الجمعة، 29 مايو، 2015

الحلـقـ التاسعة عشرـة / هل أنت تظلم أحدا؟


سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي اﻷمين على حبيبنا وسيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ..
 أيها اﻷحبة .. أيها الإخوة المؤمنون .. أيها الإخوة الصائمون
سنبدأ ونواصل مع هذه السورة في  مقطع جديد.
لما قال موسى عليه السلام وهو يخاطب فرعون وقومه (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)
انظروا إلى هذا الرد من هذا الطاغية من فرعون الذي نال جزاءه -كما سيأتي بإذن الله-
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) اﻵيات انظروا إلى أمرين:
انظروا إلى هدوء موسى عليه السلام وهو يُحاجّ هذا الطاغية، يُحاجّه بأسلوب هادئ رصين بأدلة علمية وعقلية وقبل ذلك إيمانية. لم يستفزه فرعون، لم يخف منه ولم يُستفز ولم يندفع، هكذا صاحب الحجة القوية (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ) [الأنعام:٨٣] صاحب الحجة .. صاحب الدليل لا تؤثر فيه البيئة المحيطة بأن يخرج عن منهجه الصحيح ﻷنني ألحظ أن البعض عندما يبدأ يُناقش يرتفع صوته ارتفاعا ﻻ يليق بمثله، بل إنني قلت مرارا أنني إذا رأيت رجلين يتحاجّان في مسألة ما فارتفع صوت أحدهما ارتفاعا ﻻ يناسب الحال والمقال، ليس من أجل البيان أو اﻹيضاح فإن ارتفاع صوته بمقدار نقص حُجّته ﻷن صاحب الحجّة والبيان ﻻ يحتاج إلى أن يرفع صوته، الحجة التي تدمغ (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) [الأنبياء:١٨] .
أما فرعون، فرعون لما رأى هذه الأدلة وهذه الحُججّ وهذه البيّنات انظروا واسمعوا ماذا يقول (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ ) وكما في سورة غافر (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً) [غافر:٣٦] المعنى واحد.
هنا هذا أسلوب المتكبرين الذين ﻻ يملكون الحُجّة الصحيحة، هؤلاء المتغطرسون المتجبرون يستخفون العامة (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [الزخرف:٥٤] ثم جاء بهذه (***) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) كل هذا ليخدع الناس ولذلك هو يتناقض ولذلك هي مسألة أخرى أيضًا.
 الحكيم المُجادل بالحق إذا كان خصمه بالباطل ينتظر عليه قليلاً سيُناقض نفسه، أحيانا هو يردُّ على نفسه، هو باطله يرد على الباطل ﻷن حبل الكذب -كما يقال- حبل قصير، ففرعون يريد أن يخدع الناس لأن الحُججّ انتهت لديه فقال بهذا الكلام بينما موسى في أسلوب حواره كان بهذه (***)
هنا إشارة: ذكر بعض المفسرين قصصا كيف بنى الصرح وكيف وكيف ...الخ هذه أيها اﻷحبة ابتعد عنها وتجاوز عنها كثير من المفسرين رحمهم الله وخلت كتبهم من اﻹسرائيليات بالجُملة كابن كثير رحمه الله وغيره.  ولذلك اﻵن ونحن نقرأ كتب التفسير يجب أن ننتبه وألاّ نأخذ بكثير من اﻹسرائليات.
تأملوا .. جاءتني رسالة خلال هذين اليومين يقول فيها صاحبها -موافقة- هناك في كتب التفسير من ذكر أن موسى ليس في لسانه عقدة أصلا إنما هذه من اﻹسرائليات. فتعجبت، موسى عليه السلام يقول لربه (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي) [طه:٢٧] ثم يأتي هذا ويسأل ويقول إن القول أن موسى في لسانه شيء هذا من اﻹسرائليات. هذا عجب، هذا ردّ للنصوص. فذكرت له اﻵيات ورديت عليه قلت: هذه آيات وتقول من اﻹسرائليات!!
الشاهد: أننا يجب أن نبتعد عن كثير مِما يُذكر ونُخلِّص آيات الله من هذه اﻹسرائليات التي أساءت لفهم كلام الله جل وعلا ونكتفي بما ثبت عن الله وعن رسوله، أما ( حدثوا عن بني إسرائيل وﻻ حرج) فهذا بما ﻻ يُعارض القرآن، ﻻتصدقوهم ولا تكذبوهم حتى يثبت بالدليل أو نترك ذلك. لكن هناك إسرائليات مُخالفة للنصوص تماما ولا تنبغي ولا يصلح سياقها ولذلك تخلّص منها كثير من المفسرين فعلينا إذا قرأنا أن نبحث عن الكتاب المناسب كابن كثير وأمثاله وهي كثيرة وكتاب الشيخ عبد الرحمن السعدي وقبله ككتاب اﻹمام الطبري وغيره من كتب العلماء حتى ﻻ نقع في هذه اﻹسرائليات.
هذه فقط مجرد إشارة ثم بعد ذلك يقول فرعون (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) من أنت؟ إذا كنت ما علمت من إلهك فأنت جاهل.
يذكرون قصة جميلة: كان أحد العلماء -علماء الكلام- يسير في الطريق ويسير وراءه جمع كبير فكانت امرأة جالسة -كبيرة في السن- لم تهش ولم تنش لم تتحرك، فجاءها رجل قال أما ترين هذا اﻹمام ولا تتحركي؟! قالت: من هو ﻻ أعرفه، قال: هذا الذي أقام ألف دليل على وجود الله، قالت: وجود الله ﻻ يحتاج إلى ألف دليل أخشى أن عنده ألف شك حتى يقيم ألف دليل.
وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه الواحد
وحدانية الله ظاهرة في كل شيء.
الشاهد من هنا: أن فرعون يقول (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) فينفي المعلوم من الدين بالضرورة.
وهناك قاعدة جميلة جدا يقولها اﻷصوليون "عدم العلم ليس علما بالعدم" كونك يا فرعون ﻻ تعلم -وهو يكذب طبعا- (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل:١٤] هو يعلم أن الله هو رب الخلق لكن هو كيف، (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) [الإسراء:١٠٢] يقول له موسى عليه السلام.  لكن أقول كلمة آمل أن ينتبه لها اﻷحبة تتكرر بأسلوب آخر .كيف؟ ﻻ تتعلق بوحدانية الله سبحانه وتعالى.
بعض الناس يقول: لماذا العلماء ما وقفوا هذا الموقف؟ ثم يتكلم في العلماء وفي الدعاة. ثم أقول له تعال يا أخي الكريم انظر إلى البيان كذا .. انظر إلى قول الشيخ كذا ، وآتي له بخمسة أدلة .. ستة. قال: ها .. والله ما علمت.
سبحان الله!! ما علمت (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:٣٩] هكذا يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس، كونك ما علمت ما تأتي وتضع أعراض العلماء والدُعاة لك بالمنشار وتتكلم كما يحدث في مواقع التواصل أحيانا.  هذا إشكال نعاني منه، الإنسان يتثبت ويسأل قبل أن يتكلم قبل أن يقع في أعراض الناس عموما والعلماء خصوصا وكلها محرمة. فلهذا معنى دقيق(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:٣٩] هكذا يقول فرعون (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) مع أنه يكذب.  يقول موسى عليه السلام له (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الإسراء:١٠٢] (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل:١٤] لكن حتى لو كان اﻹنسان لا يعلم، كونك ﻻ تعلم فعدم علمك ليس عِلما بالعدم ليس اﻷمر ليس موجودا.  هذا معنى نحتاج إليه بين فترة وأخرى.
ثم يقول الله جل وعلا بعد ذلك لما ذكر شبهته وأنه ما علمت لكم من إله غيري يقول الله جل وعلا (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ*فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) تأملوا أيها الأحبة: هذا فرعون الطاغية الظالم الذي يقول ما علمت لكم من إله غيري ويقول هذه اﻷنهار تجري من تحتي يُنبذ كما يَنبُذ اﻹنسان النوى (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) كلهم هو وجنوده.
كلمة "فنبذناهم" عجيبة، قارن هذا اﻻستكبار وهذا الطغيان وهذا الجبروت وهذا إدعاء اﻷلوهية ويُنبذ، هذه نهاية الظالمين، هذه نهاية المتكبرين، هذه حقائق يثبتها الواقع ويثبتها التاريخ ولذلك يجب أن ننتبه عندمثل هذه المعاني.
فيقول الله جل وعلا  (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) كيف؟
عاقبة الظالمين أحيانا نقرأ هذه اﻵيات ونتصور أنها خاصّة بمجتمع أو بدولة أو بأمة، ﻻ يا أخي الكريم- انظر إلى نفسك، كل ظالم .. ظالم لنفسه .. ظالم لغيره، الزوج يظلم زوجته .. الزوجة تظلم زوجها، يظلم أوﻻده .. اﻷوﻻد يظلمون والدهم، اﻹنسان يظلم من تحت يده من العمال والموظفين واﻷُجراء، المجتمع، أحيانا هناك مجتمعات لديها ظُلم، تظلم بعض فئات المجتمع ﻷمر ليس من كسبهم، هذا ظلم، كون اﻹنسان من بلد أو لونه كذا أو من قبيلة كذا ونبذه بذلك هذا من الظلم .. من الجاهلية على مستوى كبير.
إذا عندما نقرأ (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) يجب أن ننتبه حتى ﻻ نقع ﻷنه أحياناً يأتي الشيطان ويصرفنا عن هذا المعنى وكأن المراد به (**) هو عامّ وخاص، بمقدار ما عند اﻹنسان من ظلم ستكون عاقبته، بمقدار ما عند اﻹنسان من كبر ستكون عاقبته، هذه قضية أزلية ومنهج مضطرد وسنة ثابتة.
فلنتفقد أنفسنا في هذا الشهر الكريم هل أنت تظلم أحدا؟
نبي من اﻷنبياء قرصته نملة فأحرق مملكة النمل فعُوتب هلا نملة واحدة التي قرصتك. فكيف بالذين يظلمون العباد .. يظلمون البشر.
إخوتي: هذه اﻵيات عظيمة نواصل بإذن الله مع هذه القصة العجيبة في قصة فرعون الطاغية كيف انتهى .. كيف بدأ وكيف انتهى.  غدا بإذن الله مع هذه المعاني. وﻻ تنسوا الدعاء ﻹخوانكم المجاهدين والمستضعفين وﻷنفسكم ووالديكم والمسلمين أجمعون.
تقبل الله مني ومنكم، تقبل صيامنا وقيامنا وصلاتنا وفهمنا لكتابه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق