الثلاثاء، 26 مايو، 2015

كيف نقرأ ونستمع لسورة الأعراف ؟ / د.عصام العويد

بسم الله الرحمن الرحيم

 "الأعراف" هذا هو اسمها المستفيض وليس لها اسم سواه على التحقيق ، وما عدا ذلك إنما هو وصف ، وهو اسمها في المصاحف وكتب التفسير والحديث وغيرها ، .
 موضعها المكاني من القرآن : هي من حزب السبع الطوال وقد سبق في الحديث عن سورة البقرة أن هذا الحزب غالبه في الأحكام وما يتعلق بها وسيأتي توضيح ذلك بخصوص هذه السورة عند الحديث عن مقصودها بعون الله .
 وقد ثبت في البخاري عن زيد بن ثابت {رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ } تَثْنِيَةُ طُولَى ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْأَعْرَافُ وَالْأَنْعَامُ على المشهور عند أهل العلم .
 وأما موضعها الزماني "زمن التنزيل" : فهي مكية باتفاق ويظهر أنها لم تنزل أوائل البعثة بل بعد ذلك:
 أولا لطولها وكل ما نزل أولا لم يكن بهذا الطول ، ثم لأسلوبها وقصصها وأخبارها التي تحوي النهي عن الحرج بالوحي والتردد فيه وتأمر بالعزيمة على الرشد وهذا لا يكون إلا بعد وضوح الحق وجلائه ، وقد عدّها جابر بن زيد بعد سورة ص وقبل الجن نزولا.
/ ومقصودها -والعلم عند الله- : هو قطع العلائق التي تحول دون الاستجابة للحق ، ومن أعظم هذه العلائق التردد بعد بيان الحق ووضوحه وعدم حزم النفس عن هواها حتى تساوت حسنات المرء بسيئاته ، وكان اسم السورة مأخوذا من هذا العائق فـ"الأعراف" إنما هو إشارة إلى السور الذي بين الجنة والنار وعليه قوم ترددوا ولم يعزموا أمرهم على الرُّشد بل تارة في الطاعة وتارة في المعصية . ومطلع السورة كذلك في قوله ( فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) والحرج هو التردد في الإنذار بالقرآن ، وهذا عائق يتعلق بالمُبلِّغ عن الله حين لا يأخذ الكتاب بقوة ويُبلِّغه بقوة بل يُدهن فيُدهنون .
 ومن أعظم هذه العلائق أيضاً الكِبر ولذا تكرر ذكره في السورة قريبا من عشر مرات
 وورد في مطلعها : (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف : 13]
وفي آخر آية منها (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف : 206]
 ومن أشد هذه الآيات وقعا وألما وذما للتكبُّر قوله تعالى في وسط السورة  (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف : 146]. وغالبا ما يحتقر أهل الطغيان أهل الإيمان وفي الآخرة تتجلى الأمور (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [49] .
/ ومن هذه العلائق حُسن الظن بالشيطان وأعوانه وجنده وتصديقهم حين يظهر منهم ما يبدو وكأنه إرادة للخير ويؤكدون ذلك بقرائن عدة توحي للسُذّج وكأنها حقائق (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف : 21] .
/ ومن أعظم هذه العلائق "التعري" وهو أكبر أبواب الفاحشة التي تصد عن الله وعن شرعه وعن حكمته من خلقه ، ومن عجائب التنزيل أن أول نداء في القرآن لبني آدم هو نداءٌ بالأمر بالستر (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ...) [الأعراف : 26] .
/ ومن اشد هذه العلائق تأثيرا اتباع الأكابر من غير بصيرة ونظر حتى وإن كانوا من رؤوس الضلالة (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ)[الأعراف : 38] .
/ ومن هذه العلائق البيئة الفاسدة (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) [الأعراف : 58] .
/ ومنها قلة الصبر والعجلة  (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) [الأعراف : 128 ، 129] .
/ ومنها ترك النهي عن المنكر (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف : 164]  .
/ ومنها ترك العمل بالعلم  (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الأعراف : 175]
/ ومنها قلة التفكّر وعدم التأني والفحص قبل اتخاذ القرار (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الأعراف : 184] .

وقد جاء في هذه السورة العظيمة التحذير من هذه العلائق من خلال ما ورد فيها من قصص .
 وقصص سورة الأعراف أربع عشرة قصة :
 الأولى : قصة الملائكة عليهم السلام وإبليس لعنه الله مع خلق آدم عليه السلام ، وكانت عليقة الكِبر هي التي آلت بالشيطان الرجيم من الإمامة في العبادة إلى اللعنة السرمدية (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف : 13] وإنما كان نجاة الملائكة بالخضوع الذي هو مُنافٍ للكبر ، وأمارة ذلك كثرة السجود ولذا خُتمت السورة به (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف : 206]
 الثانية : قصة خِداع إبليس لآدم عليه السلام وأكله من الشجرة ، وكانت عليقة إحسان الظن وتصديق القسم ممن ليس أهلا لذلك سببا في إخراج آدم وزوجه من الجنة (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف : 21] وعلاج ذلك بالحزم والعزم وأخذ الأمور بما تقتضيه من الحذر والحسم وقد امتثل موسى عليه السلام ذلك ولذلك كان من أولي العزم من الرسل (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ...) [الأعراف : 150]
 الثالثة : قصة أصحاب الأعراف وكانت عليقة التردد بين داعي الحق وداعي الهوى وعدم الأخذ بالعزيمة بعد وضوح الحق سببا في هذا المآل حين استوت حسناتهم وسيآتهم (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ) [الأعراف : 46] .
الرابعة : قصة نوح وقومه وكانت عليقة التعامي عن الهدى واحتقار الداعي سببا في الهلاك (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) [الأعراف : 64] وعلاج ذلك بضده من الإقبال على الناصح والخضوع للحق بعدما تبين .
 الخامسة : قصة هود عليه السلام وقومه عاد ، وكانت عليقة اتباع الأكابر وما عليه الآباء والأجداد سببا في العذاب (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الأعراف : 70] وعلاج ذلك بإعلان الحق بوضوح لا يعتريه لبس (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)) وحتى لا يلتبس من هو الرب المقصود قالوا (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف : 122] ثم الفزع إلى الله بالدعاء واللجأ (قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) .
السادسة : قصة صالح عليه السلام مع قومه ثمود ، وكانت عليقة الكِبر عن الاستجابة للحق سببا في محقهم (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [الأعراف : 75 ، 76] وعلاجه بضده كما سبق .
 السابعة : قصة لوط عليه السلام مع قومه ، وكانت عليقة محبة الفاحشة والتنادي بها جهرا نهارا حتى في نواديهم سببا للمحق  (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) [الأعراف : 80 ، 81] وعلاجها بالتطهر من أسباب الفاحشة ومن أقواها الستر في اللباس (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)  [الأعراف : 26 ، 27] .
الثامنة : قصة شعيب عليه السلام مع قومه مديَن ، وكانت عليقة محبة المال وأكل أموال الناس بالباطل سببا للعنة عليهم (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأعراف : 85] وعلاج فساد المال لا يكون إلا بالإيمان أن ما عند الله خير له من الدنيا وما فيها .
 التاسعة : قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وكانت عليقة الكبر واتباع الأكابر من غير هدى هي القاضية (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) [الأعراف : 133] وقد سبق ذكر علاجها . العاشرة : قصة موسى عليه السلام مع قومه من بني اسرائيل ، وكانت عليقة العجلة وقلة الصبر سببا في ما آل إليه أمرهم من الشتات وتسلّط الأعداء ، وقد أمرهم موسى بضد ذلك وهو الصبر (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) [الأعراف : 128] ، فامتثلوا أول الأمر فقال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) [الأعراف : 137] ، ثم استعجلوا حتى قال تعالى عنهم (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ..) وانظر إلى قولهم لنبيهم ( قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) [الأعراف : 129] من استعجال النصر مع كونهم في أول مراحل إيمانهم . ولما كانت عليقة الجهل من أشد ما يحول بين العبد وبين ربه نبه الله عليها (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف : 138].
  الحادية عشرة : قصة بني اسرائيل بعد موسى عليه السلام ، وهي إشارة إلى شيء من أكبر العلائق التي وقع فيها اليهود وهو تبديل الوحي بعد أن علِموه بحسب ما تهوى الأنفس (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف : 161 ، 162].
 الثانية عشرة : قصة أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر ، وفيها التحذير من عليقتين :
 - التحايل على الشرع : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف : 163]
 - ترك النهي عن المنكر ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[الأعراف : 165] .
الثالثة عشرة : قصة أُمية بن أبي الصلت وكان على الحنيفية وعنده علم بالكتب السماوية ، ولكن عليقة الحسد ألا يكون هو المُرسل بدلا من محمد صلى الله عليه وسلم هي التي رددته عن الإيمان (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الأعراف : 175].
  الرابعة عشر : قصة من جعلا لله شريكا في الولد ، وهذه في عليقة الظلم والشرك أعظم الظلم فكيف يكون الله هو الرازق للولد ثم يشرَك به غيره (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) .
 وعلاج هذه العلائق في سورة الأعراف في غاية البيان خصوصا في ختامها من قوله تعالى (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [الأعراف : 178] إلى ختام السورة . ولعلي أُلخِّص هاهنا بعضها :
 الأول : دعاء الله بأسمائه الحسنى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف : 180].
 الثاني : تجريد التوحيد لرب العالمين وعدم صرف شيء من العبادة إلى أحد سواه سبحانه كما قال تعالى (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) [الأعراف : 188] وقال (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) [الأعراف : 191 - 195].
  الثالث : التجمل بالخُلُق الجميل ورد السيئة بالحسنة كما قال تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف : 199].
  الرابع : الصبر والاستعانة بالله على عظائم الأمور (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف : 128].
  الخامس: المداومة على الاستغفار والاستعاذة من الشيطان الرجيم كما قال (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)  [الأعراف : 200 ، 201] .
 وهذه الآية في رد العجز إلى الصدر ، حيث ذكر الشيطان أول السورة وذكرت الاستعاذة منه في آخرها .
وقال سبحانه عن التوبة (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف : 153].
 السادس : قراءة القرآن بالتدبر والاستماع إليه بإنصات (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف : 204] 
السابع : كثرة الذكر طرفي النهار مع الخشوع والتذلل ومحاولة إخفاء ذلك عن نظر الخلق (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [205] .
الثامن : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[الأعراف : 164 ، 165].
  التاسع : الإكثار من العبادات وخاصة الصلاة وبهذا خُتمت السورة (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف : 206].
  أسأل من أنزل سورة "الأعراف" أن يجعلها حجة لنا لا علينا ، وأن يداوي قلوبنا بدوائها ، ويعالج جوارحنا بشفائها ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،
 كتبه / عصام بن صالح العويد في الطائرة متوجها إلى مكة المكرمة في ليلة الحادي عشر من رمضان لعام ١٤٣٤ هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق