الخميس، 8 يناير 2026

فوائد سورة القيامة (١-١٥)

 بسم الله الرحمن الرحيم

■ قال الطبري: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من سئل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة». «تفسير الطبري (٢٤ / ٥٤)»

(لا أقسم بيوم القيامة)
عن المغيرة بن شعبة، قال: يقولون: القيامة القيامة، وإنما قيامة أحدهم: موته.
وعنه في تفسيره قال: عن أبي قبيس، قال: «شهدت جنازة فيها علقمة، فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته». «تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩).
وقال ابن الجوزي: «(لا أقسم) اتفقوا على أن المعنى أقسم»، واختلفوا في «لا»: 
● فجعلها بعضهم زائدة، كقوله تعالى : (لئلا يعلم أهل الكتاب).
● وجعلها بعضهم توكيدا للقسم كقولك: لا والله لا أفعل.
● وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث. ويدل عليه أنه أقسم على كون البعث. قال ابن قتيبة زيدت «لا» على نية الرد على المكذبين، كما تقول : لا والله ما ذاك كما تقول، ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ في الرد». «زاد المسير في علم التفسير» (٤ / ٣٦٨).

وقال السعدي: «ليست {لا} ها هنا نافية، ولا زائدة، وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح، والمقسم به في هذا الموضع هو المقسم عليه، وهو: البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم». «تفسير السعدي» (ص ۸۹۸).

(ولا أقسم بالنفس اللوامة) 
قال ابن القيم: «وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه الأخرى، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)، وبقوله : (لا أقسم بيوم القيامة* ولا أقسم بالنفس اللوامة)، وبقوله: (إن النفس لأمارة بالسوء) والتحقيق: أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات، فتسمى باعتبار كل صفة باسم.... إلى أن قال:
 وأما اللوامة، وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله : { ولا أقسم بالنفس اللوامة) فاختلف فيها:
■ فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة. أخذوا اللفظة من التلوّم، وهو التردد، فهي كثيرة التقلب والتلون. وهي من أعظم آيات الله، فإنها مخلوق من مخلوقاته، تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر - ألوانا متلونة. فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتلطف وتكثف، وتنيب وتجفو، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتعصي، وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلوّنها، فهي تتلوّن كل وقت ألوانا كثيرة. فهذا قول.
■ وقالت طائفة اللفظة مأخوذة من اللوم. ثم اختلفوا:
● فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المحمودة. قال الحسن البصري: «إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما. يقول: ما أردت بهذا ؟ لم فعلت هذا ؟ كان غير هذا أولى، ونحو هذا من الكلام»، وقال غيره: «هي نفس المؤمن توقعه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان، بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب، بل يلومها وتلومه على فواته».
● وقالت طائفة بل هذا اللوم للنوعين، فإن كل أحد يلوم نفسه، برا كان أو فاجرا. فالسعيد يلومها على ارتکاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها.
● وقالت فرقة أخرى هذا اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته، وإن كان محسنا على تقصيره.
وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله، وباعتباره سميت لوامة، 
ولكن اللوامة نوعان:
لوامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته.
ولوامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله . مع بذله جهده، فهذه غير ملومة.
وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت ملام اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه قد تخلصت من لوم الله لها، وأما من رضيت بأعمالها، ولم تلم نفسها عليها، ولم تحتمل في الله مُلام اللوام، فهي التي يلومها الله عز وجل». «الروح (٢/ ٦٢٢-٦٣٩)»

(أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه)
قال البغوي: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه نزلت في عدي بن ربيعة، حليف بني زهرة، ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اكفني جاري السوء)، يعني: عديا والأخنس. وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، حدثني عن القيامة متى تكون؟ وكيف أمرها وحالها ؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام فأنزل الله عز وجل : (أيحسب الإنسان) يعني الكافر (أن لن نجمع عظامه) بعد التفرق والبلى فنحييه قيل : ذكر العظام وأراد نفسه؛ لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا باستوائها. وقيل: هو خارج على قول المنكر : أو يجمع الله العظام، كقوله: {قال من يحيي العظام وهي رميم}. «تفسير البغوي (۸) ۲۸۰)»

(بلی قادرين على أن نسوي بنانه)
قال ابن عطية: «قال القتبي (نسوي بنانه) معناه نتقنها سوية، والبنان الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم: إنما تُجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء، وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث.
وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: «(نسوي بنانه) معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى: قادرين في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بیده فكأن التقدير : بلى نحن أهل أن نجمعها قادرين على إزالة منفعته بيده، ففي هذا توعد ما» والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء». «تفسير ابن عطية(٥ / ٤٠٢)».
وقال ابن القيم: «جاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:
أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه؛ كما قال في جواب من قال: من يحيي العظام وهي رميم: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، وقال: {وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل*إن ربك هو الخلاق العليم)، وقال: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم).
والثاني: تقرير كمال قدرته؛ كقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}، وقوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه)، وقوله : {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير}، ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله : (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم).
الثالث: كمال حكمته كقوله : (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين)، وقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) وقوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)، وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله الملك الحق}، وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}». «الفوائد لابن القيم (۱) ۸-۹)»

(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)
قال البغوي: « يقول : لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع عظامه، لكنه يريد أن يفجر أمامه، أي: يمضي قدما على معاصي الله ما عاش راكبا رأسه، لا ينزع عنها ولا يتوب. هذا قول مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي. وقال سعيد بن جبير : (ليفجر أمامه) يُقْدِم على الذنب ويؤخر التوبة، فيقول: سوف أتوب، سوف أعمل، حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله. وقال الضحاك : هو الأمل، يقول: أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا، ولا يذكر الموت». «تفسير البغوي (۲۸۱۸)»
وقال ابن عطية: «و (بل) في أول الآية هي إضراب على معنى الترك، لا على معنى إبطال الكلام الأول». «تفسير ابن عطية ( ٥ / ٤٠٣)».

(فإذا برق البصر)
قال ابن كثير : « قال أبو عمرو بن العلاء : (برق) بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: (لا يرتد إليهم طرفهم) بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب. وقرأ آخرون: "برق" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عِظَم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور». «تفسير ابن كثير (۸) ۲۷۷)»

(وخسف القمر)
قال القرطبي : ( وخسف القمر ) أي ذهب ضوءه والخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوءه. ويحتمل أن يكون بمعنى غاب ومنه قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض)». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٩٦).

(وجُمع الشمس والقمر)
قال القرطبي: « قال ابن عباس وابن مسعود: جُمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرونين كأنهما ثوران عقيران... وفي قراءة عبد الله: (وجمع بين الشمس والقمر)، وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقال علي وابن عباس : «يجعلان في نور الحجب» وقد يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عُبدا من دون الله، ولا تكون النار عذابا لهما لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم - يعني ممن كانوا يعبدونها من دون الله». وفي مسند أبي داود الطيالسي، عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۷).
وقال السعدي: «وجمع الشمس والقمر وهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى، فيجمع الله بينهما يوم القيامة، ويُخسف القمر، وتكوّر الشمس، ثم يُقذفان في النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، وليري من عبدهما أنهم كانوا كاذبين». «تفسير السعدي» (ص۸۹۹).

(يقول الإنسان يومئذ أين المفر)
قال القرطبي : «قال الماوردي: ويحتمل وجهين: 
أحدهما: أين المفر من الله استحياء منه.
 الثاني: أين المفر من جهنم حذرا منها. 
ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
 أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرضة القيامة دون المؤمن، لثقة المؤمن ببشرى ربه.
الثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۷).

(كلا لا وزر)
عن الحسن في قوله : (كلا لا وزر ) قال: «كانت العرب تخيف بعضها بعضا، قال: كان الرجلان يكونان في ماشيتهما، فلا يشعران بشيء حتى تأتيهما الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه، يا فلان الوزر الوزر، الجبل الجبل». «تفسير الطبري (٢٤/ ٥٩)».

(إلى ربك يومئذ المستقر )
قال البغوي: {إلى ربك يومئذ المستقر } أي مستقر الخلق. وقال عبد الله بن مسعود: المصير والمرجع نظیره قوله تعالى : إلى ربك الرجعي)، وإلى الله المصير)، وقال السدي: المنتهى، نظيره: (وأن إلى ربك المنتهى)». «تفسير البغوي (۸) ۲۸۲)»

(ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) 
● قال البغوي: قال ابن مسعود وابن عباس : (بما قدم قبل موته من عمل صالح وسيئ، وما (أخر): بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يُعمل بها. 
● وقال عطية عن ابن عباس : (بما قدم من المعصية (وأخر) من الطاعة.
● وقال قتادة : (بما قدم من طاعة الله ( وأخر) من حق الله فضيعه.
● وقال مجاهد: بأول عمله وآخره.
● وقال عطاء : (بما قدم) في أول عمره، وما (أخر) في آخر عمره.
وقال زيد بن أسلم: (بما قدم) من أمواله لنفسه، وما (أخر ) خلفه للورثة». «تفسير البغوي) (۲۸۲/۸).
●وقال القرطبي: قال القشيري: «وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال ويجوز أن يكون عند الموت، قلت: والأول أظهر، لما خرجه ابن ماجه في سننه ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته). وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره من علّم علما، أو أجرى نهرا ، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا ، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته). فقوله: (بعد موته وهو في قبره) نص على أن ذلك لا يكون عند الموت، وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن عمله، وإن كان يبشر بذلك في قبره. ودل على هذا أيضا قول الحق: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم). وقوله تعالى : ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال. والله أعلم. وفي الصحيح: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۹).

■ قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)
●عن قتادة قوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) أنه قال: «إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلا عن ذنوبه؛ قال: وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، ولا تبصر الجذع المعترض في عينك». 
«تفسير الطبري (٢٤/ ٦٣)»
●وقال القرطبي: «قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك.
●وقال ابن عباس: (بصيرة) أي شاهد، وهو شهود جوارحه عليه يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة الشاهد» ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)....
وقيل: المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر يدل عليه قوله تعالى: (ولو ألقى معاذيره) فيمن جعل المعاذير الستور». «الجامع لأحكام القرآن (۱۹/ ۹۹-۱۰۰)».
●وقال القرطبي: «فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه، لأنها بشهادة منه عليها، قال الله سبحانه وتعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) ولا خلاف فيه لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه، لأن العاقل لا يكذب على نفسه، وهي المسألة. وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما مع لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) ثم قال تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۱۰۲).

قوله تعالى: ( ولو ألقى معاذيره)

● قال ابن كثير: «قال مجاهد : (ولو ألقى معاذيره) ولو جادل عنها فهو بصير عليها.
●وقال قتادة : (ولو ألقى معاذيره) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه.
● وقال السدي: (ولو ألقى معاذيره) حجته. وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم. واختاره ابن جرير.
● وقال قتادة عن زرارة، عن ابن عباس: (ولو ألقى معاذيره) يقول: لو ألقى ثيابه.
● وقال الضحاك ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر : المعذار.
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) وكقوله: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون).
● وقال العوفي، عن ابن عباس: «(ولو ألقى معاذيره) هي الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: {لا ينفع الظالمين معذرتهم}، وقال (وألقوا إلى الله يومئذ السلم)، { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء}، وقولهم (والله ربنا ما كنا مشرکین). «تفسیر ابن کثیر (۸) (۲۷۸)»
● وقال السعدي: «(ولو ألقى معاذيره) فإنها معاذير لا تقبل، ولا تقابل ما يقرر به العبد فيُقر به، كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} فالعبد وإن أنكر أو اعتذر عما عمله، فإنكاره واعتذاره لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه وبصره وجميع جوارحه بما كان يعمل، ولأن استعتابه قد ذهب وقته، وزال نفعه فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون». «تفسير السعدي (ص ۸۹۹)».
-----------------------------------
د. أبصار الإسلام



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق