الأربعاء، 3 يونيو، 2015

الحلـقـ العشرون ـة / الرفق هو الأصل في أسلوب الدعوة


سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد ..
يقول الله جل وعلا في قصة فرعون وفي نهايته (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) نبذه الله هو وجنوده ثم بعد ذلك قال جل وعلا:
 (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ)
ﻻحظوا .. تأملوا ..  في أول السورة يقول الله جل وعلا في بني إسرائيل بعد أن ذكر طغيان فرعون وجبروته وكبرياءه (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) ثم قال (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) وهنا يقول الله جل وعلا (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً) أي هو فرعون، هل تدبرتم؟ هل وقفتم؟ هناك أئمة وهنا أئمة، شتان.
فرعون ومن معه، فرعون وهامان وقارون وجنوده أئمة يدعون إلى النار بينما أولئك -كما بين الله جل وعلا- في قصة يعقوب وأبنائه (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أيها المحب تأمل .. انظر إلى واقعك انظر إلى من ترى، هناك قسمان ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)هناك إمامة في الخير وهناك إمامة في الشر، نعم فرعون إمام وموسى عليه السلام إمام لكن فرعون إمام في الشر، فرعون وقارون وهامان يدعون إلى النار -نعوذ بالله أن نكون من هؤﻻء- وموسى ومن معه يدعون إلى الهدى، شتان والله.
نعم .. كيف؟
تأملوا اﻵن في الواقع هناك أئمة يدعون إلى النار في قنواتهم الفضائية الفاجرة، هناك مذاهب ليبرالية علمانية، هناك منافقون وكلهم أئمة. عبدالله بن أبي إمام لكن في النفاق، أبو جهل إمام هذه اﻷمة لكن في الكفر. فإذا اﻹمامة (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ).
وهناك إمامة في الخير فشتان والله بينهما ونعوذ بالله من حال أولئك فليتفكر اﻹنسان يخشى أن يكون إماما في الشر دون أن يدرك خطورة ما يفعل، يبُث بدعة فضلا عمن يبُث كفرا  -والعياذ بالله- لذلك قال الله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) فأهلكهم الله جل وعلا (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) يُلعنون في الدنيا وفي الآخرة ﻷنهم أئمة يدعون إلى النار. هذه معاني تغيب عن بالنا أحيانا ونحن نقف مع هذه الآيات وبيانها.
ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك. أنهى ما يتعلق بفرعون ونهاية فرعون، أغرقه الله..أهلكه الله..جعلهم أئمة يدعون إلى النار وانتهى فرعون (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) جاء التعقيب على هذه القصة العجيبة.
يقول الله جل وعلا (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) هذه مرحلة وهذا معنى في إتيانه التوراة ولما جاء نزلت اﻷلوح (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) كما في سورة اﻷعراف (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) بعد أن انتهى فصل فرعون وتجاوز البحر غرق فرعون ونجا موسى ومن معه وَاعدَهُ الله وجاء باﻷلواح -كما تعلمون- ومفصلة في سورة اﻷعراف، هنا نزلت التوارة وإن كان قبل ذلك يُوحى إليه ، يُكِّلمه الله جل وعلا فنزلت التوراة في هذه اﻷلواح -كما هي مفصلة في سورة الأعراف- .
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى) السابقة (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
 ثم انتقل الحديث بعد ذلك تعقيب على هذه القصة لمحمد صلى الله عليه وسلم (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) هذه فيها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم عندما يذكر النبي  صلى الله عليه وسلم في هذه اﻵيات قصة موسى وقصة فرعون وهو لم يكن بجانب الغربي وما كان بجانب الطور ولم يكن ثاويا في أهل مدين إذا من أين جاءه العلم؟ من الله. فهذا إعجاز تدل عليه هذه الآيات.
هنا لفتة ذكرها بعض المفسرين جميلة جدا:
قال عن موسى عليه السلام جانب الطور اﻷيمن، تأملوا هذه الآية لكن قال عن الرسول صلى الله عليه وسلم (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ) أين اﻻستنباط؟  
(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ) في إثبات القضية لموسى (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) ذكر الأيمن تفاؤلا وتبرُكا لأن اليمين إذا يُذكر فهو خير، يؤتى الإنسان كتابه بيمينه -جعلنا الله وإياكم مِمن يؤتى كتابه بيمينه- لكن لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في باب النفي ما قال وما كنت بالجانب الأيمن حتى لا ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم جانب اليمين قال (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) وهو الطور، وبعد ذلك بآية أيضا يقول له (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ) سبحان الله!! قال العلماء..قال المفسرون "هذا هو (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّب مِنَ الْقَوْل)" في باب الإثبات لموسى يذكر اليمين وهنا حتى ما يُقال وما كنت بجانب اليمين أو الأيمن فينفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نسبه إلى المكان الجهة الغربي والمكان الطور. فهل نحن فعلا نستفيد من هذه الآيات بأن نُحسِّن عباراتنا وألفاظنا عندما نتحدث؟! هذا معنى يفوت عالى كثير من الناس (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)
ننتقل الآن إلى وقفة أخرى:
طول الأمد يُنسِي الناس يقول الله جل وعلا في هذه الآية يُبيّن طول الأمد، تأملوا طول الأمد بين موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أقل من طول الأمد بيننا وبين محمد صلى الله عليه وسلم، نحن الآن في عام ١٤٣٥من الهجرة كم بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم؟ الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيسى أقل من نصف هذه المدة ومع ذلك احتاج إلى إرسال رسول، إلى إرسال نبي لأن طول الأمد يُنسي الناس الدعوات، هذا يقتضي منا أن نُجدد الدعوة ولذلك خُتمت الدعوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر ... من علامات الساعة الكبرى ويحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها شريعة الله جل وعلا ليست شريعة فلان بمقدار شريعة الله.
إذا بعد ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم بقي المجددون الذين يُجددون للناس أمر دينهم حتى لا ينسوا، وهذا يدل على أن الناس دائما بين فترة وأخرى بحاجة إلى التجديد، إلى الدعوة، إلى التذكير، ألست تُجدد ثوبك؟ تُجدده بِغسله وبتغييره، الدين لا يُغيّر ..لا، لكن يُجدّد كلما طالت المدة من يُعيدهم إلى الأصل، تُعيد ثوبك إلى بياضه، تُجدِّد في بدنك أنت لا تُغيّر في بدنك لكنك تُجدد في بدنك تُعيده إلى أصله مما تلوث به، فتُجدد الدعوة، يُجدد هذا الدين كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المُجددين. إذا هذا معنى نحتاج إليه في بيان أن الناس يحتاجون إلى ذلك.
(وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) كلها الآن بعد التعقيب على هذه القصة (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) هذا القرآن رحمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) هل نحن فعلا رحمة على أهلنا، رحمة على من حولنا، رحمة حتى على الكفار؟
بعض الناس عذاب -والعياذ بالله- حتى بعض المنتسبين للخير عذاب على من حولهم، بعض الآباء عذاب على أولاده، بعض الأمهات عذاب على أولادها، بعض الحُكام عذاب على شعبه، والله جل وعلا يُرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة.
تأملوا هذه الوقفة: يقول الله جل وعلا (وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) بعد ذلك ماذا قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا) فالأصل هو الرحمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) النذارة جاءت من أجل الرحمة (لِتُنذِرَ قَوْمًا) . عندما نتعامل فعلا بهذه الحقيقة تكون دعوتنا رحمة، أساليبنا أساليب الرحمة، العطف وليس الشِّدة والغِلظة إلا في مواضعها (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) عندما يرفض، عندما يعتو، عندما يستكبر كما قال موسى عليه السلام في النهاية لفرعون (وإنِّي لأَظُنَّكَ يا فِرْعَونُ مَثْبُوراً) كما قال موسى عليه للسلام في آخر المطاف (وإنِّي لأَظُنَّكَ يا فِرْعَونُ مَثْبُوراً) لكن ليس هذا أول ما نبدأ، نبدأ بالناس بالعطف والرحمة والرفق، فالرفق ما صاحب شيئا إلا زانه وما نُزِع من شيء إلا شانه فلنكن رُفقاء (إن الله رفيق يحب الرِّفق) يحب الرِّفق في الأمر كله.
إخوتي هذه الآيات ترسم لنا منهجا عجيبا لا نزال نواصل معها بإذن الله تُحقق لنا هذه الغاية ودلالات القرآن والرحمة والنِذارة والتجديد للناس . أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق