بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ..
انتهى بنا الحديث في اللقاء السابق عند استعراض أول السورة الكريمة ، وأول السورة الكريمة- كما ذكرنا – فيه إشارة إلى موقف المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى بعض افترائهم وإلى ما واجهه صلى الله عليه وسلم وفي أثناء ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .
ثم تجيء هذه الآيات التي سندرسها في هذا اللقاء لتذكر أمثلة مما واجهه أنبياء الله عز وجل إخوانه عليه الصلاة والسلام من الأنبياء السابقين، ما واجهوه من الصدّ والإعراض وموقف أممهم المكذبة ، وابتدأت الآيات الكريمة بقصة نوح عليه السلام
فبعد أن قال عز وجل ﴿مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24] فريق المؤمنين وفريق المكذبين أعقب ذلك بمثال على أحوال الفريقين عندما تأتيهم رسل الله بين مؤمن ومكذِب فقال عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا﴾ ( لقد ) هذه للتحقيق والتأكيد، لتأكيد إرساله عليه الصلاة والسلام.
﴿نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ*أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ﴾ هذه الآية فيها وقفات :
أولا: الوضوح في الدعوة إلى الله عز وجل ، وضوح المهمة، وضوح الغاية ، وضوح الهدف وضوح المقصد يقول الله عز وجل (لقد أرسلنا ..) فهو تحديد للجهة التي يُرسل إليها (إِلَىٰ قَوۡمِهِ)، (إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ) تحديد المُهمة، (أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ ) تحديد هدف دعوته وما الذي يريده منهم ، ثم قال ﴿ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ﴾ عاقبة الإعراض والصدّ، فهو الحقيقة اختصر الدعوة كلها في هذين السطرين وهذا يعكس وضوح الرؤية عند الداعية إلى الله عز وجل وهو يدعو الناس ويعرض عليهم بضاعته أن يكون واضح محدد بحيث لا يلتبس على الناس ولا يشتبه، مع هذا الوضوح وهذا البيان ماذا كان موقف قومه من دعوته؟
قال الله عز وجل عنهم ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا ..﴾ تأمل دخول حرف الفاء حيث يقول (فقال الملأ ..) بمعنى أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب يعني أن قولهم ومبادرتهم إلى هذا الجواب دون تفكّر، دون تأمل، مباشرة ما إن دعاهم إلا قالوا هذا القول ، وهذا الحال – الحقيقة – لا تصدر إلا ممن لم يتأمّل الأمر ولم يتبصّر فيه، (فقال...) وتخصيص القول بـ (الملأ) أصل الملأ هم السادة والكُبراء لأن الحقيقة الذي يواجه الدعوة إلى الله عز وجل والدُعاة إلى الله والمُصلحين من أتباع الأنبياء هم هذا الملأ الكافر، كُبراء الناس ورؤساؤهم وقادتهم والوجهاء هم الذين يواجهون دعاة الله من الأنبياء وغيرهم، هم الذين يصدون الناس عن الحق وعن سبيل الله ولذلك قال الله عز وجل في الآية الأخرى (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل) فأعظم أسباب ضلال الأمم هؤلاء السادة والكُبراء لأن عندهم مكاسب دنيوية يخشون ذهابها بسبب الإيمان، لأن الإيمان بالله يُحرر الإنسان من العبودية لغير الله ، وهؤلاء السادة والكُبراء قد استعبدوا الناس ولذلك أول من يقف في وجه الدعوة إلى الله – كما سنلحظه في هذه السورية كلها – أول من يقف في وجهها أولئك الملأ الكافر. ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا ﴾ انظروا الآن ما هي الأسباب التي جعلتهم يُكذِّبون ، يقولون ﴿ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا ﴾ فأنت بشر، يجب أن تكون مَلَك ، وهذا جهل بطبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ، الرسول أصلا لماذا جاء؟ ليبلِغهم رسالات الله، ليُعلمهم الحق والباطل ، ليقتدوا به ، لو جاءهم في صورة ملَك حقيقي كيف سيأنسون به؟ كيف سيتلقون عنه الشريعة؟ كيف سيقتدون به ؟ يكفي أن يقول والله هذا ملَك وأنا لا أستطيع أن أقلده لديه طاقة وقدرة ليست مثلي فلا أستطيع أن اقتدي به، فإذا هم جهلة بطبيعة الرسالة ومهمة الرسول، ثم هل هم من يرسلون الرسول حتى يتحكموا في نوع الرسول . إذا هذا السبب الأول ﴿مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا ﴾ يعني لماذا تفضل علينا ، لماذا الله أختصّك أنت؟ وهذا اعتراض على اختيار الله عز وجل ولذلك ردّ الله عليهم في الآية الأخرى (الله يصطفي من يشاء ويختار ) وقال عز وجل (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) هو الذي يصطفي عز وجل وهو الذي يختار.
/ ثم قالوا أيضا ﴿ وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ﴾ يعني لم يتبعك الكُبراء والرؤساء وإنما اتبعك الأراذل من الناس، (أراذل) جمع أرذل وهو الحقير من الناس ، الضعفاء من الناس يسمونهم أراذل لأن المقاييس عندهم مختلة ، كم نسبتك؟ كم عندك في البنك؟ كم رصيدك في البنك؟ كم عندك من القوة والجاه والسلطة ، هذه هي الموازين، وهذه موازين أرضية مختلة ليس لها أدنى اعتبار عند الله عز وجل ولذلك لا يلتفت الله إليها ولا ينظر إليها وليست أثر على الإنسان وهي غير مؤثرة على الحكم على الإنسان.
/ قال ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ ﴾ وهذا تهمة أخرى حيث يقولون (بادي الرأي ) يعني أن أولئك الأراذل من صفتهم أنهم يتبعون الشيء دون أن يكون لهم رأي مجرد يظهر لهم شيء يتابعونه، رأيهم بادي يعني يأخذون الظاهر فقط ما يتعمقون، ما ينظرون إلى خبايا الأمور وإلى الأسرار وإلى ما وراء المقاصد، فإذاً إذا كان هؤلاء الأراذل لا يفعلون هذا وهذه صفتهم فمعناه أنهم هم أصحاب الرأي الذين ينظرون إلى خبايا الأمور وما يستتر منها، هم يذمون غيرهم ويُزكون أنفسهم.
﴿وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ﴾ ليس لكم علينا فضل ولا تميّز فلماذا يختاركم الله ؟!
/ قال ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ ﴾ وهذا تهمة أخرى حيث يقولون (بادي الرأي ) يعني أن أولئك الأراذل من صفتهم أنهم يتبعون الشيء دون أن يكون لهم رأي مجرد يظهر لهم شيء يتابعونه، رأيهم بادي يعني يأخذون الظاهر فقط ما يتعمقون، ما ينظرون إلى خبايا الأمور وإلى الأسرار وإلى ما وراء المقاصد، فإذاً إذا كان هؤلاء الأراذل لا يفعلون هذا وهذه صفتهم فمعناه أنهم هم أصحاب الرأي الذين ينظرون إلى خبايا الأمور وما يستتر منها، هم يذمون غيرهم ويُزكون أنفسهم.
﴿وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ﴾ ليس لكم علينا فضل ولا تميّز فلماذا يختاركم الله ؟!
﴿بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ﴾ الظن في اللغة: الشك ، وقد يطلق الظن ويراد به الجزم واليقين على وجه التحقق مثل قوله عز وجل (فما ظنكم برب العالمين) وقوله (الذين يظنون) يعني يوقنون، لكن يأتي الظن بمعنى الشك، والآية تحتمل الأمرين وعلى الاحتمالين هم مذمومون، إن كان بمعنى الشك فهم كيف يكذبون لمجرد الشك، الإنسان ما يُكذِّب بشيء إلا إذا كان متيقنا أنه باطل، هذه واحدة.
إن كان الظن هنا بمعنى اليقين فأيضا هم مذمومون لأنهم ما ذكروا من أسباب يقينهم أسبابا منطقية ، قالوا إنك بشر واتبعك الضعفاء وما نرى لك علينا من فضل وهذه ليست أسباب تجعلهم يتيقنون بكذب النبي صلى الله عليه وسلم. واضح هذا الكلام (بل نظنكم كاذبين ) .
أمام هذا الكلام المملؤ تبجح والمملؤ غرور وطعن في الناس ماذا كان جواب نوح عليه السلام؟ جواب في غاية الصبر وغاية الحلم، في غاية العقل وأخذهم بالحلم والصبر.
﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي﴾ يعني على طريقة واضحة لا شك فيها ولا تردد ، ﴿ وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ ﴾ وهي الهداية للحق وإصابته ومعرفته، ﴿ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ ﴾ يعني خفيت عليكم، ﴿ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ﴾ يعني يقول هب يا قومي ، يعني دعونا نأخذها من باب عقلي ومنطقي ، يقول على فرض لو كنت أنا على بينة هب أنني على بينة واضحة من الله وأن الله رحمني وأنكم في المقابل عميت عليكم هذه الرحمة والهدى هل أملك أن ألزمكم بمتابعتي؟ ما أملك ذلك ﴿ وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ﴾ هذا أمر.
ثم قال لهم ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡــَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ﴾ وهذا كثيرا ما يأتي عند الأنبياء أن يؤكدوا هذا المعنى ، دائما الأنبياء تجدوهم يقولون لا أسألكم عليه مالا، لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري الا على الله، ونبينا يقول (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إذا الأنبياء يركزون على هذا المعنى لأن دائما وإلى يومنا هذا كل الصادِين عن سبيل الله المعرضين عن الحق دائما يتهمون الأنبياء ودعاة الحق من أتباع الأنبياء أنهم أصحاب مطامع ومطامح وأهداف ومرامي ، دائما هذه تهمتهم ولذلك يجب على الدعاة أن يركزوا على هذه القضية أنهم ليسوا أصحاب مطامع وليس لهم أي هدف دنيوي مستشعرين قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ربه (قل لا أسألكم عليه أجرا) وهذا من خصائص دعوة الأنبياء التأكيد على هذا الأمر أنهم ليس لهم أي هدف ولا مقصد ، وهذا يجعل الناس يتقبلون دعوتك وما تدعوهم إليه لأنك لست صاحب مطمع ولا مطمح.
/ قال ﴿ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ ﴾ لأنه لا يملك الإنسان أن يُبعد المؤمنين لأن هؤلاء آمنوا بالله عز وجل فلا يملك صدهم حتى ولو كان النبي، ﴿ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ ﴾ يعني الله هو الذي يجازيهم إن كانوا محسنين جازاهم ، وإن كانوا مسيئين عاقبهم أما أنا فليس لي أن أفعل ذلك.
﴿ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ﴾ يعني مع ذلك وبصدق وأمانة أرى أنكم تجهلون يعني فيكم الجهل، كيف تردون الحق بأسباب لا دخل لها، هل قال قوم نوح إن الحق الذي جئت به فيه كذا وكذا من العيب والضلال، فيه هذا الانحراف ، أبداً ما قالوا ذلك ، ولذلك قال (إنكم قوم تجهلون).
إن كان الظن هنا بمعنى اليقين فأيضا هم مذمومون لأنهم ما ذكروا من أسباب يقينهم أسبابا منطقية ، قالوا إنك بشر واتبعك الضعفاء وما نرى لك علينا من فضل وهذه ليست أسباب تجعلهم يتيقنون بكذب النبي صلى الله عليه وسلم. واضح هذا الكلام (بل نظنكم كاذبين ) .
أمام هذا الكلام المملؤ تبجح والمملؤ غرور وطعن في الناس ماذا كان جواب نوح عليه السلام؟ جواب في غاية الصبر وغاية الحلم، في غاية العقل وأخذهم بالحلم والصبر.
﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي﴾ يعني على طريقة واضحة لا شك فيها ولا تردد ، ﴿ وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ ﴾ وهي الهداية للحق وإصابته ومعرفته، ﴿ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ ﴾ يعني خفيت عليكم، ﴿ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ﴾ يعني يقول هب يا قومي ، يعني دعونا نأخذها من باب عقلي ومنطقي ، يقول على فرض لو كنت أنا على بينة هب أنني على بينة واضحة من الله وأن الله رحمني وأنكم في المقابل عميت عليكم هذه الرحمة والهدى هل أملك أن ألزمكم بمتابعتي؟ ما أملك ذلك ﴿ وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ﴾ هذا أمر.
ثم قال لهم ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡــَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ﴾ وهذا كثيرا ما يأتي عند الأنبياء أن يؤكدوا هذا المعنى ، دائما الأنبياء تجدوهم يقولون لا أسألكم عليه مالا، لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري الا على الله، ونبينا يقول (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إذا الأنبياء يركزون على هذا المعنى لأن دائما وإلى يومنا هذا كل الصادِين عن سبيل الله المعرضين عن الحق دائما يتهمون الأنبياء ودعاة الحق من أتباع الأنبياء أنهم أصحاب مطامع ومطامح وأهداف ومرامي ، دائما هذه تهمتهم ولذلك يجب على الدعاة أن يركزوا على هذه القضية أنهم ليسوا أصحاب مطامع وليس لهم أي هدف دنيوي مستشعرين قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ربه (قل لا أسألكم عليه أجرا) وهذا من خصائص دعوة الأنبياء التأكيد على هذا الأمر أنهم ليس لهم أي هدف ولا مقصد ، وهذا يجعل الناس يتقبلون دعوتك وما تدعوهم إليه لأنك لست صاحب مطمع ولا مطمح.
/ قال ﴿ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ ﴾ لأنه لا يملك الإنسان أن يُبعد المؤمنين لأن هؤلاء آمنوا بالله عز وجل فلا يملك صدهم حتى ولو كان النبي، ﴿ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ ﴾ يعني الله هو الذي يجازيهم إن كانوا محسنين جازاهم ، وإن كانوا مسيئين عاقبهم أما أنا فليس لي أن أفعل ذلك.
﴿ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ﴾ يعني مع ذلك وبصدق وأمانة أرى أنكم تجهلون يعني فيكم الجهل، كيف تردون الحق بأسباب لا دخل لها، هل قال قوم نوح إن الحق الذي جئت به فيه كذا وكذا من العيب والضلال، فيه هذا الانحراف ، أبداً ما قالوا ذلك ، ولذلك قال (إنكم قوم تجهلون).
ثم قال الله عز وجل ﴿وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 30] يعني لأن الله أمره أن يبلغ الرسالة، فإذا آمن به أحد لا
يستطيع أن لا يقبل إيمانه، أو أن يرده، لأنه بذلك يكون خالف المهمة التي بعثها بها
الله عز وجل (فمن ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون) ثم قال لهم بعد أن لمزوه
بالضعف، وقلة المال، وقلة سعة الدنيا، قال ﴿ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ الخزائن: المكان الذي يخزن فيه المال ويجمع، قال ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ ﴾ يعني ليس عندي خصائص
خارقة للعادة تجعلكم تتابعونني، أبدا، أنا بشر مثلكم ولا أعلم الغيب، ﴿وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ لو قلت شيئا من هذه الأمور، لو ادعيتها
فأنا ظالم، لأن هذا ليس فيّ، وانظر التجرد في الدعوة إلى الله والوضوح، وعدم الانجرار إلى طريقة أولئك المكذبين، بل نعم، حينما تقولون أنني لا أملك
مال، نعم أنا لا أملك مال، حينما تقولون إنني بشر، نعم أنا بشر، حينما تقولون أنني
اتبعني البسطاء من الناس، نعم ولا عيب في ذلك.
﴿إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ الحقيقة هذه الآية الكريمة فيها أو هذه الآيات الكريمة وفي خطاب نوح، فيها أسلوب الحوار الهادئ الذي لا ينفعل مع شدة الإعراض مع التجني الذي يفعله
أولئك الناس، يعني فعلا تشعر من كلامهم أن فيه تجني، وفيه سوء أدب بالغ، ومع ذلك ما استفزه هذه الإساءة بل كان صابرا حليما في غاية من الهدوء في
الحديث، وكلامه معهم في غاية من الرأفة والرحمة بهم.
أيضا الآية تدل على أن دين الله ليس حكرا على أحد، الله عز وجل لم يرسل رسله لطائفة خاصة من
الناس، أصحاب مواصفات خاصة، لا، بل هذا الدين هو للخلق جميعا، غنيهم وفقيرهم،
شريفهم، ووضيعهم، كبيرهم، وصغيرهم، عربيهم، وعجميهم، هذا الدين للجميع ليس حكرا
على أحد، ولذلك ما ملك نوح عليه السلام أن يطرد أحدا من المؤمنين، حتى لو كانوا
أراذل في زعم أولئك المكذبين، وأيضا الآيات تؤكد على حقيقة طبيعة النبي، طبيعة
الرسالة، طبيعة المهمة أن الله بعثه لينذر الناس ويبين لهم خطأهم وضلالهم، وليس
شيء أكثر من هذا، وليس شيء بعد ذلك، بل هو يأمر ويبلغ الناس دين الله عز وجل.
ثم
أمام هذه الدعوة، أمام هذا الكلام الواضح البيّن، أمام هذه الحجة القاطعة ماذا كان
جواب قوم قوم نوح؟ كان جوابهم جواب العاجز الذي انقطعت حجته، فماذا قالوا؟ ﴿قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [هود: 32] هذه طريقة المكذبين بالله تنقطع بهم الحجة، تنقطع براهينهم، تنقطع أدلتهم، ما يبقى
عندهم شيء، يعني يفلسون في هذا الجانب، فيلجؤون إلى الحماقة ويقولون أنك جادلتنا أكثرت الجدال، يكفي، ائتنا بما
تعدنا، استعجال للعقوبة، وهذا كل المكذبين لأنبياء الله قالوا ذلك -كما
سيأتي معنا استعراضا- ومع هذا حينما يقولون هذا الكلام الدال على يأسهم وعجزهم
المفظع أيضا هذا الكلام لا يستفز نوح عليه السلام، فيخرج عن الإطار الذي كلفه
الله به، قال ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ [هود: 33]، ليس بيدي أن
أعذبكم، حتى لو أردت ذلك، بل الأمر لله عز وجل، فقال (إنما يأتيكم به الله إن شاء) يعني إن أراد، وإذا أراده ما أنتم بمعجزين، يعني لا تفوتون الله إذا
أراده.
ثم قال ﴿وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [هود: 34] ويقول لهم يعني مهما أنا أجتهد في نصيحتكم وتبليغكم الحق إن
كان الله لم يرد هدايتكم، ولا توفيقكم إلى سبيل الحق فإني مهما أوتيت من البلاغة،
مهما أوتيت من الحجة، مهما أوتيت من الأدلة إنني لن أستطيع هدايتكم لأن الله ما
أراد ذلك (إن كان الله يريد أن يغويكم) يعني إن كان الله يريد إضلالكم عن الحق (هو
ربكم) يعني هو مالككم الرب المتصرف في خلقه، (هو ربكم وإليه ترجعون) فيحاسبكم على
أعمالكم.
عندئذ بعد أن عرضت الآيات الكريمة لدعوة نوح دعوة واضحة إلى حجج قومه حجج
واهية، وجوابهم عن قول نوح يقول الله عز وجل: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ﴾ [هود: 35]، اختلف المفسرون في هذه الآية:
بعضهم قال: إنه لا زال
الكلام في سياق دعوة نوح، يعني يقولون افتراه، يعني افترى هذا
الكلام ولم يرسله الله، (فعلي إجرامي) الإجرام من الجرم وهو: اكتساب الإثم.، يعني فعلي ما أكتسبه من إثم، وعليكم ما تكتسبون.
وقيل: إن الآية جملة
اعتراضية تشير إلى قول كفار مكة، جاءت في سياق الكلام، ولكن الأول هو الأولى،
لأن سياق الكلام يأخذ بعضه بحجز بعض.
ثم قال عز وجل بعد ذلك ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [هود: 36]
نزل عليه الوحي من الله
عز وجل بالحقيقة القاطعة أنه لن يؤمن بعد ذلك أحد (إلا من قد آمن) ودخول حرف (قد) للتحقيق يعني إلا من تحقق إيمانه ، المتردد لن يؤمن، الشاك لن يؤمن، المُكذب أصلا لن يؤمن، فقط، لن يؤمن بك ويتابعك إلا من قد رسخ وثبت إيمانه قبل ذلك، (فلا تبتئس
بما كانوا يفعلون) الابتئاس افتعال من البؤس يعني، فلا يصيبك الهم والحزن بسبب هذه
الحقيقة.
وعندئذ، بعد أن تأتي هذه الحقيقة، يأمره عز وجل أن يتجه إلى فعل أسباب
نجاته هو ومن آمن قال ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا﴾ [هود: 37] أمره عز وجل أن يصنع الفلك وهي السفينة (بأعيننا) بمرأى منا وحفظنا ورعايتنا لك، (ووحينا) يعني تعليمك أيضا،
فهو يصنع هذا الفلك بأمر الله، وبمرأ من الله، وبتعليم من الله عز وجل بأعيننا
ووحينا، ﴿ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ يعني حتى مع ألف سنة إلا خمسين عاما
ما آمنوا به، وقال عن الذين آمنوا ( فما آمن معه إلا قليل) ومع ذلك
نوح حتى بعد هذا ينهاه ربه أن يخاطبه على سبيل الرحمة والشفقة والشفاعة لقومه أن يؤخروا، وأن ينظروا، انتهت المسألة حتى الله عز وجل ينهاه عن مجرد
طلب الإنظار لهم، وانظر مقدار الشفقة والرحمة التي جبلت عليها قلوب أنبياء الله عز
وجل ورسله،.
بعد ذلك نوح عليه السلام الذي ما ترك شيئا لدعوة قومه إلا فعله، يأتيهم ليلا ونهارا، يغشاهم في أنديتهم، في مجالسهم، في أماكن إقامتهم، يدعوهم
جهارا نهارا، يدعوهم جماعات وأفراد، أربع وعشرين ساعة دعوة إلى الله، فجأة يقطع ذلك كله،
فلا يكلمهم ولا يغشى أنديتهم، ولا يذهب إلى أماكن اجتماعهم، لا يخاطبهم، يترك هذا
كله، ويتجه هو ومن آمن معه إلى سفينة يصنعونها، أخشاب، أعواد يصنعون منها سفينة،
يصنعون السفينة، أين؟ في مناطق ليس بقربها بحر، وليست قريبة من بحر، حتى إن الأمر
أثار سخرية قوم نوح ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ ﴾ [هود: 38] يقولون
يعني هذا الذي كان طول وقته ليله ونهاره، يدعونا يعرض عنا ويتجه إلى سفينة
يصنعها في هذه المنطقة التي ليس بقربها بحر، هل يا ترى سيسبح فوق السحاب؟ أم فوق
الجبال؟ من باب السخرية، وهذا -سبحان الله- من إملاء الله عز وجل وإمداده للمكذبين
به (ويذرهم في طغيانهم يعمهون) يعني ما منهم وقف قال هذا الذي ما ترك من سبيل
إلا وفعله ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعونا في لحظة يدع هذا كله، لماذا؟ على الأقل ما
سألوا هذا السؤال، ولذلك يسخرون، وماذا كان جواب نوح ومن معه؟ ﴿قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ﴾ إن تسخروا منا لأننا نصنع هذه السفينة في هذا المكان نحن نسخر منكم لجهلكم بما ينتظركم وما سيحل بكم، والحقيقة إن
السخرية هي من طباع وأخلاق المكذبين لرسل الله، دائما تجدهم يسخرون، وانظروا في حال كثير من الناس الذين يسخرون بدين الله عز وجل ويسخرون بالمتمسكين به،
الملتزمين به، هذه حالهم دائما الاستهزاء والسخرية، وهم في ذلك أشبه ما يكونوا بالمكذبين لرسل الله عز وجل.
و في الآية الكريمة أيضا إشارة إلى قول
الله عز وجل فيها ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ﴾ [هود: 38] ﴿فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ﴾ [هود: 39] يقول لهم نوح إن تسخروا منا لأننا قد انشغلنا
بصناعة هذه السفينة، فإنا نسخر منكم بسبب ضلالكم وجهلكم بما ينتظركم من العقوبة ( فإنا نسخر منكم كما تسخرون) لم؟ (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) من يأتيه العذاب
الذي يخزيه غاية غاية الخزي، والخزي المقصود به: أشد أنواع الذل و والهوان، (من
يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه) يعني يحل عليه عذاب مقيم. سبحان الله، هذه الآية
فيها إشارة إلى أن العذاب سينزل بهم عذاب عظيم لا يدع منهم شيئا، ولذلك قال (يحل
عليهم) والحلول: النزول بالمكان، كأنه عذاب ينزل بهم، يستقر عندهم، ولم يكتفي بهذا بل قال (ويحل عليه عذاب مقيم) فهو يحل، وأيضا يقيم بهم فمعناه: أن هذا العذاب لن
يدع منهم أحدا ولن يترك منهم أحد، وتأملوا حينما قال (ويحل عليه عذاب) (عذاب) هذه
جاءت بصيغة نكرة، ودائما خذوها قاعدة عامة النكرة في القرآن: إما أن تقتضي التقليل
والتحقير، أو التفخيم والتعظيم، وهنا جاءت يراد بها التفخيم والتعظيم، كيف نفرق
بين أن تكون النكرة من باب التقليل، أو من باب التفخيم؟ بحسب السياق، السياق حاكم على ذلك، فالسياق إذا كان يقتضي التقليل فهي كذلك، وقد
يأتي السياق يقتضي التفخيم، وسياق الآيات هنا يقتضي تفخيم تلك العقوبة التي تنزل بأولئك المكذبين.
وهذه الآيات الكريمة فيها عدد من
الإشارات التي يحسن التأكيد عليها :
الأول: أن ترك نوح لدعوتهم وانصرافه عنهم كان
بأمر الله عز وجل، جلس ألف سنة لا يتردد في دعوتهم ولا يتأخر، واقرءوا أول
سورة نوح عليه السلام: (قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا* فلم يزدهم دعائي إلا
فرارا* وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا* ثم إني دعوتهم جهارا* ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم
إسرارا) فهو اجتهد غاية الاجتهاد في دعوتهم، لم يتوقف لحظة، لكن لما جاءه الوحي من
الله انتهت المهمة، انتهى البلاغ. انتهى دورك، توقف، لأنه أصلا ليس له هدف، ليس له
مغنم أو مكسب من دعوته، بل هو ينفذ أمر أمر الله، من أمره بالبلاغ أمره بالتوقف،
فيكُف عن هذا كله، وعن دعوتهم، ولما بين الله له عز وجل أنه لن يؤمن أحد
من قومه جاء الاستدراك في الآية قال (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) وهذا يكشف عن
جزء مما مما انطوت عليه قلوب الأنبياء والمرسلين من الرحمة بأممهم والشفقة عليهم -وسيأتي في ثنايا الآيات ما يدل أيضا على هذا المعنى- وهذا -سبحان الله - صفة ملازمة لكل داع إلى الخير، صفة الرحمة والشفقة والرأفة بالناس، هذه
صفة ملازمة لكل داع إلى الخير، كل أتباع الأنبياء من الدعاة والمصلحين، كلهم ما
تشك، بل لا يشكل عليك ولا يصعب عليك أن ترى معاني الرحمة والشفقة
فيهم، في أقوالهم، في سلوكهم، في تصرفاتهم مع الناس، وهذه صفة لا تبارح الدعاة إلى الله، السخرية الغفلة المطبقة عن الحق هذه أيض صفة تميز كل من أعرض عن
سبيل الله وصد عنه.
ثم قال الله عز وجل بعد أن صنع السفينة ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾ [هود: 40] قوله (حتى إذا جاء أمرنا) المقصود: يعني أمر إغراقهم، أو جاء الأمر يعني الشأن الذي وُعدوا به، وهذا وذاك قريب
المعنى منه، يعني الأمر المتعلق بإغراقهم،
قال الله عز وجل (حتى إذا جاء أمرنا
وفار التنور) فهنا ترى الاقتران بين مجيء الأمر -يعني مجيء العذاب وما قضى الله- وفوران التنور، وهنا وقع خلاف بين المفسرين في معنى (وفار التنور).
أولا: التنور
المراد به الفرن الذي يُخبز فيه الخبز، وهذه موجودة قديما يعني أفران تصنع على
الأرض خاصة وتحفر في الأرض تكون خاصة بصناعة الخبز ونحوه، وقد اختلف المفسرون
في معنى أو المقصود بهذه الآية.
قوله (وفار) الفوران هو الغليان، أصل الفوران غليان القدر، فإذا معنى فار التنور يعني ظهر الماء فيه وتقلب وخرج منه، أصح القولين
في معنى فوران التنور أحد أمرين:
إما أنه على ظاهره والمقصود به فعلا خروج الماء من
تحت الأرض من فم التنور فإذا فجعل الله عز وجل ذلك علامة لنوح إذا فار التنور أن
يركب السفينة، معناها أن العذاب قد قرُب نزوله بهم، هذا قول وهو ظاهر الآية.
المعنى الآخر: أن قوله (فار التنور) يعني المقصود به أن الأمر اشتد وقرب نزول العذاب بهم، مثل قولك "حمي الوطيس" يقول "الآن حمي
الوطيس" الحقيقة ليس هناك شيء يحمى وإنما المقصود شدة الأمر، مثل قولك "بلغ السيل الزبى" يعني وصل أعلى شيء، وليس بالضرورة أن هناك سيل قد بلغ، تقول "وفاضت الكأس" مثلا شخص يعني أغضبك تقول "فاضت بي الكأس" وليس هناك كأس حقيقية تفيض إنما هذه ألفاظ عربية أمثلة يُقصد بها أن الأمر وصل إلى حده ونهايته،
فمعنى (فار التنور) يعني وصل الأمر إلى حده خلاص الآن ستنزل بهم العقوبة،
عندئذ تصعد أنت ومن معك على السفينة ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ﴾ [هود: 40] يعني احمل في السفينة من كلٍ زوجين، الزوجين
مثنى زوج، والزوج يطلق على كل مقترنين، كل مقترنين يسمى كل واحد منهم زوج، يقال
للمرأة زوج وللرجل زوج باعتبار أنهما مقترنان، فكل مقترنين يسمى كل منهما
زوج سواء اجتمعا أو انفردا، ولذلك قال (من كل زوجين إثنين) يعني المقصود به
الذكر والأنثى من كل نوع وذلك لأن العذاب الذي سيأتي سيهلك قوم نوح والأرض
جميعها فحفظا لبقاء نوع الكائنات أمر الله عز وجل أن يصطحب معه في السفينة من كل نوع من أنواع الكائنات زوجين.
ثم قال عز وجل ﴿وَأَهۡلَكَ﴾ أهل الرجل يعني
أهل بيته، ﴿ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ ﴾ يعني احمل فيها أهلك، (إلا من سبق عليه
القول) أنه لا يكون من أهلك، أو أنه لا يكون معك، ﴿ وَمَنۡ ءَامَنَۚ ﴾ يعني واحمل أيضا من آمن بك من المؤمنين.
ثم قال عز وجل ﴿ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾ هذه الآية الكريمة
فيها إشارة إلى مسألة ينبغي أن يتفطن لها الدعاة إلى الله عز وجل، نوح
عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ألف سنة وهو يدعو قومه بدون كلل، بدون ملل، وبعد هذه الألف السنة آمن به أناس، كم مقدار هؤلاء الذين آمنوا؟ يصفهم
الله بقوله (وما آمن معه إلا قليل) يعني قليل من الناس، ومع ذلك نوح عليه السلام هو
أول الأنبياء، وهو من أولي العزم، لأن مسألة الإيمان والهداية والقبول والانقياد
هذه ليست بيد أحد من الناس، لو كنت ما كنت، ليست بيدك، هذه بيد الله عز وجل يهدي
من يشاء ويضل من يشاء، قلوب العباد بيد الله عز وجل هو الذي يهديهم، وهو الذي يضلهم، لكن ما الواجب عليك؟ أنت؟ الواجب أن تبلغ رسالة الله عز وجل، أتم
بلاغ وأبلغه وأوضحه، أما أثر ذلك في الناس مدى انقيادهم، مدى قبولهم، مدى تسليمهم،
مدى متابعتهم للحق هذا لست مسؤولا عنه، ولا يسألك الله عنه يوم القيامة، لكن الذي
يسألك الله عنه يوم القيامة هو التبليغ للحق بوضوح، والدعوة إليه، والجد في هداية
الناس للحق، أما أثر ذلك في الناس فلست مطالبا به، ولا يسألك الله عنه، نعم، قد
ترى ثمرة عملك، وترى الناس انقادوا إلى الحق وقبلوه، وقد لا تراها، ولكن هذا لا
ينقص من أجرك شيئا. ولذلك، كما ذكرنا في الحديث قبل قليل (ويأتي النبي وليس معه
أحد) نبي من الله عز وجل موحى إليه ومؤيد بالملائكة ومؤيد بالأدلة والمعجزات،
ومع ذلك ما يقبل دعوته أحد، فإذن هذا يجب أن يكون الدعاة إلى الله، إلى المصلحين،
أتباع الأنبياء، السائرون على طريقهم، يجب أن يكونوا على وعي من هذه
الحقيقة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. ناصر بن محمد الماجد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق