الحياة الحقيقية هي حياة القلب وتلك الحياة لا تكون إلا بالقرآن وفي القرآن ولذا نقول: لم يذق طعم الحياة من لم يتدبر كتاب الله..
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026
تدارس سورة الأحزاب/ المقدمة والآيات (1-3)
المقدمة الأولى في اسم هذه السورة:
هذه السورة تسمى بسورة الأحزاب، وهذا الاسم هو الاسم الذي سميت به في المصاحف وكتب التفسير والسنة، ووجه تسمية هذه السورة بهذا الاسم لاشتمالها على قصة الأحزاب من المشركين من قريش وممن تحزب معهم من غطفان وبني قريظة وبعض العرب وغيرهم، وذلك أنهم أرادوا غزو المسلمين في المدينة فرد الله عز وجل كيدهم، وكفى الله المؤمنين القتال، ولا يُعرف لهذه السورة اسم غير هذا الاسم.
المقدمة الثانية في نوع هذه السورة:
فهذه السورة مدنية بالإجماع وقد حكى الاجماع على ذلك غير واحد من المفسرين منهم ابن عطية رحمه الله في المحرر وابن الجوزي في الزاد وجماعة.
المقدمة الثالثة في عدد آيات هذه السورة المباركة:
هذه السورة هي سبعون وثلاث آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف، وقد أخرج النسائي في الكبرى وغيره عن زر ابن حبيش قال: قال لي أبي ابن كعب: كأين -أي كم- تقرأ سورة الاحزاب أو كأين تعدها؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية، قال: قط -أي فقط- حسب لقد رأيتها وأنها لتعدل سورة البقرة، أو أكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" فرفع فيما رفع، قال ابن كثير رحمه الله معلقا على هذا الأثر قال: "وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نُسخ لفظه وحكمه أيضا" انتهى كلامه رحمه الله.
المقدمة الرابعة تكون في موضوعات هذه الكريمة:
فهذه السورة تحدثت عن:
- إبطال بعض العادات التي كانت سائدة في الجاهلية وفي صدر الإسلام كالظِهار والتبني
- ثم تعرضت بعد ذلك السورة الذكر بعض الاحكام المتعلقة بطاعة الرسول صلى عليه وسلم، وتقرير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين وذكرت أيضا مسألة التوارث بين الأقرباء
- ثم ازدلفت بعد ذلك السورة في الحديث عن غزوة الأحزاب وما يتعلق بها من ذكر مواقف المنافقين وأيضا يهود بني قريظة
- ثم تطرقت السورة بعد ذلك إلى قصة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه وبيان فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا تطرقت إلى بعض الأحكام المتعلقة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
- ثم ذكرت السورة قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها بعد طلاقها من زيد ابن حارثة
- ثم تعرضت كذلك السورة الأمر بالإكثار من ذكر الله عز وجل ومن تسبيحه وتنزيهه ، أيضا ذكرت حكم المطلقات قبل الدخول بهن
- ثم تعرضت لخصائص النبي صلى الله أو عليه وسلم في النكاح ومن تحِل له من النساء ومن تحرم عليه، وأيضا أدب المؤمنين مع بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك بيوت زوجاته، وأحكام كذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.
- ثم تعرضت السورة للأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان جزاء من يؤذيه وأيضا يؤذي المؤمنين والمؤمنات
- ثم تعرضت السورة كذلك للامر بالحجاب والحكمة من فرض الحجاب وعرّجت السورة بعد ذلك عن الحديث عن الساعة وذكر أحد مشاهد يوم القيامة
- وختمت هذه السورة الموضوعات بالحديث عن الأمر بتقوى الله عز وجل، وكذلك بالقول السديد وبتحمل الإنسان للأمانة.
هذه أربع مقدمات نثرتها بين يدي هذه السورة المباركة، حتى يكون عند الذي يحفظ هذه السورة يكون عنده تصور عن هذه السورة المباركة.
التفسير:
قال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله ولا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنْافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وكيلا (3))
هذه السورة افتتحت بالنداء للنبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافِرِينَ الْمُنْافِقِين) أي يا أيها النبي اتق الله أي بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ودم على تقواه، لأن المؤمن إذا أُمر بالإيمان أو المتقي إذا أُمر بالتقوى فإنه يؤمر بامتثال فعلها والدوام عليها.
قال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) أي اتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ودم على التقوى، وإذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) فدخول غيره في الأمر بالتقوى من باب أولى، وقال فريق من أهل العلم: لا الخطاب وإن كان لفظا للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم امام المتقين فهو خطاب له لفظا والخطاب لامته.
س: لماذا افتتحت هذه السورة بالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وندائه بوصف النبوة في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ؟
جـ : قال بعض أهل العلم افتتاح هذه السورة بالنداء للنبي عليه الصلاة والسلام وابتدائه بلفظ النبوة قالوا: لأن هذه السورة ستتكلم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أحواله في غزواته، وفي التبني، وفي زواجه من زينب بنت جحش، وفي أزواجه وما إلى ذلك، فجاء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن هذه السورة تتحدث عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنا فائدة مهمة جدا وهي: الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام في قوله (يا أيها النبي اتق الله) لأن سيذكر الله عز وجل في هذه السورة مواقف عصيبة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويذكر موقف النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المواقف العصيبة، خصوصا لما تأتي سنتكلم عن مسألة التبني ومسألة زواجه من زينب بنت جحش، وهو كان يعلم وكانت تحت زيد ابن حارثة، وقد أوحي إليه أنه سيتزوجها وقد جاءه زيد واستشار النبي صلى الله عليه وسلم في طلاقها فقال النبي عليه الصلاة والسلام أمسك عليك زوجك وهو يعلم عليه الصلاة والسلام أنها ستكون زوجته ، يعني الإنسان لما يقرأ هذه السورة يستشعر موقف النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القضايا المهمة جدا حتى أن الله سبحانه وتعالى قال (ما كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) فهنا كان افتتاح السورة بهذه الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وندائه بلفظ النبوة لأن الأحكام ليست من هوى النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو مُبلغ عن الله عز وجل، كما في حادثة التبني لأن حادثة التبني هذه وزواجه من زينب بن جحش أثارت ردود أفعال في وقت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم جاءت تتابع الناس بعدها في الطعن في النبوة.
/ قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) أي لا تطع أيها النبي الكافرين، الكافرون هنا أعني المظهرون للكفر، ولا تطع الكفرين المظهرين للكفر، (والمُنافِقِين) أي المبطنين للكفر، فإن هؤلاء يا أيها النبي هم أعدائك، وليسوا أهل نصح لك.
وهنا فائدة وهي: لماذا نُهي النبي عليه الصلاة والسلام عن طاعة الكافرين والمنافقين؟
قاعدة النهي عن الشيء دائما لا يدل على وقوعه لا يلزم منه الوقوع، فهنا لما الله عز وجل قال (ولا تطع الكافرين وَالْمُنافِقِين) فالآية لا تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيعهم -حاشا وكلا- لكن هذا من باب أنه ممنوع بأن لا يقع بعد
وهنا السؤال: لماذا قال الله عز وجل (ولا تطع الكافِرِينَ وَالْمُنافِقِين) أليس عدم طاعة الكافرين والمنافقين من التقوىفلماذا خصّ هنا بقوله: (ولا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ)؟
لأن الأحكام التي ستأتي ستكون مثار كلام، وسيتكلم فيها المنافقون ويتكلم فيها الكفار، وإذا رأيتم إلى غزوة الاحزاب (إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهِم مرَضٌ غَرّ هؤلاء دينهم) وهذه فائدة مهمة جدا أن الإنسان أحيانا يصغي إلى اعدائه في سماع شيء، وقد يكون هذا السماع الشيء قد حسمه الإسلام فحينئذ ينتبه المؤمن إلى مثل هذه الأمور.
/ قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
ما مناسبة تذليل هذه الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)؟
قال بعض أهل العلم: لما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين بيّن له أن هذا الأمر صادر عن علم وحكمة،ف والله سبحانه وتعالى يعلم ما يكيده هؤلاء الأعداء هذا أمر، الأمر الثاني: أن مناسبة (عليمًا حكيما) قيل: عليم بعواقب الأمور وإن كان في ظاهر هذه الأمور شر لكن في باطنها خير، وأيضا عليم بما تضمره نفوس الكافرين والمنافقين من من العداوة للنبي صلى الله وسلم،وأن الله عز وجل إذا أمر بأمر أو نهي عن فهي فلحكمة بالغة قضاها يستوجب الحمد على افتضاها، هذه فائدة مهمة جدا.
إشكال: وهذا الاستشكال طرحه سعيد ابن جبير على ابن عباس رضي الله عنهما و فحوى هذا الإشكال أن (كان) لفظة تدل على اقتران الجملة بالزمن الماضي، فكونه يقول (إن الله كَانَ عَلِيمًا حكيما) كأن هذه الآية تدل على أن هذا الأمر كان في الزمن الماضي، والله سبحانه وتعالى متصف بالعلم والحكمة ماضيا وحالا ومستقبلا فكيف يكون الجواب؟
أجاب العلماء بجوابين:
الجواب الأول: -وهو فحوى جواب ابن عباس رضي الله عنهما- أن كان لا تدل دائما على الماضي المنقطع وإن كان هذا هو المشهور في الغالب في استعمالها أنها تدل على الماضي، لكن قد تأتي أحيانا تدل على الدوام، يعني بمعنى لم يزل كما هنا في الآية وهذا فحوى كلام جواب ابن عباس السعيد ابن جبير رضي الله عنهما (إن اللهَ كَانَ عَلِيمًا حكيما) أي سبحانه وتعالى لم يزل متصف جل وعلا بالعلم والحكمة.
الجواب الثاني: قال بعض أهل العلم لفظة (كان) هنا وفي مثل الآيات التي في مساقها يعني (إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، (وَكَانَ الله عزيزًا حَكِيمًا) إلى آخره، يقولون هنا مسلوبة الزمن يعني لا تدل على زمن لكنها تدل على تحقيق ما جاءت في سياقه فهي هنا في قوله (إن الله كان عليمًا حكيما) تدل على الوصف فقط أي أن الله متصف بالعلم والحكمة، قال الله عز وجل (يا أيُّهَا النبي اتق الله ولا تطع الكافِرِينَ وَالْمُنْافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
ما مناسبة هذه الآية مع أنها داخلة في الأمر بالتقوى في قوله (ولا تطع الكافرين والمنافقين) فما مناسبة مجيء هذه الآية لما قبلها؟
لأن الأحكام التي سيذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ليست من قِبله بل هي من أمر الله عز وجل وشرعه الذي أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه.
قال الله عز وجل (واتَّبِعْ مَا يُوحَى إِليك من ربك) أي اتبع يا أيها النبي الكريم ما أوحاه الله عز وجل إليك وشرع لك من دينه واستمر على ذلك، ويقال في هذا ما قيل في قوله (ولا تطع الكافرين والمنافقين) وهذا كقوله سبحانه وتعالى (ثم جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وهذا فيه فائدة وهي:أن فيه دليل على ترك الآراء مع وجود النص، فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فهذا ينبغي للإنسان أن ينتبه له.
يوجد في السورة آية تدل على هذا؟ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).
قال الله عز وجل (واتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) لماذا جيء بالفعل المضارع في قوله (يوحى إليك) ولم يقل "واتبع ما أوحي إليك من ربك"؟ لأن الأحكام التي تتكلم عنها السورة لم تنزل ، لم تأتِ بعد، ففيه إشارة إلى ما سُيذكر بعد في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والأحكام التي جاءت بعد ذلك.
الفائدة الأولى : العناية العظيمة من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم
الفائدة الثانية: لطف الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وأن هذه الأحكام التي ستنزل هي من لطف الله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل (واتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بما تَعْمَلُونَ خَبيرا) يقال في قوله (كان بما تَعْمَلُونَ خَبيرا) ما قيل في قوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حكيما) في لفظ (كَانَ) أي أن الله كان ولم يزل بما تعملون خبيرا، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وسيجازيكم عليها.
هنا فائدة: أليس الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام (يا أيُّهَا النبي اتق الله ولا تطع الكافِرِينَ)،(واتَّبِعْ) كان تقدير الآية أن يقال ماذا؟ أن يكون الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام أليس كذلك؟ فلماذا جيء بالجمع في قوله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِما تَعْمَلُونَ خييرا)؟
قال بعض أهل العلم: الخطاب هنا وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لكن المقصود به أمته، لأنهم اتباعه وهو قدوة له في قوله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وقال بعض أهل العلم: بل الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام (إن الله كان بما تعملون خبيرا) لكن هذا جيء من باب التعظيم، وهذا كله على قراءة التاء (إن الله كان بما تَعْمَلُونَ خَبِيرا)، وقرأ ابو عمرو (بالياء) (إن الله كان بما يعملون خبيرا) إلى من سيكون الكلام في قوله (إن الله كان بما يعملون خبيرا) هذه القراءة بالياء؟ للكفار والمنافقين (ولا تطع الكافرين وَالْمُنْافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيما) هنا قال (إن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُون خبيرا) وعلى القراءة الثانية (إن الله كان بما يعملون خبيرا).
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (وتوكل على الله) ما مناسبة مجيء هذه الآية للآيات التي قبلها؟
لأن الله قال (ولا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنْافِقِينَ) فقد يتبادر إلى أذهان الناس أنهم سيكيدون له، فإذا لم يطعهم النبي صلى الله عليه وسلم فسيكونون أعداء له وسيكيدون له، فحينئذ ما العمل؟ قال الله عز وجل (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) يعني هو الذي سيعصمك، هو وحده سبحانه وتعالى. (وتوكل على الله) يعني أن وقع في قلبك أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق فالله عز وجل قال (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) ادفع ذلك عن نفسك بالتوكل على الله عز وجل، أي اعتمد يا أيها النبي في أمورك كلها على الله وحده سبحانه وتعالى وثق به جل وعلا (وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيَ الَّذِي لَا يَمُوتُ) .
ثم قال بعد ذلك (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكيلا) أي وحسبك الله تعالى سبحانه وتعالى هو الذي يكفيك فهو الحافظ لكل شيء ، القادر على تحقيق كل شيء، ولذلك قال الله عز وجل هنا (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وكيلا) وهذه عاقبة التوكل ماذا؟ أن الله سبحانه وتعالى يجعل لصاحبه مخرجا وفرجا وكفاية قال الله عز وجل (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .
سؤال مهم: الله سبحانه وتعالى لم ينادِ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن كنداء -يعني يا محمد- أبدا، بينما نادى الأنبياء بأسمائهم يا إبراهيم، يا موسى ، يا داوود، يا زكريا ، فلماذا إذا جاء الحديث عن نداء النبي صلى الله عليه وسلم جيء بلفظ النبوة أو بلفظ الرسالة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِرُ) ؟
قال بعض أهل العلم: أن فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بفضل هذا الوصف الذي هو الرسالة والنبوة.
لكن في فائدة أخرى قال بعض اهل العلم: هذا من باب تعليم الناس أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون الهيبة في قلوبهم، فيلقبوه بذلك الوصف ويدعوه بهذا الوصف.
اسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المباركين، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم ذكّرنا منه ما نُسينا وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل والنهار على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم اجعلنا ممن يقيم حروفه وحدوده، اللهم اجعلنا ممن يؤمن بمتشابهه ويعمل بمحكمه ويتلوه حق تلاوته. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق