الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

تفسير سورة الملك (١١- ٣٠) د. رقية المحارب


 { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }

 بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين ..
 أنهينا قول الله جل وعلا : { فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ }.
 من قول الله جل وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } - أسأل الله أن يجعلنا منهم - هذا على النقيض من أولئك الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى من المكذبين الضالين الظالمين الذين يرِدون النار ويرِدون جهنم وهي لهم دار ومستقر وهي قرارهم التي يكونون فيها ويتعذبون فيها ويصلونها لا يخرجون منها وبئس المهاد.
 قال الله جل وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْب ِ} يعني الذين يخشونه يخافونه ويخافون مقامه فيكُفُون عن الذنوب والمعاصي ويفعلون الطاعات ويتقربون لله جل وعلا ولاسيما في وقت لا يراهم فيه أحد، هؤلاء يخشون ربهم بالغيب يعني سراً كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) وذكر منهم ( رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وأيضا ذكر فيهم (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) فمجمع ذلك كله مجمعه على خشية الله جل وعلا بالغيب وخوفه بالغيب والإخلاص له. هؤلاء ما جزاؤهم ؟
قال الله جل وعلا : { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يغفر الله لهم ما كان منهم من الذنوب والمعاصي، ويغفر الله لهم ما كان منهم من التقصير، ويغفر الله لهم ما كان منهم من الخطأ، فالمرء بين الخطأ والتقصير والعمد الذي يتوب منه والغفلة والهوى والنسيان وكل هذه الأمور محرضات على مخالفة أمر الله جل وعلا، كذلك الاتيان إتيان العبد بالعمل لا على الوجه الذي طلبه الله جل وعلا وأمر به فالله جل وعلا أمر بالعدل وأمر بالإحسان وأمر بالاستقامة والمرء لا يستطيع أن يأتي بها على وجهها وقد جاء في الحديث ( سددوا وقاربوا ) فلا بد أن يسدد الإنسان والله جل وعلا يقول : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } فالله جل وعلا أمرنا بأن نأتي من أمره ما نستطيع والله جل وعلا غفور رحيم . قال : { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وهذا الأجر الكبير لا يعلم قدره إلا الله جل وعلا، فإذا  قال الكبير عن الشيء كبير فما ظنك به ؟ وإذا قال العظيم عن الشيء عظيم فما ظنك به ؟ وإذا قال الكريم عن الشيء كريم فما ظنك به ؟ فلا شك أن ما وعد الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين من الجزاء والأجر الكبير أن كُبر هذا الأجر يليق به سبحانه وتعالى يليق بجلاله فلا تسألي عن ِعظمه وكرمه وعن حجمه لأنه لا يحيط به إلا الله جل وعلا ولا يمكن لنا أن نتصور هذا الأجر العظيم الكبير الذي يهبه الله جل وعلا ويعطيه لعباده سبحانه وتعالى.
 وقد جاءت أوصاف في الجنة وذكرناها أكثر من مرة منها ما حينما نقرأ عنه أو نتكلم عنه أو نقرأ الأحاديث التي وردت فيه يمكن لا تستوعبها عقولنا فما نحن إلا مصدقون بالوعد وراجون له ونرجو أن الله سبحانه وتعالى يجعلنا من أهله .. اللهم آمين.
/ يقول سبحانه وتعالى : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } وذلك بعد أن قال سبحانه وتعالى : { يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } فإذا كان الله جل وعلا أعطى هؤلاء الأجر العظيم على ما يفعلونه بالغيب وما يخفونه فإنه قال بعد ذلك : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي بما يخطر في قلوبكم من خير من إرادة الخير ومن غيره فإن من أسرّ في قبله الخير وأسرّ في قلبه الإخلاص وأسرّ في قلبه إرادة الله جل وعلا فإن الله سبحانه وتعالى يعلمه، والله جل وعلا { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } من خير ومن شر، والله جل وعلا يقول : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } فالسر عنده علانية سبحانه وتعالى ولذلك يقول : {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } إن أسررتم ما في نفوسكم أو جهرتم به من الصلاح ومن غيره فإن الله جل وعلا عليم بذات الصدور يجزي به ويحيط به ويُظهِر عليه متى شاء من شاء إذا شاء.
/ قال الله جل وعلا : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} يعني ألا يعلم الخالق { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق } الخالق يعني ما يعلم الخالق : { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، أو معناه يمكن أن يكون ألا يعلم الله من خَلَقَه من الخلق، فيكون { مَنْ } هنا إما أن تكون فاعل وإما أن تكون مفعول به فـ
 { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق} يعني الذي خلق - الخالق - أو { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق } ألا يعلم اللهُ من خَلَقَه فيعلم سره ويعلم نجواه ويعلم ضميره إذا كان خلقهُ ألا يعلم ما يُبطن في سره؟ بلى ، هو الذي خلقه وهو الذي صوّره وهو الذي دبّره وسيأتينا بعد آيات دقيق صنعه وخلقه في حينه نتكلم عنه إن شاء الله.
 يقول الله جل وعلا : { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } وذكّرهم الله سبحانه وتعالى بصفته اللطيف ، وذكر نعمته لخلقه في تسخيره لهم وتذليله للأرض وما فيها من دواب وبهائم وهذا التسخير كلنا له شاهدون يعني الجمل على عظمة خلقه مسخر للإنسان تقودينه بحبله وينقاد، والحصان كذلك تقودينه ينقاد، الفيل تقودينه وينقاد، هذا التسخير مِن مَن ؟ من الله جل وعلا ، فكل ما كان للعبد فيه خير فإن الله جل وعلا جعله له مسخراً، وما ليس له فيه خير ما ليس له فيه منفعة في حليبه أو لبنه أو لحمه أو شحمه أو دهنه أو شعره أو وبره كل ما ليس له فيه نفع فإن الله جل وعلا ما سخره له جعله من السِّبَاع التي لا ينتفع بها، يعني الهرة -مثلاً- تطوف عندك في البيت تنتفعين منها بشيء؟ ما غير تأكل من عندك وتؤذيك يعني ما فيها شيء، لكن هي من الطوافين عليكم والطوافات كما جاء، لكن السباع أقصد السباع المفترسة الوحشية هذه ما ينتفع منها الإنسان فهي غير مسخرة لهم، أما ما سخر الله تعالى للعبد فإن له فيه نفع ومع ذلك فهو ينقاد له من الذي سخّره؟ إنه الله جل وعلا.
 قال سبحانه وتعالى ولذلك قال : { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } هو أخبر بما ينفعكم فجعله لكم وهيأه لكم وهو أخبر بكم وأخبر بحالكم ولذلك جعل لكم من الأرض ومن السماء ماهو لكم نافع.
/ قال جل وعلا : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا } كل هذه في إطار المِنّة التي يمتن الله سبحانه وتعالى بها على عباده، وحق الكريم سبحانه وتعالى الخالق سبحانه وتعالى، حقّ الملك المتصرف القادر، حقّه إذا أمتن أن يقال إذا قيل ألم يعطكم كذا ؟ أن يقولوا بلى، يعني لله المنّ .. لله الفضل فالله جل وعلا يقول : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا } ذللها لكم وذلل فيها لكم من الثمار والزروع والأنهار والأشجار وكل هذا تجدينه مسخر لهذا الإنسان.
/ { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } قال :{ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } وأمر الله جل وعلا بالسعي في مناكبها وأن لا يجلس الإنسان يضع يده على خده ويقول يأتيني رزقي بل قال : { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } يعني اسعوا فيها وابذلوا أسباب تحصيل ما أُتيح لكم وما سُخر لكم { وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } فإنه وإن كنتم أنتم الساعون فإن الرزق من الله، ما قال امشوا في مناكبها وكلوا من رزقها، ولا قال من رزقكم، ولا قال من كسبكم قال : { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } فلو شاء الله جل وعلا لجعله غير مستساغ لو شاء الله جل وعلا لجعله غير مستساغ، وأنت ترين أن الله جل وعلا قد يجعل الشيء غير مستساغ إما لذاته لعلة فيه وإما لعلة فيك، فلو أن الإنسان ما أساغ الشيء يعني هو ما يحبه، لا يحبه إما لمرض وإما لعدم تآلف أو توافق نفسه أو توافق جسمه أو أو إلخ فهو غير مساغ إذاً لا ينتفع به. كذلك لو أنه جعله غير مساغ في ذاته هل أحد يعني مثلاً أنت تمرين الآن بشجرة الشري هل تأكلين منها ؟ لا تأكلين منها لأن الله جل وعلا ما جعلها مساغة لكِ ، لكن جعل الله لك أشياء مُساغة فهذه من رزقه سبحانه وتعالى.
/ قال الله جل وعلا : { وَإِلَيْهِ النُّشُور } يعني تفكروا وأنتم ترون هذا التسخير في الأرض وهذا الذِّل في الأرض الذي جعله الله لكم، التذليل جعله لكم وأمركم بأن تسعوا فيه ووعدكم أن يرزقكم منه تذكروا النشور، فإذا كنا أُمِرنا أن نتذكر النشور فعليه فلابد أن نحتسب في كل شيء، نحتسب في أكلنا وفي شربنا وفي سعينا وفي إطعام أولادنا وفي إطعام أزواجنا وفي كل من نطعمهم، فنحن نحتسب فيهم الأجر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن هذه المواطن مواطن الاحتساب وكم فيها من الأجور، وقال : ( وإن في بضع أحدكم لأجر، قالوا يارسول الله : أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : أرأيتم لو أنه وضعها في حرام ) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن المرء يضع اللقمة في فيء امرأته أو في فيء ابنه أنه له فيها أجر، يعني كل ما تبذلينه في هذه الحياة الدنيا أنتِ مأجورة عليه فإذا تذكرت أن النشور إليه فاستحضري دائماً الاحتساب، ولا يستحضر الإنسان الاحتساب إلا إذا عاش أو كان قريباً مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يعلم ما له فيها من الأجور فإذا علِم ما له فيها من الأجور أحدث عنده هذا العلم نية لاحتسابها فهذا من فضائل العلم، فضائل مجالس الذكر أن الإنسان يعلم ما له في الأمر من أجر فيستحضر أجره وإلا كثير من الناس يعيش مثل البهائم ما يحستبون الأجور فما لهم منها من أجر، هو يأكل ليشبع وآخر يأكل ليتقوى على عبادة الله فهذا يؤجر وذاك لا يؤجر، هذا يُطعم زوجته لأنه يريد أن ينتفع منها وتبادله المصلحة فهو لا يؤجر، وذاك يُطعم زوجته لأن الله أمره بذلك فهو يؤجر عليه، هذا يُطعم ولده لأنه يحبه ويستمتع بأنه يُطعم ولده وذاك يُطعم ولده لأن الله جل وعلا أمره بإطعامه وأمره بالنفقة عليه فهو يرجو ما عند الله جل وعلا، فمن تذكر النشور أحسن العمل والاحتساب وكان قاصداً في عمله كله .
س: والجاهل؟
يُذكّر ويُعلّم  ولذلك الله جل وعلا أمر العباد أن يتذكروا وإلا ما بعث لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لِم ؟ من أجل أن يُذكّرهم من أجل أن يصحح إعتبارهم سنتكلم عن هذا إن شاء الله في الآية تأتي بعد قليل.
س: إذا جدد نيته؟
 إذا تذكر واحتسب وجدد نيته كان له ما سبق وما لحق لأن الله إذا كان يبدل سيئات العاصين إذا تابوا حسنات فما بالك بالطائعين إذا احتسبوا فيها مضى كيف أن الله جل وعلا يدعهم من غير أن يبدلهم، فالله جل وعلا يبدلهم، بل إنه أكثر من ذلك المرء إذا أسلم وقد سلف منه خير، إذا أسلم وكان له خير مثلاً إنسان مُنفق مُتصدق، يحب الأيتام، يبر المساكين، يُطعم الجائعين ..الخ ثم أسلم فقد أسلم على ما سلف من الخير يكون له أجر ما سلف من الخير يؤجر عليه، فإذا كان الإنسان إذا أسلم كان له أجر ما سلف من الخير فما بالك به إذا احتسب كان له أجر ما سلف من الخير إن كان الذي منعه من ذلك هو الجهل أو الغفلة، فلذا كل من أغتنم الفرصة وتاب وأناب وعلم واحتسب وبدأ يسأل وما لي في هذا من الأجر وما لي في هذا من الأجر وأحدث بعد ذلك نية واحتساباً كلما وُفق الإنسان إلى ذلك قبل الممات كلما كان ذلك أعظم حظاً له لأن حظه يزيد من الحسنات ومن الأجر والأجور والخير.
/ يقول الله جل وعلا : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } يعني الآن بعد أن ذكّرهم الله سبحانه وتعالى بالنِّعم والمِنن التي أمتن الله تعالى بها عليهم ذكّرهم بضدها، ماذا لو الآن إذا جلستي أنتِ في نعيم وما عرفتي سواه هل تدركين قدر هذا النعيم الذي أنت فيه ؟ والله ما تدركينه لكن إذا رأيتي ما الناس فيه من الجحيم، مالناس فيه من فقد النعمة.
 يعني أنا سأضرب لك مثلاً: لو كنت في بيتك كل يوم الماء يصب عندك انقطع الماء يومين ثلاثة أيام بماذا تشعرين ؟ تبدأين أول الأمر ساعة ساعتين ما تحسين كثيراً لأن عندك قوارير صحة وعندك من هنا وعندك من هنا ما بعد تجمعت عليك الأمور لكن طال بك الزمان، طال بك الوقت بيبدأ فقد الماء تشعرين به وهو يومين ثلاثة أيام ماذا لو جفت زروعك وجفت الدنيا كلها وصارت المياه قارورة الماء يمكن بمائة ريال لاشك، الآن لو أنه انقطع الماء وأنحبس وأنت عندك ألفين ريال وعطشانة وهذا الماء بألفين ريال سوف تشترينه صح والا لا ؟ لِم ؟ لأنه فُقِد ولذلك الله جل وعلا يقول : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } إذاً الأرض التي أنتم مستقرون عليها تنامون وتستيقظون ولا يحدث لكم فيها زلزلة ولا خسف ولا شيء وأنتم عليها تُكذبون بالله وتعصونه وتغفلون عنه { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } يعني هل تأمنون أن يذهب الله جل وعلا بهذه الأرض المستقرة ويأتي بإضطراب فيها ، أو أنه كما قال الله جل وعلا : { أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } يعني ريحاً فيها حصباء تدبغكم وتهلككم وتدمركم كما قال الله جل وعلا في سورة الإسراء : { أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا } هل تأمنون ؟ فيقول الله جل وعلا : { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } حينئذ لو أن الله جل وعلا أرسل عليكم حاصباً حينها ستعلمون كيف كان النذيز الذي أنذركم وما صدقتموه ، ولكن الله جل وعلا من رحمته بعبده محمد صلى الله عليه وسلم ورحمته بالأمة التي بُعث لها صلى الله عليه وسلم أمهلهم وجعلهم تحت الاختبار قال : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } فتركهم الله جل وعلا لم يعذبهم وإلا لو أنهم كذبوا وكذبوا وكذبوا حتى رفعه الله عنهم أو أبعده عنهم أو صرفه عنهم لأعلمهم كيف يكون النذير الحق النذير الظاهر الذي لا يُكذِّبه أحد حينئذ قال : { وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } إذا كانوا هم ينكرون ذلك ينكرون هذا فلينظروا للأمم التي قبلهم هم يعرفونها، يعرفون قوم ثمود ويعرفون قوم عاد ويعرفون كل الأقوام السابقة التي لا تجهلهم يعرفونها { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } كيف ينكرون هذا وهو أمر معلوم عندهم يتناقلونه ويعرفونه ويمرون على آياته يمرون على ديارهم ما الذي جعل تلك القرون شاهدة؟ يعني آثارها شاهدة، ما الذي جعلها كذلك ؟ إنه الله جل وعلا جعلها قال : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } فالله جل وعلا جعل هذه آيات من أجل ماذا ؟ من أجل أن لا يُكذب بهذا القرآن أحد ولا ينكره أحد ولذلك قال : { وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير }.
/ ثم لفتة أخرى إلى آيات الله جل وعلا في الكون الآيات المعتادة التي من كثرة ما يراها الإنسان يراها ما يلتفت إليها لأنها صارت دأبا ومعهودة والأمر إذا عُهِد ما تفكّر فيها الإنسان قال:{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ } يعني لو قلنا أنهن يطرن بالجناحين ولا يسقطن من أجل الجناح، طيب { وَيَقْبِضْنَ } تقبض جناحها لماذا لا تسقط إذا قبضت جناحها ما الذي يمسكها ؟ قال : { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ } ولما قال { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ } أراد وصف من أوصافه قال : { الرَّحْمَٰنُ } لأنها إنما أمسكت بالرحمة ، ووصف الله جل وعلا الرحمن يجيء في هذه المواطن، ولو تُتُبِعت المواطن التي يجيء فيها وصف الرحمن لعرفنا مواطن الرحمة التي يرحم بها الله جل وعلا العباد حتى في العذاب قد يأتي هذا الوصف
قال الله جل وعلا : { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } أي بصير بما يُصلِح كل شيء من مخلوقاته وقد قال الله جل وعلا : { أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } آيات وبصائر يُبصر بها الإنسان لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً، من أراد أن يبحث عن معالم الهدى في هذا الكون بآياته بكتابه بما يخبره به نبيه صلى الله عليه وسلم، من أراد أن يستبصر فإنه سيجد هذه بين يديه بصائر ويجدها صراط مستقيماً.
/ قال الله جل وعلا أيضاً في هذا المضمار في هذا لفت النظر من أجل تقرير قضية ستأتي بعده قال : { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰن } ولولا أنه الرحمن رحمكم لسلط عليكم جنده ولكن الله جل وعلا رحمكم فأمهلكم قال الله جل وعلا :
 { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم } وهذا الخطاب لمن ؟ للمشركين الذين خاطبهم محمد صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن الله حاربكم مَن هذا الذي يمنعكم منه ) لو أن الله قدر عليكم جندا من جنده يتسلطون عليكم - وهم يعرفون أصحاب الفيل ويعرفون من الذي صدّ عنهم أصحاب الفيل يعرفون هذا- قال جل وعلا : { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } وما قال إن أنتم إلا في غرور قال : { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } لماذا قال : { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } ولم يقل إن أنتم إلا في غرور؟
لأن الخطاب لهم هنا في هذا الحال خطاب هداية وخطاب حوار. لو كنت تحاورين أحد لا تقطعي عليه الطريق إلى الهداية، لا تقطعي عليه الطريق اتركي الباب أمامه مفتوحاً للهدى لا تصفيه بوصف الكافر أو بوصف المنافق أنت منافق أنت كافر ما يستجيب لك ولا يستقيم معك، ولكن قولي لا تكن كذلك فإن المنافين لهم عذاب فإن الكافرين لهم عذاب لا تكن مثلهم أنت لديك عقل أنت لديك بصيرة فأثني عليه بما يُشجعه ويدفعه لأن يفتح قلبه للهدى والحق.
/ ثم يقول الله سبحانه وتعالى : { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقهُ ؟ { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } وسماه رزق لماذا ياترى ؟ لماذا سمّاه الله جل وعلا رزقاً ؟ لأنه أوسع مدىً وأقدم عهداً وأعمق جذوراً مما يتبادر إلى الذهن في كلمة الرِّزق وذلك يكون في الصغير والكبير، يعني الذرية رزق، والصحة رزق، والأسماع والابصار رزق، والأمن وزق، وسعة الصدر رزق، عائشة رضي الله تعالى عنها لما خرج عليها النبي صلى الله عليه وسلم قالت يارسول الله : أراك طيب النفس - يعني مستاسع صدرك - قال : ( طيب النفس من النعيم ) يعني الإنسان إذا كان مستاسع صدره هذا من النعيم ( طيب النفس من النعيم ) وكل ذلك داخل في الرزق، وهذا المدلول الكبير الواسع العميق تنطوي تحته كل مدلولات الرزق لذلك قال : { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } ما قال، ما سمّى شيء من الرزق وإنما فتح الباب على مصراعيه ليكون لكل واحد النظر الخاص به في الرزق. لو أنه قيل مثلاً الغنى قال الفقير أنا ما عندي غنى ما أمتُن عليّ إذاً ، لو قيل للصحيح السليم أعطاك الصحة قال أنا ما عندي صحة أنا معلول وأعمى وأصم ومشلول وين رزقي ؟ صح وإلا لا؟ ولذا فُتِح الباب في الرِّزق على مصراعيه ليتأمل كل إنسان عنده عاهة أو بلاء أو أُمسك عنه شيء يتفكر فيما لم يُمسك عنه.
 مُرّ برجل كان أعمى ومشلول الأطراف وكان يحمد الله فمرّ به بعض الناس - الشباب الذين نظرتهم قاصرة - قالوا أنت تحمد الله الحمد لله .. الحمد لله ، ما الذي تحمد الله عليه ؟ تعرفون أحياناً بعض الشباب عيّار أنت ما ترى ولا تمشي ولا تأخذ مشلول ما عندك تحمد الله عليه ؟ قال : يا هؤلاء إني كنت من قوم لا يعبدون الله فأنجاني الله إلى قوم يعبدون الله فآمنت لو أني مت على هذه الحال في تلك البلاد كان مُت وأنا لا دنيا ولا آخرة ولكن أحمد الله على أنه لم يأخذني هناك وإنما أنجاني.
 ولذا يعني يحمد الإنسان ربه على أن أنجاه ، حتى قال كانت تقول الجارية:
 ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا ** ألا أنه من بلدة الكفر نجاني
... يعني أم خالد مثل الحقيقة يعني على كِبر سِنها وعلى تعبها وتمشي بها الكرسي الرباعي تدفها وما شاء الله عليها عندها مشكلة في القلب وعندها ما شاء الله، على ما فيها من الحال لكن ما شاء الله عليها لا تكِل بعد كل صلاة تقول: تراني آخذ العبايات المستعملة وأخذ وأذهب بها  للناس وترسل لي أحياناً صور الكراتين في بيتها، بيتها كله كراتين فما شاء الله تبارك الله ومع ذلك تقول أنا منشرحة الصدر لأني أشعر اني أقدم شيئاً. فالإنسان يا أخوات انشراح الصدر ليست الإعاقة والتعب وكذا بل أنا اجتمعت بعدد من الأخوات اللي عندهم إعاقة وجدت عندهم انشراح صدر في جوانب، خاصة إذا تدينوا إذا شعروا بنعمة التدين .. نعمة الإيمان ونعمة الصلاح هذا بحد ذاته - سبحان الله العظيم - ينقل الإنسان من حال إلى حال. ووالله إني التقيت بأناس - لن أسمي لكم ولكن أقول لكم - والله إنهم وصلوا إلى أعلى درجات الغنى إنهم لا ينامون إلا بحبوب مهدئة، وصلوا لدرجة يمكن بعض الناس يقول هنيئاً لهم يا حظهم، أبناء ملوك ومع ذلك - سبحان الله العظيم - قد يصل بالواحدة منهن - أحياناً - تقول أنها فكرت بالانتحار، هذا ما يفكر فيه الإنسان إلا من ضيق في النفس اكتئاب وشدة. وهناك أناس - سبحان الله العظيم - عندهم من انشراح الصدر والقبول والرضا الشيء الكثير.
فعلى كل حال الرّزق مدلوله أوسع من أن يكون مادة أو حِسا نُحِس به وإن كان البصر رزق والسمع رزق وكذا رزق لا يُذكر في سبيل الامتنان كرزق البصر والسمع وكذا بقد ما يُذكَر في سبيل العتب حينما يُعتب على الإنسان أنه يملك السمع ويملك البصر ويملك القلب ويملك القوة ومع ذلك هو مُعرِض أو لا يستعملها في طاعة الله وسنأتي على هذا المعنى إن شاء الله.
/ يقول الله جل وعلا : { أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ }
{ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } الآن الحقيقة هذا التعبير { بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } "بل" هنا فيها تقرير ، يُقرر أن هؤلاء كان وراء فعلهم هذا وإعراضهم عن الرزق الذي رُزقوا به والنظر إليه سببه هو أنهم أمعنوا في العتو، ليسوا عتوا فقط وإنما أمعنوا لأن الذي يعتي صاحب العتو قد يأتيه عتوا مرة ومرة يتفكر، لكن هؤلاء { لَجُّوا فِي عُتُوٍّ } يعني لجوا فيه يعني أوغلوا فيه، وأقبح العتو والنفور أن يكون الإنسان مُنكراً لما أُعطَيه من النِّعم مثل قارون أُعطي ولما قيل له قال : { قَالَ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي } مع أنه يعلم أن العلم الذي عنده لا يُغنيه شيئاً ولو أن عنده عِلم لعلِم أن الأرض تخسف به وما وقف عليها، ادفع عن نفسك يلا ، الآن أنت تقول أنا عندي علم وأنا أوتيت علم الآن أنت أُوتيت من أسفل قدميك التي هي ما يمكن أن تعلمه وأن تُحسه ومع ذلك لم تحس به ولم تعلم به ولذا قال قال الله جل وعلا :{بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } وإن ذلك من نفورهم ومن عتوهم فهم عتوا عن الله جل وعلا وعن رزقه وعن الاعتراف برزقه وهم نفروا من دعوته إليه فهم جمعوا بين الشيئين وهذا غاية في الطُغيان والجبروت والكفر ولذلك قال الله جل وعلا بعد هذه الأوصاف التي وصفهم الله جل وعلا وبعد هذا التقرير الذي قرر الله جل وعلا أنهم سلكوا مسلكه الذي هو أنهم { لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } وصفهم الله جل وعلا بوصف ومثّلهم بمثال وشبّه المشهد يعني صور لكِ هذا المشهد الذي هم فيه قال :
 { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَى } يقوله لمن؟ يقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويقوله لأتباعه المؤمنين، ويقوله لمن استمع القرآن ويقوله لمن تأمل القرآن وتدبره { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ٍ } 
{ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ } هذا السؤال لو سألتك إياه قلت لك من الذي يهتدي الطريق ؟ هذا طريق واضح أنا أعطيتك طريق وقلت لك هذا الطريق إلى بيتنا، واحد مشى وهو ينظر وأنا قلت له يأتيك على يمينك كذا وعلى شمالك كذا وعلى وأنت متجه في الطريق الصحيح مادمت ترى هذه المشاهد أو الملامح أمامك، فهو ينتفع بهذه الملامح ولكنه ينظر إلى أبسط طريق ومستوٍ ومستقيم عليهم ينظر إليه.
 { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ } فهو مكب على وجهه يعني كأنما يمشي على وجهه مثّله بأنه يمشي على وجهه {ْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ } يعني مُنكَب على وجهه، والمرء إذا مشى على رجليه نظر بعينيه التي في وجهه طريقه، وإذا مشى قال مكب ولو تخيلتي المُكِب كيف يكون يعني المُكب لو أنكب صار رأسه، يعني خلينا نقول أن هذا إنسان يمشي في طريق اثنين يمشون في طريق هذا يمشي مستوي سوي فعيناه تنظران إلى الطريق ، هذا منكب فعيناه تنظران إلى عكس الطريق فهل يمكن يصل هذا ؟ يبلغ شيء ؟ ما يبلغ شيء ولو كان الطريق واحداً مبيًن مرسوم ومنزل فيه الآيات وليس غامض ليس الطريق غامضاً بل الطريق ظاهر واضح يعرفه كل مستقيم وكل مستوي، إذاً ليس الخفاء في الطريق وإنما البلاء والعلة في الماشي .. في السائر .. في هذا الإنسان .. هذا المكب.
 طيب هل الله كبك فيه ؟ أم خلقك مستوي ؟ الله خلقك مستوى حتى  حين ينزل الإنسان من بطن أمه يرفع رأسه لفوق ما ينزل مُنكَب وإنما يرفع رأسه هذه فطرته، فطرته أنه يرفع رأسه أول ما ينزل فإذاً هذا الذي يُكِب نفسه ، الذي لا ينظر للطريق هو في الحقيقة دسّاها { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } لو أنه أقامها على ماهي عليه وسيّرها حسب الفطرة التي فُطرت عليه لأبصر ولكنه لم يُبصر بل مشى مُكباً.
 ولم يأتِ هنا الجواب قال : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أين الجواب هنا ؟ 
ما في جواب، قال الله جل وعلا أيهما أهدى هل هو بحاجة لجواب هذا ؟ هل في أحد عاقل يحتاج إلى جواب ؟ لا.. ما يحتاج الجواب الصورة واضحة، تكفيك الصورة هذه من أجل أن تُشهد لك أو تُشخص لك الصورة تُشخصها لتكون ماذا ؟ لتكون معنى حي يدخل في قلبك ودخول هذا المعنى الحي في قلبك من هذه الصورة المُمثلة لك من غير قرائن ولا دلائل ولا بيانات زيادة يجعلها أمكن في قلبك ولا يعيها إلا صاحب الحس الإيماني وهو المطلوب. وهذا شأن القرآن غالباً في التصاوير في الأمثلة، يصور لك الله جل وعلا هذا وسيأتينا من أمثال هذه الصور في هذه السورة بالذات، فالله جل وعلا بعد هذا التصوير وبعد هذه الآيات التي ضرب لنا مثل وقال : أمّن .. أمّن .. أمًن .. قال : { قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } والخطاب لمن ؟ لأولئك الذين كذّبوا ولأولئك الذين أنكبوا على وجوههم، هم انكبوا والله جل وعلا أنشأهم أسوياء وجعل لهم سمع يسمعون به وبصر يبصرون به وأفئدة يعقلون بها ومع ذلك قال :{ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } فالحقيقة التي تواجه الإنسان أن الله الذي أنشأه حقيقة تُلح على عقله البشري وتثبت ذاتها بالتوكيد بأنه لا خالق له ولا مُوجد له سواه سبحانه وتعالى، ولا يمكن لأحد مذ خلق الله الأرض مذ وجد الإنسان نفسه عليها يقول إنه خلق أحد من البشر أو يستطيع أن يخلق أحداً من البشر حتى الذين يقولون مثلاً يصنعون أو يعملون أطفال أنابيب من أين يأتون بها ، لو البويضة ما كانت سوية أو صالحة ما يتم، ما يتم إلا وِفق الأسباب والرزق الذي يرزقه الله سبحانه وتعالى والتقدير الذي يُقدره الله سبحانه وتعالى، فالإنسان على هذا هو - الحقيقة - أعلى مخلوق في هذه الأرض وأرفع مخلوق لقول الله جل وعلا :
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } وأعطاه الله جل وعلا الأمانة { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } فالإنسان أعطاه الله جل وعلا هذا الخلق فهو حقيق بأن يعترف بخالقه لما أعطاه الله جل وعلا من القُدرات العقلية والقلبية والسمعية والبصرية والحسية، وكلما مارى في ذلك كلما كان ذلك دليل كفره ولا أحد يماري في ذلك، لا أحد يماري في السمع والبصر، لا أحد يماري من عند نفسه أو أنه خلقه أو أنه أوجده أو أن والده أوجده لا أحد يماري في ذلك، يمارون في أمور أخرى. الله جل وعلا يقول : { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } وهذه وسائل .. أسباب المعرفة، هذه وسائل المعرفة وبِم قابل الإنسان الكافر هذه النعمة ؟ بالجحود .. بالكفر، خلقتك وتعبد غيري!! وقد أعطيتك السمع لتسمع آياتي وسمعت بها اللغو والكفر!! وأعطيتك العين لترى فيها آياتي ورأيت الخبث والفساد والضلال وأعرضت عن آياتي ، هذا الذي الله جل وعلا عاتب عليه ولذلك قال  { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } والسمع والأبصار الحقيقة هما معجزتان كبيرتان لو أننا وقفنا على بعض خواصها، بعض تراكيبها بعض خلقها لذُهلنا، وأنا ذُهلت الحقيقة من خلق عيون البعوض فما بالك بالإنسان، البعوض مرة من المرات تكلمت عن هذا فكيف بخلق الله جل وعلا وهو الأعظم والأكمل. جاء في كتاب [العلم يدعو إلى الإيمان] جاء فيه بعض المعاني وفي غيره من الكتب وأنا لعلي أذكر لكم بعضا منها يقول: " تبدأ حاسة السمع بالأذن الخارجية ولا يعلم إلا الله أين تنتهي يقول العلم إن الإهتزاز الذي يحدثه الصوت في الهواء يُنقَل إلى الأذن التي تُنظم دخوله ليقع على طبلة الأذن وهذه تنقلها إلى التيه داخل الأذن، والتيه يشتمل على نوع من الأقنية بين لولبية ونصف مستديرة وفي القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس فما طول القوس منها؟ وما حجمها؟ وكيف رُكّبت هذه الأقواس التي تبلغ عدة آلاف كل منها تركيبا خاصا؟ وما الحيز الذي وُضِعت فيه؟ ناهيك عن العظام الأخرى الدقيقة المتماوجة هذا كله في التِيه الذي لا يكاد يُرى، وفي الأذن مائة ألف خلية سمعية وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة دقة وعظمة تحير الألباب".
 يقول آخر : " ومركز حاسة الإبصار العين التي تحتوي على مائة وثلاثين مليون من مستقبلات الضوء - هذا في العين عينك هذه التي تتحركين فيها - فيها مائة وثلاثين مليون من مستقبلات الضوء وهي أطراف أعصاب الإبصار وتتكون العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية، وتتكون الشبكية من تسع طبقات منفصلة والطبقات التي في أقصى الداخل تتكون من أعواد ومخروطات، ويُقال إن عدد الأولى ثلاثون مليون عود وعدد الثانية ثلاثة ملايين مخروط، وقد نُظمت كلها في تناسب مُحكَم بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للعدسات ، وعدسة عينك تختلف في الكثافة، العينين عدساتها تختلف في الكثافة ولذا تجمع كل الأشعة في بؤرة ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أي مادة من جنس واحد كالزجاج مثلاً" هذا فقط في هذه العدسة، هذا بالنسبة للإبصار والسمع بالعين وبالأذن.
 أما الفؤاد فأمرٌ أعظم وأكبر وحيّر العلماء والأطباء وفيه ما لم يكتشفوه إلا قريباً وظلوا فترة طويلة يقولون إن الإنسان يعقِل بدماغه والله جل يقول : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } وظلوا يقولون ذلك إلى قريب، قرأوا دراسة قبل ثلاثين سنة تم اكتشاف أن في القلب خلايا عصبية تُصدر موجات وهذه الموجات هي التي تؤثر، وبالفعل قالوا إنه زُرع قلب في إنسان قلب آخر..
الحمد لله .. أعود فأقول القلب هو مصدر الإحساس ومصدر الإيمان به يؤمن الإنسان وبه يُحب وبه يُبغض وبه يخاف وبه يعقِل أما الدماغ فإنه المُترجم لذلك ويمكن أن يحتفظ الدماغ بمخزون من هذه المعاني وهذه المعلومات وكل شيء لكن مصدر الإحساس مصدر الإيمان،  ولذلك أقول يعني في هذه الدراسة التي قرأتها يذكرون أنه زُرع قلب إنسان في آخر ثم بعد سنوات وجدوا أن هذا المزروع فيه بدأ ينهج منهج صاحب القلب الأول - صاحب القلب الأصلي - صاحب القلب هذا مات منتحراً ولم يكن كذلك المزروع فيه ثم بعد ذلك بدأ يجنح نفس الجنوح حتى وصل إلى نفس النهاية، من أين ؟ من القلب .. فعلى ذلك لا يجوز زراعة قلب كافر في مسلم لكن لو زُرع قلب مسلم في مسلم نعم لكن قلب كافر في مسلم لا ينتفع الكافر بهذا القلب إلى أن يشاء الله جل وعلا المسلم لا ينتفع بهذا القلب إلا أن يشاء الله.
 على كل حال نعود إلى قول الله جل وعلا : { قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } بعد هذا المشوار والخطوات وإن كانت قصيرة - السورة قصيرة - يعني ليست بالطويلة ولكن مع ذلك تشعرين وأنت تقرأينها أنها مدى طويل لما فيها من الإثباتات والآيات والمراحل ولعل هذه المراحل التي في هذه السورة تحكي لك موضوعات السور القادمة، كل سورة قادمة بعد سورة تبارك تجدين في آية من آيات تبارك ما يحكي للسورة التي ستأتي.
 على كل حال يقول الله جل وعلا بعد هذه الآية : { قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ } {هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ} يعني بثكم فيها وخلقكم فيها وتكاثرتم به سبحانه وتعالى بما جعل لكم من قوى النسل وسُنة التكاثر، والذرء يحمل معنى الإكثار والانتشار.
 { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } منه النشر والحشر ، فمنه النشر في الأرض ومنه الحشر، ثم بعد ذلك سيكون النشر ثم يكون الحشر الثاني الذي هو الحشر إلى الحساب إلى الجنة والنار. يقول الله جل وعلا مذكراً عباده وخاصة المكذبين منهم الذين يقولون لا هذا الذي تقولونه غير صحيح ولا يؤمنون به، إما لا يؤمنون به إيماناً إعتقادياً وإما لا يؤمنون به إيمان يقظة واتباع وتسليم كل هؤلاء أحسن ما يُحذرهم وأحسن ما يوعدون به الحشر ولذلك يرتعدون ينتفضون إذا قيل لهم الموعد الموت. وقد قالت واحدة مرة من المرات قالت: يعني أنتم الآن تصلون وتصومون وكذا وتحرِمون أنفسكم من أشياء كثيرة ما شعوركم لو اكتشفتم أنكم أنتم كنتم واهمين؟ هذه مسلمة لكن سبحان الله { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } - نشأت أقصد في بيئة مسلمة - قلت ليس هذا أسوأ من شعورك وهذا قد قاله أحد المحاورين ، قلت لها يعني لو كان كذلك كما تقولين أنت ما شعورك لو ظهرت هذه الحقيقة التي أنت تكذبين بها أنا ما أكذب بها لكن أنت تكذبين بها الآن، تشعرين أنه يمكن أن يكون ليس صحيح ما شعورك لو كان صحيح؟ يعني هنا الطامة، لذلك الله جل وعلا أرجأهم قال: { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ولذلك في كثير من الحوارات يقول الله جل وعلا لنبيه : {وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } { وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } خلاص أنتم لستم مصدقين الذي نحن نقول لا تصدقوه انتظروا إنا منتظرون، ولذلك بعد هذا المطاف يقولون : { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إذا كنتم تعِدونا بهذا الحشر وتعِدونا بالحساب متى؟ يقال لهم : لا تسألوا عن إقامته للقيامة الكبيرة العظيمة العامة لكن كونوا في قيامتكم الخاصة إذا كنتم في شك منها فادفعوها عن أنفسكم حين تأتي أو أخبرونا عن أناس دفعوا عن أنفسهم هذه الحقيقة من الملوك أو الأغنياء أو الأقوياء، أليس الملك كان يوماً ترينه شاباً وهوملك والمواكب تمشي أمامه والقصور والأوامر وكل هذا يملكه ومع ذلك دفع عن نفسه الهرم ؟ ما دفع.
 دفع عن نفسه الموت ؟ ما دفع.
 دفع عنه أبناؤه ؟ ما أحد يدفع عن أحد. فمن يكون هذا الذي يقول هذا القول ثم هو يخلُد ؟ ولا أحد.
 وهذا التحدي الذي يتحدونه أليق بهم أن لا يسألوا عن هذا ولكن أن يسألوا ما النجاء مما ندعى إليه؟ ماذا بعد الموت؟ ليسألوا ماذا بعد الموت ؟ وكيف نخلص مما بعد الموت ؟ وكيف ننجو مما بعد الموت ؟ هذا السؤال الذي ينبغي أن يقولوه.
 لكن حينما يوجهون لمحمد صلى الله عليه وسلم { مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي ينبغي أن يُجاب يقول : { قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ } أنا العلم ليس عندي .. العلم ليس عندي أنا ، أنا عندي شيء إنما هو النِذارة { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أنا نذير، الذي عندي أقوله لكم أن أنذركم فقط أما العلم لم أدعيه يوماً، وهنا يبرز بجلاء فارق ما بين الخالق والمخاليق ، الخالق إذا أراد أن يجيب أجاب ولكن المخلوق حينما يُسأل ليس عنده جواب إلا ما عُلّم إياه ولو كان رسولاً ولو كان نبيا فإنه لا يستطيع أن يُجيب إلا بما لُّقِّن لأنه لم يدعِ يوماً أنه يعلم الغيب ولذلك لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن جارية تُغني في عرس أو في فرح من الأفراح أو أي شيء تُغني وتقول : وفينا رسول الله يعلم مافي غد ، قال لها : دعي هذا وقولي ما كنت تقولين قولي الأشياء الأخرى غير هذه التي ما فيها خطأ عقدي ولا فيها تعدي، قولي ما كنت تقولين ودعي هذا ، الرسول لا يعلم ما في الغد ما يعلم إلا ما علّمه الله جل وعلا.
/ ثم يقول الله تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ } وهنا نقلة، كان أسلوب حوار وأسلوب أخذ ورد في الكلام ثم شُخِّصت المسألة لتكون حدث يُوصف وحدث يُوصف بصيغة الماضي، والحدث إذا وُصِف بصيغة الماضي دل على أنه واقع، يعني واحد لما يأتي يقول رأينا كذا وشبت حريق في ذاك المكان والعمارة الفلانية سقطت وكذا، يعني معناه شيء رآه بعينيه، يعني ذلك حقيقة ثابتة لا تحتمل التكذيب، ولذلك الله جل وعلا لما أراد أن يُجيبهم ما قال قل يا محمد، تولى الجواب بنفسه سبحانه وتعالى { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } وصوّر لنبيه صلى الله عليه وسلم المشهد كأنما هو قريب ومواجه لهم وحاضر أمامهم دون توقع ودون تمهيد وحينئذ المشهد يُنقل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتقرّ نفسه وتطيب يعني لا تقلق ولا تنزعج من قولهم هذا لأن الإنسان إذا حاجّ إنسان آخر ورآه يلِج ويستكبر ويعاند - ويركب رأسه كما يقال - ويتمادى ويعتو ويطغى يصيبه فوران في دمه وحرقة صحيح أو لا ؟ المؤمن يصيبه حُرقة فماذا يحتاج ؟ يحتاج من يُطمئنه، بماذا يُطمأن ؟ يُطمأن بأن يخبر عن حال هؤلاء الذين يركبون هذه المراكب البغيضة الكفرية فإذا استوعبها هدأ. والله جل وعلا يقول :{ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ } فهذا هو حاضر أمامكم قريب وهو الذي كنتم تدّعون أنه لا يكون ها هو الآن كائن.
 وهل تريدين أبلغ من هذه الصورة ؟ هل تريدين أبلغ من صورة يرسمها الله سبحانه وتعالى لعباده لنبيه صلى الله علي وسلم بدقة أو يخبره عنها أنها كائنة واقعة لا محالة وهاهي هكذا ويبين له الشعور ولون الوجوه { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا } يبين الله جل وعلا وجوههم وألوانهم وجثوهم وارتعادهم وانبثاثهم كل هذا يصوّره الله سبحانه وتعالى لنبيه، فإذا حصلت هذه الصورة وكانت أمام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه حينئذ يسكن ويطمئن ويواصل الحوار معهم يستطيع أن يواصل الحوار حوار التحدي فماذا يقول ؟
 { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } أنتم الآن تقولون اننتظر نحن ننتظر، تهددوني بأن أنتظر وانتم تنتظرون { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا } سواء أهلكنا الله أو رحمنا { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم } ؟ ولا يزال النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاطبهم بصيغة الكفر بالاتهام والمباشرة ولكنه يخبرهم عن هذا المصير للكافرين وكأنهم ليسوا منهم وهذا يُأيه بهم ويدفعهم لأن يتخلوا عن هذا الحال ويميلوا إلى حاله لأن الإنسان إذا أتهم وإذا حُكم عليه، إذا حكمت على شخص، إذا قلت أنت ضال أنت فاسق أنت فيك.. خلاص عطيتيني الأوصاف ماعاد أحتاج إني أغيرها صح وإلا لا ؟ لكن إذا قلتي يا بني لا تكن مع الكافرين، يا بني لا تكن مع الفاسقين، يا بني لا تكن .. أنت لست من هؤلاء، ولست من هؤلاء، فيصير عند الإنسان تشوق إلى أن يقول : الله يهديني، قولي إن شاء الله الله يهديني، فيبدأ هو يأخذ الأمر بتقبل ولذلك يقول الله جل وعلا { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم } وهو سؤال { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم } سؤال يردُّهم إلى تدبر حالهم والتفكير في شأنهم وهو الأولى أنهم يفكرون ليس الأولى أن يُكذِبوا وإنما الأولى أن يفكروا لأنه إنما دعاهم ليوقظوا أنفسهم ما دعاهم لشيء لنفسه وأقام نفسه في المقام الأول في التحدي وقال : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني إذا كنا نعرف نحن هذه الحقيقة وندعوكم لها تظنون أننا نفعل الفعل الذي يوردنا إياها، يعني إذا كنا نحن ندعوكم إلى اجتنابها فكيف تعتقدون أننا نسير في هذا الطريق الذي ندعوكم إلى اجتنابه أو نترك الطريق الذي ندعوكم إلى السير فيه.
 يقول الله جل وعلا : { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } هو أسلوب الدعوة الحكيم يُخوفهم من ناحية ويضع لهم فرصة للتراجع عن موقفهم من ناحية، فلو جابههم بأنهم كافرون وأنه لا مفر لهم من العذاب الأليم لربما جهلوا وحمقوا وأخذتهم العزة بالإثم أمام الإتهام المباشر والتهديد.
 قد يقول قائل أليس الله جل وعلا وهذا قاله من قاله قال : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} بما أنه { سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } لماذا يُدعى وهو خلاص محكوم عليه أنه يصلى نار ذات لهب ؟ الله جل وعلا علِم ذلك وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، ولو كان أبو لهب عنده حجة أو قادر على الحجة لقال : أليس محمد يزعم أني سأصلى نارا ذات لهب هذا أنا أؤمن واتبع محمد لكن - سبحان الله - قضاء الله وقدره وتقريره سبحانه وتعالى أنه { سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } بقي على ذلك ولم يهتدِ حتى قُتِل كافراً هذا لأن الله جل وعلا قضاه والله جل وعلا أخبر به فمحال أن يخبر الله جل وعلا عن شيء ثم لا يكون.
/ قال الله جل وعلا : { قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ } بعد هذا الخطاب بعد هذا { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا }
قال : {هُوَ الرَّحْمَٰنُ } وذكر الله جل وعلا بصفة الرحمة لِم ؟ لأنه لولا رحمته ما آمنا، ولولا رحمته لما اهتدينا، ولولا رحمته ما أنزل علينا كتابه، ولولا رحمته ما خلَقَنا ولا ذرأنا { قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ } فأول شيء الدينونة أو الإعتراف أبوء وأعترف بأنه رحمن هو الذي رحمني وهذا رحمة منه هدايتي رحمة منه، لأن كثير من الذين تُحاجينهم يقولون أنت هديتي نفسك أو أنت كذا؟ فتقولين هذا برحمة الله، إن كنت أنا مهتدية فإنما ذلك برحمة من الله جل وعلا.
 (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) يعني عليه توكلنا في الاستمرار على سلوك طريق الهداية فنحن لسنا بأنفسنا ولا بخيارنا ولا بقِوانا ولكنا برحمة الله وبتوفيقه واعتمادنا عليه حتى نبلغ الطريق.
(فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ستعلمون بعد ذلك في الآخر من هو الذي يكون في الضلال المبين.
/  يقول الله جل وعلا : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا } قل لهم يا محمد : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا } والغور هو: الغائر الذاهب في الأرض، ويُذكر أنهم لما قيل لهم ذاك قالوا : نستخرجه بالمعاول، إذا صار غور عندنا فؤوس ومعاول ونخرجه ، ويمكن بعض أهل هذا الزمان يقولون عندنا حراثات وعندنا آليات كل هذا نخرج الماء إذا كان غائراً. فغار ماء عينيه فليخرجه بالمعاول إن شاء، فالماء ليس الماء وليس كل ماء ماء وليس كل رزق رزق، فالله جل وعلا عظمته وقدرته تبلغ مالا يخطر لك على بال.
 قال : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين } من هذا الذي يأتيكم بالماء النافع المَعين الذي تشربونه على عطشكم فيروكيم مَن هذا؟
 وعلى كل حال هذه الخاتمة بعد تلك الآيات في الإيمان تدلك على دلالة أخرى وهي: أن الذي يغير إيمانه، دائماً الهدى يُمثّل بالماء
 ( مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والنور كمثل غيث أصاب أرضاً ) فلذلك الماء كالهدى فإذا غار الهدى عن القلب ولم يهتدِ القلب فمن هذا الذي يأتي به؟ لا نبي مُرسَل ولا والد ولا شقيق ولا أخ ولا داعية ولا عالِم ولا مُحاضر ولا شيء، الهُدى من الله جل وعلا { فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }. إذا ابتعد الإيمان عن القلب وفقده فإنه لا أحد يأتي به، إذاً ما الحل؟ 
نبذل الأسباب، صح في الحوار والمناقشة والدعوة وكذا ولكن سؤال الذي بيده ملكوت القلوب أن يهدي وأن يُقبِل بهذه القلوب وأن يُصلِحها وأن يأخذ بالنواصي إلى البِر والتقوى، هذا هو المطلب يدعو الإنسان من يملِك { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } الذي بيده المُلك سبحانه وتعالى، فمن كان عندها زوج أو أخ ضال أو ولد ضال أو بنت ضالة إذا سجدت، أو هي تجد في نفسها نوع من الاضطراب أو نوع من البُعد وكذا، إذا سجدت ووضعت جبينها في الليل الأجوف المُظلم تقول : "يارب يا من ملك القلوب يا من ملك الأسماع وملك الأبصار وأعطى الهدى يارب أنزل في هذه الساعة المباركة هُداك على قلبي، أنزل في هذه الساعة المباركة هُداك على ابني، أنزل في هذه الساعة المباركة هُداك على ابنتي، أنزل في هذه الساعة المباركة هُداك على أمي.." وهكذا.. ويدعو الإنسان دعاءً خفياً وهذا الدعاء الله جل وعلا يعلمُه ويُجيبه، ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على عبده زكريا الذي دعا الله جل وعلا وأجابه قال إنه ماذا ؟ { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } فدعا ربه نداء خفيا فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
 اللهم نسألك يالله بأسمائك الحسنى وصفاتك العلُا أن ترحم قلوبنا، وأن تهدي بصائرنا وأبصارنا، اللهم اهدنا سُبل السلام، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم أصلح قلوبنا .. اللهم أصلح قلوبنا، وخذ بنواصينا للبر والتقوى، اللهم أصلح أزواجنا، اللهم ألّف بيننا وبينهم وحننهم علينا واجعل بيننا وبينهم مودة ورحمة، اللهم أصلح ذرارينا، اللهم أصلح أولادنا .. اللهم أصلح أولادنا وأولادهم وذرياتنا جميعاً، اللهم اجعلنا من أهل التوحيد وأهل الإيمان وأهل السُّنة، واجعلنا من الذين يطيعونك ويدعون إليك، وأجعلنا من أهل الجنة .. اللهم اجلعنا من أهل الجنة، اللهم أصلح أهلنا جميعاً، اللهم خصّ منهم الوالدِين .. اللهم خصّ منهم الوالدِين .. اللهم خصّ منهم الوالدين والأخوة والأخوات والأقربين يارب العالمين، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم أصلح أحوال المسلمين .. اللهم أصلح أحوال المسلمين .. اللهم أصلح أحوال المسلمين .. اللهم ألف بين قلوب المسلمين، اللهم ادفع عنهم الحُرم وادفع عنهم الفتن اللهم اصرف عنهم الفتن، اللهم أكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
 سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق