السبت، 27 يونيو 2026

فوائد منتقاة / سورة هود ( ١٠٠ - ١١٣)

 ثم شرعت الآيات بالتعقيب على هذه القصص ، وبيان ما فيها من مواعظ وعبر وحكم  بعد أن أبرزت في أثناء عرضها  مسؤولية الإنسان الشخصية الفردية على كسبه واختياره والجزاء الذي يبدأ في الدنيا ويمتد إلى الآخرة .

/ (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)
من ديار هؤلاء ما هو قائم كما هو الحال في ديار ثمود فهي موجودة وقائمة إلى يومنا هذا، (وَحَصِيدٌ) يعني: أن الله عز وجل - قد أزالها ومحاها، كما هو الحاصل في قرى قوم لوط، فمنها هكذا ومنها هكذا.
- أصل الحصيد ما يُحصد من الزرع، فهذا الزرع الذي يحصد لا يكون له قيام بعد الحصاد، وهذا شاهده الناس في هذا الزمان في طوفان تسونامي، فصارت القرى حصيداً وتحولت تلك الديار والمدن أو القرى إلى شيء كالهشيم، محطمة، لا ترى منها شيئاً قائماً، فبأس الله عز وجل - قوي ونكاله شديد، والله المستعان.

/ (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) 
فيه تربية على أن العدالة إلهية والظلم بشري، فالله تعالى لم يظلم الناس بالعذاب والهلاك وإنما هم ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والمعصية، والله تعالى لم ينقص الناس النعيم والرزق في الدنيا إلا حينما نقصوا حظ أنفسهم في ذلك فاستخفوا بحقوق الله.

- " إقحام النفس في مآثم ترك الواجب، وفعل المحرم ظلم لها وعدوان عليها كما قال الله تعالى: عن المكذبين للرسل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) (١)
في صحيح مسلم وسنن الترمذي أن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) فبين أن كل من شارك أولئك ) المتقدمين في الظلم فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد.
- لا يعتبر بهذه القصص ويستفيد من دروسها ومواعظها إلا الإنسان الذي يشعر بالمسؤولية عن هذه الحياة ، ويؤمن أنه ما خلق عبثا، وأنه مكلف مسؤول مثاب أو مُعاقب، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ )

/ (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) 
هذه الآيات يذكر الله -عز وجل- فيها أنهم لا يتكلمون، أو لا يتكلم أحد إلا بإذنه، وما شابه ذلك، ومنها ما ذكر الله فيه كلامهم، كما قال الله عز وجل : (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ) وكذلك أنهم : يقولون: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾، وأشباه ذلك من الكلام الذي يقولونه حينما يتساءلون عن مدة مكثهم وبقائهم في الحياة الدنيا، والجمع بين هذه الآيات أن يقال :
بأن يوم القيامة يوم طويل، ففي وقت منه لا يتكلم أحد، وفي بعض الأوقات يتكلمون، كما ذكر الله عز وجل - عن الكفار: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْألُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) ، وفي موضع آخر يقول: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْؤولُونَ) ، فكذلك أيضاً لا يُسألون في وقت ويُسألون في وقت آخر، أو أنهم لا يُسألون سؤال استعتاب وإنما يُسألون سؤال تبكيت وتقريع، كقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) حينما يدخلون النار والله أعلم.

/ (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) 
يرِد هنا سؤال : أن السماوات والأرض يحصل لهما الزوال، فكيف علق خلودهم بأمر زائل ؟ 
والجواب: هو أن العرب قد تعلق الأمر بزائل وتقصد بذلك التأبيد، كما يقولون: هذا باقي بقاء السماوات، هذا باقي ما غرد الطير، وهبت الريح، وتتابع الليل والنهار، وما أشبه هذا، ويقصدون به الدوام والاستمرار، والقرآن نزل بلغة العرب وبأساليبهم، فنعيم أهل الجنة لا يزول، وعذاب أهل النار لا يزول.
ويحتمل أن المراد بـ (مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ) الجنس؛ لأنه لابد في عالم الآخرة من سماوات وأرض كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ) ولهذا قال الحسن البصري في قوله : (مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال : "يقول سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض".

/ (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالَ لِمَا يُرِيدُ ) 
علق الخلود بالمشيئة وللعلماء في هذه المشيئة أقوال مختلفة ليس هذا مجال ذكرها وأرجح الأقوال في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالَ لِمَا يُرِيدُ ) أن التعليق فيها بالمشيئة كالتعليق في قول الله - تبارك وتعالى : (لَقَدْ صَدَق اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلْنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، فدخولهم المسجد الحرام حاصل قطعاً، فقد قضاه الله عز وجل وقدره وإنما ذكر المشيئة لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله عز وجل - فكذلك التعليق في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالُ لِمَا يُرِيدُ) (٢)

- (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) 
اختلف السلف في الاستثناء من خلود المؤمنين في الجنة :
/ فقيل: إنه استثناء للمدة التي يمكثها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم الجنة من مدة خلودهم في الجنة فالمعنى : يخلد المؤمنون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة شاء ربك أن يقضيها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم الجنة .
/ وقيل: إنه استثناء الرب ولا يفعله كقولك: والله لأكرمن فلانا إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا ترى إلا إكرامه .
وقريب منه ما قيل: من أن الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله لا أنهم باستقرارهم في الجنة وتمكنهم فيها خرجوا من مشيئة الله. ولا ينافي ذلك إرادته إرادة كونية أن يخلدوا فيها، ونظيره: 
قوله تعالى : ﴿ وَلَئن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) وهو سبحانه مُريد لبقاء ما أوحى به إلى رسوله
وقوله : (فَإِن يَشَأ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) وهو سبحانه لا يشاء الختم على قلب رسوله بل أراد له استمرار الهداية والإمداد بالنور وصفاء البصيرة
وقوله : ﴿ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْراكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وقد شاء سبحانه إعلامهم به وتلاوة رسوله القرآن عليهم. إلى غير هذا من النظائر التي يقصد فيها إثبات كمال الاختيار ولأن الأمور لم تخرج من دائرة تقديره سبحانه وتصريفه.
 واختار ابن جرير أن " إلا " بمعنى " لكن " وعليه يكون الاستثناء منقطعا والمعنى: خالدين فيها سوى ما شاء ربك من زيادة نعيم إلى جانب خلودهم في الجنة بدليل ما خُتمت به الآية من قوله تعالى (عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوذ)
والدليل من السنة على أبدية الجنة قوله صلى الله عليه وسلم : ( من يدخل الجنة يُنعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت ) وقوله : (ينادي مناديا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا ) رواه مسلم ، وقوله : ( يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ) رواه مسلم (٣)
" قول الحافظ ابن كثير رحمه الله-: "معنى الاستثناء هاهنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى وهو القول الراجح في هذه المسألة.(٤)

- قال الشيخ ابن باز رحمه الله : " الآيتان ليستا منسوختين بل هما محكمتان ، وقوله جل وعلا - : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) اختلف أهل العلم في بيان معنى ذلك مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبدا لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها ، ولهذا قال بعده سبحانه (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ ) لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا ، فهم خالدون فيها أبدا وأن هذا العطاء غير مجذوذ أي: غير مقطوع ، ولهذا في الآيات الأخرى يبين هذا المعنى فيقول سبحانه : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَام آمِنِينَ ) فبين سبحانه أنهم آمنون - أي آمنون من الموت وآمنون من الخروج وآمنون من الأمراض والأحزان وكل كدر - ثم قال سبحانه وتعالى : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلَّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ* لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجينَ) [الحجر: ٤٧ - ٤٨] ، فبين سبحانه أنهم فيها دائمون لا يخرجون ، وقال عز وجل: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ* كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ* يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ* لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الدخان: ٥١ - ٥٧] ، فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعترضهم خوف ولا زوال نعمة وأنهم آمنون أيضا ، فلا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج منها ولا حزن ولا غير ذلك من المكدرات ، وأنهم لا يموتون أبدا ، ومعنى ذلك أن أهل الجنة يخلدون فيها أبد الآباد.

/ وقوله : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) قال بعض أهل العلم معناه : مدة بقائهم بالقبور وإن كان المؤمن في روضة من رياضها ونعيم من نعيمها ، لكن ذلك ليس هو الجنة ، ولكن هو شيء من الجنة ، فيفتح على المؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها ، ثم ينقل بعد ذلك إلى الجنة فوق السموات في أعلى شيء .
وقال بعضهم معنى : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) أي مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء بعد خروجهم من القبور ثم ينقلون بعد ذلك إلى الجنة.
وقال بعضهم المراد : جميع الأمرين مدة مقامهم في القبور ومدة مقامهم في الموقف ومرورهم على الصراط كل هذه الأوقات هم فيها ليسوا في الجنة لكن ينقلون منها إلى الجنة ، وقوله : (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) يعني إلا وقت مقامهم في القبور ، وإلا وقت مقامهم في الموقف وإلا وقت مرورهم على الصراط فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة ولكنهم منقولون إليها ، وسائرون إليها ، وبهذا يعلم أن الأمر واضح ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب فالحمد لله، فأهل الجنة ينعمون فيها وهم خالدون أبد الآباد لا موت ولا مرض ، ولا خروج ، ولا كدر ، ولا حزن ، ولا حيض ، ولا نفاس ، ولا شيء من الأذى أبدا ، بل في نعيم دائم وخير دائم .
وهكذا أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها ولا تخرب أيضا هي بل تبقى وهم باقون فيها.
 وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قيل مدة مقامهم في المقابر ، أو مدة مقامهم في الموقف كما تقدم في أهل الجنة ، وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد ونسأل الله العافية ، وكما قال عز وجل - في سورة البقرة: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، وقال عز وجل في سورة المائدة في حق الكفرة (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .
وقال بعض السلف: إن النار لها أمد ولها نهاية بعد ما يمضي عليها آلاف السنين والأحقاب الكثيرة وأنهم يموتون أو يخرجون منها.
وهذا القول ليس بشيء عند جمهور أهل السنة والجماعة بل هو باطل ترده الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة - كما تقدم - 
وقد استقر قول أهل السنة والجماعة إنها باقية أبد الآباد وأنهم لا يخرجون منها وأنها لا تخرب أيضا ، بل هي باقية أبد الآباد في ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة الثابتة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ومن الأدلة على ذلك مع ما تقدم قوله سبحانه في شأن النار (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا )، وقوله سبحانه في سورة النبأ يخاطب أهل النار (فَذُوقُوا فَلَن نزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) نسأل الله السلامة والعافية منها ومن حال أهلها. (٥)
قال الشيخ صالح المغامسي في تأملات قرآنية في سورة هود : 
"(إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) هذا الإشكال أجاب عنه العلماء بأجوبة كثيرة ذكر منها أبو العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية أكثر من ثمانية أقوال، وغيره من المفسرين، وسردها الألوسي في روح المعاني وغيره من العلماء والذي يظهر - والله أعلم - أنها كلها أجوبة متكلفه لا تستقيم وإنما نختار الذي نراه صواباً كرأي واحد نقول إن هذا القول من ربنا - جل وعلا - (إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) المراد به بيان القدرة والمشيئة ودفع توهم أن يكون ذلك واجب على الله ، أما ما ذكره العلماء كقولهم (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني مدة بقاءهم في أرض المحشر أو مدة بقاءهم من العصاة أو مدة بقاءهم في الحساب وأمثال ذلك، فهذا كله صعب القول به حتى من نقله قال هذا أمر لا يستقيم وإنما نقول (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) بيان أن المسألة مطلقة لله جل وعلا والله قد أخبر والقرآن فيه محكم وفيه متشابه ويُرد المتشابه إلى المحكم ، وقد أخبر الله في أكثر من آية محكمة أو في سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن أهل النار خالدين فيها أبد الآباد -عياذاً بالله- وأهل الجنة خالدين فيها أبد الآباد . .
- ( عَطَاءٌ غَيْرَ مَجذوذ ) أي : غير مقطوع، لا ينقطع لا ينتهي وهذا أمر أجمع الناس عليه، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أهل الجنة قال: لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم فهم خالدون فيها كما قال الله جل وعلا ، فهذا هو الحق أن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها، أما قول الله { إِلَّا مَا شَاء رَبُّكَ) فإن هذا الأمر غير ملزم على الله تبارك وتعالى، دفع توهم أن يكون واجب على الله ولبيان أن الأمر كله يرجع إلى قدرته ومشيئته وأمره ونفوذ ذلك منه تبارك وتعالى.

عادت الآيات إلى مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- تثبته وتواسيه ، مما يدل على شدة ما كان يعانيه من عنادهم وغلظتهم ، كما تدل على أنها نزلت عليه وهو في مكة في ذروة مواجهته للمشركين قال تعالى : (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) .

- (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُم) 
يحتمل أن تكون الكلمة هي: أن رحمته سبقت غضبه، ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة ما قضاه الله عز وجل وقدّره أنه لا يعذبهم بعذاب الاستئصال، والقول بأن المراد بالكلمة أنه : قد جعل لهم وقتاً معلوماً لا يتقدم ولا يتأخر أقرب هذه الأقوال، وهو قول ابن جرير رحمه الله.

- (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)
عن ابن عباس - قال : " ما نزلت على رسول الله -صلى الله  عليه وسلم- آية أشد من هذه الآية ولا أشق " وإنما كانت الاستقامة شديدة وثقيلة لاستدعائها الفقه في دين الله تعالى ، والعلم بأحكامه ، وللخوف من الله تعالى ، ومراقبته ، ولهذا ختم آية الأمر بالاستقامة بقوله : (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

/ وفي هذه الآية " قاعدة قرآنية تمثل أصلاً من أصول الوصايا القرآنية ، ولنا مع هذه القاعدة عدة وقفات :
الوقفة الأولى: ما حقيقة الاستقامة؟ 
وما سر هذا الأمر الصريح له ولأتباعه بلزوم الاستقامة؟
 أما حقيقة الاستقامة، فإن كلمات السلف من الصحابة ومن بعدهم تدور على معنى واحد في الجملة، ألا وهو أن الاستقامة: "هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها
وأما عن سر هذا الأمر الصريح للنبي -صلى الله عليه وسلم-ولأصحابه بالاستقامة، فإن الجواب عن هذا يطول جداً، لكن من أجلى ما يوضح ذلك أن يعلم المؤمن أن أعظم غرض يريده الشيطان من بني آدم هو إضلالهم عن طريق الاستقامة ، ولهذا أمرنا أن نكرر في اليوم والليلة سبعة عشر مرة على أقل تقدير قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
- الوقفة الثانية مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) :
فهذا الأمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستقامة هو أمر بالثبات على الاستقامة، ولغيره أمر بها وبالثبات عليها، يقول ابن عطية رحمه الله: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها . إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه، وهو ملتبس به".
ويوضح هذا أن القرآن الكريم مليء بالأمر بهذا الأصل العظيم أو الثناء على أهله في مواضع متنوعة، وبأكثر من أسلوب، ومن ذلك:
• ما جاء في سورة الشورى التي تحدثت عن الشرائع السابقة واتفاقها في جملة من الأصول فقال سبحانه وتعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... ) إلى أن قال : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) الآية، الشورى: ١٣ - ١٥)
• ومن ذلك - أيضاً - أن الله تعالى أمر بهذا الأصل غير واحد من الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام- فقد قال لموسى وهارون: (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [يونس: ۱۸۹] بل لقد امتن الله بهذا الأصل على جميع الأنبياء والمرسلين، فإنه عز وجل لما ذكر عدداً كبيرا من الرسل
في سورة الأنعام قال: (وَمِنْ ءَابَابِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخَوَانِهِم وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* ذَلِكَ هُدًى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: ۱۸۷ ۱۸۸] .
• وفي صدر سورة فصلت ملحظ مهم في ترسيخ معنى هذه القاعدة، فإن الله تعالى قال لنبيه - : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) الآيات [فلصلت: ١٦]، وفي نفس السورة يبشر الله عباده المستقيمين على دينه بأعظم بشارة تتمناها نفس: فقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَبُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) 
الوقفة الثالثة مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) :
أن الإنسان مهما بلغ من التقوى والإيمان، فهو بحاجة ماسة إلى التذكير بما يثبته، ويزيد استقامته، ولو كان مستغنياً عن ذلك لكان نبينا أولى الناس بهذا، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته"
الوقفة الرابعة مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) :
أن يعلم المؤمن أن أعظم مدارج الاستقامة هي استقامة القلب، فإن استقامته ستؤثر على بقية الجوارح ولا بد، قال ابن رجب رحمه الله: "فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، وأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنَّه ترجمان القلب والمُعبر عنه، ومن استقام على هذا الصراط حصل له سعادة الدنيا والآخرة، واستقام سيره على الصراط يوم القيامة، ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه، وهو من يعرف طريق الهدى ولا يتبعه كاليهود، أو ضال عن طريق الهدى كالنصارى ونحوهم من المشركين" (٦)
الاستقامة جوهر العمل في الإسلام كما الإيمان جوهر الاعتقاد في الإسلام، وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: (قل آمنت بالله ثم استقم ).

- (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ )
فيه تربية على أن النصر من الله تعالى مشروط بترك الركون إلى الظالمين .
- في هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك والرضا بما هو عليه من الظلم، والركون إلى الظالمين ظلم في نظر الإسلام لأنه يشجعهم على ظلمهم ، ويجعلهم يتمادون فيه ، فالآية أبلغ شيء في التحذير من الظلمة والظلم. وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم ؟!! - نسأل الله العافية من الظلم
 قال الحسن : " جُمع الدين في لاتين " يعني (وَلَا تَطْغَوْا ) و (وَلَا تَرْكَنُوا )
---------------------------------
١- فتاوى بن عثيمين - رحمه الله -
٢- تعليقات الشيخ خالد السبت على المصباح المنير
٣- فتاوى و رسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله.
٤- تعليقات الشيخ خالد السبت على المصباح المنير
٥- مجموع فتاوى ومقالات الشيخ بن باز - رحمه الله -
٦- القاعدة السابعة والثلاثون : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) / د. عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق