السبت، 24 أكتوبر 2026

الدرس الرابع والسبعون تفسير سورة البقرة: من الآية (١٣٥)

تفسير سورة البقرة: من الآية (١٣٥)
(وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ تَهۡتَدُوا۟... )
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد :
فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ "قوله (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) أي دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال، قل لهم مجيبا جوابا شافيا (بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا) أي مقبلا على الله معرضا عما سواه قائما بالتوحيد تاركا للشرك والتنديد فهذا الذي في اتباعِه الهداية وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية"
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد:
 قول الله جل وعلا (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) أي قالت اليهود للمؤمنين كونوا على اليهودية تحصل لكم الهداية، وقالت النصارى للمؤمنين كونوا على النصرانية تحصل لكم الهداية، المقصود يهود المدينة ونصارى نجران، قالوا ذلك لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فذكر الله جل وعلا في هذه الآية مقالة هؤلاء (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) (تهتدوا) أي تحصل لكم الهداية باتباعكم لديننا، وهذا الذي قاله اليهود وقاله النصارى هو لسان حال كل صاحب ضلالة، هو لسان حال كل صاحب ضلالة وصاحب كل باطل، فرعون قال (ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) كل صاحب ضلالة لما يدعو إلى ضلالته يدعو إليها باعتبار أنها الهدى ويقول للناس أنها الهدى،  لا يوجد صاحب ضلالة أو بدعة عندما يدعو الناس إلى ضلالته أو بدعته يقول اتبعوني في الضلالة أو اتبعوني في البدعة أو اتبعوني في الباطل، بل صاحب كل باطل يزعم أن باطله هو الهداية، إما ان يكون مُلبسا عليه فيظن ذلك، أو يعلم أنه على باطل لكنه يعمل على الإفساد في الأرض (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)،  (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) فاليهودية تقول اليهود يقولون للمؤمنين أن نبينا موسى وكتابنا التوراة أولى بالاتباع وفيها الهداية، والنصارى يقولون أن نبينا عيسى وكتابنا الإنجيل أفضل فاتبعونا تهتدوا تحصل لكم الهداية، اتبعونا أي بترك دين محمد عليه الصلاة والسلام فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يقولوا في الرد على هؤلاء (بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) وهذا من أجمع الجواب وأسده وأقواه على وجازته واختصاره قال (بل ملة إبراهيم حنيفا) جمع في هذه الكلمة (بل ملة إبراهيم) بين إبطال الباطل وإحقاق الحق وتقريره، فقوله (بل) هذا فيه الإضراب عن باطل هؤلاء وأن الذي يدعون إليه ضلال وباطل لا هدى فيه ولا رشاد، وقوله (ملة إبراهيم) هذا هو الحق وهو الدين القويم الصراط المستقيم.
البراهين على ذلك: قال (حنيفا وما كان من المشركين) قال (بل ملة إبراهيم) (ملة) منصوب بإضمار فعل مقدر أي بل نتبع ملة ابراهيم، أو منصوب على الإغراء، الإغراء أي بل الزموا بل اتبعوا ملة إبراهيم، قال (بل ملة إبراهيم حنيفا) (حنيفا) حال من إبراهيم عليه السلام.
 (بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) قال (حنيفا وما كان من المشركين) هذه تتضمن إقامة الحجة بأن الملة التي اتبعها أهل الإيمان التي هي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام هي الملة الحق الواجب اتباعها لأنها جمعت بين أمرين عظيمين قام عليهما دين جميع الأنبياء الحنيفيه والبراءة من الشرك فجمع فيها بين أو اجتمع فيها أمران الحنيفية والتوحيد وهذا هو دين جميع الأنبياء والأولى والأحق بالاتباع، الحنيفية تعني الإقبال على طاعة الله وعلى تعظيمه وعلى الخضوع له والذل بين يديه سبحانه وتعالى والإجلال له جل في علاه والتوحيد يعني إفراده بهذا الإقبال وإخلاص الدين له سبحانه وتعالى والبراءة من الشرك والخلوص منه قال: (حنيفا وما كان من المشركين) هذه ملة إبراهيم وهي الملة التي يجب على الجميع اتباعها لأنها هي ملة الأنبياء وهي دين الأنبياء أجمعين قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وقال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا اله إلا أنا فاعبدون) فهذا دين جميع الأنبياء، دينهم الحنيفية الميل عن الباطل كله والإقبال على الحق تعظيما لله وخضوعا وذلا..
والتوحيد الذي هو في قوله (وما كان من المشركين) هو إخلاص الدين كله لله سبحانه وتعالى وإفراده جل وعلا بالعبادة قال الشيخ رحمه الله: "أي دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم زاعمين أنهم هم المهتدون وأن غيرهم هو الضال هذا بزعمهم (قل) يقول الله عز وجل آمرا النبي عليه الصلاة والسلام
والمؤمنين تبع له قل لهم مجيبا جوابا شافيا (بل) - هذه للإضراب- بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا) (حنيفا) أي مقبلا على الله معرضا عما سواه (وما كان من المشركين) أي قائما بالتوحيد تاركا للشرك والتنديد فهذا الذي في اتباعه الهداية وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية فجاءت هذه الآية على على وجازة الفاظها وافية في الجواب على إيراد هؤلاء قولهم (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) قال جل وعلا (قل بل ملة ابراهيم) بل نتبع ملة ابراهيم القائمة على الحنيفية والتوحيد (بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين).

ن/ قال رحمه الله: " قوله (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) هذه الآية الكريمة قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به، واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذُكر وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان فإذا قُرن بينهما كان
الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام اسما للأعمال الظاهرة 
وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة"

ت/ قول الله جل وعلا (قولوا آمنا بالله) (قولوا) أي يا معاشر المؤمنين، أي ردا على هؤلاء الذين يقولون (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) فالله عز وجل يقول للمؤمنين (قولوا) أي يا أيها المؤمنون لهؤلاء (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) ..الخ الآية التي اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به.
 (قولوا آمنا بالله) (آمنا بالله) هذا ينتظم أركان الإيمان بالله الثلاثة امنا بالله ربا، وآمنا بالله بأسمائه وصفاته، وآمنا بالله أنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، وهذه أنواع التوحيد الثلاثة الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية،  (آمنا بالله) ولا يكون المرء مؤمنا بالله عز وجل إلا إذا آمن بهذه الأركان، الإيمان بالله سبحانه وتعالى لأن الإيمان بالله يقوم على ثلاثة أركان الإيمان بربوبية الله، وحدانية الله في ربوبيته بأنه الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير لا شريك له، والإيمان بوحدانيته في أسمائه وصفاته بإثبات أسمائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، والإيمان بوحدانية الله عز وجل في ألوهيته بأنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه وإفراده جل وعلا بالعبادة وإخلاص الدين له جل في علاه.
 (قولوا آمنا بالله) وهذا الذي هو الإيمان بالله هو أصل أصول الإيمان لأن بقية أصول الإيمان ترجع إليه، وتأمل هنا الآية فيها أمر للمؤمنين أن يقولوا هذا الإيمان، أن يقولوه، ما معنى يقولوه؟ (قولوا) يعني قولوه بقلوبكم عقيدة وبألسنتكم نطقا لأن القاعدة عند أهل العلم أن القول إذا أُطلق يشمل قول القلب وقول اللسان، القول إذا أطلق (قولوا امنا بالله) مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام لسفيان بن عبد الله الثقفي "قل آمنت بالله ثم استقم" "قل آمنت بالله" يعني قلها بقلبك اعتقادا وقلها بلسانك نطقا وتلفظا، هذه عقيدة، العقيدة لابد أن تكون في القلب راسخة ثابتة، يقولها بقلبه معتقدا ذلك ويقولها بلسانه نطقا وتلفظا وإظهار لهذه العقيدة، (قولوا آمنا بالله) هنا في هذه الآية أمرهم أن يقول (آمنا بالله) إلى آخره ولم يختم سبحانه وتعالى هذه السورة المباركة - سورة البقرة - لم يختم هذه السورة إلا وقد أنزل إخباره بتحقيق المؤمنين لذلك قال سبحانه وتعالى آخرها (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) هنا أمرهم ولم يختم السورة إلا وقد أخبر أنهم حققوا هذا الذي أمرهم به سبحانه وتعالى.
(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)
(وما أنزل إلينا) أي القرآن والسنة لأن المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام القرآن والسنة (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) القرآن والسنة، (وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) (وما أنزل إلى إبراهيم) هي الصحف التي أنزلت على إبراهيم الخليل عليه السلام، وأيضا ما أنزل على أبناء إبراهيم، نؤمن أيضا بما أنزل على أبناء إبراهيم إسماعيل وإسحاق، وأيضا نؤمن بالمُنزل على يعقوب وعلى الأسباط الأنبياء الذين من ذريته، الأنبياء الذين من ولده من ذرية يعقوب عليه السلام، (والأسباط) الأسباط هذه اللفظة في بني إسرائيل مثل القبائل عند العرب، الأسباط القبائل، فقبائل بني إسرائيل التي تفرعت من أولاد يعقوب الإثنى عشر، فالأسباط هم الأنبياء من ولد يعقوب الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الإثني عشر، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب.
 (والأسباط وما أوتي موسى وعيسى)
موسى أوتي التوراة، وعيسى أوتي الإنجيل، (وما أوتي النبيون من ربهم) هذا تعميم بعد تخصيص (وما أوتي النبيون من ربهم) هذه مثل قوله سبحانه وتعالى (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي بكل كتاب أنزله الله على أي رسول هذا إيمان مُجمل، نحن في الإيمان بالكتب المنزلة عندنا نوعان من الإيمان: مجمل ونوع مفصل، المفصل: ما ذكر اسمه أو ذكر شيء من تفاصيله نؤمن به كما فُصل لنا، وما لم يذكر نؤمن به إجمالا مثل ما قال هنا (وما أوتي النبيون من ربهم)، (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) (وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم) كطريقة اليهود والنصارى وغيرهم ممن يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض، والكفر بنبي واحد كفر بجميع النبيين ، والتكذيب بنبي واحد تكذيب بجميع النبيين لأن الأنبياء دينهم واحد فمن كذّب بنبي واحد هو مكذب بجميع الأنبياء.
 (لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) هذا الآن العمل، وما سبق العقيدة، جمع في الآية بين العقيدة والعمل، العقيدة من أولها من قوله (قولوا آمنا بالله) إلى قوله (لا نفرق بين أحد منه) هذا كله عقيدة، وقوله (ونحن له مسلمون) هذا العمل، العمل الذي هو الانقياد، الاسلام هو الانقياد لله بإخلاص الدين له وإفراده بالعبادة والاستسلام له وبطاعته سبحانه وتعالى (ونحن له مسلمون).
 (قولوا آمنا بالله) عرفنا المراد بالقول بالقلب واللسان، لما يقول آمنا بالله هل هذا من إظهار العمل الذي ينبغي على المسلم إخفاؤ وعدم إظهاره والذي الأولى بالمسلم أن يخفيه؟ لأن أعمال الإنسان الصالحة ما يظهرها، ما يقول أنا كذا. هنا يقول (قولوا آمنا بالله) قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائله المستنبطة من هذه الآيات قال: " ليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل لأن هذا التوحيد، هذا الإيمان، هذا الذي يقوم عليه الدين ، دين الله سبحانه وتعالى فهذا يعلنه المسلم يصرح به يصرح بعقيدة التوحيد، عقيدة الإيمان بالله، عقيدة إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى (قولوا آمنا بالله) وهذه الآية (قولوا آمنا بالله) ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يقرأها في نافلة الفجر في الركعة الأولى، ويقرأ في الثانية قول الله عز وجل (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) وفي رواية كان يقرأ (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله) جاء في روايتان لهذا في مسلم كلاهما، فكان يقرأها عليه الصلاة والسلام يقرأها لأن قراءتها مثل قراءة (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) تجديد الإيمان والتوحيد، وكان بعض السلف يحب أن تُعلم هذه الآية للأبناء والصغار والخدم (قولوا آمنا بالله) كان بعض السلف يحبذ أن تُعلم هذه الآية للخدم والصغار مثل ما روى سعيد بن منصور عن الضحاك رحمه الله تعالى قال: "علموا أولادكم وأهليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوا بما جاؤوا به فإن الله يقول (قولوا آمنا بالله)"
 انتبه هذا كلام عظيم جدا في تربية الصغار والخدم والأهل على التوحيد، لما يسمع الصغير ويُلقن هذه الأسماء للأنبياء مأمورا بالإيمان بهم واتباعهم والاهتداء بهديهم، وتتردد هذه الأسماء على ذهنه، على عقله، على قلبه ينشأ وفي قلبه ارتباط بهؤلاء الأنبياء ومحبة لاتباعهم والاهتداء بهديهم والسير على منهاجهم وهذا من الأسس العظيمة في التربية أن ينشأ الصغير يُعرف بأسماء الأنبياء (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون) هذه ليست أسماء كل الأنبياء، هذه أسماء بعضهم (وما أوتي النبيون من ربهم) نؤمن بالجميع لا نفرق بين أحد منهم،  ينشأ ولُقن هذه العقيدة وأُوجد فيه هذا الارتباط بقدوة البشر الأنبياء (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "هذه الآية الكريمة قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به"  أي أنها اشتملت على أصول الإيمان، أول أصل من أصول الإيمان: الإيمان بالله قوله (وما أنزل إلينا) هذا فيه الإيمان بالكتب وفيه الإيمان بالرسل -كما سيأتي- وفيه الإيمان بالرسل ويتضمن هذا الإيمان بالملائكة لأنهم هم الذين نزلوا بهذه الكتب،  نزل به جبريل عليه السلام وفي الكتب دعوة إلى الإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقدر، فانتظمت أصول الإيمان إما تصريحا أو تضمينا (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) قال: "هذه الآية الكريمة اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به" قال: "واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام وتدخل فيه الأعمال الصالحة
كلها فهي من الإيمان -أي الأعمال- وأثر من آثاره فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذُكر، وكذلك الإسلام إذا أُطلق دخل فيه الإيمان فإذا قُرن بينهما" ما هو المثال الآن للقرن بين الإيمان والإسلام يحضركم مثال آية قُرن فيها بين الإيمان والإسلام؟ هذه الآية
التي أمامنا الآن (قولوا آمنا بالله) هذا الإيمان، آخرها ماذا؟ (ونحن له مسلمون) الإيمان العقيدة والإسلام ما هو؟ العمل فإذا قُرن بينهما الإيمان العقيدة والإسلام العمل، من أين عرفنا أن الإيمان والإسلام إذا قُرن بينهما فالإيمان العقيدة والإسلام العمل؟
عرفنا هذا من حديث جبريل (قال: أخبرني عن الإيمان) فذكر العقيدة (قال: أخبرني عن الإسلام) فذكر العمل، فالإسلام والإيمان إذا قُرن بينهما يُراد بالإيمان العقيدة ويُراد بالإسلام العمل
مثل هنا، هنا المراد بالإيمان العقيدة (قولوا آمنا بالله) إلى آخره، هذه عقيدة والمراد بقوله (ونحن له مسلمون) العمل، فإذا قُرن بين الإسلام والإيمان في نص واحد فالمراد بالإيمان العقيدة والمراد بالإسلام العمل، وإذا أُطلق ذكر كل منهما بمفرده يشمل الكل،  فالإيمان إذا أطلق يشمل العقيدة والعمل، والإسلام إذا أَطلق يشمل العقيدة والعمل، الآن لما تقرأ قول الله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام)، (ومن يبتغي غير الإسلام دينا)، (ورضيت لكم الإسلام دينا) الإسلام هنا ذكر وحده فيشمل ماذا؟ العقيدة والعمل يشمل العقيدة والعمل إذا قُرن بينهما كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق – أي العقيدة- والإسلام اسما للعمل الظاهر وكذلك إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح،  آيات كثيرة تجدها يجمع فيها بين الايمان والعمل الصالح (آن الذين امنوا وعملوا الصالحات) (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني الآيات التي جمع فيها بين الإيمان والعمل الصالح تصل إلى خمسين آية أو تزيد وجمعها كلها الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة سردها كاملة.
ن/ قال رحمه الله" :فقوله تعالى (قولوا) أي بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم وهذا هو القول التام المترتب عليه الثواب والجزاء فكما أن النطق باللسان بدون اعتقاد القلب نفاق وكفر فالقول الخالي من العمل -عمل القلب- عديم التأثير قليل الفائدة وإن كان العبد يؤجر عليه إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان ولكن فرق بين القول المجرد والمقترن به عمل القلب"
ت/ هذه فائدة ينبه عليها الشيخ رحمه الله تعالى في القول إذا أطلق، القول إذا أُطلق يشمل قول القلب وقول اللسان وإذا قيد فهو بحسب ما قُيد به مثل (يقولون بأفواههم)،(ويقولون في أنفسهم) القول إذا قُيد فهو بحسب ما قيد به، لكن إذا أُطلق مثل هذه الآية (قولوا آمنا بالله)، (إن الذين قالوا ربنا الله) القول إذا أطلق يشمل قول القلب عقيدة وقول اللسان نطقا وتلفظا أي قولوا يا معاشر المؤمنين بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم، يعني الشيء الذي تنطقونه بألسنتكم يكون مستقرا في قلوبكم وهذا هو القول التام المترتب عليه الثواب والجزاء، لكن لو كان قول مجرد باللسان ولا يوجد عقيدة في القلب لهذا القول الذي ينطق به اللسان هذا
ماذا يكون؟ هذا النفاق، هذا هو النفاق (إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) بالألسن فقط أما القلوب لا تعتقد ذلك هذا النفاق، النطق باللسان بدون اعتقاد القلب هذا النفاق والكفر، والقول الخالي من العمل -عمل القلب- فيه قول باللسان خالي من عقيدة القلب هذا ما نوعه؟ نفاق وهناك قول خالي من عمل القلب يعني هو مؤمن معتقد في قلبه لكن وقت القول خالي من عمل القلب يعني يذكر بلسانه، ابن القيم -رحمه الله- لما ذكر مراتب الذِكر ذكر أنها ثلاث مراتب الأولى: الذكر بالقلب واللسان، هذا أعلى ما يكون.
 يليه في الفضل الذكر بالقلب، يليه الذكر باللسان إذا ذكر الإنسان ربه بلسانه يؤجر على ذلك إذا كان عنده أصل الإيمان -مثل ما قال الشيخ- لكن الذكر التام الذي يعظم ثوابه، الذي يجتمع فيه وقت الذكر القلب واللسان. فالقول الخالي من العمل -عمل القلب-
عديم التأثير قليل الفائدة عديم التأثير قليل الفائدة ما قال عديم الفائدة، فيه فائدة وإن كان العبد يؤجر عليه هذه فائدة، وإن كان العبد يؤجر عليه إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان، لكن فرق بين القول المجرد والقول المقترن به عمل القلب، يعني وقت الذكر القلب يعمل باستشعار المعاني وتجديد الايمان بما حوته تلك الألفاظ من أمور الإيمان. نعم.
ن/ قال رحمه الله: "وفي قوله (قولوا) إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها إذ هي أصل الدين وأساسه، وفي قوله (آمنا) ونحوه مما فيه صدور الفعل منسوبا إلى جميع الأمة إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعا والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا وعملهم متحدا وفي ضمنه النهي عن الافتراق، وفيه أن المؤمنين كالجسد الواحد"
ت/ هاتان فائدتان:
الأولى: مأخوذة من قوله (قولوا)، (قولوا) هذا إشارة للإعلام بالعقيدة والصدع بها وهذا مثل ما قدمت في قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ليس من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل، هذا صدع بالعقيدة، إعلام بالعقيدة، والصدع بها والدعوة لها التي أصل الدين وأساسه، وفي قوله (آمنا) فيه صدور الفعل منسوب إلى جميع الأمة، (آمنا) نحن معاشر المؤمنين، (آمنا) هذه تُشعر القائل أن هذه عقيدة أمة الإسلام وأنه فرد منهم، فهذا يُشعر برابطة جمعتهم ما هي؟ قال الله تعالى (إنما المؤمنون إخوة) الإيمان ربطهم، (آمنا) هذه رابطة فيستشعر هذا المعنى، يقول الشيخ: "يستشعر هذا المعنى (آمنا) يعني أن الإيمان جمع أهل الإيمان وربط بينهم (وكونوا عباد الله إخوانا) كما قال عليه الصلاة والسلام، قوله (آمنا) ونحوه من الألفاظ التي فيها الناء التي تعود على المؤمنين عموما منسوبا إلى جميع الأمة إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعا والحذر من التفرق.

ن/ قال -رحمه الله- "وفي قوله (قولوا آمنا بالله) دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد بل على وجوب ذلك بخلاف قوله أنا مؤمن ونحوه فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس والشهادة على نفسه بالإيمان. فقوله (آمنا) أيضا هذه فائدة (قولوا آمنا
بالله) قولوا آمنا بالله يقول: "فيه دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد" لأن الإيمان قد يُراد به هذه الأصول الإيمان بالله والملائكة والكتب، هذه لما يضيفها المرء إلى نفسه لا يستثني، يعني لما يُسأل أمؤمن أنت؟ هذا السؤال أمؤمن أنت فيقول آمنت بالله وملائكته وكتبه، يقول إذا قُيد هذا الإيمان آمنت بالله وملائكته وكتبه، لا يستثني، معنى لا يستثني لا يقول إن شاء الله، لكن لو قال في جواب هذا السؤال أنا مؤمن يستثني يقول إن شاء الله لأن الإيمان إذا أُطلق شمل الدين كله، ولا يجزم أنه وفّى، فيستثني يقول إن شاء الله، ولهذا جاء عن الحسن البصري -رحمه الله- أنه سئل أمؤمن أنت؟ قال الإيمان إيمانان، إن كنت تسألني عن الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) أرجو أن أكون منهم، يُنتبه إلى الفرق بين النطق بهذه الأصول وحدها هذه ينطق بها يقول أنا مأمور بهذا أن ينطق بها، لكن إن عني بالإيمان الدين كله والخشوع والخضوع وغير ذلك من معاني الإيمان العظيمة يقول أرجو أن أكون منهم لا يجزم بذلك لنفسه كما قال الله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم أعلم بمن اتقى).
ن/ قال -رحمه الله- " فقوله (آمنا بالله) أي بأنه واجب الوجود، واحد احد متصف بكل صفة كمال منزه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها وعدم الإشراك به في شيء منها بوجه من الوجوه"
ت/ هذا الإيمان بالله الذي هو أصل أصول الإيمان قال: "أي بأنه واجب الوجود واحد احد" في نسخة (باء) كما في الهامش قال الشيخ -رحمه الله- "بأنه موجود واحد احد" وهذا هو الأولى أن يُثبت -الذي في الهامش- لأن لفظة "واجب الوجود" أولا: فيها إجمال، ثانيا: ليست في الكتاب والسنة، هذه اللفظة ليست في الكتاب والسنة وهي من الألفاظ التي أحدثها المتكلمون، وربما عدها
بعضهم في الأسماء، في أسماء الله، وأيضا المتكلمون حملوا هذه اللفظة -واجب الوجود- حمّلوها معاني باطلة، مما حملوا هذه اللفظة تعطيل الصفات، يدخلون معنى "واجب الوجود" تحت تعطيل كثير من صفات الله الثابتة في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. بعض أهل السنة قد يستعمل هذه اللفظة خاصة في باب المناظرة مع المتكلمين على المعنى الصحيح لا على المعاني الفاسدة التي أدرجها المتكلمون في هذه اللفظة، فيطلقونها على معنى صحيح وهو وجود الله بنفسه وأنه غني عمن سواه، غني عمن سواه، لكن جملة لا نحتاج إليها هذه اللفظة واجب الوجود يغنينا عنها هو الأول قال عليه الصلاة والسلام (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ويغني عنها أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته الثابتة في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فالأولى تجنب هذه اللفظة لكن بعض أهل العلم من أهل السنة قد يستعملها في المناظرة، ابن تيمية أحيانا في المناظرة في مناقشة المعتزلة والمتكلمين يذكر هذه اللفظة في ذاك السياق لكن لما ألف في العقيدة -عقيدة السلف- التي هي كتابه العقيدة الواسطية قال: "التزمت بألفاظ الكتاب والسنة" وأيضا هنا مثل هذا المقام توضيح معاني كتاب الله يؤتى بألفاظ الكتاب والسنة وتُتجنب الألفاظ التي فيها التي فيها إجمال فالأولى أن يُقال بأنه موجود واحد احد متصف بكل صفة كمال، مُنزه عن كل نقص، مستحق لإفراده بالعبادة كلها وعدم الإشراك به في شيء منها بوجه من الوجوه، أو أن يُقال أن الإيمان بالله ينتظم أركان الإيمان بالله الثلاثة: الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته، والإيمان بوحدانية الله في أسمائه وصفاته، والإيمان بوحدانية الله في ألوهيته بأنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه. نعم

ن/ قال رحمه الله: "قوله: (وما أنزل إلينا) يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الباري وصفات رسله واليوم الآخر والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية وأحكام الجزاء وغير ذلك، (وما أنزل إلى إبراهيم) إلى آخر الآية فيه: الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء والإيمان بالأنبياء عموما وخصوصا ما نصّ عليه في الآية لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب أن يُؤمَن بهم على وجه العموم والشمول ثم ما عرف منهم بالتفصيل وجب الإيمان به مفصلا"
ت/ نعم هذا يؤجل..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ،اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق