَلَوِّن يُريد أن يستفيد مِمّا عندَ المؤمنين من العِزّ والغنائم، ويُريد أن تبقى حياتُه على ما هي عليه، وفي الوقتِ ذاتِه هو لم يُؤمن، ولم يستسلم، ولم ينقَدْ لِهذا الدّين انْقياداً باطِناً، وهؤلاءِ هم المنافِقون قال: (وَمِنَ النَّاسِ) أي: أمام هِداية القرآن (مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ظاهِراً وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) المشكلة عنْدَهم هي هذه : أنَّ قلوبَهُم مريضة ولمّا كانت مريضة زادهم الله بلاءً من جنسِ البلاءِ الّذي أوْقعوهُ في قلوبِهِم فَزادَهُمْ مَرَضاً قال: (فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً)  ثمّ ذكر جزاءَهُم وعقوبَتَهُم (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).  لمّا ذكر جزاءَهم؛ كأنَّ الحال يقول: هؤلاء لا نكاد نعرِفُهم صفهم لنا يا ربّنا.
 فاستطردت الآيات وأطنبت في ذكرِ أوْصافِهم؛ لأنَّ المنافق لا يُعْرَف من لسانه، ولا يُعْرَف من أفعاله؛ إنَّما يُعْرَف من صفات تُتَلَمَّح فيه؛ إذا تأمَّلْتَها عَرَفْتَها فيه؛ هذه الصِّفات تحتاج إلى تدقيق، وإلى بُعْدِ نَظَر، وإلى تَأَمُّلٍ شديد. ولذلك القرآن استطْرَدَ كثيراً في ذكرِ صِفاتِ المنافِقين؛ وما زال يذكُرُ لنا خَباياهم وأسرارَهم وما في نُفوسِهم، وطرائِقَهُم في الحديث، وكيفِيّة كلامِهِم مع رسولِ الله، ومع المؤمنين؛ حتى أعذَرَ وأنذَر، وبان لنا بذلك مَن هم هؤلاءِ المنافِقون؛ مثل ما قال الله - عزّ وجلّ - في سورةِ محمَّد: (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد:30] إذاً: لو نشاء لَأَرَيْناكَهُمْ يا محمّد! نحن لم نُرِكَ إيّاهم؛ طبعاً هذا عندما نزلت هذه الآية كان النَّبِيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا يعرفُهُم بِأعيانِهم، ولكِنَّ الله - عزّ وجلّ - بيَّنَ لهُ أنَّهُ سَيعرِفُهُم بِلَحْنِ القَوْل؛ يعني: بطريقتهم في الكلام؛ ماذا يسألون؟ وعن ماذا يتحَدَّثون؟ ما هو حالُهُم في المعارك؟ بِما يتكلَّمون؟ ماذا يقولون؟ كيف يُخذلون؟ عندما تأتي الغنائم كيف تكون أصواتهم؟ وعندما تأتي الحرب والشِّدّة كيف تكونُ حالُهم؟ هذه الأوصاف قد ذُكِرَت بشكلٍ مُفَصَّل في القرآن ولذلك قال: (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد:30] يعني: في رمزِ القول وإشارتِه وفيما يُفْهَم من الكلام فَهْماً .. لا صراحةً؛ لن يقولوا يا محمّد! نحن نشهد أنَّك كاذب، أو أنَّك لَسْتَ رسولَ الله؛ لن يقولوا هذا، بل يقولونه كما قال الله - عزّ وجلَّ - عنهم: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ) كما شَهِدوا هم ولكن بِضِدّ ما شَهِدوا: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). ذكرت الآيات هذا الصِنْف وضربت له أمثالا تُبَيِّن حقيقَتَهم وحالَهم الّتي يعيشوا فيها: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ).
/ لمّا انتهت من تصنيفِ النّاس في موقِفِهم من القرآن؛ بدأت بعدَ ذلك بذِكرِ الحقائق، وبدأت بأوَّل حقيقة وهي حقيقة التّوحيد، قال الله - عزّ وجلّ-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فذكر الله - عزّ وجلّ - هذه الحقيقة العظيمة، وهي حقيقة التّوحيد. وتأمَّلوا! مع أنّ هذه السّورة سورة مدنيّة؛ جاء فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في مواطِنَ كثيرة، وفي هذا الموْطِن نودِيَ النّاس بصفتهم ناسا لأنّ القرآن جاء للنّاسِ جميعاً، ولأنَّ هذه الدَّعْوة مطلقة للجميع؛ للمسلمين وللكُفّار، ولليهودِ والنّصارى، وللمنافقين، ولكُلِّ الأطياف (اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ) ما قال: ( اعبدوا الله ) وهذا عجيب. يعني: كأنَّه أراد أن يُبَيِّن وجْهَ الأمر في إفرادِ اللهِ بالعبادة؛ لماذا يُفْرِدُ الله بالعبادة؟ قال: لأنَّهُ ربّكم، فالرَّبّ هو الّذي يستحقّ أن يُعْبَد؛ ولذلك ما قال: (اعبُدوا الله)؛ لأنَّ المطلوب أن يُذْكَر في الأمر الدّليل المُقْتَضي لِهذا الأمر فقال: (اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ) ثمّ زادَه وبيَّنَه فقال: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، ثمّ زاد في الأدِلّة: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ) كلّ هذه دلائل ربوبيّة تستلزم أن يُوَحِّدَ الإنسانُ رَبَّهُ توحيدَ الألوهيّة، وأن لا يصرِفَ شيْءً من العبادة إلاّ لله - جلّ وعلا -؛ ولذلك ختَمَها بِضِدِّ ما بَدَأها به. فبدأها بالأمرِ بالعبادة، وختَمها بقولِه: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
 هنا قد يأتي الإنسان شيء من الشّكّ. هذا الأمر الجازم الحازم القوي الواضح جاء في ثَنِيّاتِ هذا الكلام، فهل هذا الكلام من عندِ الله؟ تُزال الشُّبهة مباشرة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
/ ثمّ جاء الوعيد والوعْد على عادة القرآن في المُزاوجة بينهما: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..) إلخ هذا الوعْد الكريم - نسألُ الله برحمته أن يجعَلَنا من أهله-.
/ ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - حقيقة يجب أن يعلَمَها كلّ مَن يريد أن يقرأ هذه السّورة العظيمة؛ لأنَّها سورةٌ ضُربت فيها أمثال كثيرة. قال ابنُ عَطِيّة: "فيها خمسةَ عَشَرةَ مَثَلاً" والله - عزّ وجلّ - هنا يُقَرِّرُ هذه الحقيقة لئلا تستغْرِبوا، ولئلا لا تستنكِروا، ولِئلا يَرُدّ رادّ أو يعترِض معترض (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا) أيَّ مثل! (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) لأنَّ المقصود ليس هو المُمَثَّل به؛ المقصود:  الاعتبار بالمَثَل، والنَّظَر إلى الحكمة من وُرودِه وليس النّظر إلى أفرادِه وجزئيّاته. أي لا تقول لإنسان لماذا تضرب مثلاً في الذُّباب، أو البعوضة؟ يا أخي المقصود أن تفهَم وأن تصل للحقيقة سواءً عبر ذُباب وإلاّ جبل؛ ولذلك قال الله - عزّ وجلّ - في سورة الحجّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج:73]، وذكَر المَثَل الآخر في سورة العنكبوت لمّا قال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41]، -لا إله إلاّ الله- يضرب مثلا لِمَن اتّخذ وَلِيّاً من دونِ الله بالعنكبوتِ الّتي اتّخذت بيتاً، هذا البيت لا يقيها من حرّ ولا من رّيح، ولا بَرْق، ولا مطر، ولا عدوان مُعْتَدٍ ، لو أنَّ إنْساناً رفع يدَهُ أو إصبَعهُ عفواً وخطأً فمرَّ ببيتِ العنكبوت لهدَّمَهُ كُلَّه، أليس كذلك؟ لا يغني شيء؛ ولذلك قال الله فيه واصِفاً إيّاه: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، بل قال بعض المعاصِرين: هذا بيت العنكبوت الّذي يظهر أمام الأعْيُن، بل بيت العنكبوت الاجتماعي هو أوْهَن بيت على وجهِ الأرض، فإنَّ العنكبوت الأُنْثى إذا لقَّحها الذّكَر قامت عليه فقتله، قتلته شرّ قِتلة، ثمّ أكلته يقول: هو مُهدم حتى معنوِيّاً واجتماعياً؛ ولذلك قال الله: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .
 وهنا يعني أُحاول أن أذكر لكم شيء ذكره العلماء من باب الأدب مع القرآن قالوا: "لا ينبغي للإنسان أن يتعدّى حدود القرآن، فيقول: هذه الحُجّة أوْهَن من بيت العنكبوت؛ لأنّ الله قال: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) فكيف تتعدّى حدود الله وتقول: هذه أوهن من بيت العنكبوت" ما فيه شيء أوهى ولا أوهن من بيت العنكبوت .
/ المهمّ أنَّ الله ذكر هذا الأمر؛ لتكون حقيقة بين يدَيْ مَن يقرأ هذه السّورة ،انتبه! ستمرّ بأمثال؛ لله أن يضرِب المَثَل بِما شاء؛ كما يشاء؛ المهمّ: أن تتصوَّرَ الحقيقة، وتفهَمَ المُراد، وتستفيد وتعتبر بغضّ النّظر عن جُزئيّات ذلك المثل؛ ولذلك قال الله - عزّ وجلّ - مُبَيِّناً أحوالَ النّاس أمام أمثال القرآن (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) يضرب الله الأمثال بمثلِ هذه الحشرات؛ كالبعوضة والذُّباب، والنّمل .. وغيرِها؛ لتكون فتنة للنّاس لِمَن أراد، لِمَن كان في قلبِهِ مرض فيَرُدّ الحقّ بمثلِ هذه الشُّبُهات.
/ ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - أمراً عظيماً هو بمثابةِ المقدَّمة لِقَبول هذه السّورة، وهي:  أنَّ هذه السّورة عَهْدٌ وميثاق بين الله وبين العبد؛ فإيّاك يا عبد الله! أن تنْقُضَ عهدَ الله. ولذلك قال الله: (الّذينَ يَنْقُضونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَيَقْطَعونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَل وَيُفْسِدونَ في الأرْض أُلولائكَ همُ الخاسِرون)  ثمّ عاتب الله أولئك الكافرين فقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .
/ ثمّ ذكر فضله على عباده وتمامَ نعمَتِهِ على خَلْقِهِ بقولِه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وإذا كان هو الخالق فله أن يأمُر بِما شاء، وأن يحكم بِما شاء، وأن يَقْضِيَ ما شاء، فليس لأحدٍ أن يخرُج عن قضائه، أو يُخالِف أمرَه، فأنتم عبادُه، ويجبُ عليكم أن تكونا فقراءَ بين يديْه.
/ لمّا انتهى من هذه المقَدِّمات المهِمّات؛ كأنَّهُ الآن بدأ يذكر لنا الحقيقة الأولى: مَن نحنُ كيفَ بدَأْنا؟ لماذا جئنا إلى هذه الأرض؟ ما قصّةُ خَلْقِنا؟ وما قِصَّةُ إخراجِنا من المكانِ الأوَّل الّذي وُجِدْنا فيه؟ فذكر الله - عزّ وجلّ - هذه القصّة بشكلٍ مبدَئيّ؛ لِيُبَيِّن كيف أنَّ العباد خُلِقوا لأجلِ غايةٍ معيَّنة، وأنَّهم متى أخلّوا بهذه الغاية فمصيرُهم إلى الهوانِ والذُّلّ! وكيف أنَّ إبليس خسِر خسارة عظيمة أبديّة بسبب استكبارِه وعُلُوِّه! فإيّاكم! يا مَن تسمعون هذه السّورة أن تستكبِروا على الله، وأن تَتَعالَواْ على أمرِه، وأن تَرْبَؤا بأنفُسِكم على أن تَنْصاعوا وتنقادوا لأوامره - جلّ وعلا -؛ ولذلك ذُكِرَت هذه القصّة، وذُكِرَ فيها أمر عظيم جدّاً، وهو ما ميَّزَ الله به آدم عن بقِيّةِ المخلوقات: مَيَّزَهُ بالعلم (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ) فدلّ ذلك على أنَّ الإنسان قيمتُهُ قيمةُ ما يتعلَّمُه، فإن تعَلَّمْتَ خيْراً فَعَمِلْتَ به؛ حصَّلْتَ الخَيْرَ كُلَّه، لو كان هناكَ شَيْءٌ تُرْفَعُ به درجةُ آدم على مَن أراد الله أن يرْفَعَ درجتهُ عليه أفضل من العلم لَجَعَلَهُ الله في ذلك الموطن، فدلّ ذلك على فضل العلم. ولذلك: مَن أخذ بهذه السّورة وتعلَّمَها فقد تعلَّمَ خيراً كثيراً، ونالَ حظّاً وفيراً.
/ ثمّ ذُكِرَت قصّة آدم في إخراجِه من الجنّة كانت بسبب معصية؛ آدم أبونا خرج من الجنّةِ بسبب المعصية؛ لمّا خالف أمراً واحداً من أوامرِ الله؛ فاحذروا يا عباد الله! إن خالفتم أمراً من أوامرِ الله أو نقضْتُم عهداً من مواثيقِ الله، فإنّ جزاءكم الطّرد والإبعاد فاحذروا! وهذا مقدِّمة بين يدَيْ قصّة بني إسرائيل؛ فإنَّ بني إسرائيل كانت قضِيَّتهم هي هذه، وهي: أنّهم قوْمٌ جاءهم كتابٌ من عندِ الله أنعم الله عليهم، وأعطاهم ما لم يُعطي أحداً، فضَّلَهم على سائرِ العالمين عَصَوُا الله ، استنكَفوا استكبروا، آذوا رسُلَ الله ، تَلَكّؤا ، تباطَؤوا ، لم يستجيبوا ، انقلبوا ، كفروا ، استعملوا السّحر، قتلوا الأنبياء. سلبهم الله - عزّ وجلّ - النِّعم الّتي كانت عليهم، أذاقهم مُرَّ العذاب أنزل عليهم الذِّلّة والمسكنة، باءوا بِغَضَبٍ من الله ، فرَّقهم الله في الأرض فلم تكن لهم دولة في ذاك التّاريخ كلّه، سلبهم الله - عزّ وجلّ - ذلك التفضيل الّذي فضّلهم من بينِ سائرِ العالمين في زمانهم (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الجاثية:16] سُلِبوا ذلك فصاروا أحقر الأُمم وأرمَلَها.
/ خُلِقَ آدم وأكرمه الله بأن جعلَهُ في الجنّة، وأخذ عليه عهْداً بألاّ يعْصِيَه فعصاه فأُهبط، فانتبه أنت ألاّ تقع فيما وقع فيه أبوك. إنّ الواجب عليك الآن: أن تعود إلى المكان الّتي أُهبطت منه، والعَوْد إلى ذلك المكان يحتاج منّي ومنك إلى جُهْدٍ كبير. العَوْد: صعودٌ في سُلَّم الأعمال الصّالحة والحسنات الرّافعة؛ حتى تصل إلى الله - سبحانه وتعالى - وإلى جنّته.
/ لمّا انتهى من هذا المشهد وكانت هذه السّورة قد نزلت في المدينة، وكان الصّحابة قد خالطوا أُناسا لم يكن بهم عهد، ويحتاجون إلى أن يتعرَّفوا عليهم ويعرفوا سيرَتَهم؛ لأنّهم أصحابُ كتاب، وعندَهم حُجّة، ولديهم علم، ليسوا مثل الأوّلين أهل مكّة، وليسوا مثلَ كُفّار أهلِ المدينة، بل هم صِنفٌ متمَيِّز، عندَهم كتاب، عندهم حُجّة، ولديهم تاريخ؛ فأراد القرآن أن يُعَرِّفَ هؤلاءِ الصّحابةِ بهؤلاءِ الجيل أو بهذه الأُمّة، وأن يَحْكِيَ لهم قِصَّتَهم، وكيف أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أزال عنهم ذلك الخير الّذي كان عندَهم.
 فبدأت الآيات بِلُطف ومودّة وجمال، ولين، وعطف، ورحمة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) الرّبّ يقول لعباده: (اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) عندما فضَلْتكم على العالمين وعندما بعثْتُ فيكم أنبياءَ كثُر، وجعَلْتُكم ذَوي رسالة، وأنقذتكم من أعظم وأضخم عدوّ عرفتهُ البشريّة في عُتُوِّه وجبروته ( فرعون ) الجبّار، وأهْلَكْتُهُ على مرْأً منكم (اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) تأمّلوا كلمة: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) هذا هو سرّ سورة البقرة. يعني: يا مَن نزلت فيهم سورة البقرة (أوْفوا بِعَهْدي أُوفِ بعهدِكم وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي: خافون. (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ) آمِنوا بهذا الكتاب الّذي أُنْزِلَ على محمّد وهو مُصَدِّق لِما جاء في كتبكم فقد قامت عليكم بذلك الحُجّة؛ كما قال الله - عزّ وجلّ -: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) [البينة:5] بِم أُمِرْتُم في القرآن؟ أُمرتم في القرآن بما أُمِرْتُم به في التّوْراةِ والإنجيل، فما الّذي يدعوكم إلى أن تُكَذِّبوا بهذا القرآن؟ ما الّذي جاء به القرآن ممّا يستحقّ أن يُكَذَّب؟ واللهِ إنّ ما في هذا الكتاب ليُصَدِّقُ ما في كتابِكم تماماً بتمام، وسواءً بسواء.
(وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) يعني: إيّاكم أن تُؤثِروا العاجل على الآجل؛ لكي لا تذهب رئاستكم، وتخافون أن تذهب المناصب عنكم، تقولون: أبداً ليس هذا هو الرّسولُ الموعود، ولا النّبيّ المُنْتَظَر الّذي جاءت يهود إلى أرضِ المدينة تنتظره، وتبحث عنه، تترقَّب مجيئَه، فلمّا جاء كفروا به (لاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) من أجل الدّنيا تبيعون حظَّكم من الآخرة .
(وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وهذا سرّ من أسرار سورةَ البقرة؛ لأنّك الآن ستُلاحظ (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) هذه حقيقة التّقوى (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) أي: اتّقونِ ولا تتّقوا أحداً سِواي، أو أفرِدوني بالتّقوى، وهذا سرُّ سورةِ البقرة. بدأت سورةُ البقرة بقوله: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وما زال التّقوى والمتّقون يُذْكَرون في سورة البقرة؛ حتى بلغت التّقوى في سورة البقرة ستّاً وثلاثينَ مرّة يعني: كأنّها قريب من عدد صفحات هذه السّورة؛ كأنَّنا في كلّ سورة في كلّ صفحة نواجه أمراً بالتّقوى. فحقيقةُ سورة البقرة (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وهناك قال: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
/ ثمّ ذكّرَهم بأمر وقد وقع منهم بالفعل: (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) لا تخلِطوا الحقَّ بالبطل بل اذكروا الحقَّ صافياً غيرَ مُلبس بشيْء من الباطل. (وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ) في نبوِّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم وفي الكتاب الّذي أُنْزِلَ عليه (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) نُبُوَّتَه.
/ ثمّ ذكّرَهم بِما أُمِروا به في التّوْراة وفي الإنجيلِ أيْضاً (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ثمّ يُخْتَم هذا التلطُّف بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) يعود مرّة ثانية بلطف بتحنُّن بتودُّد لعلّ الله أن يهدِيَهُم، لعلّ صُدورَهم أن تنشرِح لهذه الدّعوة الرّبّانِيّة الرّقيقة الحليمة الرّاقِية الرَّفيقة الدّافئة العظيمة (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) جعلتكم خيرَ أهلِ زمانِكم (واتّقوا) يُعاد الأمر بالتّقوى، لكن مرّة تقوى لله، ومرّة تقوى من اليوم الّذي ستُلاقون فيه الله (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ).
/ ثمّ ذكر نعم الله عليهم على وجه التّفصيل:
- (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) هذه واحدة.
- (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) شفينا صدورَكُم من عدوِّكم، وقهَرْنا ذلك العدوّ أمامَ أعيُنِكُم .
- وأعَدْنا موسى أربعين ليلة لكي يأتِيَكُم بالكتاب من عندِ الله - عزّ وجلّ - ثمّ أذنَبْتُم (اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ) تُبْنا عليكم مع أنَّكم أذنبتم ذنباً عظيماً تستحِقّونَ عليه العقوبةَ البالغة، ولكنَّ اللهَ تابَ عليكم رحمةً منه بكم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
 - (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) نعمة.
 ثمّ ذكر صفةَ توبَتِهم، وكيف تاب الله عليهم!
- ثمّ قال: وإذ قلتم أيضاً (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) هذا ذنبٌ آخر وقعتم فيه يُضاف إلى الذّنب الآخر الذّنب الأوَّل وهو: ( الشرك ) (قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) فمُتُّم (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يعني: المرّة الأولى أشركتم، فتبنا عليكم، والمرّة الثانية: طلبتم طلباً بشيعاً فظيعاً؛ فتُبنا عليكم، وأحيَيْناكم بعدَ ما نزلت عليكم صاعقةُ الموت الّتي أماتتكم.
- وأيضاً: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) عندما كنتم في أرضِ التّيه وبقيتم أربعين عاماً تدورون في أرضِ سَيْناء، وأنزَلْنا عليكم في تلك الأرض المَنَّ والسَّلْوى طعاماً ليس فيه تعبٌ ولا جَهْد. (كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
ولمّا ذكر هذا، بدأ يذكر بعض سَوْآتهم ويخلطها ببعض النِّعم الّتي أنعم الله بها عليهم:
 (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) وعدكم الله وُعود كريمة إذا امتَثَلْتُم أمره ودخلتم الأرضَ المُقَدَّسة الّتي أمرَكم الله أن تدخلوها (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) فبدّلْتم وغَيَّرْتم، فبدل أن تسجُدوا أخذتم تزحفون على أدبارِكم، وبدل أن تقولوا: اُحْطُطْ عَنّا ذُنوبَنا. قلتم: حبَّة في شعيرة، أو حِنطةٌ في شعيرة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) .
 - ثمّ ذكَّرَهم الله بنعمة أيضاً أخرى لمّا كنتم في أرضِ سيناء أصابكم العطش، فأجرى الله لكم نعمةً في آية، كان مع بني إسرائيل حجر يضربه موسى بعصاه؛ فينفجر منه اثنا عشرة عين؛ اثنا عشر عين على عدد أسباط بني إسرائيل؛ فيشربون منها لا يختلفون حتى يرتَووا (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ) أي: كُلُّ سِبْطٍ من أسباطِ بني إسرائيل (مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) 
 - (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) يذكُرُ الله بعض تأبيهم، وعِنادِهِم كثرة اقتِراحاتهم، وعدم قناعتِهِم بِما يَرْزُقُهُم الله، يُعطيهِم اللهُ الأعلى فيطلُبونَ الأدنى، يُؤتيهِم اللهُ - عزّ وجلّ - الجميل فيطلبونَ القبيح، آتاهم المَنّ والسَّلْوى، وطلبوا ماذا؟ طلبوا البصل، والفوم، والعدس (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) المنّ والسّلوى كان يأتيهم من السّماء. المنّ ينزل على الأشجار فيأكلونَهُ مثل الزبد حلو مُغَذّي كامل التّغذِية. والسّلوى: طير يصيدونَهُ وكثير يكثر فيهم حتى إنّهم يأكلون منه ويشبعون. مَلّوا، سَئِموا هذه النِّعمة لِما طُبِعوا عليه من شدّة الضَّجَر قالوا: لا، نُريد نجلس ونزرع ونستنبط الماء من باطن الأرض، ونزرع بصل، وكُرّاث، وبقل، وحنطة، وشعير ونتعب ونكِدّ ونكدح، نحن ما نلْتَذّ حتى نكدح. تأتيهم النِّعمة سهلة سمْحة؛ يأْبَوْنَها. إذا كان هذا مُقابل نعمِ الله المادِيّة، فما هو ظَنُّك بهم إذا جاءتهم الهداية الرَّبانِيّة؟ إنَّ تأبّيهم سيكون أشدّ وأعظم وأنكى؛ ولذلك قال لهم موسى - عليه الصّلاةُ والسّلام -: (اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) "مصر" هنا ليس المراد بها مصر المعروفة، لو كانت مصر المعروفة لقال: (اهبِطوا مِصْرَ فإنَّ لكم ما سألتم) ليكون ممنوع من الصّرف للعلميّة والتأنيث. أمّا هذه لا، اهبِطوا أيَّ أرْضٍ تجدونَ الذي سألتم. أيَّ مِصْرٍ من الأمصار.
/ ثمّ قال الله؛ مُبَيِّناً ما حلَّ بهم من العقوبة بِسببِ ما هم فيه (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) لماذا؟ (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) نرجع مرّة أخرى إلى حقيقة التّقوى (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ، (اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ،(اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) ، (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) .
/ ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - أيضاً شيئا مما أخذه عليهم قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . هذا كأنَّه خِطاب للأُمّة المُحَمَّدِيّة (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) يا أمّةَ محمّد، هو خطاب لبني إسرائيل لكنَّها إشارة إلى أمّة محمّد (وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ) أي: ما في هذا الكتاب الّذي آتَيْناكم (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم) يا بني إسرائيل (مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ) يذكِّرهم بتاريخهم، وما حدث منه من الذّنوب العظيمة والمعاصي الكبيرة، وأيضاً قصَّتُكم مع موسى عندما اختلفتم في القتيل، مَن هو الّذي قتله؟ فجئتم إلى موسى فاستخبَرْتُموه، فأمرَكم أن تذبحوا بقرة، فقلتم له مقالةً قبيحة (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) هل يُعْقَل أنَّ نبيّ من أنبياء الله يتَّخِذ آياتِ الله وأوامره هُزُواً ويستهزئ بالنّاس؟ (قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ، ولمّا أمرَهم لم يمتثِلوا مباشرةً، بل تلكَّؤا وتباطَؤوا، وبدأوا يُكْثِرون من الأسئلة ويُشَدِّدون؛ حتى شدَّد اللهُ عليهم، وفي هذا عبرةٌ ودرس لِأُمَّةِ محمّد أن يأخُذوا أوامِرَ الله مباشرةً ويستسلِموا ويُسارِعوا بالامتثال من دونِ تباطُءٍ ولا تلَكُّأ، فأخذوا يسألوه: (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ) (مَا لَوْنُهَا) (مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) وما تزال الآيات تنزل بالتّشديدِ عليهم؛ حتى قالوا: (وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) فهداهم الله، فامتثلوا أمرَ الله فذبحوا البقرة وضربوا القتيل بجزءٍ منها فأحياهُ اللهُ - عزّ وجلّ - وقال لابنِ عَمِّه أنت قتلتَني، ثمّ مات.
/ قال الله - عزّ وجلّ - (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ) مع هذه الآيات، ومع هذه العِبَر والعِظات كانت قلوبكم قاسية، بل اشتدّت قسوة، وصارت أشدّ من الحجارة؛ كما قال اللهُ - عزّ وجلّ-: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ).
 إذاً العبرة والعِظة والسّرّ في قسوة القلوب؛ عندما تقسو لا تمتثل أمرَ الله، وعندما تقسو لا تخافُ الله ولا ترهبه، وعندما تقسو لا تتّقي الله، فلا ينفعها قرآن، ولا يمكن أن تمتثل لأمر الله وتُسرِع بالاستجابة له.
/ ثمّ ذكر شيْءً من مخازي معاصريه. بعدما ذكر المتقَدِّمين ذكر المعاصرين، فماذا قال الله؟ قال: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا) يعني: كان منهم مَن هو منافق (وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ) أي: لا تُحَدِّثوا هؤلاء بما عندَكم في كتابكم ما يوافق هذا الكتاب الّذي أُنزِلَ عليكم؛ فإنَّ ذلك سيكون حُجَّةً لكم عليهم وسيحتَجّونَ به عليكم؛ فاحذروا - يتواصوْن على الشرّ - (ليُحاجّوكم به عندَ رَبِّكم أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) فيقول الله مُبَكِّتاً إيّاهم (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) سبحان الله! يظنّون أنّ هذا يخفى على الله وأنتم تعلمون أنّ الله يعلم ما تسرّون وما تعلنون؟
 وقال الله؛ مُبَيِّناً أنَّ بعضَ اليهود كانوا لا يعلمون من الكتاب إلاّ شيء واحد إلاّ التّلاوة؛ كما هو الآن حال كثير من المسلمين مع الأسف (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) يعني: إلاّ تلاوةً.فأمانيّ هنا بمعنى: التّلاوة. لا يعلمونه إلاّ أن يقرأوه بألسنتهم دون أن يتفَهَّموه أو يتفَكَّروا فيه. من هنا نعلم يا إخواني أهمية هذه المجالس والدّروس أنَّها تجعَلُنا نخرج من هذه الأُمِيّة الّتي لا يليق بنا أن نعيشَ فيها، إنَّ مجرَّدَ قراءة ليست نفي للأُمِّيّة؛ إنَّ الأُمِيّة تنتفي، أو الجهل ينتفي عندما يعلم الإنسان حقيقةَ ما يقرأ وما يكتب وما يتعلّم، ثمّ يعمَلُ به.
/ ثمّ قال الله مُهَدِّداً أولئك الّذين يُحَرِّفون الكتاب (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) ثمّ ذكر شيْءً من دعاواهم ومزاعمهم فقال: (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا).
ثمّ ذكر مرّةً ثانية الميثاق الّذي أُخِذَ عليه في التّوْراة (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) انظروا، ما هو هذا الميثاق؟ (لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) ماذا حصل منهم؟ مرّة أخرى تذكير بما حصل لبني إسرائيل حتى استحقّوا أن يُطْرَدوا وأن يُلْعَنوا (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة:78-79] قال الله - عزّ وجلّ -: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) يُذَكِّر المعاصرين الّذينَ كانوا في عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّهُ إذا كان قد أُخِذَ ميثاق على آبائهم فنقضوه وَتَوَلَّواْ عنه وَهُم مُعْرِضون، فأنتم أيضاً أيُّها المعاصِرون! قد أُخِذَ عليكم بميثاق بأشياء منها: ألاّ يسفِكَ بعْضُكُم دَمَ بعض؛ فسفكتم دماء بعضِكم ، ومع ذلك كنتم عجيبين في التعامل مع آيات الله تُؤمنون ببعضِها وتكفرون ببعضِها ؛ فمثلاً: (ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) تأخذون ببعضِ الأحكام وتتركون بعض؛ هذا يدلّ على أنّكم تتلَقَّوْن أحكام الله بالتّشَهّي وَالهوى، وأنَّكم لستم جادّين في تلَقّي هذا الكتابِ الّذي بين أيديكم ممّا أنزله الله - سبحانه وتعالى - عليكم؛ ولذلك قال الله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ) تذكّروا - يا إخوان - في أول الآيات (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً) قال: (فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ).
/ ثمّ ذكَّرَهم بِما أوتِيَ موسى، وما أوتِيَ عيسى، وكيف قابلوا دعوةَ كُلٍّ منهما،وكيف أنَّ قلوبَهم قَسَت وَغُلِّفَت فقابلت ما جاء به هؤلاءِ الأنبياء بالتكذيب والرَّدّ والاستكبار والاستعلاء ، ولمّا جاءكم هذا الكتاب أيضاً مُصَدِّق لِما معكم، وكنتم من قبل تقولون لِأهلِ المدينة؛ إنَّهُ قد أضلَّ زمانُ نبِيٍّ يُبْعَث نُقاتِلُكم به، ونقتلُكم قتْلَ عادٍ وإرَب. فلمّا بُعِثَ النَّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم - ظَفِرَ به الأنصار، فحسدهم اليهود، وهم يعلمون أنَّه هو رسولُ الله، سبحان الله! واللهِ ما أعجَبَ هذا الأمر!. (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ) ماذا؟ (كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ).
/ ثمّ ذكر الله - عز وجل- شيْئا من مخازيهم، وعاد مرّةً أخرى إلى التّذكير بالميثاق الّذي أُخِذَ عليهم (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ) لكن ماذا قالوا؟ (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)  يعني: أُشرِبوا في قلوبهم حبّ العجل. لماذا ؟ بسببِ كفرِهم. (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) 
/ عاد مرّة ثانية إلى الدّعاوى، فيذكر عدد منها - يا إخواني -:
 الدّعوى الأولى: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً).
 الدعوى الثانية: أشدّ منه (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ) وكانت هذه من أعظم مُباهلات القرآن؛ إنّ الله قال لهم: إذا كنتم صادقين في أنّ الدّار الآخرة لكم، وأنّ الجنّة لكم دونَ أحَدٍ سِواكم ما الّذي يجعَلُكم تجلِسون في هذه الدُّنيا الّتي قد حُشِيَت بالكَدَر، وَمُلِئَت بالشَّقاء، سارِعوا إلى الجنّة، اطلبوا من اللهِ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أنَّ الدّار الآخرة لكم.
/ ثمّ قال مُتَحَدِّياً إيّاهم، وقد وقع هذا التّحَدّي كما أمر الله؛ ماذا قال؟ (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) العجيب أنّه ما ذُكِر إن واحد من اليهود تمنّى، ولو كان اليهود صادقين فيما ادَّعَوْهُ لِأنْفُسِهم؛ لَقالوا لِثلاثة منهم فدائيِّين: تبرَّعوا يا أيُّها الثّلاثة لكي تُكَذِّبوا مُحَمّداً أمامَ النّاس بأنّكم تَمَنَّيْتُمْ الموت، لكنَّهم كانوا يعلمون أنّ رسولَ اللهِ صادق، وأنَّهم لو تَمَنَّوْ الموت لنزل بهم من ساعتهم؛ ولذلك قال الله كاشِفاً عن حقيقتهم (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) إلى يوم القيامة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: بسبب ما قدَّمتْ أيْديهِم وهُم يعلمون أنَّهُم ما قَدَّموا إلاّ الكفر والتّكذيب والاستكبار، قتل الأنبياء، والتّأبي على الرُّسُل، والتلَوُّن في الطّاعة، وأكْل الرِّبا ،وأمورٌ كثيرة تَعِزُّ على الوصف، بل ذكر الله أنّهم لن يتَمَنَّواْ الموت، بل هم أشدُّ النّاسِ حِرْصاً على الحياة؛ لأنّهم يعلمون أنَّ ما بعدَ الحياةِ بالنِّسبةِ لهم نارٌ تتَلَظّى.
 قال :(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ) يعني: هم أحرص من المشركين على الاستمرار في الحياة (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) .
/ ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - يعني: ليس موقفهم من أنبيائهم، بل حتى من الملائكة - قاتلهم الله - إن كان الأنبياء ما سلِموا منكم، فيجب أن يسلم منكم الملائكة. لا، جبريل عدُوُّنا من الملائكة. جبريل: الّذي هو سيِّد ملائكة السّماء صار عدُوّاً لهم - قاتلهم الله أنّى يُؤفَكون-.  إذاً لا غرابة أن يُعادوا الأنبياء وأن يقتلوهم . وبالمناسبة - يا إخواني - قتْل الأنبياء عند اليهود شيْءٌ اعتيادي ما فَتِئوا عنه، ولا انفكّوا منه؛ حتى قتَلوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فالرّسول مات شهيداً قال: (ما زالَ أثَرُ السُّمّ -الّذي وُضِع في الشاة يوم خيبر- يُعاوِدُني؛ حتى كان أوان انقطاع أبهري) يعني : هذا أوان انقطاع الأبهر وهو: العرق الغليظ الّذي يُمِدّ القلب بالدّم. الآن ينقطع من أثر السّمّ الّذي يُعاودُني مرّةُ بعدَ أخرى. فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد قتلَهُ اليهود أضافوه إلى أرقام الماضية عندَهم؛ عندما قتلوا الأنبياء السّابقين. فقد قال الله ردًّا عليهم عندما عادوا جبريل: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) .
 / ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - كيف قابلوا ما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ) هل هذا النَّبْذ لأنَّهم اكْتَفَوْا بِما عندَهم من الكتاب؟ لا، إيّاكَ أن تفهمَ هذا الفَهم، بل إنَّهم فعلوا هذا النَّبْذ؛ كما نبذوا كتابَهم واستَغْنَواْ عن كتابِهم بِأن اتَّبَعوا السّحر وتعلَّموه وصاروا يُقَدِّمونَهُ على ما أُوحِيَ إليهم وما أُنزِلَ عليك من الكتاب قال: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ماذا بدل هذا ؟ (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) وهذه قاعدة - يا إخواني - لا أحد ينبذ كتاب الله إلاّ ابتُلي بأن يتبع شيْءً رديئًا بالغاً الغاية في الرّداءة والقبح والشّناعة، يتّبع السّحر طلاسم، والتفريق بين النّاس، والإفساد في الأرض؛ يا الله ! (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) .
/ وما تزال الآيات تذكُر مخازي هؤلاءِ اليهود؛ حتى تأتي إلى خبيئة من خبايا نفوسهم، وسرّ من الأسرار الّتي يجب أن يعمَلْها المؤمنون، وهي: (الحسد) .
 اعلموا - أيُّها المؤمنون - أنّ من أعظمِ ما يعتمرُ في قلوبِ هؤلاءِ اليهود هو: حسدُكم على ما أُوتيتُم من الخير، وما أُنْزِلَ عليكم من الكتابِ والحِكمة. اقرأ معي آية 105 (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ جعل المشركين تَبَع لهم في هذا أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) حسدوكم؛ ولذلك قال: (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، اقرأ معي أيْضاً آية 109: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ماذا؟ (لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ) ماذا؟ (كُفَّاراً) لأجلِ ماذا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) .
واليوم - يا إخواني - هؤلاءِ الغربيّون اتّضح لكثيرٍ منهم الحقّ، وعرفوا أنَّ هذا القرآن؛ هو كلامُ اللهِ صِدْقاً وحقّاً، وبانت لهم بالدّلائلِ القطعيّة أنَّ هذا الدّين؛ هو الدّين السَّماوي الوحيد السّالم من التّحريف، ولكن يحسُدوننا حسداً عظيماً عليه، ويقولون: واللهِ لا يمكن أن نمكِّن رِقابَنا، ونجعل للعرب الأذِلاّء القَذِرين قيادة ورياسة علينا، نحن نصبح تَبَعاً لهؤلاء العرب؟ لو نعلم أنّنا نخسر الدُّنيا والآخرة ما كُنّا تبَعا لهم في هذا. ليس لأنَّ الحُجّة ما بلغتهم، بلغت كثيراً منهم الحُجّة، ووصلتهم، ولكنَّ الحسد قد بلغ الغاية في قلوبِهِم . انظروا - يا إخواني - من دَعَواهم وأكاذيبهم: أنَّهم قالوا: يا محمّد نحن لا نُؤمن بأنّ الكتب تُنْسَخ، الكتب ما نُؤمن بأنَّها تُنْسَخ . التّوْراة ألم تنسخ ما قبلَها وأنتم تُؤمنون بذلك ؟ سكتوا ؛ ولذلك قال الله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
 وقالوا دعْوى أخرى من دعواهم: إضافةً إلى قولهم أنّ الدّارَ الآخرة خالِصة لهم من دونِ النّاس، وقولهم: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً) قالوا دعْوى أخرى: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) هذه أمنِيّة. والأماني -كما يقولُ النّاس- رؤوس أموال المفاليس. وقد كذَّبَهم اللهُ - عزّ وجلّ - في دَعْواهم تلك بأنَّهُ لَنْ يدخُلَ الجنَّةَ إلاّ مَنْ كان هوداً أو نصارى؛ بقوله: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) هؤلاء هم أهلُ الجنّة، ليس مَن يدَّعيها ويقول هي لي من دونِ النّاس.
/ ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - من مخازيهم وَدَعَواهم الباطلة أنَّهم صاروا يُوَزِّعون الكفر والتّكذيب، والحكم على الآخرين بأنّهم ليسوا بشيء من باب الفراغ الّذي يعيشونَ فيه؛ لأنَّ الفارغ أو الّذي يعلم أنَّه ليس عندَهُ شيء هو الّذي يُسارع إلى اتِّهام الآخرين: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) كلُّهم يتلونَ الكتاب، ويعلمون مَن هو الّذي يستحِقّ أن يكونَ على شيء، والّذي يستحِقّ ألاّ يكونَ على شيء.
 (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) وهم: الكفّار قالوا - أيضاً - ليس محمَّدٌ على شيء (فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .
/ ثمّ لمّا ذكر أهل مكّة؛ ذكر شيْءً من قبائحهم، وعاد إليهم بعد طول إعراض عنهم، قال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ) هذا تعريض لِمُشْرِكي مكّة الّذينَ مَلَأوا بيْتَ اللهِ الحرامِ بالأصنام، ومنعوا رسولَ اللهِ أن يذكُرَ اسم الله في المسجد الحرام، وَسَعَوْ في خرابِ المسجِدِ الحرام، وَخُلُوِّه من المُوَحِّدين والطائِفين، والعاكِفين، قال الله - عزّ وجلّ -: (لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) وقد جعله الله لهم في بدر، ثمّ في الخندق، ثمّ في فتح مكّة (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
/ ثمّ بدأت تقريباً من هذه الآية أو من قوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) التّهْيِئة لقضيّة ستأتي لنا سنتحَدَّثْ عنها - إن شاء الله في الدّرس القادم - وهي قضِيّة تحويل القبلة.
 هذا الموضوع موضوع خطير؛ اشترك في خطورَتِه، أو في الحديث عنه، أو في العنايةِ به؛ المسلمون، واليهود، والمشرِكون، فصارت منطقة تماس، ومنطقة ابتلاء وفتنة وتوحيد؛ ولذلك قال الله مُقَدِّماً لهذه القضيّة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) عندما ينسخ الله حُكْماً؛ فيرفُعُه ويُزيلُه، يأتي الله بمثلِهِ أو خيرٍ منه؛ فإذا نُسِخَتْ القبلة إلى بيت المقدس؛ فإنَّ اللهَ يُزيلُ ذلك إلى مثلِهِ أو خيْرٍ منه، وقد أزالَهُ إلى ما هو خير منه؛ ولذلك جاءت التّهْيِئة الثّانية بقوله: (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ٍفَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) إلى الآن ما جاء الحديث القويّ، والحاصر عن قضيّة القبلة، وإنَّما هذه المقدّمات على عادة القرآن؛ ستعرِفون هذه العادة؛ وهي: أنَّهُ عندما يُريد أن يتحدَّث في موضوع يبدأ في ذكرِ مقدِّماتٍ له تأتي مرّة بعد أخرى؛ حتى إذا تهَيَّأت النّفوس لِقَبولِ ذلك الأمر جاء الحديث عنه واضِحاً صريحاً قوِيّاً متمَكِّناً؛ كما سُنَبَيِّنْ لكم إن شاء الله في الدّرس القادم عندما نتحَدَّث عن آيات الإنفاق؛ بدأت من قولِ الله - عزّ وجلّ -: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ثمّ انتهت بقولِ اللهِ - عزّ وجلّ -: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) ثلاث أوجُه عن الإنفاق، وعن فضلِه، وأهلِه، وعاقِبةِ صاحبِه، وما يُؤتيهِ اللهُ من الخَلَف، وضَرْب الأمثال في ذلك ثلاثة أوْجُه - يا إخواني - كاملة، لكن متى؟ بعد ما قُدِّمْ لَهُ بِمُقَدِّمات بين كلّ مقطع ومقطع يأتي الحديث عن الإنفاق. وهنا نفس العمليّة في أمرِ القبلة الآن بدأ الآن التّهْيِئة  لقبول هذا الأمر(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ٍفَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) المقصود هو توحيد الله، وأن تتوَجَّهْ إلى الله كان وجهك إلى الشّمال وإلى الجنوب وإلاّ إلى الكعبة، وإلاّ إلى بيت المقدس. المهم: أن تعبُدَ الله وتوحِّدَه، قال: (فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .
/ ثمّ عاد إليهم يذكُرُ شيْءً من أقسى مخازيهم؛ وكأنَّهُ يُريد أن يطويَ صفحتهم بذكرِ باقعةٍ من بواقعهم العظيمة الّتي حدثت منهم (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا) وهذه القضيّة بالمناسبة مشتركة بين: اليهود، والنّصارى، والمشركين. أمّا اليهود فقالوا: عُزَيْرٌ ابنُ الله . وأمّا النّصارى فقالوا : عيسى ابنُ الله . وأمّا المشركون فقالوا : الملائكة بناتُ الله . قاتَلَهم الله أنّى يُؤفَكون؛ ولذلك قال مُنَزِّهاً نفسَه (سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) . قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميّة "أربعة اجتمعت فيها الخليقة، لا يتخلَّف شيْءٌ من الخليقةِ عنها: القنوت، والسُّجود، والإسلام ، والتّسبيح"  (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) 
(وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَن فِي الأَرْضِ) (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
(وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
فكلُّ الخلائق عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها خاضِعةٌ لله، مستسلِمةٌ له، مُنقادة، قانتة، مُسَبِّحة، ساجدة، مُسلمة، لا تستطيع أن تخرُجَ على ربوبِيّة الرّبّ - سبحانه وتعالى- أو تتأبّى على الله - جلّ وعلا - .
/ انظروا: لمّا ذكر دَعاوى اليهود ذكر بعض  دعاوى المشركين: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم المشركون لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ) يعني: المشركون قالوا مثل مقالة اليهود: (أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فَإيّاك أن تُصيخ أو تسمع أو تأخذ من هؤلاء، أو هؤلاء، أو هؤلاء؛ فالّذي آتَيْناكَ هو الحقّ (وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) .
/ ثمّ قال اللهُ - عزّ وجلّ- مُبَيِّناً أنَّ اليهودَ والنَّصارى لا يمكن أن يترُكوا ما هم عليه، ولا يمكن أن يَرْضَواْ عنك يا محمّد؛ فإيّاك أن تميل إليهم، إن مِلْتَ إليهم - تدرون ماذا سيصنعون ؟ - ما دام أنَّ محمّد قد مال إلينا قليلاً سنميلُ إليهِ قليلاً؟ لا، لا يزالون يجُرّون ويجُرّون؛ حتى تدخُلَ معهم في دينهم.
 والآن - يا إخواني - أمريكا تُمارِس هذا الدّور مع العالم الإسلامي، لن تَرْضَ والله عنّا مهما نَفَّذْنا من أوامِرِها، وانصَعْنا لتعليماتِها وقوانينِها، لن تَرْضَ عنّا حتى نكونَ مِثْلَها (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) فَايْأس منهم يا محمّد واقطع أيَّ تفكيرٍ في التّواصُل معهم في أن تتقارَبَ معهم، أو تضع خطوط التقاء أو تماسّ مع هؤلاء اليهود أو النّصارى . (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى) ما هناك إلاّ هُدًى واحد . (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) .
 إذاً القضيّة خطيرة، القضيّة ليست رغبة، أو محاولة، إن تركْتَ الهُدى الّذي آتَيْناك، ولم تَنْقد لهذا الحقّ الّذي أعْطَيْناك وحاوَلْت أن تَضَعَ حُلولاً متوسِّطة بين الإسلام واليهودِيّة والنّصْرانِيّة تُسَمّيها مثلاً الإبراهيمية أو غيرها مِمّا يسمّونهُ به، ويُحاوِلونَ أن يقولوا: نحن عندنا نقاط التقاء ويمكن أن نجتمع على قواسم مشتركة؛ فنقول: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى) هدى واحد لا يتعَدَّد، والدّين عندَ اللهِ الإسلام. (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) وهذا تهديد لِمَن؟ تهديد لرسولِ الله، وحاشاه أن يُخالف ما أمرَهُ الله به، وهو تهديدٌ للأُمَّةِ كُلِّها (مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) .
 اسمع حالَ مَنْ أُوتِيَ الكِتابَ حقًّا (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يا محمّد يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) فيعملون به (أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ما في حلول وسط، ما في إلاّ اتِّباع للحقّ ، هؤلاء ضلّوا فأمعَنوا في الضّلال، والنّصارى ضَلّوا فأمعنوا في الضّلال، والمشركون ضالّون حتى النُّخاع، ما هناك مجال لأن نستفيد مِمّا عندهم، أو نأخُذْ شيْءً من أديانِهم، ونُكَحِّلْ بِها دينَنا، أو نُرْضِيَ بِها عَدُوَّنا، لا مجال، دينُ اللهِ واحد، والحقّ هو ما جاء في هذا الكتاب (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (*2) انتهى كلُّ شيء.
 الآن انتهت الصّفحة الأُولى والأخطر في قضيَّةِ هذه السّورة، وهي ذكر ما حصل لهؤلاء، وهي الأُمّة الّتي اختلط المسلمون بها في المدينة، ما هي كانت أوامرُ اللَّهِ لهم، ونعمُهُ عليهم؟
كيف تعامَلوا معَ ذلك؟
 ماذا حصل منهم؟
ما هي مخازيهم؟
ماذا يتمنّون لكم أنتم أيُّها المؤمنون؟
ما هو موقفهم من رسولِكم؟ ومن كتابكم؟
 إنَّهم لن يرْضَواْ عنكم حتّى تتَّبِعوا مِلَّتَهم، فإيّاكم إيّاكم ! أن تدنوا منهم مثقال ذرَّة لا كِبْر ولا نُفر ولا فرقة ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر.
 يعيد الآيات فتُخْتَتَم بمثل ما افتُتِحَت به (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) بعد هذا الوعظ والتّذكير والآيات والحكم والخصومات والمجادلة والحوار، والأخذ، والعطاء، والتّحذير والتّرغيب والتّرهيب، تعود الآيات إلى نفس الرِّفقّ الَّذي بدأت به (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) ، لعلّكم تذكرون هذه الآيات من أوائل الآيات الّتي افتُتِحَت فيها قصّة بني إسرائيل، فناسَب الختام الافتتاح؛ ليعودَ الكلام مرَّةً أخرى في هذه الدّائرة، وهو: أنَّكم يا بني إسرائيل يجبُ عليكم أن تتَّقوا اللَّه، وأن تلتزِموا كتابَه، وأن تعودوا إلى رُشْدِكم، وأن تُؤمِنوا بهذا النّبيّ الّذي ثبت لكم أنّهُ نَبِيٌّ من عندِ اللَّهِ حقّاً.
/ ثمّ يبدأ مقطع جديد لهذه السّورة ليستمرّ هذا المقطع إلى نهاية السّورة، مُفْتَتَحاً بحالِ إبراهيم - عليه الصّلاةُ والسّلام - كيف كان ؟ ليكون في ذلك الحُجَّة على مَن ؟ على اليهود والنّصارى والمشركين. فاليهود يدّعونه ، والمشركون يدّعونه، والنّصارى يدّعونه، وأوْلى النّاسِ به (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ) [آل عمران:68] وهذا النّبيّ - عليه الصّلاةُ والسّلام - وَالَّذِينَ آمَنُواْ ماذا كان حالُ إبراهيم؟
ماذا فعل إبراهيم؟ هل كان مشركاً؟ بما وصى به إبراهيم قومه؟ ماذا كان يقول لهم؟ وبما وصّى يعقوب بنيه؟ وماذا كان دينه ودينُ الأنبياءِ من قبله؟
 إنّها تذكرةٌ وموعظة لهؤلاءِ اليهود، ولهؤلاء النّصارى، ولهؤلاءِ المشركين، جاءت بمثل الاستراحة قبل أن تأتيَ الأوامر والتّشريعات لهذه الأُمّة المحمَّدِيَّة.
 نكمل - إن شاء اللَّه - الحديث عن موضوعات سورة البقرة في المجلِسِ القادم.
 ونسألُ اللَّهَ - سبحانه وتعالى - أن ينفعنا بكتابه، وأن يجعلَهُ هدًى لنا، وأن يجعلنا جميعاً من أهلِ القرآن الّذين هم أهلُ اللَّهِ وخاصَّتُه.
 اللهمّ اقسِم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغُنا به جنّتك، ومنَ اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائبَ الدّنيا، اللهمّ متِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتِنا ما أحيَيْتَنا واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا، وانصُرْنا على مَن ظلمَنا، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبرَ هَمِّنا ولا مبلغَ عِلْمِنا ولا إلى النّارِ مَصيرَنا، ولا تُسَلِّطْ علينا بذنوبِنا مَن لا يخافُكَ ولا يرْحَمُنا. أقول قولي هذا وأستغفِرُ اللَّهَ لي ولكم وصلّى اللَّهُ وسلّم وبارك على نبيِّنا محمَّد.
لحفظ الملف الصوتي :







----------------------------------------------
(*1) المقطع الصوتي يبدأ من هنا .
(*2) هنا انتقطع التسجيل .
مصدر التفريغ / ملتقى أهل التفسير (بتصرف يسير)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق