الخميس، 21 مايو، 2015

تفسير سورة الفتح ( ١_٤) / د. رقية المحارب

الحمد لله وحده ..
اليوم إن شاء الله سنستفتح سورة الفتح
قال تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (٢) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٤))
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه.
هذه السورة سورة الفتح نزلت بعد سورة محمد التي قبلها بثلاث سنوات.
 نزلت هذه السورة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في بذي القعدة سنة ست للهجرة حين صدّ المشركون المسلمين ونبينا صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وحالوا بينه وبين العمرة ثم مالوا بعد ذلك إلى المصالحة والمهادنة وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل فأجابهم إلى ذلك على كُره من جماعة من أصحابه رضي الله عنهم منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فلما نحر رسول الله ﷺ هديه حين أُحصر- وهي عُمرة معه هدي انتبهوا- معناه أن العمرة يُسن فيها سوق الهدي خلاف ما يفعل الناس كثير من الناس أو مع جهالة كثير من الناس لهذا، العمرة من السنة سوق الهدي مع العمرة.
فلما نحر هديه حيث أُحصر ورجع أنزل الله عز وجل هذه السورة وجعل ذلك الصُلح فتحا فقول الله جل وعلا (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) يعني الصُلح، قالوا: والفتح هو الصلح ﻻ فتح مكة ﻷن الفتح يكون -في العادة- معه قتال ومكة أخذت من غير .. أستسلم أهلها من غير قتال.
وذهب بعض العلماء إلى أن المقصود فتح مكة.
ولكن الذي يُرجحه كثير من المفسرين أن قول الله جل وعلا (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) يعني ما كان من الصُلح وما تلا هذا الصُلح من منافع فتح الله جل وعلا على نبينا ﷺ بها شيئا عظيما من الدعوة إلى الإسلام ودخول الناس فيه حتى إن النبي ﷺ قدِم مكة في أربعة عشر مئة -يعني ألف وأربعمائة- ثم عاد بعد سنتين ومعه عشرة آلآف، فتضاعفت اﻷعداد بعد ذلك.
قال الله جل وعلا (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) فهذه السورة أُنزلت بعد عودة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وجعل ذلك الصُلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل إليه اﻷمر كما روى ابن مسعود رضي الله عنه وغيره أنه قال "إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعُدّ الفتح صُلح الحديبية" وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال "تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعُدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله ﷺ أربعة عشر مئة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ذلك فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبّه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا" -أصدرتنا يعني أروتنا حتى روينا نحن وركائبنا وأخذنا معنا من مائها.
روى اﻹمام أحمد عن عمر رضي الله عنه قال : "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرُدّ علي، قال: فقلت في نفسي ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألححت على رسول الله ﷺ -ألححت يعني كررت- على رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك، قال: فركبت راحلتي فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال : فإذا أنا بمنادٍ ينادي يا عمر، قال : فرجعت وأنا أظن أنه نزل في شيء، قال: فقال النبي ﷺ ( نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) .
وجاء فيها أيضا حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : ( نزلت على النبي ﷺ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) مرجِعَهُ من الحديبية قال النبي ﷺ لقد أُنزلت علي الليلة آية أحب إلي مِما على اﻷرض، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئا مريئا يا نبيّ الله بين الله عز وجل ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ قال فنزلت عليه ﷺ (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) حتى بلغ (فَوْزًا عَظِيمًا).
وروى اﻹمام أحمد عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبيﷺ يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ﷺ ( أفلا أكون عبدا شكورا ). وكان ﷺ إذا قام صلى حتى تتفطر قدماه فقالت له عائشة رضي الله عنها يارسول الله أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﷺ يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا ) ولم يرِد في حق أحد من الناس أنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إﻻ النبي ﷺ ، وليس من عمل يُذكر فيه مغفرة الذنوب ما تقدم منها وما تأخر إلا كان غير صحيح أو فيه وهم ﻷن الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر هو نبينا ﷺ فهذا من خصائصه التي ﻻ يشاركه فيها غيره.
 وﻻ يصح في ثواب اﻷعمال حديث أن من الثواب مغفرة ما تقدم من الذنوب وما تأخر، وهذا تشريف لرسول الله ﷺ وهو ﻻشك أمر ساقه الله لنبيه وبشَّره به، فالله سبحانه وتعالى بشر به رسوله ﷺ الذي علم منه أنه أكمل البشر على اﻹطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة وهو الذي قال فيه أو قالت فيه عائشة كان خُلُقه القرآن.
نبينا ﷺ كان في صلح الحديبية، والصُلح هذا سمّاه الله جل وعلا فتحا وذكر اﻹمام ابن القيم فيه من الفقه واللطائف قال: "كانت صُلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم وهو أول الفتح، أمِن الناس وآمنوا به" أمِنوا على أنفسهم وآمنوا به ﷺ ، يعني بالصُلح أمِنوا من كفار قريش ومشركي قريش أن يباغتوهم فصار من أجل الصُلح اﻹنسان في مأمن.
"فكانوا يخرجون زُرافات وحركوا اﻷباعرة لرسول الله ﷺ مُهاجرين حتى بلغ عددهم أكثر من عشرة آلآف بعد سنتين فقط من الصُلح، وكلّم بعضهم بعضا وناظره في اﻹسلام وتمكّن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في اﻹسلام ولهذا سمّاه الله فتحا في قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)  قال: نزلت في شأن الحديبية فقال عمر: يا رسول الله أَوَ فتحٌ هو؟ قال: نعم. وأعاد الله سبحانه وتعالى ذِكر كَونِه فتحا فقال (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) إلى قوله (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) فالفتح هذا فتح صُلح الحديبية قبل الفتح الكبير الذي هو فتح مكة.
وهذا شأنه سبحانه وتعالى يقول ابن القيم: "أنه يُقدِّم بين يدي اﻷمور العظيمة مُقدمات تكون كالمدخل إليها .. المُنبِّه عليها كما قدّم بين يدي قصة المسيح وخلقُه من غير أب قصة زكريا وخلق الولد له مع كونه كبيرا ﻻ يولد لمثله".
تذكرون قلنا هذا في تفسير سورة مريم أنها من التقدُمة بين يدي خلق المسيح ووﻻدته من غير أب وﻻدة يحيى من أب عقيم على كِبَر فكان ذلك توطئة بين يديه حتى يُصدَّق ذلك ويهون، وهذا أشار إليه ابن القيم هنا قال: "وكما قدم بين يدي نسخ القبلة قصة البيت وبنائه وتعظيمه وذكر بانيه ومدحه ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له وقدرته الشاملة له، وهكذا ما قُدِّم بين يدي مَبعث رسول الله ﷺ من قصة الفيل وبشارة الكُهّان به وغير ذلك، وكذلك الرؤية الصالحة لرسول الله ﷺ كل ذلك كان مُقدمة بين يدي الوحي في اليقظة، وكذلك الهجرة كانت مقدمة بين يدي اﻷمر بالجهاد. ومن تأمل أسرار الشرع والقَدَر رأى من ذلك ما تبهر حكمتُه اﻷلباب".
والحق أن هذا الفتح وهذا الصُلح فيه من الفوائد الشيء الكثير والعظيم حتى عدّ محمد بن عبد الوهاب فيه أكثر من ١٣٩فائدة ومن يريد أن يرجع إلى الفوائد فيه أيضا يمكن أن يرجع لزاد المعاد في بيان ما في الصُلح من الفوائد في كتاب الجهاد في الحديث عن الغزوات والسِيَر وما فيها من فوائد عظيمة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى.
فالحاصل أن هذا الفتح كان تقدُمَة، وكثير من الناس بل جلّ الصحابة نفروا من هذا اﻷمر واستغربوه كيف يعطي النبي ﷺ هذا الصُلح، وكان فيه شيء من التنازﻻت التي ما قبِلها المسلمون على أنفسهم، قالوا لو كنّا في الشرك ما قبِلناها كيف نقبلها وقد أعطانا الله العزة باﻹسلام، والنبي ﷺ يخفضهم ويهدئهم ويطمئنهم ويعدُهم، ووافقها كثير من اﻷحداث المباركات كمثل غلبة الروم للفرس وما جاء في ذلك من البشارات وما جاء في ذلك من اﻵيات التي نزلت باﻷحكام وما كان في ذلك من قصة اﻹفك، كل ذلك كان متقاربا مع هذا الصُلح ومع هذه الحادثة العظيمة التي سمّاها الله جل وعلا فتحا.
ولولا أني أخشى اﻹطالة عليكم االحقيقة لقرأت عليكم الغزوة من سيرة ابن هشام، ولكن أرى أن هذه مرت كثيرا وربما تأخذ وقتنا فأتمنى منكم إذا رجعتم الليلة أن تجعلوه واجب.  ترجعون لقصة الحديبية والصُلح في سيرة ابن هشام.
/ قال الله جل وعلا (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) والذي تقدم من ذنبه ﷺ وما تأخر على أن النبي ﷺ لم يكن يتعمد ذنبا ﻻ مُتقدما ولا مُتأخرا لكنه كان يخشى ذنوبه، كان يقول ( اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وظاهره وباطنه سره وعلانيته ) (اللهم اغفر لي ذنبي وإسرافي على نفسي) وكل ذلك كان يدين به ويعترف به رسول الله ﷺ فما بالك بسواه من الناس ممن كثُر خطؤه وهذره وسَقْطُهُ وعَمْدُهُ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنونبنا أجمعين.
/ قال (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) وتمام النِعمة أتمّها الله سبحانه وتعالى على نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة بنشر دينه ورفع راية الإسلام وإعزازه -عزته- وكذلك ما كان له بقاء ذكره فذكره قرين ذكر الله في اﻷذان والصلوات تقولين أشهد أﻻ إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وﻻ يتم إسلام عبد إلا بذكره مع ذكر الله جل وعلا، وعلى الرسالة والبلاغ الذي بلّغه عن ربه جل وعلا. فهذه عظمة وتشريف وتكريم وهي نعمة.
وكذلك من النعم التي أنعم الله تعالى بها على نبيه ﷺ أنه كان ذا فضل على الناس أجمعين، ففضله على الناس،على كل من آمن به واتبع نهجه فيأتيه مثل أجره فإنه من دعا إلى هدى كان له من اﻷجر بمثل من عمِل بهذا الهدى فما بالك بنبينا ﷺ وقد عمِل بالهُدى الذي جاء به فئام عظيم من الناس وﻻشك أن هذه نعمة من النِّعم.
كذلك من النعم أن الله جل وعلا أنعم عليه أن الله أنعم عليه بنعمة الشرف في اﻵخرة فإن الناس ﻻ يُجازون وﻻ يقضي الله بينهم إلا بعد شفاعة النبي ﷺ ويتبرأ جميع اﻷنبياء -كما علمتم وسُقناه من قبل في دروس ماضية- أنهم يلجأون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم وهكذا حتى يأتون إلى محمد ﷺ ويقول أنا لها، ومن قبلُ كانت اﻷنبياء يقولون نفسي .. نفسي ورسول الله ﷺ يَشفع ويُشفّع ويُشفِّعه الله سبحانه وتعالى الشفاعة تلو الشفاعة، فالشفاعة العظمى يشفِّعه الشفاعة العامة -الشفاعة للناس- ثم يُشفِّعه جل وعلا في المؤمنين ليدخلوا الجنة، ويُشفِّعه في المؤمنين ليخرجوا من النار -من أصحاب الكبائر- ثم يُشفِّعه فيمن قال لا إله إلا الله، وهكذا.  فرسول الله ﷺ قد أتمّ الله له النعمة والشرف والمنزلة العظيمة العالية وأعطاه المقام المحمود وأعطاه الكوثر.  فهذه كلها من نِعم الله جل وعلا على نبيه ﷺ.
/ قال الله جل وعلا (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) أي ييسرك للهُدى يما شاء ويشرعُ لك الصراط المستقيم ويشرع لك الكمال والتمام والخير والرشاد فجعلهُ دينك ومنهجك ودستورك الذي تقضي به ويقضي به الناس من بعدك، وﻻ قضاء وﻻ شرع أكمل من شرع رسول الله ﷺ وﻻ سُنة أهدى من سنته ﷺ.  ومن كمال هذا الشرع أنه لم يدع شاردة وﻻ واردة وﻻ صغيرة وﻻ كبيرة إلا دخل فيها، وعلّم أصحابه كل شيء حتى الخراءة، حتى إتيان الخلاء، علّمهم رسول الله ﷺ كيف يأتون وكيف يستجمرون وكيف يستنجون وكيف يُشرِّقون ويُغرِّبون، علمهم كيف يأتون نساءهم وعلمهم كيف يغتسلون وعلمهم كيف يربون أوﻻدهم، وعلمهم كيف ينامون وكيف يستيقظون، وكيف يتفكرون وكيف يتأملون، وكيف يخافون وكيف يرجون، علمهم ﷺ الشأن كله واﻷمر كله، شمِل دينه وما جاء به من شرعة شمِل مناحي الحياة أعمال القلوب وأعمال اﻷبدان، واﻷقوال واﻷفعال ، كل ذلك في طابع جميل تقبلُه النفوس وتستملِحُه الطبائع الحميدة الحسنة والفِطَر السليمة المستقيمة السوية. فهو ﷺ كان يتعامل بأخلاق عظيمة شرَّفه الله سبحانه وتعالى بفعلها وطبّعَهُ عليها.
/ كان أيضا ﷺ من هدايته للصراط المستقيم أنه هُدي مع أصحابه ومع أهله ومع أوﻻده ومع أزواجه ومع خدمِه بل كان كذلك مع أصحابه اﻷباعد واﻷقارب منهم. وكان كذلك أيضا هُدي مع مناوئيه وأعدائه فهو ﷺ كان يتعامل بالهدى. ولو أنك قرأتي قصة صُلح الحديبية وكيف كان الرجل يأتي لرسول الله ﷺ ويُهدى في شأنه الهداية العظيمة، من ذلك أنه يأتيه الرجل فيريد أن يعرف شأنه فيكلمه بكلام ثم ينصرف الرجل ، ثم يأتيه الثاني فيكلمه بكلام ثم ينصرف الرجل، ثم يأتيه الثالث فيعلم أنه رجل عابد فيقول ابعثوا معه الهدي مُقلّدا فيبعثون له الهدي مُقلّدا فيرون الهدي من بعيد فيقول هؤﻻء قوم ما جاءوا لقتال فيرجع ولم يُكلم النبي ﷺ.
ﻻشك أن هذا جميعا هداية من الله جل وعلا لنبيه ﷺ .
ومن أنواع الهدى التي هداه إليها أنه هُدي أيضاً إلى معرفة نفسيات الناس فهو ﷺ يعرف نفسيات الصغار والكبار وكيف يحتويهم وكيف يعاملهم بل هُدي إلى معرفة طبع اﻷعراب وطبع أهل الحاضرة، معرفة طبائع النساء وطبائع الرجال ولذلك فإنه لم يسخطه إلا من حسده ﷺ ، أما الذين أحبُّوه أو أحبُّو الخير وكانوا على الفطرة السليمة فإنهم قبِلوا كل ما جاء به صلوات ربي وسلامه عليه. ويكفيك من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هداه إلى التواضع وحُسن الخُلق وهداه أيضا إلى اللين، وهداه إلى الرفق وما نُزع الرفق من شيء إلا شانه وما وُضع في شيء إلا زانه.
أيضا مما هداه الله سبحانه وتعالى له أنه هداه إلى القبلة وهي الكعبة -البيت الحرام- الذي جعله الله قياما للناس.
وكذلك هدايته للشرائع وترتيبها فهُدي إلى الصلاة، ولو نظر ناظر إلى الصلاة بكل أفعالها وأوصافها وأحوالها وأقوالها واتجاهاتها وسجودها وركوعها وجلساتها لوجد أنها اﻷكمل والأحسن له. وكذلك الصيام وما فيه من منافع وما فيه من حِكم. وكذلك الزكاة وما فيها، والحجّ وما فيه وحِكمه. وكذلك كل الشرائع التي جاء بها النبي ﷺ فيها من الهُدى، هذا الهدى كله يشهد به القاصي والداني.
ومن الهدى أيضا -الظاهر- أنه يُهدى لدينه الذي اعتنقه وجاء به العجم والعرب، من يفهمه ومن ﻻ يفهمه وهُدي له الصغار والكبار، وهُدي له الناس من أطراف الدنيا فيأتيك المسلم من الصين ويأتيك المسلم من أمريكا، ويأتيك المسلم من استراليا ويأتيك المسلم من روسيا، ويأتي من أدغال أفريقيا.  فيُسلمُ هؤﻻء جميعا لدين الله جل وعلا بل يدخلون في الغالب إذا شُرِح لهم وبُيّنَ لهم يدخلون فيه أفواجا، ﻻ ينظرون إلى حامليه ولا ينظرون إلى أحوال أهله مع أن أهله فيهم من التقصير والعَوَر والخطأ والسُمعة التي ظهرت لكثير منهم عند هؤﻻء على اﻷقل ﻻ أقول على الحقيقة ولكن عند هؤلاء على اﻷقل ظهرت لهم من أنواع التشويه ظهر لهم الشيء الكثير ومع ذلك فإنهم يزدادون دخوﻻ في هذا الدين وإقباﻻ عليه. فلاشك أن هذا جميعا من هداية الله سبحانه وتعالى ومن نصرِه النصر المؤزر المُبين العزيز الذي أعزّ به الله سبحانه وتعالى به نبيه ﷺ .
ومن ذلك قوله ﷺ ( ليظهرن هذا الدين بعز عزيز وبذل ذليل ) (١) فهذا العِزّ ليس منه ﷺ وإنما قال ( عزا يُعز الله به الدين وأهله ) فهذا العِزّ كله من الله جل وعلا، وكل ذلك كان بسبب خضوعه ﷺ ﻷمر الله عز وجل واتِباعه أوامره وخوفه من الله جل وعلا لذا نصره الله وأعزّه وأذلّ أعداءه.
جاء في الحديث الصحيح ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عِزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى )
( ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ) يعني الإنسان الذي يعفو يُعزُّه الله جل وعلا، واﻹنسان الذي يتواضع لله جل وعلا يرفعُه الله جل وعلا، والذي يُعطي لله يُضاعف الله له العطاء ويُوسِّع له في الرِّزق، والذي يُمسك يُمسك الله عز وجل عليه، والذي يعُطي يُعطيه الله له وأنتِ ترين ذلك ملاحظا مشهودا.
/ قال الله جل وعلا (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) أي جعل الطمأنينة في قلوب المؤمنين -الطمأنينة بالدين والطمأنينة باﻹسلام والطُمأنينة لشرائع الله- بل والتصديق بما جاء به ﷺ حتى إنهم كان الواحد منهم يؤمن بالدِّين أو يؤمن بالشيء قبل أن ينزل فإذا نزل وجد له قبولا، وتستعجبين وأنتِ تقرئين في هدي أصحاب رسول الله ﷺ تعجبين من المُطاوعة ومن التسليم كأنهم سبحان الله العظيم على ثقة عظيمة برسول الله ﷺ، من هذه الثقة استسلموا له فرأوه أحبّ إلى أنفسهم من أنفسهم، ورأوه أنصح ﻷنفسهم من أنفسهم، ورأوه أقرب من أهاليهم ولذلك فإنه لما كان ما كان من عبد الله بن أُبيّ بن سلول ترين أن ابنه قال أنا أكفيك يا رسول الله وما علمت اليهود ما علموا قبل ذلك كيف كنت، ما علِموا واحدا أبرّ بوالده مني لكن أنا مستعد إني أكفيك إياه إن شئت أن تأمرني بقتله قتلته. هذا التسليم ﻻشك أنه لا يمكن أن يأتي إلا بسكينة أنزلها الله سبحانه وتعالى في قلوب المؤمنين ليزداودا إيمانا مع إيمانهم وسأتينا الحديث عن هذا إن شاء الله في حينه خلال هذه السورة.
قال ابن عباس في قوله السكينة قال: الطمأنينة وقال أيضا مرة الرحمة . وﻻ بأس أن تكون السكينة بمعنى الطمأنينة والرحمة معا.
وقال قتادة : الوقار في قلوب المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم لله ورسوله فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت زادهم إيمانا مع إيمانهم.
والله جل وعلا أرانا من هذه السكينة نماذج منها:
- سكينة في النفقة يعني من يُنفِق في سبيل الله جل وعلا فإنه يُنفِق مطمئن لما يأتيه من بعد وﻻ يكترث وﻻ يهتم، وكلما زاد إيمانه كلما زادت طمأنينته لينفق أكثر ويُستخلف أكثر. وقد يأتيه  اختبار في ذلك وبلاء ليمتحنه الله سبحانه وتعالى ومع ذلك يثبت ويُسلِّم ويصبر. وﻻ أدلّ على هذا الثبات والتسليم والسكينة التي يُنزلها الله سبحانه وتعالى في قلوب عباده المؤمنين:
 مِما نزل في قلب رسول الله ﷺ أوﻻ حينما جفاه الوحي عاما كاملا وهو ﷺ الذي كان يأنس به، كان من شدة حُبه للوحي كان يقول يا جبريل أﻻ تزورنا أكثر مما تزورنا، لو تأتينا في اليوم مرتين. وقال الله جل وعلا لجبريل ليقول للنبي ﷺ (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ) [مريم:٦٤] ما نتنزل هكذا على أهوائنا متى ما اشتهينا أتينا .. ﻻ، (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ومع ذلك هذا الحب وهذا الشوق وهذا اﻷُنس بجبريل عليه السلام معه انقطع الوحي عن رسول الله ﷺ وانحبس جبريل عن رسول الله ﷺ عاما كاملا،كيف سيكون اﻷمر على قلبه، ﻻشك أنه شيء يحزن ويفُتّ القلب فتا لذلك قال الله جل وعلا (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى:11] نحن اﻵن نتحدث عن نعمة الله جل وعلا على نبيه ﷺ حيث عاد إليه الوحي مرة أخرى ليُبلغه بتمام الشريعة وكمالها والقوة والمتانة في دينه وإيمانه وكذلك من سار معه من أصحابه ومن آمن به.
هنا انتهى التسجيل.
______________________________
(١) عن تميم الدَّاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ (1) ولا وَبَرٍ (2) إلَّا أدخله اللهُ هذا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلًّا يُذِلُّ الله به الكفر) وكان تميم الداري يقول :" قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ( 3 ) 1 / 32 ، وفي مشكاة المصابيح رقم ( 42 ) .
                                                       
                                                 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق