الاثنين، 6 يونيو 2011

تفسير سورة آل عمران من (1) إلى (22) من دورة الأترجة

الشيخ د.أحمد بن محمد البريدي






(الم (1) اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (4) إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) )

هذه السورة مدنية , نحن استمعنا لقراءة وجه كامل أيّها الإخوة اشتمل على معانٍ عظيمة , سنبيّن إن شاء الله تعالى شيئاً منها , أنتم استمعتم هذا الوجه الآن قراءة لكنني أدعوكم أن تستمعوا له بعد سماع تفسيره مرة أخرى، لتعلموا قيمة معرفة وفهم القرآن , فإنك لما تقرأه بعد قراءة التفسير سيتبين لك أشياء وستقرأه بروح أخرى , فرق بين أن يقرأ الإنسان وهو يعرف شيئاً من المعاني ثم يتوسع في الفهم ويقرأ تفسيراً أو يستمع لشرح , فإنه لا شكّ ستكون القراءة بقلب آخر وبفهمٍ آخر .
سورة آل عمران سورة مدنية أي نزلت في المدينة , والصَّحيح في ضابط المكي والمدني الهجرة "ضابط الزمان" فما نزل قبل الهجرة هو مكي , وما نزل بعد الهجرة فهو مدني , وقد وردت عدة روايات تُشير في مجملها إلى أنّ صدر هذه السورة نزلت في مُحاجَّة النصارى للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عيسى , صدر هذه السُّورة يقول بعض العلماء إلى بضعٍ وثمانين آية منها إنَّما نزلت في محاجّة النصارى للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أمر عيسى , وسيمرّ عليناـ إن شاء الله ـ في هذه المجالس الثلاثة البَاقية هذه القضية مؤصلّة وهناك تناسب فإنّ أول سورة البقرة وتقريباً من الوجه الرابع وأخذ شيئا كبيراً منها نزل في محاجّة اليهود عند (يا بني إسرائيل) فبين المحاجّتين ترابط , في البقرة كان التركيز على اليهود وبيان بُطلان اعتقادهم وعقائدهم , وفي آل عمران كان التركيز على النصارى .
افتتح الله ـ عزوجل ـ هذه السورة بقوله: (الم) وقد تقدّم افتتاح سورة البقرة بهذه الحروف المقطّعة وأكيد إنَّ الشيخ محمد قد تكلَّم عنها لكن أُشير إلى عبارة جميلة للشِّيخ ابن عثيمين[9] رحمه الله: قال "هذه الحروف المقطّعة ليس لها معنى " وهذا هو الصحيح , لكن يقول الشِّيخ: "لكن لها مغزى وهو التحدّي , الله إنّما تحدّى قريش الذين اشتهروا بالفصاحة والبلاغة بماذا؟! بالقرآن وتحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله , فكأنّه يقول لهم أنتم عجزتم والتَّحدي حصل أوله في مكة، وهذه السورة مدنية كأنّه يقول إن الذي تحديتكم به، وعجزتم عن الإتيان بمثله وأنتم أهل الفصاحة والبَلاغة مؤلَّف من مثل هذه الحروف (الم) ولذلك لا تأتي هذه الحروف في غالب السُّور إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن , وهناك بعض السُّور لم يُذكر القرآن بعد الحروف المقطعة مباشرة مثل سورة مريم , سورة الروم , وسورة العنكبوت , لكن لمّا تأمّلنا وجدنا أنّ القرآن قد ذُكر في أثنائها , ولذلك هذا المغزى صحيح " .
ثم قال الله عزوجل: (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وقد تقدم تفسير هذه الآية في آية الكرسي فلا نُعيدها لكن نُشير إليها إجمالاً , ومعنى (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) إخبار بأنّه المُتفرد بالإلهية لجميع الخلق .
(الْحَيُّ الْقَيُّومُ) الحيُّ في نفسه الذي لا يموت أبداً , المُقيم لغيره , ليس حيّاً في نفسه فقط، بل حيّ في نفسه ومُقيم لغيره سبحانه وتعالى .
ثم قال الله - تبارك وتعالى - : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) وقوله: (نزّل) ردٌّ على المعتزلة, ردّ على من يقول أنَّ القرآن مخلوق المعتزلة وغيرهم , لكن اشتهروا من؟! المعتزلة هم الذين فتنوا الإمام أحمد - رحمه الله - في وقته لمّا أقنعوا المأمون الخليفة العبّاسي بأنّ القرآن مخلوق ولم يقنعوه فقط , بل قالوا امتحِن الناس , اعرضهم من قال أنّ القرآن مُنزّل غير مخلوق فعذّبه واسجنه , فما ثبت إلا الإمام أحمد - رحمه الله - ومحمد بن نوح , محمد بن نوح مات في السِّجن , والإمام أحمد ثبتَ ثبوت الجبال الراسيات , حتى إنَّهم أتَوا إلى علي بن المديني - رحمه الله - وقالوا له لماذا لم تثبت مثل ما ثبت أحمد بن حنبل؟! شيخ البخاري , قال: هل تقارنوني بالإمام أحمد , ذاك إمام , إكراماً للمنزلة التي أنزله الله - عز وجل - إيَّاها , فحفظ الله - عز وجل - هذه العقيدة بثبات الإمام أحمد حتى توفي المأمون وأتى بعده الخليفة الآخر، وانتصر لرأي الإمام أحمد وترك امتحان الناس .لكن القرآن صريح يقول: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ولم يقل: خلق , وعبّر بكلمة (نزّل) لأنّ القرآن نزل منجّماً أيّ مُفرّقا بخلاف الكُتُب السَّماوية السابقة فإنّها قد أُنزلت جملة كما قال الله - عزوجل- (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ) [10]أي كما نُزِّلت بقية الكتب , قال الله - عزوجل- (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [11] وقد ثبت عن ابن عباس في الحديث المرفوع حكماً أنّ القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ إلى السَّماء الدنيا لكنّه إنزالٌ من مكتوب إلى مكتوب ,أمَّا النزول الذي يعنيه القرآن هنا فهو نزول الوحي وهو أنَّ الله تكلّم به حقيقة (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي نزّل عليك القرآن يا مُحمد بالحق أي لا شكّ فيه ولا ريب , بل هو مُنزّل من عند الله كما قال الله في أول سورة البقرة (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ) هاتان السورتان فيهما تَناسب .(مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) الذي بين يديه الكتب السماوية , الكُتب المنزّلة قبله من السَّماء على عباد الله الأنبياء فهي تُصدّقه بما أخبرت به وبشَّرت في قديم الزمان , وهو يُصدِّقها لأنّه طابق ما أخبرت به وبشّرت من الوعد من الله بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنزال القرآن العظيم عليه .
ثم قال الله - سبحانه وتعالى - : (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ) أي على موسى ابن عمران (وَالإِنجِيلَ) أي على عيسى , وهذه كلها توطئة للرَدّ على النصارى كما سيأتي . (مِن قَبْلُ) أيّ من قبل هذا القرآن أنزل التوراة وأنزل الإنجيل (هُدًى لِّلنَّاسِ) أي في زمانهما , ثم قال الله - عزوجل -: ( وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) ما هو الفرقان؟!
قولان لأهل العلم:
القول الأول : كما تفضلّتم القرآن .
والقول الثاني : أنّه مصدر مُطلق ، الفرقان يشمل القرآن ويشمل غيره , يدخل فيه الحُجَج والبيّنات والدلائل الواضحات سواء أدلة حسيّة أو معنوية , فكُل ما كان فُرقاناً بين الهدى، والضلال، والحق والباطل، والغيّ، والرشاد، فهو فرقان وهذه هو الصحيح , الصحيح أنّ المراد بالفرقان هنا العموم ويدخل فيه القرآن والتوراة والإنجيل , لأنّ القرآن قد ذُكر قبل فلا يُعاد ويُكررّ , وقلنا القاعدة التفسيريّة أنّ المعنى إذا بُني على التأسيس أولى من التوكيد , فإّذا فسّرنا هذا القول أنّ الفرقان بمعناه العام كل دلائل واضحات وبيّنات، ودلائل حسيّة ومعنوية , ولذلك سمّى الله - عزوجل - غزوة بدر الفرقان (يوم الفرقان) .
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ) أي جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) أي يوم القيامة (وَاللّهُ عَزِيزٌ) أي منيع الجَناب عظيم السلطان (ذُو انتِقَامٍ) أي ممّن كذّب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبيائه العِظام .
ثم قال الله - سبحانه وتعالى - : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) وهذه الآية قرّرها الله - عزوجل - في كتابه في مواضع كثيرة كما قال في سورة طه (طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىإ ِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَافِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [12] أيّ أخفى من السرّ . الله قال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) أين الذين يستترون، يظنّون أنّ الله لا يراهم ؟
الذين يذنبون بالليل والنهار، أيظنّون أنّ الباري لا يراهم ؟
ولذلك العلماء قالوا إذا أردت أن تعصي الله فتذّكر رؤية الله ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك , فالله لا تخفى عليه خافية, يعلم دبيب النَّملة السوداء على صَفاةٍ سوداء في ظُلمة الليل لا يخفى عليه شيء من ذلك.
ثم قال الله سبحانه : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء) أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسنٍ وقبيح، وشقيٍّ وسعيد (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي هو الذي خَلَق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له , وهذه الآية يا إخواني فيها تعريض بل تصريح بأنّ عيسى عِبدٌ مخلوقٌ مصورٌ في الأرحام , يا من تدّعون ألوهيّة عيسى , بدأ الآن يُمّهد لهذه القضيّة (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) تصريحٌ بأنّ عيسى صُوّر في الأرحام وإن جعله الله آية حيث أتى بلا أب كما سيأتينا إن شاء الله , فعيسى صوّره الله في الرَّحم خلقاً كسائر البشر، فكيف يكون إلهاً كما زعمتم؟! وقد تقلَّب في الأحشاء، وتنقّل من حالٍ إلى حال كما قال الله تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) .
ثم قال الله - سبحانه وتعالى -: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الكتاب هنا القرآن (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أيّ أصله , فالأصل في القرآن الإحكام لأنّه قال: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) إذن الحق أن نرد المُتشابه إلى أَصله كما قال الله (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله , فمن ردَّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكَّم مُحكمه على متشابهه فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد ,وهذه فائدة :

الإحكام والتشابه وردا في القرآن على ثلاث معانٍ:الأول : الإحكام العام الذي وُصف القرآن به كله كما قال الله سبحانه وتعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [13](الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) [14] ومعناه هنا أي الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه .

الثاني : التشابه العام الذي وُصف به القرآن كذلك (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا) [15] ومعنى متشابهاً هنا أي يُشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة وهذا هو الجمع بين هذه الآيات .الثالث : ثم عندنا الإحكام الخاص بعضه والتشابه الخاص بعضه، ودلّ عليه هذه الآية الذي قال الله عزوجل: (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .والتَّشابه نوعان: مطلق، ونسبي .
فهناك تشابه أشياء في القرآن لا يُمكن معرفتها، ليس معرفة معناها وإنما معرفة كيفيتها مثل صفات الله, وقت قيام الساعة , وهناك تشابه نسبي يخفى على بعض ويتضح لآخرين , أظنّ المسألة واضحة الآن في قضيّة الإحكام والتَّشابه لأنّها مهمة جدا .
الله - تبارك وتعالى - قال: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) مرض, قسَّم الناس اتجّاه المحكم والمتشابه إلى قسمين: من في قلبه مرض موقفه من التشابه ما هو؟!
الفريق الأوّل: (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)أمّا الفريق الآخر: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) المتشابه من عند ربنا، والمحكم من عند ربنا نؤمن بالمتشابه ونحمله على المحكم , لا نحمل المحكم على المتشابه ، كما ذكرنا في الدرس الماضي لمّا أتوا إلى قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) [16]قالوا يجوز على الضعف!هذا متشابه الذّي هو مرحلة من مراحل تحريم الربا ، بل احمله على المُحكم الذي في قوله (يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[17]
وقد اختلف العلماء على معنى المحكم والمتشابه هنا على أقوال وعبارات كثيرة :
/ منهم من قال: المحكمات ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه
/ ومنهم من قال : المحكمات: هي في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) والآيتان بعدها (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْالْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [18]।وقوله: (وقضى ربّك أن لا تعبدوا إلّا إيّاه) وأمّا المتشابهات فقالوا إنّهنّ:
* المنسوخة، والمقدّم، والمؤخّر، والأمثال، والأقسام وما يؤمن به، ولا يُعمل به ,
*ومنهم من قال الحروف المقطّعة في أوائل السور .
وكل ما ذكره السلف هنا هو مثال للمُحكم ومثال للمتشابه , فكلّ ما كان متشابهاً واشتبه سواء كان تشابهاً مطلقاً، أو تشابهاً نسبياً فإنّه يُحمل على هذه الآية , لا نضرب القرآن بعضه ببعض , وإنما نجمع بينه , نؤمن إيماناً قاطعاً أنّه لا تعارض بين آي القرآن , ولا بين القرآن والسنّة , وإذا ما وُجد ما ظاهره التعارض فلا بدّ أن يكون هناك طريقٌ للجمع , ولذلك قال عالمٌ من العلماء أتحدى أن يأتي أحد بآيةٍ تُعارض آيةً أخرى إلا وأجمع له بينهم . لماذا نؤمن بهذه القضية ونجزم بها؟! لأنّ الكلّ وحيٌ من الله , والله أعلم بما نزّل .
قال ابن كثير- رحمه الله - " أحسن ما قيل في المُحكم والمتشابه ما نصّ عليه محمد بن إسحاق حيث قال: (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فيهنّ حجّة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عمّا وُضعنَ عليه , قال: والمتشابهات في الصدق لهنّ تصريف، وتحريف، وتأويل ابتلى الله فيهنّ العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام،ألاّ يُصرفن إلى الباطل ولا يُحرّفن عن الحق "[19] .
إذن لو قال إنسان لماذا لم يأتي القرآن كله محكم؟! قلنا : كما الله جعل حراماً وحلالاً ليميز المؤمن المُصدّق، والذي يتبّع، والذي لا يتّبع , فالله جعل ذلك امتحاناً لعباده ولذلك وقع في الزَّيغ كثير من الناس كما قالت عائشة قرأ رسول الله: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) إلى آخر الآية , قال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ( فإذا رأيتم الذين يُجادلون فيه فهم الذين عَنى الله فاحذروهم) [20] ولذلك بدأت فرق البدع وأول بدعة حصلت في الإسلام هي بدعة الخوارج الذين رأوا آيات كثيرة فيها التَّخليد في النار فحكموا على كل مرتكب للكبيرة بأنّه كافر! ، ورتبّوا على هذا الكفر الخُلود في النَّار, ولم ينظروا إلى آيات الرحمة – رحمة الله - وإلى أحاديث الشفاعة فأخذوا جزءاً وتركوا جزءاً وهذا هو إتباع المُتشابه الذي حذّر منه القرآن وحذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم , ثم أتت فرقة القدرية ثم المعتزلة ثم الجهميّة وهكذا كما أخبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ هذه الأمة ستفترق إلى ثلاثٍ وسبعين فـِرقة .
ولهذا قال الله: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فَيَتَّبِعُونَ مَاتَشَابَهَ مِنْهُ) أي إنَّما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يُحرِّفوه إلى مقاصدهم الفَاسدة ويُنزِّلونه لاحتمال لفظه لما يُصرّفونه , فأمّا المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنَّه دامغٌ لهم وحجةٌ عليهم, ولهذا قال تعالى : (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ) أي الإضلال لأتباعهم .
لماذا ذكر الله هذا؟! لأنّ النصارى احتجّوا بأنّ عيسى هو الله في قول الله - عزوجل - (رسولُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه) وتركوا الاحتجاج بالمحكم كقوله (إن هو إلاّ عبدٌ أنعمنا عليه) وغيرها من الآيات .
ثم قال الله - سبحانه وتعالى - : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)
اختلف العلماء في الوقف هنا :
القول الأول: قالوا إنَّ الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) ويقفون, ثم يقولون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وقال بهذا ابن عباس
القول الثاني: وقفوا عند قول الله - تبارك وتعالى - : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وقفوا هنا , ثم (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ما الفرق بين القولين؟! أنّ الذين يعلمون تأويل القرآن الله والراسخون في العلم , وقال ابن عباس أيضاً: "أنا من الذين يعلمون تأويله"
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له , قال: (اللهم فقّهه في الدّين وعلّمه التأويل)[21] .
إذاً ما الجمع بين القولين؟!
ابن عباس نفسه مرة يقف عند قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) ومرة أخرى يقول: أنا من الذين يعلمون تأويله , ما الجمع بين القولين؟! كِلا القولين المأثورين عن السلف صحيح , لماذا؟! لأنّة مرتبط بمعنى التَّأويل ،

التأويل عند السلف يُطلَق ويُراد به:· إمّا التَّفسير.
· وإمّا ما يؤول إليه الأمر، وحقيقة الشيء وما يؤول إليه كما قرر ذلك شيخ الإسلام .
فمن قال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) أي تفسيره , أراد التأويل هنا بمعنى التفسير فإنّه يصِل في القراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) والذي جاء في ذهنه أنَّ التأويل هنا بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول إليه وقف , لأنّ الذي يعلم متى تقوم الساعة، وحقائق صفات الله والأشياء الموجودة في القرآن التي لا يُعلم حقائقها وما تؤول إليه يقف.
فإذا يا إخواني من وقف على (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) صحيح لكن لا بد أن يستظهر أنّه يريد بالمعنى ماذا؟! حقيقة الشيء , ومن وصل صحيح لكن يعرف أنّه أراد بالتأويل التفسير , ولذلك الواو هنا إمّا تكون عاطفة وذلك إذا كان التأويل بمعنى التَّفسير , وإما أن تكون استئنافية إذا كان التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول إليه.
· مثل قول الله عزوجل: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) [22]أي حقيقة ما أُمروا به من أمر المعاد .
( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ)[23] بتفسيره إلى آخره من الأمثلة , والأمثلة كثيرة .
(يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) أيّ المتشابه (كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) أي الجميع من المحكم والمتشابه حقٌّ وصدق , كل واحد منهم يُصدِّق الآخر ويشهد له، لأنَّ الجميع من عند الله (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) أي أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة.

ثم قال الله - عزوجل - مرشداً عباده في مثل هذه المواضع أن يقولوا: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْهَدَيْتَنَا) أي لا تُمِلها عن الهدى بعد إذ أقمنا عليها، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ , الذين يتبّعو من ما تشابه من القرآن ولكن ثبّتنا على صراطك المستقيم (وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ) أيّ من عندك (رَحْمَةً) تُثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً (إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) الذي تهب هذا الشيء في قلوبنا ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُكثر من قول (لا حولولا قوة إلا بالله )( يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، يا مصّرف القلوب صرّف قلبي على طاعتك ) لأنّ قلوب العباد بين صبعين من أصابع الرحمن , نسأل الله - عزوجل - أن لا يُزيغ قلوبنا .
(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
هذا التفات من الخطاب (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ) بدأ يخاطب (إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) وفائدة التفات الخطاب هنا إلى الغيبة التنبيه , ولو بقي دون التفات لقال: إنك لا تخلف الميعاد .


المقطع الثاني :
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ (13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17))

يخبر الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآيات عن الكفار أنّهم وقود النار أي حطبها الذي تُسجّر به وتوقد به كما قال سبحانه: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) وأنّ أموالهم وأولادهم لن تُغنيهم من الله شيئاً كما قال سبحانه: (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) .ثم قال - سبحانه - (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) قال ابن عباس: كدأب أي كصنيع آل فرعون واجتهادهم ,[24] والدأبُ هو الصُنعُ، والحال، والشَّأن، والأمر والعادة , فـ (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي كصنيعهم ، ومن المُفسّرين من قال: كسُنّة آل فِرعون، أو كفعل آل فرعون، أو كَشَبَه آل فرعون.وكُلَّها تفسيرٌ بالمقارب كلها صحيحة .

وآل فرعون هم أتباعه , فإنّ الآل في القرآن : يُطلق على الآل بمعنى الأتباع , ويُطلق بمعنى الذريّة كما سيأتينا في قوله (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).[25] قوله: (وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء - سبحانه وتعالى .
ثم قال الله: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ) أي قل يا محمد للكافرين ستُغلبون في الدنيا (وَتُحْشَرُونَ) أي يوم القيامة (إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)ويذكر المفسرون سبب نزول هذه الآية: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا أصاب من أهل بدرٍ ما أصاب ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع , وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يُصيبكم الله بما أصاب قريشاً - فاليهود كانوا جيران النبي - صلى الله عليه وسلم - على أطراف المدينة - فقالوا : يا محمد لا يغرنّك من نفسك أنَّك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال , إنَّك والله لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن النّاس!وأنّك لم تلقَ مثلنا!–[26]
انظروا سبحان الله تشابه الآباء بالأجداد - الآن الغرب يقولون نحن القوّة العظمى الكبرى مثل هؤلاء , وبعد سنوات ماذا فعل بهم النبي- صلى الله عليه وسلم - ؟! أجلاهم بمصداق هذه الآية (قُل لِّلَّذِينَكَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ) أي قل لهؤلاء اليهود الذين قالوا لا يغرنّك يا محمد أنك قاتلت قريش هؤلاء لا يعرفون القتال , لكن نحن اليهود عندنا قوّة ونعرف الحِيل , لكن قال الله لنبيّه : قل يا محمد إنكم (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) وقد فعل الله عزوجل بهم في سنوات يسيرة.
ثم قال الله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) عبرة (فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) يقصد في بدر (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِاللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) أو تُقاتل في سبيل الطاغوت؟! كافرة , لكن لماذا لم يقل تُقاتل في سبيل الطاغوت؟! قال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) يعني التَّقابل إما أن يقول فئة تُقاتل في سبيل الله وأخرى تُقاتل في سبيل الطاغوت أو يقول فئة مؤمنة وأخرى كافرة.
فلماذا قال الله هنا (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ) وقال في مُقابلها ( كَافِرَةٌ)؟!
قال العلماء - رحمهم الله -: " هذا من بلاغة القرآن وذلك بأنّه يكتفي بذكر أحد الوصفين عن الآخر , فبيّن لنا بذكر وصف في محل وتركه في مكان آخر ,وترك وصفه ما يُقابل الآخر أنّ الفئة التي تُقاتل في سبيل الله هي فئةٌ مؤمنة , أخذناها من مُقابِلها كافرة , وأنّ الفئة الكافرة تُقاتل في سبيل الطاغوت, وأخذناها من قوله: (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) هذا من بلاغة القرآن " بلاغة في منتهى اليُسر والسهولة ولكن تحمل هذه المعاني العظيمة . (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ)
ثم قال الله: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) من الرائي ومن المرئي؟
فيه خلاف بين المفسّرين :
· من العلماء من قال أنّ الرائي هم المُسلمون يرون قريش الكفار في بدر (مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) الضِّعف , لكن يُشكل على هذا القول أن عدد المسلمين في بدر ثلاثمائة ويزيدون ثلاثة عشر رجل , والكفار يزيدون على التسعمائة قليلاً , فهذا يُشكل على الواقع ولذلك قال بعض المفسرين أنّ الرائي الكفار يرون المسلمين (مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) حتى يُخوفِّهم .
إذاً قولان لأهل العلم لكن نجيب ونُصحِّح القول الأول نقول أن لا إشكال , (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ) ابن عباس ورد عنده رواية أنّ المشركين في بدر ستمائة , ولذلك على هذا القول ليس هناك إشكال , لكن الواقع والصحيح والمثبت في كتب السِير والتاريخ أنهم يزيدون عن التسعمائة لكن قال العلماء - رحمهم الله - أنَّ المسلمين هم الذين رأوا وأنّ (مثِليهم) صحيح, لأنك إذا قلت عندي ألف درهم وأحتاج مثليها , كم تحتاج؟! المجموع كم؟! إذا المسلمون كانوا ثلاثمائة ورأوهم مثليهم معناه ستمائة , إذن المجموع كم؟! تسعمائة , فيكون الرائي هنا المسلمون وعلى هذا التوجيه يكون الجواب صحيحاً .
لكن على هذا كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة الأنفال: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِالْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً )[27] أيّ ترون المشركين قليل (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) كيف نجمع بين هذا وبين رؤيتهم الضِّعف؟! سواء ًكان الرائي المسلمون أو الرائي المُشركون؟! كيف نجمع بينهما؟!
الجمع سهل ويسير الحمد لله , كنّا اتفقنا على أنّه لا تتعارض آيات القرآن فالجمع أنّه في حال دون حال يعني في حال رأوهم قليلاً في بداية التفاف الصفّ , - أنت لمّا ترى صاحبك ضعيف تهجم عليه , يُشجعك على الهجوم - , ولذلك ختم الآية بقوله تعالى: (لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ) يعني تلتقوا , فلمّا التقوا , - أنت ظننت في بادئ الأمر أنّ الذّي أمامك ضعيف -، فعند دخولك أرض المعركة اُبتليت واكتشفت أنّك أمام رجل قوي جدا! , فكانت الصَّدمة عليك أكبر , فنصر الله عزوجل المؤمنين ,ولذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال فإنه في حال أراهم الله ليلتقوا ليشجعهم على اللُّقيا , فلما التقوا اشتدّ، وأراهم الله ذلك على حقيقتهم لتقوى عزائم المؤمنين , ويُوهن الله عزوجل عزائم الكافرين .
ثم قال الله - عزوجل -: ( وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء) وقد أيدّ نبيه (إِنَّ فِي ذَلِك َلَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) إنّ في ذلك لمعتبر لمن له بصيرة وفهم ويهتدي به .
ثم قال الله : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء) انظروا إلى بلاغة القرآن, الله قال زُيّن للناس حُبَّ النساء والبنين، أم حُبَّ الشَّهوات؟! ما الفرق؟! لأنّ حُبَّ النِّساء، والبنين ,ذا شيءٌ منه محمود وشيءٌ منه مذموم , ولذلك لا تُحبُّ هذه الأشياء حبّ شهوة مجرّدة عن نيّة صادقة , ولذلك قال الله عزوجل: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) نصّ الله -عزوجل - على الَّشهوات من الأشياء المذكورة لأنّها قد تُحَبّ كما قلنا لمصالح سامية , أمّا إن كان لمجرّد الشَّهوة والفخر فهو مذموم .
ذكر الله في هذه الأشياء سبعة أصناف : النساء , البنين , قناطير الذَّهب , قناطير الفضّة , الخيل المُسوّمة , الأنعام , الحرث , كل هذه شهوات الدنيا . غالب شهوات الناس إنما تدور في فلك هذه الشَّهوات السبع ، فبدأ بالنساء لأنّ الفتنة بهنّ أشدّ , قال النبي في الحديث الصحيح ( ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء ) . ثم ذكر الله عزوجل (الْبَنِينَ) ولذلك الولد مجبنةٌ مَبخلة، ثم قال الله - سبحانه وتعالى - (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) والقنطار يا إخواني ذكر العلماء له كميّات كثيرة, والصحيح أنّ القِنطار يُراد به الشيء الكثير يطلق على الشيء الكثير فهو( المال الجزيل ) كما قاله الضحّاك وغيره واختاره ابن جرير , الصحيح أنّ القنطار هو المال الجَزيل سواء كان من الذهب أو من الفضة . ثم قال: (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ) الخيل كما جاء في الحديث تكون على ثلاثة أقسام:
· من يربطُها أصحابها لسبيل الله يغزون بها , أيام الغزو بالخيل , فهؤلاء يُثابون .
· وهناك أُناس يربطونها للفخر والخيلاء فهؤلاء عليهم إثم .
· وتارةً يُربُّونها للتَّعفف والاقتناء وهذا إذا ما نَسِيَ حق الله عزوجل فيها فله ذلك .
(الخيل المسوّمة) الخيل الرّاعية ,وقيل (المسوّمة) الطُّهمة الحِسان أي الخيل الجميلة, ولا مانع من كلا الأمرين ثم قال الله - عز وجل - (وَالأَنْعَامِ ) أي لإبل والبقر والغنم ، (وَالْحَرْثِ) يعني الزِّراعة , ولذلك ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (خير مال امرئ له مهرةٌ مأمورة، أوسِكَّة مأبورة ) والسِّكّة هي النَّخل المُصطَّف, جرت العادة من قديم الزمان أن يُجعل النخل مصطّفاً , وقوله: (مأبورة) يعني ملقَّحة . فهذه الأشياء السَّبعة إذا نوى الإنسان فيها النية الصَّالحة فيها هل يأثم؟! لا، بل يُؤجر , ولذلك عبّر الله بقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ) .
قال ابن الجوزي : "وهذه الأشياء - أيَّ السبعة المذكورة - قد يحسن نيّة العبد بها فيُثاب عليها وإنَّما يَتوجّه الذَمّ إلى سوء القصد فيها، وبها " .
في قوله (زُيِّنَ لِلنَّاس) من الفاعل؟! من المزيِّن؟! فيها أقوال عند المفسِّرين :· هنا حُذف الفاعل ولذلك المفسّرون قالوا يُحتمل أن المزيِّن الله عزوجل , ومعنى تزيين الله ذلك بإيجادها، وتهيئة الانتفاع بها وإنشاء الجبّلة على الميل إلى هذه الأشياء اختباراً وابتلاءً , وقد ورد جملة من الآيات تنسب التزيين إلى الله تعالى (كذَلكَ زيّنَا لكلِّ أمّةٍ عمَلَهم) .[28]
· ويُحتمل أنّ المُزيِّن هو الشيطان هنا , لكن تزيين الله مثل تزيين الشيطان؟! لا , كما قال الله عزوجل: (وزيّنَ لهُم الشيطَان أعمَالهم فصدّهم عن السبيل)[29] ومعنى تزيينه بالوسوسة، وتحسين أخذها من غير وجهها , ولمّا حُذف الفاعل يَصدق على هذا وهذا , فتزيين الله - سبحانه وتعالى - بإيجادها وميل الجِبلّة إليها , وتزيين الشيطان بأن تُؤخذ من غير وجهها .
ثم قال الله - سبحانه وتعالى - (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هذه الأشياء متاع الحياة الدنيا وزهرتها الفانية (وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي المرجع , ثم قال: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم) أيّها المؤمنون (بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ) 


مُناسبة هذه الآية لما قبلها :أنّ الله لمّا ذكر هذه الأشياء ذكر بعدها ما هو خيرٌ منها , أي اُقصدوا بها وجه الله، واعلموا أنّ ما عند الله خيرٌ من هذه الأشياء التي تتنافسُون عليها .(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ) قل يا مُحمد للناس أَأُخبركم بخيرٍ مِمّا زُيّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار (خَالِدِينَ فِيهَا) أي ماكثين فيها أَبَد الآباد، لا يبغون عنها حولاً (وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) من الدَّنس، والخَبث والأذى، والحيض، والنُّفاس وغير ذلك مّما يعتري نساء الدنيا (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ) انظروا بدأ بالنساء في المُزيَّن , ثم أشار إلى الحور العين . كما قال النبي :( ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء ),[30] فالفتنة في النساء كثيرة نسأل الله العافية .

(وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ) أي يُحلُّ عليهم رضوانه فلا يَسخط عليهم بعده أبدا , ولهذا قال في الآية الأخرى في سورة براءة: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكبَر). (وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي يُعطي كُلاً بحسب مايستحقّه من العطاء .
ثم قال الله : (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) مناسبة هذه الآية لما قبلها : أنّ الله لمّا ذكر الثواب في قوله: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ) ذكر صفات من يستحقّ هذا الثواب وهم المؤمنون :
(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أيّ بك وبكتابك (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي بإيماننا بك, وهذا من التوسل بالأعمال الصالحة ،(وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ثم قال: (الصَّابِرِينَ) في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرّمات
( وَالصَّادِقِينَ) فيما أخبروا به من إيمانهم
(وَالْقَانِتِينَ) القنوت هو دوام الطاعة
(وَالْمُنفِقِينَ) من أموالهم في جميع ما أُمروا به من الطاعة وصلة الأرحام والقرابات
(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) دلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار , والعلماء منقسمون في قوله:

(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)· منهم من قال الصلاة
· ومنهم من قال ذكر الاستغفار .
والصحيح أنّه يشمل هذا وهذا , فالصلاة تشتمل على الاستغفار , في الجلسة بين السجدتين يقول: (ربّ اغفر لي ), لكن جرت العادة أنّ الإنسان يختم عبادته دائما بالاستغفار , فإذا صلّى صلاة الليل كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يجلس يستغفر الله , والاستغفار ليس لأنّه فعل ذنباً لكن حتى يُغفر له أو يسدّ به الخلل الواقع في العبادة ولذلك شُرع لنا إذا انتهينا من الصلاة أن نقول: أستغفر الله (ثلاثاً).

المقطع الثّالث:
(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (22) )

قال الله عزّوجل: (شَهِدَ اللّهُ) شهد بمعنى حكم وقضى ، وقيل: بيّن , وقيل: أَعلَم وأخبر وكلها حقّ ، فإنّ الشهادة متضمنّة لهذه المعاني كلّها ولهذا جاء التعبير بها هنا , قال الله - عزوجل - (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) فشهد الله - عز وجل - ، وشهد ملائكته، وشهد كذلك أولوا العلم قائماً بالقسط , فكررّ وقال: (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) .

قال الله عزوجل: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) ثم قال (وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هو) فما فائدة التكرار؟
قال العلماء : أنّ الأولى وصفٌ وتوحيد (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) ، والثانية رسمٌ وتعليم , أيّ قولوا لاَ إِلَـهَ إِلاَّ الله بعد ما أيقنتم بها الآن قولوها ، ونحن نقول الآن لاَ إِلَـهَ إِلاَّ الله (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) إخبارٌ من الله بأنّه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام , وهو إتَّباع الرسول فيما بعثه الله به في كلّ حين , ولذلك قال في آيةٍ أخرى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [31] وهذا حقيقة قول لا إله إلا الله أيّ لا معبود بحقٍّ إلاّ الله ، ولذلك التقدير بحقّ هو الصواب , أمّا لا معبود موجود , هل هو صحيح؟! لا , لأنّ المعبودات كثيرة , لكن المعبود الذي بحقّ هو الله - تبارك وتعالى - .
ثم أخبر الله أنّ الذين أوتوا الكتاب الأول إنّما اختلفوا عندما قامت الحجّة عليهم , ولذلك وقع اللَّوم عليهم , فقال الله - عز وجل - (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أيّ بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحقّ لتحاسدهم، وتباغضهم، وتدابرهم .

ثمّ قال الله - عزوجل - (وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ) أيّ من جحد ما أنزل الله في كتابه (فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أيّ أنّ الله سيُجازيه , ومعنى سَرِيعُ الْحِسَابِ , قال العلماء : أنّ الدنيا مهما طالت فهي قصيرة وسيأتي بعدها يوم الحساب , وكلّ ما هو آتٍ قريب , ولذلك الله - عزوجل - (سَرِيعُ الْحِسَابِ ) , ثم قال: (فَإنْ حَآجُّوكَ) اليهود والنصارى والمشركون عموماً (فَإنْ حَآجُّوكَ) أي جادلوك في التوحيد (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ) وقلنا أنّه يشمل الطوائف الثلاث كلّها لأنّ الله قال بعدها: (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ ) الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى ، (وَالأُمِّيِّينَ) قريش مشركوا العرب , وسُمّوا بالأميّين نسبةً إلى الأميّة العرب , ولذلك الكفار المشركون اليهود والنصارى يُسمّون العرب الأمّة الأميّة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -( إنّا أمّة أُمّية لا نكتب ولا نحسب )[32] .

(وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) استفهام معناه الأمر , أيّ أسلموا (فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) أيّ الله هو الذي سيُحاسبهم وإليه مرجعهم ، بعض العلماء يذكُر في كتب بالتفسير يقولون هذه الآية نسختها آية السيف ( آية التوبة) ( فاقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) هذه الآية هي آية السّيف التّي نبذت عهود المشركين، فكان النّبي صلى الله عليه وسلّم نبذ إليهم عهدهم وقاتلهم, , والصحيح أنّه ليس هناك نسخ وأنّ القضية هنا ليست قضيّة حرب , وإنّما قضية محاجّة وهي بيان الَمحجّة , بيان الحقّ .

ثم قال الله : (وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أيّ عليمٌ سبحانه بمن يستحقّ الهداية , ممن يستحقّ الضلالة ، وهذه الآية كما قال ابن كثير وأمثالها: من أصرح الدَّلالات على عموم بعثته إلى جميع الخلق , ويشهد له قول الله عزوجل: (قُل يا أيّها النّاس إنّي رسولُ الله إليكم جميعاً) وقول الله عزوجل: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَن َذِيرًا) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (بُعثت إلى الأحمر والأسود) , وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهودي ولا نصراني ومات ولم يُؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار ) كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله تبارك وتعالى عليه - , فهذه الآية وأمثالها تدلّ على عموم بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم .
ثم قال الله عزوجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ)

هل قتل النبيّين فيه حقّ وفيه بغير حقّ؟! لماذا قال بغير حق؟
نقول قتل النبيّين كلّه بغير حقّ , لكن الله عزوجل هنا
ذكر هذا القيد لبيان الواقع فقط، وأنّهم يقتلونهم بغير حقّ.

ثم قال: (وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) من هم الذين يأمرون بالقسط من الناس؟! 
أتباع النَّبي , فهم قتلوا النبيّ وقتلوا أتباعه , وهذا في غاية الكِبر.
ثم قال الله عزوجل: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) والبشارة الأصل فيها أنّها للخير لكن السِّياق أحياناً يُفيد أنّها تهُكّما (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) يعني تهُكّماً بهم , هؤلاء الذين تكبَّروا وقتلوا الأنبياء وقتلوا أتباعهم بشرهم بعذاب أليم ، (أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) يوم أنّ الله - عز وجل - يُعذّبهم، ولذلك ورد أنَّ بني إسرائيل قتلوا في يوم واحد سبعين نبيّاً -قاتلهم الله- فهم قتلة الأنبياءعليهم لعائن الله .

نكون بهذا قد انتهينا من هذا الوجه ونقف عنده . أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد .
---------------------------------------------------
[1] البقرة 286
[2] صحيح البخاري باب فَضْلُ الْبَقَرَةِ .
[3] صحيح مسلم باب فِى ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
[4] تفسير ابن كثير
[5] تفسير السعدي
[6] تفسير السعدي
[7]صحيح مسلم باب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ.
[8] سورة ال عمران
[9] تفسير الشيخ بن عثيمين
[10] الفرقان32
[11] الفرقان32
[12] سورة طه
[13] هود1
[14] يونس1
[15] الزمر23
[16] آل عمران130
[17] البقرة278
[18] الأنعام151
[19] تفسير ابن كثير
[20] مسندالإمام أحمد
[21] مسندالإمام أحمد
[22] الأعراف53
[23] يوسف36
[24] قال ابن كثير (قال الضحاك، عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والضحاك، وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة. والدأب -بالتسكين، والتحريك أيضًا كنَهْر ونَهَر-: هو الصنع والشأن والحال والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك ....)
[25] آل عمران33
[26]سيرة ابن هشام (وَلَمّا أَصَابَ اللّهُ - عَزّ وَجَلّ - قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمّدُ لَا يَغِرّنّك مِنْ نَفْسِك أَنّك قَتَلْت نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ ، كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إنّك وَاَللّهِ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْت أَنّا نَحْنُ النّاسُ وَأَنّك لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)
[27] الأنفال44
[28] الأنعام108
[29] الأنعام43
[30] البخاري باب مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) .
[31] آل عمران85
[32]البخاري باب قَوْلِ النَّبِىِّ - - « لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ » .
------------------------
مصدر التفريغ : ملتقى أهل التفسير / بتصرف يسير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق