بعض الناس يعتقد بأن سورة مريم تتحدث عن المعجزات، وأغلب العلماء قالوا بأن هذه السورة تتحدث عن الرحمة. وهذه المعاني صحيحة وجميلة جدا ومعروفة لكن الشيء الذي يشدني إلى سورة مريم في كل مرة أقرأها فيها:
ماذا تفعل عندما تصبح كل الأسباب ضدك؟
هذا السؤال موجود في كل السورة تقريبا. ليس مرة واحدة فقط، أي أن المشهد يتكرر لكن بأشكال مختلفة، ومع شخصيات مختلفة.انظروا مثلا إلى سيدنا زكريا عليه السلام في أول قصة، كل الأسباب ضده: كبر السن. ضعف الجسد. عقم الزوجة.
ثم نأتي الى مريم عليها السلام
كل الأسباب ضدها أيضا: فتاة وحيدة ، حمل بلا زوج ، ومواجهة مع مجتمع كامل.
ثم تأتي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام
كل الأسباب ضده: أب يرفض هذه الدعوة ، وبيئة وثنية ، وقوم معاندون.
ثم تأتي قصة سيدنا موسى عليه السلام خائف مطارد ثم يكلف بأعظم مهمة أن يذهب لمن؟ إلى فرعون.
ثم تأتي قصة سيدنا موسى عليه السلام خائف مطارد ثم يكلف بأعظم مهمة أن يذهب لمن؟ إلى فرعون.
وكأن السورة كلها تدور حول فكرة واحدة ماذا لو قالت لك الأسباب مستحيل والله عز وجل (كن).
هذه السورة العظيمة من السور التي تعيد للإنسان توازنه النفس، وتؤجج حبه لله عزوجل لأن فيها لحظة يمر الإنسان من خلالها لا تكون فيها المشكلة بأن الأبواب مغلقة، بل أن الأبواب مغلقة منذ الأزل، وكأنها خُلقت بدون مفتاح.
في البداية الإنسان يكون عنده أمل ثم يبدأ هذا الأمل يقل،ثم يبدأ بالتأقلم، ثم يصل إلى مرحلة لا يعود ينتظر فيها أي شيء ليس لأنه يئس من الله عز وجل بل لأنه تعب من الانتظار.
أنا أظن بأن سورة مريم نزلت لتخاطب هذه المنطقة في النفس بالذات، منطقة الأمنيات القديمة التي طال انتظارها، الأشياء التي لم تعد تؤلمك كل يوم لشدة ما آلمتك لكنها ما زالت موجودة في منطقة ما من قلبك. ولذلك تبدأ السورة بواحد من أكثر المشاهد إنسانية في القرآن الكريم.. ليس نبيا يواجه طاغية، ولا نبيا في ساحة معركة، بل شيخا كبيرا يدعو ويبتهل ويتضرع إلى الله عز وجل.
تأملوا معي.. كلمات زكريا (ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) لم يقل كبُرت، وإنما وصف رحلة العمر كلها كأننا نرى هذه السنوات وهي تمر أمامنا الآن.
هناك لفتة في تفسير ابن عاشور يقول بأن التعبير يرسم صورة الضعف الكامل، العظم ثم الشيب ثم العمر..
يا الله كل المستحيلات، كل شيء يقول فات الأوان لكن العجيب أن زكريا لم يبدأ بطلب الولد وإنما بدأ بذكر الله عز وجل ثم قال: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) وكأن المعنى المذهل يا رب أنا لا أطلب أن تسمح الأسباب بما أريد، أنا أطلب لأنني أعرفك..
هذه السورة العظيمة من السور التي تعيد للإنسان توازنه النفس، وتؤجج حبه لله عزوجل لأن فيها لحظة يمر الإنسان من خلالها لا تكون فيها المشكلة بأن الأبواب مغلقة، بل أن الأبواب مغلقة منذ الأزل، وكأنها خُلقت بدون مفتاح.
في البداية الإنسان يكون عنده أمل ثم يبدأ هذا الأمل يقل،ثم يبدأ بالتأقلم، ثم يصل إلى مرحلة لا يعود ينتظر فيها أي شيء ليس لأنه يئس من الله عز وجل بل لأنه تعب من الانتظار.
أنا أظن بأن سورة مريم نزلت لتخاطب هذه المنطقة في النفس بالذات، منطقة الأمنيات القديمة التي طال انتظارها، الأشياء التي لم تعد تؤلمك كل يوم لشدة ما آلمتك لكنها ما زالت موجودة في منطقة ما من قلبك. ولذلك تبدأ السورة بواحد من أكثر المشاهد إنسانية في القرآن الكريم.. ليس نبيا يواجه طاغية، ولا نبيا في ساحة معركة، بل شيخا كبيرا يدعو ويبتهل ويتضرع إلى الله عز وجل.
تأملوا معي.. كلمات زكريا (ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) لم يقل كبُرت، وإنما وصف رحلة العمر كلها كأننا نرى هذه السنوات وهي تمر أمامنا الآن.
هناك لفتة في تفسير ابن عاشور يقول بأن التعبير يرسم صورة الضعف الكامل، العظم ثم الشيب ثم العمر..
يا الله كل المستحيلات، كل شيء يقول فات الأوان لكن العجيب أن زكريا لم يبدأ بطلب الولد وإنما بدأ بذكر الله عز وجل ثم قال: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) وكأن المعنى المذهل يا رب أنا لا أطلب أن تسمح الأسباب بما أريد، أنا أطلب لأنني أعرفك..
وهذا أول درس لهذه السورة العظيمة: المؤمن لا يبني أمل على قوة الأسباب بل على معرفته برب الأسباب.
ولذلك كلما ضعفت الأسباب كان السؤال الحقيقي: ما الذي تعتمد عليه أصلا؟
ثم تأتي المفاجأة ليس فقط أن زكريا يرزق بالولد بل يرزق بيحيى، ولد لم يسمَ أحد قبله بهذا الاسم، وكأن الله لا يعطيه ما طلب فقط، بل أكثر مما تخيل.. يا الله.
ثم تنتقل السورة إلى قصة مريم عليها السلام لأن السورة لا تكتفي بقصة واحدة وإنما تقول لنا في كل قصة تعرضها: إذا ظننت ما حدث مع زكريا استثناء فتعال إلى قصة أخرى واسمع وهنا تأتي مريم..
العجيب ان مشكلة مريم عكس مشكلة زكريا تماما.. عكسها تماما، زكريا يريد شيء لا يملكه في الأساس، يتحرق شوقا للقاء هذا الولد، أما مريم ستُبتلى بشيء لم تطلبه أصلا، وقد يكون ذلك من أعقد الابتلاءات.
هناك ابتلاء يأتي لأنك تريد شيئا وهناك ابتلاء يأتي لأن الله اختارك لشيء أنت لم تكن تريده..
ومريم مثال على هذا النوع الثاني، ولهذا عندما جاءها المخاض قالت (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) من أصدق الآيات نفسيا في القرآن الكريم..
يا الله.. هذه المرأة ليست امرأة ضعيفة في الإيمان ولا امرأة ساخطة، ولا امرأة لم ترضَ بأقدار الله عز وجل لكنها إنسانة بلغت من الضغط النفسي مبلغا هائلا لا يُحتمل حتى تمنت أنها لا تعيش هذه اللحظة، والقرآن لا يخفي ذلك، لا يخفي هذا الضعف، لا يخفي هذا الخوف، لا يخفي هذا الحزن، وهذا مهم جدا في سرد القصص وخصوصا ما يتعلق بالنساء.
ولذلك كلما ضعفت الأسباب كان السؤال الحقيقي: ما الذي تعتمد عليه أصلا؟
ثم تأتي المفاجأة ليس فقط أن زكريا يرزق بالولد بل يرزق بيحيى، ولد لم يسمَ أحد قبله بهذا الاسم، وكأن الله لا يعطيه ما طلب فقط، بل أكثر مما تخيل.. يا الله.
ثم تنتقل السورة إلى قصة مريم عليها السلام لأن السورة لا تكتفي بقصة واحدة وإنما تقول لنا في كل قصة تعرضها: إذا ظننت ما حدث مع زكريا استثناء فتعال إلى قصة أخرى واسمع وهنا تأتي مريم..
العجيب ان مشكلة مريم عكس مشكلة زكريا تماما.. عكسها تماما، زكريا يريد شيء لا يملكه في الأساس، يتحرق شوقا للقاء هذا الولد، أما مريم ستُبتلى بشيء لم تطلبه أصلا، وقد يكون ذلك من أعقد الابتلاءات.
هناك ابتلاء يأتي لأنك تريد شيئا وهناك ابتلاء يأتي لأن الله اختارك لشيء أنت لم تكن تريده..
ومريم مثال على هذا النوع الثاني، ولهذا عندما جاءها المخاض قالت (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) من أصدق الآيات نفسيا في القرآن الكريم..
يا الله.. هذه المرأة ليست امرأة ضعيفة في الإيمان ولا امرأة ساخطة، ولا امرأة لم ترضَ بأقدار الله عز وجل لكنها إنسانة بلغت من الضغط النفسي مبلغا هائلا لا يُحتمل حتى تمنت أنها لا تعيش هذه اللحظة، والقرآن لا يخفي ذلك، لا يخفي هذا الضعف، لا يخفي هذا الخوف، لا يخفي هذا الحزن، وهذا مهم جدا في سرد القصص وخصوصا ما يتعلق بالنساء.
لأن بعض النساء بعض الناس يظنون بأن الصالحين لا يمرون بلحظات انهيار، لكن القرآن الكريم يُرينا أن الأنبياء والصالحين بشر يتعبون ويخافون ويحزنون ويتمنون بأنهم لم يبتلوا بتلك الابتلاءات، لكنهم في كل ذلك لا يتركون الله واللجوء اليه.
ثم تأتي آية عظيمة الله عز وجل يقول لها (وهزي إليك بجذع النخلة)
أريد أن نتوقف هنا قليلا..
امرأة مرهقة بعد الولادة مباشرة -أغلب النساء تعرف ما يعنيه ذلك الوجع- ثم يُطلب منها أن تهزّ جذع النخلة، هل كانت قادرة فعلا على اسقاط تلك الرطب؟
المفسرون يقولون بأن المقصود لم يكن قوة الهدف بل إظهار السعي، وكأن الله يعلمنا قاعدة عظيمة جدا: حتى تكون النتيجة من عند الله عز وجل يبقى عليك أن تقوم بخطوتك أنت.
⇐ ثم تنتقل السورة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام.. وهنا لون آخر من الابتلاء.
ليس ابتلاء الانتظار، ولا ابتلاء التهمة التي اتهمت فيها السيدة مريم بل ابتلاء العلاقات.
هذا الملف الذي لا يخلو أحد منا من تعقيداته، ومن أعقد هذه العلاقات علاقته مع أبوه، وكأنه أصعب الجراحية الجراح التي تأتي من الذين نحبهم، والذين لا نستطيع ان نستغني عنهم. ولهذا في هذه السورة العظيمة سيدنا إبراهيم عليه السلام يكرر هذه الكلمة التي تهز القلب: يا أبتي، يا أبتي.. المشكلة ليست مناقشة فكرية وإنما هي محاولة أخيرة لإنقاذ شخص نحبه، ثم يضطر إبراهيم أن يرحل.
هنا يأتي درس آخر: أحيانا لا نستطيع أن نغير من نحبهم وتكون الطاعة أن نترك ذلك الأمر لله عز وجل.
ثم تتوالى القصص في هذه السورة..
إسماعيل عليه السلام، سيدنا إدريس عليه السلام، سيدنا موسى..
وكلها تشترك في شيء واحد: أن الله يذكر الأشخاص الذين عاشوا له - اللهم اجعلنا منهم-
ثم تختم هذه السورة بمشهد مهيب كل هؤلاء الأنبياء. والصالحون والصالحات، والعظماء الأصفياء يوم القيامة فرادى، لا نسب، لا جاه، لا تاريخ، فقط أنت وعملك.
أحيانا أفهم لماذا بدأت السورة بزكريا وحده في المحراب وانتهت بالإنسان وحده أمام ربه
ثم تأتي آية عظيمة الله عز وجل يقول لها (وهزي إليك بجذع النخلة)
أريد أن نتوقف هنا قليلا..
امرأة مرهقة بعد الولادة مباشرة -أغلب النساء تعرف ما يعنيه ذلك الوجع- ثم يُطلب منها أن تهزّ جذع النخلة، هل كانت قادرة فعلا على اسقاط تلك الرطب؟
المفسرون يقولون بأن المقصود لم يكن قوة الهدف بل إظهار السعي، وكأن الله يعلمنا قاعدة عظيمة جدا: حتى تكون النتيجة من عند الله عز وجل يبقى عليك أن تقوم بخطوتك أنت.
⇐ ثم تنتقل السورة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام.. وهنا لون آخر من الابتلاء.
ليس ابتلاء الانتظار، ولا ابتلاء التهمة التي اتهمت فيها السيدة مريم بل ابتلاء العلاقات.
هذا الملف الذي لا يخلو أحد منا من تعقيداته، ومن أعقد هذه العلاقات علاقته مع أبوه، وكأنه أصعب الجراحية الجراح التي تأتي من الذين نحبهم، والذين لا نستطيع ان نستغني عنهم. ولهذا في هذه السورة العظيمة سيدنا إبراهيم عليه السلام يكرر هذه الكلمة التي تهز القلب: يا أبتي، يا أبتي.. المشكلة ليست مناقشة فكرية وإنما هي محاولة أخيرة لإنقاذ شخص نحبه، ثم يضطر إبراهيم أن يرحل.
هنا يأتي درس آخر: أحيانا لا نستطيع أن نغير من نحبهم وتكون الطاعة أن نترك ذلك الأمر لله عز وجل.
ثم تتوالى القصص في هذه السورة..
إسماعيل عليه السلام، سيدنا إدريس عليه السلام، سيدنا موسى..
وكلها تشترك في شيء واحد: أن الله يذكر الأشخاص الذين عاشوا له - اللهم اجعلنا منهم-
ثم تختم هذه السورة بمشهد مهيب كل هؤلاء الأنبياء. والصالحون والصالحات، والعظماء الأصفياء يوم القيامة فرادى، لا نسب، لا جاه، لا تاريخ، فقط أنت وعملك.
أحيانا أفهم لماذا بدأت السورة بزكريا وحده في المحراب وانتهت بالإنسان وحده أمام ربه
كأن الرحلة كلها بين تلك الوحدتين وحدة الدعاء ووحدة اللقاء أما ما بينهما فهو العمر كله..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جولان الواوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جولان الواوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق