عرضت الآيات بين يدي قصة لوط - عليه السلام ـ وقومه خبر نبي الله إبراهيم - عليه السلام - والبشارة التي تفضّل الله تعالى بها عليه لبيان العاقبة الطيبة للذين يلتزمون الحدود المشروعة المنسجمة مع الفطرة السليمة في علاقاتهم الجنسية ، من حصول الخيرات والبركات والنسل الطيب والذرية الطاهرة ، وبيان النتيجة الوخيمة لمن يتجاوزون الحدود المشروعة ،ويشذون عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها .
(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
" اختلف في من هم من الملائكة والأرجح أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل . لكن لا أعلم في هذا نصا صريحا يمكن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(١) وفي مجيء الملائكة له بالبشارة من ربه دلالة على أنه إذا استطاع الإنسان أن يحمل بشارة إلى أحد فليفعل ، لأن هذا مما يتنافس فيه العقلاء ، والنبي قال : (إن ملكا نزل من السماء إلى الأرض ، لم ينزل إلى الأرض من قبل ، استأذن الله بأن يبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) فهذا الملك فقِه معنى البشارة وعلم في الملكوت الأعلى أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فنزل بهذه البشارة ، فإن فاتته البشارة استحب له تهنئته ، والفرق بين البشارة والتهنئة: أن البشارة إعلام له بما يسره ، والتهنئة دعاء له بالخير فيه بعد أن علم به . ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره ، فلما دخل المسجد جاء الناس الناس فهنئوه .
المقصود بالبشارة هنا البشارة بالولد إسحاق ، وفي التعبير العلمي يقول العلماء : كون إبراهيم يولد له وهو في هذا السن وكون سارة تولد لها في هذا السن مع كونها عاقر منذ أن خلقت هذا يقال له معجزة نبي وكرامة ولي . وله نظير من الأنبياء والرسل وهو : زكريا ، فإن زكريا رزق ولداً كما رزق إبراهيم على كبر فهي بالنسبة لزكريا معجزة وبالنسبة لزوجته كرامة لأن المعجزة تلحق بالرسول والكرامة تلحق بالأولياء.
- (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ﴾
السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة ، ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها (وَإِذَا حُتِيتُم بِتحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [النساء : ٨٦] ... فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟
والجواب: أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ورد عليهم بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت، والثبوت أقوى من الحدوث، فكان رد النبي إبراهيم - عليه السلام- بأحسن من تحيتهم .
- (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
كان إبراهيم - عليه السلام - من أكرم خلق الله ولفظ (عجل) أفادنا أي نوع من بهيمة الأنعام ذبح إبراهيم لضيفه ، ولفظ (حنيذ) أفادنا أي طريقة طهى بها إبراهيم العجل لضيفه، وفي قوله جل وعلا في سورة أخرى (بعجل سَمِينٍ) أفاد وصفا لذلك العجل .
ومن حسن الاستقبال :
/ أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة
/ وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
وفي سورة الذاريات (فَراغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) وكلمة (راغ) توحي بأنه كان حريصاً على قِراهم فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي. كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله: (الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة) والمقصود بالجائزة: الهبة والعطية ، وقال : ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) فـ " ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون"
ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب .
ـ (فَلَمَّا رَاء أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً )
المؤاكلة حرمة يعظمها العقلاء ، وهي من أعظم ما يقرن بين الناس ، فلما رأى إبراهيم عليه السلام أيدي الملائكة لا تصل إلى الطعام وهو لا يعلم أنهم ملائكة أصابه الخوف أن هؤلاء ما جاءوا لخير إنما أرادوا سوءا بدليل أنهم رفضوا يأكلوا طعامه .
وفيه أن الإنسان لا يوقع نفسه مواقع الريب، فإذا بدا منه شيء يجعل الآخرين يتساءلون فإنه يبين لهم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية) (٢) ، فإبراهيم - عليه السلام - خاف من الأضياف وقال لهم: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) [الحجر : ٥٢] فبينوا له حالهم وقالوا له: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [هود: ۷۰].
- لا يعلم الغيب إلا الله ، وهذا خليل الله وليس وقتها على وجه الأرض أفضل منه ولا أتقى لله منه ، ولا يُرفع لأحد عمل صالح في زمانه أعظم منه - عليه السلام - ومع ذلك لم يكن يدري أنهم ملائكة .
ـ (وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) قال الشافعي: "وبعض العلماء إن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت، ولا أحد ينكر أن الشافعي كان إماما في اللغة ولا يجادل في هذا من له إطلاع على أحوال العلماء فقد مكث في هُذيل عشر سنوات يأخذ عنهم اللغة، لكن القول بأن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت لا يستقيم وبعيد جدا لأن هذا لا يصل إلى مفهوم الملائكة وهو شيء خفي، المقصود (فَضَحِكَتْ) يبقى الأمر على أصله وهو الضحك المعروف. "وهذا القول وإن كان معروفاً في كلام العرب إلا أنه ليس الظاهر المتبادر عند الإطلاق، ومن المعلوم أن ألفاظ القرآن ومعانيه تحمل على الظاهر المتبادر، ولا يجوز حملها على معنى آخر خفي أو قليل في الاستعمال إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ولا يوجد دليل" (٣)
والأرجح أنها ضحكت سرورا بأنها علمت أن أولئك أهل الفساد سيعذبون ، فكان هذا نوع من العمل الصالح ، تعاطفها مع أهل الإيمان وبغضها لأهل الكفر والخسران .
- (فَبَشِّرْنَهَا بِإِسْحَاق)
الحمل الذي تحمله المرأة إذا حملته في أول الأمر يصبح بشارة وفي آخر الأمر ينقلب إلى هم الحمل، في أوله بشارة فإن الرجل أو المرأة يستبشر في الشهور الأولى من الحمل ، ولذلك قال الله (فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَاقَ) لكن الله قال (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ) أي الحمل، (فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا) آخر الحمل يبقى هم لأن النفاس مظنة الموت ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة إذا ماتت في نفاسها تُعد شهيدة ولهذا قلنا إن أوله بشارة وآخره همّ .
وعند بعض العلماء كالمالكية - مثلاً أظنها رواية في المذهب - أن المرأة إذا وصلت إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من حملها لا يجوز لها أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأن الإنسان إذا دخل في المرض المخوفة - مرض الموت - يقل سلطانه على ماله ويبقى السلطان للورثة فلا يجوز للمرأة في آخر حملها - وهي مظنة ولادة - أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأنها مظنة مرض مخوف حتى لا يتضرر الورثة من تصرفها.
قيام امرأة إبراهيم لا يدل بالضرورة على أنها كانت تخدم الأضياف وكل ما ورد في ذلك هو من المرويات المأخوذة عن بني إسرائيل، ولو كانت تخدمهم فهي امرأة كبيرة قد جاوزت التسعين لا تمتد إليها الأنظار، فلا بأس بجلوسها وقد قال : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور : ٦٠] ، ثم لو كانت شابة فالكلام في شرع من قبلنا معروف فليس لأحد أن يتعلق بمثل هذا الدليل.
ـ (قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عَجِيبٌ)
فيه تربية على أن التعجب من أمر الله تعالى إذا كان حسب ما جرت به العادة والعرف فلا شيء على فاعله بل هو أمر بشري طبيعي كما هو الحال في زوجة إبراهيم عليه السلام حين تعجبت من حصول الحمل والولادة في سن اليأس وعدم القدرة على الإنجاب عند المرأة.
ـ لقد كان لآل إبراهيم، لبيت إبراهيم مقام جليل عند الله قال تعالى : (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) وهذه الآية تدل أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ وممن قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم عليه السلام.
- (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل وقسط.
- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ، وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط، - ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط - عليه السلام - خوفا على ابن أخيه لوط، وحتى لا يقع في قلب أحد شيء من سوء الظن بإبراهيم أثنى الله عليه قال الله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهُ منيب) كثير الأوبة إلى ربه ، كثير الصبر على من يُخطئ عليه في أعظم آية (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]
- في جميع المواضع التي وردت في القرآن لم يأت عن لوط - عليه السلام - أنه خاطبهم كخطاب الأنبياء بل قال لهم: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ۸۰] ، وقد فهم من هذا الخطاب بعض أهل العلم أن قوم لوط - عليه السلام - لم يكن عندهم إشراك كما عند الأمم الأخرى المكذبة ، وهذا ليس بلازم ، ونهيهم عن الفاحشة لأنهم أول من ابتكرها ولا شك أنهم كفار ، فقد كذبوا نبيهم واستهزؤا به، وسخروا منه وممن آمن معه غاية السخرية وقالوا : (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتطَهَرُونَ) [الأعراف: ۸۲].
ـ (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) لا على أنهم ضيوف لكن على حالهم وما سيترتب على دخولهم بيته .
- قوله (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) ليس فيه اعتراض على القدر لكنه وصف لليوم لا سب للدهر .
- (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) المشهور أن زوجته هي التي أنبأت قومه بأضيافه ، وامرأة نوح كانت تقول للناس إنه مجنون فكلا المرأتين خانت زوجها ، وكل منهما لم يقع منهما إيمان البتة وهذا يدلك على أن الهداية بيد الله ، فامرأة نوح تبيت وتطعم على فراش عبد قال الله فيه (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣] ، وامرأة لوط تبيت وتطعم مع لوط - عليه السلام - الله يقول (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: ٢٦] ، ومع ذلك لم تنتفع أي امرأة منهما بصحبة ذلك النبي، وآسيا بنت مزاحم تبيت مع أكفر الكفرة ، مع فرعون ويُلقي الله في قلبها الإيمان ، فالهداية نور من الله جل جلاله .
- (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لوط - عليه السلام - كان مهاجرا من الشام إلى أرض سدوم ، ليس منهم ، فليس له عصبة تحميه كما كان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وسلم .
ـ اختلف العلماء اختلافا كثيرا في قول الله - جل وعلا - على لسان نبيه لوط العفيف الغيور قَالَ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الحجر: ۷۱] على أقوال عدة فمنهم من قال: أنه قصد بنات القرية جميعا وقصد الزواج المعروف، لكن الآية لا تحتمل هذا لأنه يُشير (هؤلاء) اسم إشارة على شيء حاضر، وأظهر الأقوال - والعلم عند الله - : أن لوط يعلم علما يقينيا أن هؤلاء الفجار ليس لهم إربة في النساء بدليل أنهم تركوا أزواجهم خلفهم ، فهم لا يريدون زوجات ، ولا يريدون المرأة عموما ، لا بحل ولا بحرام لأنه خالطهم سنين فهو قالها لأنه يريد أن يبرئ ساحته أمام ضيوفه فهو لا يعلم أنهم ملائكة ولا يريد الخنا لأهله ، هذا محال هذا لا يفعله أي أحد فكيف بأنبياء الله والقرينة (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٌّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) .
ونصّ العلامة ابن سعدي - رحمه الله - في كتابه قصص الأنبياء على هذا القول وهو: "أنه قصد بناته عيناً وقصد أن يأذن لهم بزواج أو بدون زواج أن يأتوا بناته، وهذا من باب إقامة العذر وإقامة الحجة على المعاند، ومن باب علمه اليقيني أن هذا لن يكون من باب العلم اليقيني أن هذا لا يكون، ونظيره أن سليمان - عليه السلام - كما ثبت في الحديث الصحيح اختصمت عنده امرأتان في ابن لهما كل تدعي أنها أمُه فقال - عليه السلام -: آتوني بالسيف ثم قال أنا أقطعه قطعتين وأعطي كل واحده نصفه ، فقالت أمه الحقيقية: لا تفعل أعطه فلانة، تطلب نجاة ابنها ، الشاهد من القصة: أنه لا يعقل - حتى لو وافقت المرأتان - أن سليمان سيقطع الطفل مستحيل ، لكن هذا من باب العلم أنه لن يقع .."
سبب التأجيل للصباح حتى يخرج بأهله ، فأمرته الملائكة أن يخرج بأهله ، فلما خرج - حتى لا يقع في قلب الفتاتين من أن أمهم ستهلك - قال الله لهم (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ) وذلك حتى تقوم الحجة على الأم، فخرج لوط وابنتاه وزوجه ، فلما خرجوا زوجة لوط ما زالت على دين قومها ، مازالت تتعاطف معهم ، مازالت تلتفت، تلتفت تريد أن تكون معهم فدب البغض من الفتاتين والبراءة من أمهم ، فتأخرت وتقدموا ، فقال الله جل وعلا (جَعَلْنَا عَالَيْهَا سَافِلَهَا) وهم نكسوا الفطرة ، فلما نكسوا الفطرة قلبهُم الله جل وعلا بأن نكس الأرض التي هم عليها ولا يقدر على هذا إلا الله.
ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)
أخوة باعتبار القبيلة والنسب، فقد تكون الأخوة باعتبار النسب أو القبيلة، أو باعتبار الشبه في العمل، أو باعتبار الاجتماع في البلد الواحد، أو باعتبار الدِّين، فإذا كان باعتبار الدين فالمسلم ليس بأخ للكافر.
ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)
فيه تربية على الربط بين العبودية لله تعالى والتعامل الاقتصادي بين الناس بإقامة الميزان والعدل في الكيل، فرسالات الأنبياء كان محورها الأساسي هو الدعوة إلى توحيد الإلهية والعبادة والدعوة إلى الإصلاح في المجال الأكثر فسادا بين الناس في كل قوم من الأقوام.
ـ من الفقه في الدعوة أن الإنسان لا يُقدم شيئا على الدعوة إلى التوحيد ، ثم يأتي للناس في المنكر الذي شاع فيهم فيبدأ بما هو شائع فيهم فذكر الله هنا أن شعيبا نهى قومه عن التطفيف والبخس في الكيل والميزان لأن هذا أمر كان شائعا فيهم.
- شعيب - عليه السلام - عالج قضيتين : قضية عقدية وقضية دنيوية ، العقدية: إشراكهم مع الله ، والدنيوية: بخسهم للناس حقوقهم والتطفيف في الكيل والميزان ، فهم ردوا عليه إنه لا يعقل أن أمرا نشأنا عليه اعتقادا وهو عبادة غير الله ، وسلوكا وهو التطفيف في الكيل والميزان أن نترك هذا وهذا من أجل ما تمليه علينا.
- (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
لا تبخسوا الناس حقوقهم ووفوا لهم إذا كلتم في المكيال وإذا وزنتم في الوزن ويدخل في عموم الآية العدل مع الناس في كل شيء، فكما أن البخس يحرم في المكاييل والموازين كذلك يحرم في التطفيف والبخس في حقوق الناس المعنوية، كالذي ينتقص الناس ويهضمهم حقوقهم، ويظلمهم، وقد قال الله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]
- قوله (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
فيه تربية على أن إقامة الأمور تكون بالبعد عن طرفيها، ففي قوله تعالى: (وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) نهي عن التنقيص فيهما، وفي قوله تعالى: ﴿ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التنقيص.
وفيه تربية على العدالة بشكل عام وفي كل الأمور بقوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ...)
وفيه تربية على أن الزيادة في الكيل والميزان كالنقص فيهما وهما من الفساد في الأرض الذي جاءت الأديان لمكافحته عموما وفي كل المجالات.
" ههنا قاعدة قرآنية تكررت ثلاث مرات في كتاب الله كلها في قصة شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي في قوله تعالى : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) وهي مثال على شمول دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع مناحي الحياة، وأنهم كما يدعون إلى أصل الأصول وهو التوحيد فهم يدعون إلى تصحيح جميع المخالفات الشرعية مهما ظنّ بعض الناس بساطتها، إذ لا يتحقق كمال العبودية لله تعالى إلا بأن تكون أمور الدين والدنيا خاضعة لسلطان الشرع.
وهذه القاعدة القرآنية كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير، والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى - أعني الإنصاف - وعدم بخس الناس حقوقهم ، تأمل - مثلاً - قول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه ، أفتظن أن ديناً يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذه الآية: فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأوّل من أهل الإيمان!! فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له. وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة الإنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر.
وتلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم حقوقهم، فيؤخرون رواتبهم ، وربما حرموهم من إجازتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟! (أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٤ - ١٦] ألا يخشون أن يُسَلّط عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟! ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا ؟!"(٤)
- (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
من أحسن ما فُسر به قوله تعالى هذا قول ابن كثير رحمه الله - "أي: ما يفضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس"
وفيه تربية على أن الخير في المال الحلال وإن قل، وأن المال الحرام لا خير فيه وإن كثر.
وفيه تربية على أن المال الحرام يوجب زوال النعم من الله تعالى .
الدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى .
- قَالَ (يَا قَوْمِ أَرَأيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَناً)
لم يحدد شعيب - عليه السلام - ما الرزق الحسن لكن أعظم رزق رزقه الله هو النبوة ويتبع ذلك أشياء أخر .
- (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾
القدوة الصالحة ، فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل أمر بالمعروف وبدأ بنفسه ، ونهاهم عن المنكر ، وانتهى عنه أولاً وهكذا الداعية الصدوق، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية : بدأ بدم ابن عمه.
- هذا من أعظم ما يوعظ به الأئمة والخطباء ومن تصدر لوعظ الناس ، ونظيره في القرآن (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) ونظيره - وهو الثالث - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : ٢-٣].
- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ )
هذه الكلمة عزيزة لم ترد في القرآن متعلقة بالله إلا في هذا الموضع ، ولذلك قال العلماء إنها عزيزة ، وقالوا : من أحب أحدا ودعا له بالتوفيق فقد أخلص له في الدعاء ، قال الله عن نبيه شعيب أنه قال (وما توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ) فأنا أعمل لكن أن أصيب ما أردت إصابته لا يمكن أن يكون إلا بتوفيق من الله .
- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
" في هذه الآية جمع الله بين أصلين في القدر وهما : أصل قبل المقدور وهو الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمداً على ربه، ملتجئاً إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه والثاني: بعد المقدور وهو : الصبر على المقدور" (٥)
- التوكل عبادة قلبية كل يدعيها ، لكن ليس كل أحد يُقدر له أن يأخذ بأسبابها على أتم وجه وأكمل نحو .
- (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
قال السعدي في تفسيره: " وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ، وقال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
- (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم ببَعِيدٍ)
فيه أن العداوة والخصومة والشقاق قد تدفع بالإنسان إلى اختيار الباطل ومعاداة الحق والوقوع في جريمة الكفر، ومعنى هذه الآية: لا يوقعنكم في جرم الكفر معاداتكم إياي فيصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح - عليه السلام - من الغرق، ولقوم هود عليه السلام - من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف.
________________________
١- برنامج مع القرآن (1) للشيخ صالح المغامسي
٢- رواه البخاري ومسلم
٣- المصباح المنير في تهذيب تفسير بن كثير / للشيخ خالد السبت
٤- القاعدة الثامنة والعشرون: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) / د . عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف
٥- تقريب التدمرية للشيخ بن عثيمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق