الثلاثاء، 13 يناير 2026

اسم الله [القريب / المجيب] من كتاب فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد الرزاق البدر

  .. وقد جمع الله بين هذين الاسمين في قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيب ﴾ [هود: ٦١]. ولم يرد «المجيب» في غير هذا الموضع
 وأما «القريب» فقد ورد في موضعين آخرين هما: 
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٦]
 وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِيَ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ [سبأ: ٥٠]. 
وقرب الله الذي تدلُّ عليه هذه الآيات هو قرب خاص من العابدين المحبين والداعين المستجيبين، قرب لا يدرك له حقيقة، وإنما تُعلَمُ آثاره من لطفه بهم، وتوفيقه لهم وعنايته بهم.
ومن آثاره: إجابته للداعين، وإثابته للعابدين، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر : ٦٠]. وقد ثبت في السنة أحاديث عديدة تدلُّ على قرب الله عزوجل من عباده المؤمنين وأوليائه المتقين، يسمع دعاءهم، ويجيب نداءهم، ويعطيهم سؤلهم، ففي «الصحيحين» (۱) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم ليس تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم». 
وفي الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عزوجل : (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً، تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول).
واسمه تعالى «المجيب» يدلُّ على أنه سبحانه يسمع دعاء الداعين، ويجيب سؤال السائلين، ولا يخيب مؤمناً دعاه، ولا يرد مسلماً ناجاه، ويحب سبحانه أن يسأله العباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية، من الطعام والشراب والكسوة والمسكن، كما يسألونه الهداية والمغفرة والتوفيق والصلاح والإعانة على الطاعة، ونحو ذلك، ووعدهم على ذلك كله بالإجابة مهما عظمت المسألة، وكثر المطلوب، وتنوعت الرغبات، وفي هذا دلالة على كمال قدرة الله سبحانه وكمال ملكه، وأن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس وأجابهم في جميع ما سألوه، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر) رواه مسلم (۳).
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن لِيَعْزِم المسألةَ، وَلْيُعْظِمِ الرَّعْبَةَ، فَإِنَّ الله لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ).
وقد ورد في السنة النبوية أحاديث عديدة في الترغيب بالدعاء، وبيان أن الله تبارك وتعالى يجيب الداعين ويعطي السائلين، وأنه جل وعلا حيي كريم، أكرم من أن يرد من دعاه أو يخيب من ناجاه أو يمنع من سأله. روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنَّ الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا) (٥).
وفي حديث النزول الإلهي يقول صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه (٦)، وهو حديث متواتر رواه عن النبي الله جمع من الصحابة بلغ عددهم ثمانية وعشرين صحابياً .
وجاء في الحديث القدسي في بيان منزلة أولياء الله المتقين أنَّ الله تبارك وتعالى يقول: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه) رواه البخاري في «صحیحه» (٧).
فهذه النصوص وما في معناها تدل دلالة بينة أن الله تبارك وتعالى لا يرد من سأله من عباده المؤمنين، ولا يخيب من رجاه، لكن قد يستشكل في هذا أن جماعة من العباد والصلحاء قد دعوا وبالغوا ولم يجابوا، والجواب: أن الإجابة تتنوع:
 ●فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور
●وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمة
●وتارة تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها، ●وقد تدخر له أجراً ومثوبة يوم القيامة.
روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وغيرهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أنَّ النبيَّ الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعةُ رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أَنْ تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السُّوء مثلها، قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر ) (٨) .
وبهذا يتبين أن إجابة السائل في سؤاله أعم من إعطائه عين المسؤول.
وإن من أثر الإيمان باسم الله المجيب أن يقوى يقين العبد بالله، ويعظم رجاؤه ويزيد إقباله عليه وطمعه فيما عنده، ويذهب عنه داء القنوط من رحمته أو اليأس من روحه.
وكيف لا يكون المسلم واثقا بربه الجواد الكريم المحسن، وهو سبحانه بيده ملكوت كل شيء، فما شاء كان في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وحكمه سبحانه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل، وله الثناء الحسن (يَسْألُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن : ۲۹] ، تبارك الله رب العالمين.
____________________________
(١) البخاري (رقم : (٧٣٨٦) ، ومسلم (رقم : ٢٧٠٤) - واللفظ له ..
(۲) البخاري (رقم : (٧٥٣٧) ، ومسلم (٢٦٧٥) واللفظ له.
(۳) (رقم : ٢٥٧٧) وهو طرف من حديث أبي ذر له.
(٤) البخاري (رقم : ٦٣٣٩) ، ومسلم (رقم : ٢٦٧٩) واللفظ له.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) رواه البخاري (رقم : (١١٤٥) ، ومسلم (رقم : (٧٥٨) من حديث أبي هريرة له.
(٧) (رقم: ٦٥٠٢).
(٨) مسند الإمام أحمد (۳) (۱۸)، و«الأدب المفرد (رقم : (۷۱۰)، و«المستدرك» (١/ ٤٩٣) وصحح الحاكم إسناده، وجوده الحافظ المنذري، كما في صحيح الترغيب والترهيب» (رقم: ١٦٣٣).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق