الأربعاء، 28 ديسمبر، 2011

سبب نزول سورة الحشر


{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فهذه السورة عُرفت واشتهرت بسورة الحشر لذكر الحشر فيها، ولها اسم آخر غير مشهور، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيح حيث سماها بسورة بني النضير، وهي من السور النازلة في المدينة بعد البينة وقبل النصر، وكان نزولها بعض أهل العلم يقول: في السنة الرابعة للهجرة وذلك بحسب ما قيل في تاريخ هذه الغزوة غزوة النضير؛ لأنها نزلت تتحدث عنها فهي نازلة بعدها ، وجاء عن عروة بن الزبير - رحمه الله - أن هذه الوقعة - وقعة بني النضير - كانت بعد ستة أشهر من غزوة بدر ، ونحن نعلم أن غزوة بدر كانت في رمضان من السنة الثانية للهجرة فإذا حسبت بعدها ستة اشهر فمعنى ذلك أنها كانت في أوائل السنة الثالثة من الهجرة .
/ وبعضهم يقول كما جاء عن ابن اسحاق أنها كانت بعد أحد وبئر معونة ، ووقعة احد - كما هو معلوم - كانت في السنة الثالثة من الهجرة ، لما هُزم المشركون في وقعة بدر في رمضان أرادوا أن ينتقموا فعادوا لغزو المسلمين بعد عام فجاؤا في شهر شوال وكان مسيرهم من مكة إلى أحد في اليوم الخامس من شهر شوال يعني من السنة الثالثة للهجرة ، وكانت وقعة بئر معونة بعد أحد وذلك في صفر ، بعد أُحد بأربعة أشهر فهي في أوائل السنة الرابعة للهجرة وعليه فإذا كانت وقعة النضير بعدها فمعنى ذلك أنها في السنة الرابعة للهجرة وهذا هو المشهور لا أنها في السنة الثالثة وإنما هي في السنة الرابعة .
وتعلمون ما حصل للمسلمين من الهزيمة في غزوة أُحد والقتل والجراح ثم خرجوا إلى حمراء الأسد ثم بعد ذلك وقع ما وقع من أمور مؤلمة ، وقعة الرجيع وبئر معونة في أوقات متقاربة جدا ، يعني لم تندمل جراح المسلمين بعد في وقعة أُحد وإذا بالمصيبة تقع بعدها وذلك في بئر معونة وكذلك أيضا في وقعة الرجيع ثم بعد ذلك ، بعد وقعة بئر معونة وإذا بهؤلاء اليهود يغدرون ، على خلاف بين أهل العلم في سبب هذه الوقعة وبناء عليه يكون سبب النزول ، لكن هذه الروايات يذكرها أهل السير وإن كانت في موازين المحدثين قد لا يصح منها شيء ، فحينما نقول هذا هو سبب النزول نحتاط ونُجري على ذلك مقاييس ومعايير المحدثين فمن أشهر ما يُذكر في سبب هذه الوقعة : هو أنه بعد وقعة بئر معونة وحصل ما حصل من قتل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من القٌرّاء ، ووقع بعد ذلك قتل لرجلين من الكلابيين ظُن أن هؤلاء من أولئك الذين غدروا بالقُرّاء فقتلوا ، فلما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وكان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم - أن يتحمل الفدية - فدية هؤلاء - وكان - صلى الله عليه وسلم - حينما هاجر إلى المدينة قد عاهد اليهود بطوائفهم ألاّ يكونوا معه ولا يكونوا عليه - سالمهم - فوقع منهم نقض لهذا العهد فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم - يطلب منهم المشاركة في هذه الدية ، وأقبل عليهم أظهروا الفرح والسرور والاستبشار ، ورحبوا به وأخبروه أنهم يسرهم ويعجبهم أن يغشى مجالسهم فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت حُجرة أو جدار فتآمروا على قتله بإلقاء حجر على رأسه - صلى الله عليه وسلم - فجاءه الوحي فأخبره ، فانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم -إلى المدينة ولم يشعر به من صحبه من أصحابه - رضي الله عنهم - ثم جهّز النبي - صلى الله عليه وسلم - الجيش . هذا ملخص لرواية طويلة بهذا المعنى .
/ وبعضهم يذكر سببا آخر وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر في يوم بدر قالت اليهود " هذا هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر " فلما انهزم المسلمون في يوم أُحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعي بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة . ويُروى في ذلك أنه لما سألهم المشركون : نحن أهدى أم محمد ؟ قالوا : بل أنتم أهدى من محمد وسجدوا لآلهة المشركين فأنزل الله - عز وجل - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ...} الآيات . فهذا ذُكر في سبب النزول وإن كانت الرواية لا تخلو من ضعف .
فالشاهد أن هؤلاء ألّبوا المشركين وطمعوا في استئصال المسلمين لما هُزم المسلمون في يوم أُحد . فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمة الأنصاري - رضي الله عنه - وكان أخا لكعب بن الأشرف من الرضاعة فقتله - في القصة المعروفة - (1) . ثم صبّحهم النبي - صلى الله عليه وسلم بالكتائب فأمرهم بالخروج من المدينة ، فاستمهلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فتحرك المنافقون وضاقوا ذرعا بهذا القرار فأرسل إليهم عبد الله بن أُبيّ وقال : " لا تخرجوا فإن قاتلوكم فنحن معكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم " . وما شأنهم بهؤلاء اليهود ؟ يهود ، ولمذا يتحركون من أجلهم ؟ ولماذا يضيقون ذرعا ؟ ولكنه العداوة للإسلام ، فصدّقوه فحصّنوا الأزقة وتهيؤا للقتال ووضعوا المتاريس فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى وعشرين ليلة ، وقيل : أقل من ذلك ، وقيل : أكثر من هذا ، حتى طلبوا الصلح ، فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات متاعهم على بعير واحد ، يحملون ما شاؤا من متاعهم ، فخرجوا إلى الشام وأريحا أو أطراف الشام أدريعات وأريحا إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق ، وآل حُيي بن أخطب فقد لحقوا بخيبر ، ولحقت طائفة منهم ليست كثيرة بالحيرة . هذا ذُكر أيضا في سبب هذه الغزوة .
/ وبعضهم يقول : أن السبب فيها هو أن اليهود طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج إليهم في ثلاثين من أصحابه ويخرجوا إليه في ثلاثين من أحبارهم فيلتقوا في منتصف الطريق من أجل أن يسمعوا منه فإن سمعوا ما يقبلون صدّقوه وآمنوا به ، هم ومن تبعهم ، وإن لم يقبلوا تركوه. ثم بعد ذلك تحدثوا فيما بينهم وأنه إن خرج مع ثلاثين من أصحابه فسيموتون دونه ، وكانوا أرادوا قتله فقالوا : لا يمكن أن تسمع ونسمع مع ستين رجلا فاخرج بثلاثة ونخرج بثلاثة ، فأخبرت امراة منهم رجلا من قراباتها قد أسلم ، فذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم من الطريق وجهّز لهم الجيش .
لكن المشهور هو ما ذكرته من الدية والهمّ بإلقاء حجر أو رحى على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أن هذه الوايات لا تخلو من ضعف .
وعلى كل حال هؤلاء تعرفون قصتهم حينما قتلهم عمرو بن أمية الضمري ، لما جلس معهم وأكل في مكان أو في غار ثم ناموا فوضع الرمح في عين واحد منهم واتكأ عليه حتى سمع خشخشة عظامه ، كان يظن أنه حصل ثأرا من الذين قتلوا الصحابة في بئر معونة .
الشاهد : هذا أشهر ما ذُكر في سبب نزولها .
هؤلاء اليهود من بني النضير يقال لم يُسلم منهم سوى رجلين واحد يقال له يامين ابن عمير ، والثاني أبو سعد ابن وهب .


لتحميل المقطع الصوتي :


--------------------------------------------------
1- قال البخاري في صحيحه، باب قتل كعب بن الأشرف: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله : «من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله ورسوله» فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟
قال: نعم. قال: فأذن لي أن أقول شيئا، قال: قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك.
قال: وأيضا، والله لتملنه. قال: أنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا.
قال: نعم، ارهنوني.قلت: أي شيء تريد؟
قال: ارهنوني نساءكم. فقالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟
قال: فارهنوني أبناءكم.قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأمة، قال سفيان: يعني السلاح، فواعده أن يأتيه ليلا، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟
وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم.
قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنه بليل لأجاب.
قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، وقال مرة: ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب.
وقال غير عمر، وقال: عندي أعطر نساء العرب، وأجمل العرب.
قال عمرو: فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟
قال: نعم، فشمه، ثم أشَمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟
قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه ثم أتوا النبي فأخبروه. / البداية والنهاية
-----------------------------------
من تأملات في سورة الحشر (1) للشيخ خالد السبت

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق