(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير)
ن/ «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا وسعوا في ذلك وعملوا المكائد وكيدهم راجع عليهم كما قال تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمرهم الله تعالى بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره، ثم بعد ذلك أتى الله تعالى بأمره إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا واسترقّوا من استرقوا وأجلَوا من أجلوا إن الله على كل شيء قدير، ثم أمرهم الله بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير)»ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا فقّهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل أما بعد: فلا يزال السياق في هذه الآيات الكريمات من سورة البقره في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وبيان ما تنطوي عليه قلوبهم من الشر العظيم والحقد الكبير والحسد لأمة الإسلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى بما قام في قلوب اليهود من ودّ ومحبة وتمنّ أن يكفر أهل الإسلام بدين الله الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) أي في الكفر، في هذه الآية يقول جل وعلا (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) فهذا شيء قائم في قلوب هؤلاء مستقر في نفوسهم مودة ومحبة وتمني لهذا الأمر أن يكفر أو أن تكفر أمة الإسلام بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام محمد وبما بُعث به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قال جل وعلا (ودّ كثير من أهل الكتاب) (ودّ) أي أحب وتمنّى كثير من أهل الكتاب وهذا فيه أن هذا التمني لكفر المسلمين ليس في آحاد وأفراد من هؤلاء بل هو في كثير منهم، كثير منهم قام في قلوبهم هذا الودّ وهذا التمنّي لكفر المسلمين بدين الله جل وعلا.
(ودّ كثير من أهل الكتاب) أي الذين قام في قلبهم هذا الود ليسوا جهالا الدين بل علماء من أهل الكتاب عندهم علم وهذا أخذ منه أهل العلم فائدة: أن المرء قد يكون على حظ من العلم ونصيب من العلم ويكون في الوقت نفسه مفسدا في الأرض، عنده علم لكنه بما قام في قلبه من حقد أو حسد أو غير ذلك يُفسد في الأرض ولهذا قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) يعني يُنسبون إلى العلم والدّين، أهل الكتاب يُنسبون إلى العلم والدّين ومع ذلك يجري منهم ذلك، ما هو؟ السعي والتمني لكفر المسلمين.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) والمقصود هنا اليهود والسياق كله في بيان مخازيهم في الآيات الكريمات في هذا السياق كلها في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وشنائع أفعالهم.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الفعل "يردون" ينصب مفعولين الأول: الكاف في قوله (يردونكم)، والثاني: كفارا
(يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) أي يتمنى هؤلاء لكم يا معاشر المسلمين الكفر بعد الإسلام، والضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور، يتمنون ذلك لكم، وهذا التمني لم يقف عند حد الأمنية فقط والمودة بل يتبعه منهم سعي وعمل حثيث على إفساد المسلمين وإخراجهم من دينهم، والذي ينبغي أن يُعلم هنا أن هذا الوصف لليهود ليس وصفا لليهود الذين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فقط، بل لا يزال وصفا لهم إلى يومنا هذا، لا يزال هذا الذي ذُكر وصفا لهم إلى يومنا هذا، هذه المودة موجودة وهذا التمني موجود وهذا السعي في إفساد المسلمين بالطرائق والوسائل المختلفه أيضا موجود في زماننا هذا وخاصة مع تيسر وسيلة التواصل وانتشار المعلومة فإن اليهود لهم سعي حثيث وعمل دؤوب في إفساد المسلمين بطرائق شتى وحيل وأساليب متنوعة، وقانا وأبناءنا والمسلمين من شرهم وكيدهم ومكرهم بمنّه وكرمه سبحانه وتعالى.
• قال (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) (حسدا) هذا مفعول لأجله، يعني هذا الود الذي قام في قلوبهم وما يتبعه من سعي لإخراج المسلمين من دينهم سببه الحسد الذي قام في نفوسهم، حسد المسلمين (حسدا من عند أنفسهم) الحسد كله من أين؟ من النفس، الحسد كله من النفس فقوله (من عند أنفسهم) هذا فيه التأكيد على الخبث العظيم الذي تنطوي عليه أنفسهم وتُكنّه قلوبهم لأمة الإسلام (حسدا من عند أنفسهم) يحسدون أمة الإسلام حسدا عظيما على الخير الذي هم فيه والإيمان الذي هداهم الله سبحانه وتعالى إليه، (حسدا من عند أنفسهم) أي من قِبل أنفسهم، هذا يستفاد منه فائدة نبّه عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، له رحمه الله تفسير لآيات كثيرة من القرآن طريقته فيها يُنبه على الفوائد المستنبطة من الآيات منها هذه الآية والتي بعدها ذكر فوائد عظيمة جدا مستنبطة منها، ذكر سبع عشرة فائدة استنبطها من هاتين الآيتين. من هذه الفوائد قال رحمه الله: «أن الحسد قد يكون سببا للكفر» يعني يقوم في قلب الإنسان حسد فيوصله إلى الكفر.
الآن هؤلاء ما الذي أوصلهم إلى هذا الكفر بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ ما هو إلا الحسد (حسدا من عند أنفسهم).
• قال (من بعد ما تبين لهم الحق) وهذا أيضا يفيد أن الكفر الذي هم فيه كفر عناد، الحق تبيّن واضح بدلائله وبراهينه ويجدون صدق هذا الرسول عليه الصلاة والسلام مكتوبا عندهم في التوراة يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكان كفرهم به كفر عناد، فكان كفرهم به صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عليه الصلاة والسلام كفر عناد وإلا فإنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، يجدون نعته وأمره ونبوته كل ذلك مكتوبا عندهم في التوراة ويعلمون ذلك لكن منعهم من قبول ما جاء به الحسد الذي قام في نفوسهم.
• قال جل وعلا (فاعفوا واصفحوا) هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام لأن الحسد تبِعه أذى واعتداء على المسلمين وعمل في صدهم عن دين الله عز وجل فخوطبوا أول الأمر بهذا الخطاب (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) المقصود (بأمره) أي أمره لهم سبحانه وتعالى بقتال هؤلاء ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الفوائد المستنبطة من هذه الآيات قال: "منها الإشعار بالنسخ قبل وقوعه" هنا قال (حتى يأتي الله بأمره) هذا فيه إشعار أن هذا الحكم لن يستمر سيُنسخ، سيأتي ما ينسخه ففيه إشعار بالنسخ (حتى يأتي الله بأمره) يعني حتى يأتي وحي آخر بنسخ هذا الحكم، فهذه الفترة عاملوهم بالعفو والصفح، عاملوهم في هذه الفترة بالعفو والصفح (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ثم أتى أمر الله، جاء ما ينسخ هذا الحكم في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فنزلت هذه الآية ناسخة لقوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، بعد نزولها بدأ عليه الصلاة والسلام بقتالهم - قتال اليهود - الذين كانوا في المدينة وهم ثلاث طوائف بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فقُتل منهم من قتل، وأُجلي منهم من أجلي، قال ابن عباس رضي الله عنه في معنى قول الله جل وعلا (حتى يأتي الله بأمره) قال: "بعذابه، القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير"
جاء في الحديث وله أصل في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعفون عن المشركين وأهل الكتاب يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله (فاعفوا واصفحوا) كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول من العفو ما أمره الله به حتى أُذن له فيهم بالقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش) رواه ابن ابي حاتم وقال الحافظ ابن كثير إسناده صحيح.
• (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) (إن الله على كل شيء قدير) أي لا يعجزه سبحانه وتعالى شيء في الأرض ولا في السماء.
• ثم قال جل وعلا (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) وهذا فيه حث - كما قال الشيخ- على العناية بفرض الوقت والاهتمام به الاهتمام البالغ ولا سيما هذان الركنان العظيم من أركان الدين الصلاة والزكاة، (أقيموا الصلاة) أي ائتوا بها تامة بشروطها وأركانها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، (وآتوا الزكاة) أي أدوها، أدوا الزكاة المفروضة التي كتب الله عليكم بنفوس سمحة سخية تزكو بها نفوسكم وتطيب، وأيضا تزكو بها أموالكم وتتنامى، وأيضا يزكو فيها الخير ويتزايد بين المسلمين، والأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في هذا الموطن، في هذا السياق فيه أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من موجبات النصر والتمكين قال (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فالأمر بها في هذا الموطن فيه أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والعناية بهاتين الفريضتين العظيمتين من فرائض الإسلام من موجبات التمكين والنصر على الأعداء.
• قال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) أي مع إقامتكم للصلاة وإيتائكم للزكاة اعتنوا بأبواب الخير الكثيرة وأعمال البر المتنوعة وكل ما تقدمونه من خير وبر وعمل وإحسان (تجدوه عند الله) أي أجرا وثوابا.
• (إن الله بما تعملون بصير) والختم بقوله (إن الله بما تعملون بصير) فيه أن أعمالكم محفوظة لا تضيع قلّت أو كثُرت، دقت أو جلّت، كلها محفوظة والله بصير بها مطلع عليها يحفظها لكم ويوفيكم أجرها تاما يوم تلقونه سبحانه.
• قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ولم يكتفوا بهذا» قال «وسعوا في ذلك وعملوا المكايد وكيدهم راجع عليهم كما قال الله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)» هذه حيلة من حيلهم هذه حيله من حيل اليهود يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام وأن يُبدوا إعجابهم بالإسلام وأنهم دخلوا في هذا الدين ثم آخر النهار يقولون لمن حولهم ما وجدنا في هذا الدين أي خير ولا وجدنا فيه إلا الشر، ولا وجدنا إلا كذا ثم يعلنون كفرهم، قصدهم بهذه الحيلة والطريقة أن يزعزعوا إيمان ضعاف النفوس وأن يخرجوهم من دينهم وأن يرجعوهم كفارا، هذا إخبار من الله بسعي اليهود وعملهم واحتيالهم لإخراج المسلمين من الدين إلى درجة ماذا؟ أنهم يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام، يعلنون الدخول في الإسلام بين المسلمين ويمدحون الإسلام ويثنون عليه ثم في آخر النهار يكفرون، لماذا؟ قال: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) يعني لعل هؤلاء المسلمين يرجعون عن الدين، قال: "وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمر الله بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره - أمره: أي الإذن- وجاء هذا الإذن في القتال في الآية الكريمة في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ثم بعد ذلك أتى أمر الله بأمرهم إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا، واسترقّوا من استرقوا، وأجلَوا من أجلوا" وتقدم أثر ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك. (إن الله على كل شيء قدير)
قال الشيخ رحمه الله: "ثم أمرهم الله جل وعلا بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، إقام الصلاة في قوله (أقيموا الصلاة) وآتوا الزكاة في قوله (وآتوا الزكاة) وفعل الخيرات من أين؟ (وما تقدموا لأنفسكم من خير) هذا فيه دعوة للتنافس في الخيرات بأنواعها وأبوابها الكثيرة، وفعل كل القروبات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفورا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير) نعم.
ن/ قال رحمه الله: «قوله (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين* بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوي أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى، ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن (من أسلم وجهه لله) أي أخلص لله أعماله، متوجها إليه بقلبه، وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه، بأن عبده بشرعه، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم، (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم»
ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) هذا فيه الغرور الذي فيه اليهود والاغترار مع الكفر الكبير الذي هم فيه والعناد والصد عن دين الله سبحانه وتعالى، والتكذيب بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومرّ معنا الكثير والكثير من قبائحهم وشنائعهم وفضائع أعمالهم مع ذلك كله فيهم غرور وصل بهم إلى أن جزموا لأنفسهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، مع كل هذا الذي هم فيه عندهم غرور بأنفسهم عجيب، ومرّ معنا أنهم يقولون أن الجنة خالصة لهم لا يشاركهم فيها أحد من الناس، مرّ معنا قول الله تعالى (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) الدار الآخرة يعني: الجنة - تقدم معنا- الدار الآخرة أي الجنة (خالصة) أي لكم وحدكم هذا مثل قولهم هنا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني خالصة لهم هناك، قال لهم (فتمنوا الموت) وهنا قال لهم (هاتوا برهانكم) فيذكر الدعوة التي يدعونها ثم يذكر الجواب مثل ما تقدم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) وسيأتي أيضا قول الله سبحانه وتعالى (وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) فهذه كلها دعاوى لا برهان عليها من واقعهم، واقعهم يدل على أن أفعالهم أفعال لا تُوصل إلا إلى النار، لا تُوصل إلى رحمة الله، ولا تُوصل إلى فضل الله وإنعامه وإنما توصل صاحبها إلى النار وبئس القرار.
•(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ما المعنى؟ يعني اليهود تقول لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، لهذا سيأتي في الآية القادمة (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فإذا كل واحدة منهم تدعي أن الجنة لها، اليهود تقول الجنة لنا فقط، والنصارى يقولون الجنة لنا فقط، خالصة من دون الناس، هذا معنى الآية، فيقول الله عز وجل (تلك أمانيهم) هذه مجرد أماني لا تُقدم ولا تؤخر ولا تجدي شيئا، يقول الله عز وجل في آية أخرى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به) ليس الإيمان بالتمني، ليس الدين مجرد أماني، وليست الجنة بمجرد أماني، لا يكفي يقول الإنسان أتمنى أن أكون من أهل الجنة لابد من برهان عملي يترتب عليه الفوز العظيم والنجاة من عقاب الله.
• (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) في هذه الدعوى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا (كنتم صادقين) في دعواكم هاتوا البرهان، هاتوا الدليل على صدق هذه الدعوى.
ثم ذكر جل وعلا أن الدليل يتلخص في أمرين، أن الدليل والبرهان الذي يتحقق به الفوز العظيم ودخول الجنة يتلخص في أمرين قال جل وعلا: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) بهذين الأمرين يحصل الفوز ويتحقق الدخول للجنة (بلى من أسلم وجهه لله) هذا فيه الإخلاص لله، (وهو محسن) هذا فيه الاتباع للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذان الوصفان كلاهما اليهود مفارقون لهما وليسوا من أهلهما، ليسوا من أهل الإخلاص، وليسوا من أهل المتابعة، فما عندهم أي برهان على هذه الدعوى.
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) وهذا فيه حث للمسلم الذي هداه الله للإسلام أن يعتني بهذين الأمرين عظيم العناية الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فإنه لا نجاة إلا لأهلهما، الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.
• قال (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قال الشيخ رحمه الله: «أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم مثل ما تقدم (خالصة من دون الناس) وحدهم وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين كما قال الله (تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وهكذا كل من ادعى دعوى» هذه فائدة ثمينة تستفاد من الاية: كل من ادعى دعوى لابد ان يأتي عليها بالبرهان، والدعاوى إذا لم يُقم عليها بيّنات فأهلها أدعياء، لابد من برهان على الدعوى. يستفاد من الآية هذه القاعدة: أن كل دعوى لابد أن تقرن ببرهان يدل على صدقها، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، إذا ما الذي يميز بين الصحيح من غيره؟ بين المحق من المبطل؟ إلا البرهان والا لو ادعى دعوى شخص بغير برهان وقابله آخر بعكسها بغير برهان تساووا كلها دعاوى فلا قيمة لها، الدعوى لا قيمه لها إلا بالبرهان الذي يعضدها ويؤيدها ويقويها، قال: «وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى»
• ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال: (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم، (بلى) هذه يؤتى بها للإضراب عما ذكر قبلها، و(بلى) ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن من أسلم وجهه لله أي أخلص لله أعماله متوجها إليه بقلبه وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه بأن عبده بشرعه فأولئك هم أهل الجنة وحدهم (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين ومن هؤلاء أهل تلك الدعوى الذين يقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، هذه دعاوى لا برهان عليها، ليس عليها حجة، والدعوى إذا لما يقُم عليها برهان في هذا الباب صاحبها هالك ليس من أهل النجاة وليس من أهل الجنة بل من أهل النار الهالكين. قال: «فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول» وهذان هما شرطا قبول الأعمال كلها، لا يُقبل أي عمل من عامل إلا إذا أخلصه لله واتبع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ذكر الشرطان، ويقول الله جل وعلا (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قال الفضيل بن عياض: "أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه؟ قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقبل حتى يكون خالصا صوابا" والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة.
نسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا جميعا لوجهه خالصة ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم موافقة وأن لا يجعل لأحد فيها شيئا ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا أجمعين بما علمنا وأن يزيدنا علما وتوفيقا وأن يصلح لنا شأننا كله وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما ... سبحانك اللهم وبحمدك وأشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق