الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

المرحلة الثالثة (معرفة دلالة حروف المعاني التي تربط بين الكلمات)

د.محمد بن عبد العزيز الخضيري

video


المرحلة الثالثة -يا إخواني- هي: معرفة دلالة حروف المعاني التي تربط بين الكلمات.
ماهي حروف المعاني؟ بيّنا بالأمس أن الحروف في اللغة العربية قسمان: حروف مباني، وحروف معاني. حروف المباني هي الحروف التي تُبنى منها الكلمة مثل: سعد مبنية من سين،وعين،ودال. هذه تُسمّى حروف مباني وهذه لا شأن لنا بها.
النوع الثاني: حروف معاني وهي الحروف التي يؤتى بها للربط بين أجزاء الجملة. فلما تريد أن تقول: خرج محمد من البيت إلى المسجد ما تقول خرج محمد البيت المسجد يصبح الكلام لا معنى له فكيف يصير له معنى؟ حينما تاتي بهذه الحروف تقول خرج محمد من البيت إلى المسجد، فجاءت "من" هذا حرف لكن له معنى، و"إلى" حرف لكن له معنى، هذه التي تُسمّى حروف المعاني. هذه الأدوات والحروف في اللغة العربية مهم جدا أن يتعرف عليها طالب العلم ويستفيد المعنى الصحيح عندما يعرف دلالاتها في الكلمة فإن الحرف الواحد يأتي وهو يدل على أكثر من معنى مثال ذلك: لما تقول بسم الله الباء هنا للاستعانة معناها: أقرأ مُستعينا باسم الله، ولما تذبح وتقول بسم الله معنى الكلام أذبح مُستعينا بسم الله، ولما ترفع اللقمة إلى فمك وتقول بسم الله تريد بذلك آكل مُستعينا بسم الله، هذه دلالة الباء. ولما تقول جلست بالبيت ما معناها؟ معناها جلست مستعينا بالبيت؟ لا. "بـ" يعني "في" جلست في البيت الباء هنا تكون بمعنى الظرفية. فالباء جاءت بعدد من المعاني. طيب، (سبّح بحمد ربك) ما معنى الباء هنا؟ معناها: سبح تسبيحا مصحوبا بحمد ربك، يعني اجعل التسبيح مُصاحبا الحمد لأن التسبيح تنزيه والحمد ثناء ومدح فأنت اجمع التنزيه مع المدح ليكتمل الثناء على الله -عز وجل- وهذا أفضل ما يكون، يعني (سبحان الله) عظيمة وأفضل منها أن تقول (سبحان الله وبحمده) يعني أُسبح تسبيحا مصحوبا بالحمد فأنا أُنزه الله وأجمع مع هذا التنزيه الحمد، فالباء هنا للمصاحبة. تأتي الباء أيضا للإلصاق يعني إلصاق شيء بشيء تقول مثلا قول الله -عز وجل- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) يعني امسحوا رؤوسكم ملصقين بها شيئا، هذا المعنى (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ولذلك يغمس الإنسان يده في الماء ثم يمسح رأسه عند الوضوء حتى يصل شيء من البلل أو يلصق شيء من البلل بشعر رأسه فالباء هنا للإلصاق.
وقد تأتي للسببية مثل (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي جزاء بسبب ما كانوا يكسبون، (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) معنى (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) يعني بسبب ما كنتم تعملون. لاحظوا الباء كم صار لها من المعاني: جاءت للاستعانة، وجاءت للظرفية، وجاءت للمصاحبة، وجاءت للإلصاق، وجاءت للسببية، ولا تأتي الباء للتبعيض خلافا لمن قال إن قوله (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) يعني ببعض رؤوسكم وهذا لا يُعرف في كلام العرب وبهذا نرد على من يقول أنه يُجزئ الإنسان أن يمسح بعض رأسه بل الصحيح الثابت في السنّة أن الرأس يُمسح كله، يُستوعب والباء في الآية للإلصاق وليست للتبعيض قال شيخ الإسلام: "ولا يُعرف أن الباء تأتي في لغة العرب للتبعيض بل هي في الآية للإلصاق".
إذا -يا إخواني- الباء جاءت على هذه المعاني كيف أُفسرها في الآية؟ لازم أكون عارف للمعنى وعارف السياق حتى أحمل الآية وأحمل هذا الحرف على معناه الذي يليق به والذي لابد للإنسان أن يعرفه.
يقول -ليُبيّن لنا أهمية معرفة هذه الأدوات ومعانيها- قال رجل: يا أبا العالية -أبو العالية الرياحي من مُفسري السلف ومن مدرسة أُبيّ بن كعب، مدرسة المدينة- قال: يا أبا العالية قوله تعالى في كتابه (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ما هذا السهو؟ فقال أبو العالية: الذي لا يدري عن كم ينصرف عن شفع أو وتر. يعني لما يصلي ما يدري هو صلى شفعا أو وترا، صلى أربعا أو ثلاثا فحملها على السهو في الصلاة. فقال الحسن: مه يا أبا العالية -أسكت يا أبا العالية- ليس كذلك بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم. اُنظروا الحسن انتبه إلى حرف "عن" وإن دلالته يدل على المجاوزة (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) تجاوزوها حتى فات وقتها. لاحظتم ألا ترى قوله (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) أبو العالية انتبه لكلمة السهو فجعلها الصلاة، والحسن انتبه لحرف "عن" الذي يدل أنه سهى عن الصلاة حتى فات وقتها، ليس سهى في الصلاة ولذلك لو كانت "فويل للمصلين الذين هم في صلاتهم ساهون" لكان أول من يدخل فيها أنا وأنتم، والله يا إخواني نشكو إلى الله حالنا المتردية في أمر الصلاة، يدخل الإنسان في الصلاة فما يدري إلا والإمام يقول السلام عليكم ورحمة الله، وتعرفون قصة واحد من جماعتنا في نجد يقولون صلوا مع الإمام فلما سلّم الإمام اختلف الناس هل صلى ثلاثا وإلا أربعا، قال واحد أنا أحكم بينكم، أنا بالعادة إذا صلى الإمام شلت متاعي وتجارتي على نوقي ورواحلي ورحت ووصلت الكويت -يوم أن كانت تجارة أهل نجد للكويت والعراق وغيرها- وحمّلت وبعت واشتريت ورجعت حتى أصِل بريدة وهذه المرة ما أمداني أصِل للبيت، سلمتم قبل أن أصِل إلى البيت فأكيد إن صلاتكم ناقصة فقاموا وأتمّوا ركعة.
إذاً -يا إخواني- من المهم جدا أن نعرف معنى هذه الأدوات وأن نتفطن لذلك وألاّ نهمله حتى نتبين المعنى الصحيح لكلام الله -عز وجل- وندرك كثيرا من أسرار القرآن وإعجازه في حروفه وأدواته وكلماته وجُمله وآياته وسوره ونظمِه وترتيبه.
يقول المؤلف: ومع كثرت المؤلفات القديمة والحديثة في حروف المعاني إلا أني سأختار مرجعا واحدا فقط تسهيلا وتيسيرا وهو: (معجم حروف المعاني في القرآن الكريم).
 هذا المعجم كتبه أحد المؤلفين -جزاه الله خيرا- يُقال له محمد حسن الشريف، وقد جمع كل الأدوات في القرآن "إلا" و"على" و"في" و"عن" و"رُب" ويُبيّن معنى هذه الأداة في كل المواطن التي وردت في القرآن فمثلا يقول: الباء للمصاحبة ثم يذكر كل الآيات التي جاءت بمعنى المصاحبة، الباء للاستعانة ثم يذكر كل الآيات التي جاءت بمعنى الاستعانة ثم يذكر الباء الظرفية ويذكر كل الآيات التي جاءت بمعنى الظرفية على وجه معجمي، يعني مرتبة حسب السورة وغيرها، ثم يذكر أيضا الآية إذا كانت مُحتملة لمعنى آخر كأن يختلف العلماء هل هي للظرفية أو للسببية فيذكر يقول: وقيل للسببية وقيل للظرفية وهكذا. فهو مُعجم متميز ومفيد في الباب ويقع في ثلاث مجلدات طبعته مؤسسة الرسالة.
قال: ومعرفة دلالة حروف المعاني على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: إدراك المعاني المشهورة لكل حرف.
يعني ينبغي لكل طالب علم التفسير أن يعرف كل حرف من هذه الحروف ويعرف معانيها الأصلية، الباء قلنا للمصاحبة، للاستعانة، للظرفية، للقسم، نسينا القسم (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) للقسم، للسببية، فيعرف كل حرف وما يدل عليه من المعاني أصلا.
الدرجة الثانية: إدراك المعنى المراد -تقريبا- لكل حرف بحسب موضعه.
يعني عندما تمر على هذا الحرف في موضعه من القرآن أن تعرف معنى هذا الحرف في هذا الموضع ماذا يدل عليه السياق هل هو يُحمل على هذا أو على هذا أو على هذا مثل قول الله -عز وجل- (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) "في" هنا تدل على شدة التصليب، هو الأصل "لأصلبنكم على جذوع النخل" ولكنه قال "في" لأنه كأنه من حنقه عليهم يريد أن يدخلهم من شدة ربطه لهم في النخلة يُدخلهم فيه وإلا كان يقول "ولأصلبنكم على جذوع النخل" فالعادة أن مثل هذا يكون بمعنى "على" لكن جاء بـ"في" للدلالة على هذا المعنى  وهو: أنه يصلبهم صلبا شديدا حتى كأنهم من شدة الصلب يدخلون في جوف النخلة  (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)
قال: الدرجة الثالثة: التحقيق عند اختلاف أقوال المفسرين في المسائل التي تضيق فيها الأفهام. يعني تحتاج إلى دقة مثلما ذكرنا قبل قليل أنا والأخ في قول الله -عز وجل-  (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) فمن العلماء من قال الباء هنا للتبعيض، ومنهم من قال الباء للإلصاق، وبينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: "أن الباء هنا للإلصاق ولا يُعرف في معاني الباء عند العرب أنها للتبعيض" "مِن" تاتي للتبعيض تقول أخذت من المال شيئا فتصدقت به، "مِن" هنا للتبعيض، وهكذا.
ثم ذكر المؤلف جدولا جميلا يحسُن بنا أن نمر عليه مرورا سريعا فنُبين ماذا أراد المؤلف من هذا الجدول. ذكر أشهر الحروف التي تتكرر في القرآن، وذكر بعد كل حرف المعاني التي يشتهر بها وحدد أكثر المعاني اشتهارا ثم ذكر لكل معنى آية ومثال في القرآن الكريم . 
نأخذ "ال" 









العهدية يعني مثل لو أقول هل جئتم بالكتاب معكم؟ أي كتاب؟ هذا، معهود بيني وبينك أنه هذا الكتاب، لو قال واحد أي نعم جئنا بالكتاب ثم أخرج القرآن وقال هذا قد ذكر الله أنه هو الكتاب قال (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ) أقول لا يا أخي "ال" هنا يُراد بها "ال" العهدية فعندما أقول افتحوا الكتاب، أغلقوا الكتاب، ادخلوا الكتاب، علقوا على الكتاب، ماذا أقصد بالكتاب؟ الكتاب المعهود الذي نحن تعارفنا عليه واجتمعنا لقراءته. واضح.
 فـ"ال" تأتي للعهد مثل قول الله -عز وجل- (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) أصحاب الفيل أي أصحاب فيل وإلا فيل معهود معروف؟ فيل معروف حصلت له واقعة معروفة عند مكة لما أراد أبرهة أن يدخل إليها ليهدم الكعبة.
 "ال" تكون أيضا جنسية دلالة على العموم والاستغراق مثل (الحمد) هذه "ال" جنسية تدل على الاستغراق يعني جميع أنواع الحمد لله فـ"ال" هنا للاستغراق وللعموم إذا جاءت مع أسماء الأجناس. و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) من هم الناس هنا؟ كل الناس، هذه للاستغراق. وتأتي للماهية، لبيان ماهية الشيء كما في قول الله -عز وجل- (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).
الحرف الثاني: الباء










اسمعوا ماذا قال: أصل معانيها الإلصاق. يعني الأصل في معانيها والأكثر هو الإلصاق وتأتي للمصاحبة، للسببية، الاستعانة، للقسم، للظرفية، هذه معاني أخرى للباء وذكر أمثلة قال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) فالباء هنا للإلصاق.
(فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ) هذه الباء للمصاحبة.
(فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) هذه باء للمصاحبة يعني مصحوبا بسلطان مبين.
(فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) يعني الباء للسببية فما أنت بسبب نعمة ربك بكاهن ولا مجنون.
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) الباء للاستعانة.
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) الباء للقسم.
(حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) هنا للظرفية. 
السين، قال:








التنفيس يعني امتداد الزمن لكن الزمن اليسير، لما تقول تعال أقول سآتيك يعني سآتي إليك لكن بعد قليل، أما إذا قلت سوف آتيك طالت المدة بدلا ثلاث دقائق يمكن عشر دقائق أو خمسة عشر دقيقة أو عشرين أو ساعة أو ساعتين، فالسين للتنفيس القريب، وسوف للتنفيس البعيد قال:
(سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ) أهل الخشية من حين تنزل عليهم آيات الله ما يلبثون إلا قليلا فيتذكرون.
(سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) أي إذا نزل العُسر فإن الله سيجعل بعده يُسرا قريبا بل من شدة تفريج الله لأهل العُسر أنزل في القرآن قوله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يعني يا عبدي قد كتبت مع العسر الذي أُنزل عليك يُسرا فأبشر به، لا تيأس، لا تقنط من روح الله فالعسر الذي نزل عليك سيكون معه يُسر. ولاحظوا من جمال كلام العرب -وهذا سنأتي إليه إن شاء الله-. ابن عباس ماذا قال حتى أبين لكم كيف نفهم القرآن لما جاء إلى هذه الآية (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) قال "لن يغلب عُسر يُسرين" ما معنى هذا؟ الآن العسر الذي في الآيتين واحد أو اثنين؟ اثنين (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ومع ذلك ابن عباس يقول "لن يغلب عسر يُسرين" فجعل العُسر في الآيتين واحدا وجعل اليسر في الآيتين اثنين ما السبب؟ الآن إذا قلت جاء الإمام وجلس الإمام هنا وقدم للمُحاضر الإمام وتكلم وختم الإمام المحاضرة بالدعاء ثم سلّم الإمام على الناس، كم إمام عندنا؟ واحد لأن "ال" هذه خدمتنا فجعلت الإمام هذا كله واحد مع أنه تكرر خمس مرات، لكن لما نقول: صلى بنا إمام، وأفتانا إمام، وذهبنا مع إمام، وقرأنا كتاب كذا وكذا على إمام، كم إمام؟ أربعة أو خمسة، فـ"ال" هذه التي للتعريف جاءت في الكلمة مكررة دلت على أنها شيء واحد. إذاً (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) هنا العُسران شيء واحد أما اليُسر فقد جاء مُنكرا فصار يُسرين ولذلك قال ابن عباس -شوفوا الفهم، هذا لم يدعُ له الرسول عبثا، دعاء الرسول لابد أن يُصيب- قال (اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل) ولذلك لما مرّ بهذه الآية قال"لن يغلب عُسر يُسرين" فهِم أن في الآية يسرين وفي الآيتين عُسر واحد. أرأيتم كيف كلام العرب، كلام فيه بلاغة وفيه نفاسة وجمال، وفيه دقة ولذلك أنزل الله هذا الكتاب بهذا الكلام لما يتضمنه من المعاني العِظام. أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وأن يُفقهنا في الدين ويُعلمنا تأويل الكتاب المُبين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما زلنا -أيها الأحبة- نقرأ في المراحل التي ذكرها الد.عصام العويد في كتابه المراحل الثمان لطالب فهم القرآن، ووصلنا إلى المرحلة الثالثة وذكر في معرِض حديثه في المرحلة الثالثة وهي: أهمية فهم معنى حروف المعاني والأدوات الواردة في القرآن. فذكر جدولا يُبين فيه أشهر هذه الحروف وأكثرها ترددا في القرآن ويُبين لكل حرف ما معناه أو معانيه ويُمثل على كل معنى بآية أو آيتين، فذكر "ال" وذكر الباء ثم ذكر السين وسوف، ثم ذكر "على"







/ "على" يقول: أصل معانيها الاستعلاء. يعني العلو ركبت على الناقة يعني علوت عليها.
وتأتي للغاية، وتأتي للظرفية. وهنا سنذكر مثال نُبين فيه كيف إن إدراك هذه المعاني مهم جدا ومفيد أيضا للإنسان في تلاوته القرآن وفهمه لدقيق المعاني من كتاب الله -عز وجل- فمثلا: قال الله -عز وجل- في قصة موسى لما مرّ على أهل مدين (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤﴾ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) لماذا قال  (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)؟ ما قال تمشي مستحية مثلا، كأنها راكبة على الحياء، كل اللي تحتها حياء ومتمكنة مثل تمكنك من الدابة، يعني في مشيتها حياء، في كلامها حياء، في ثوبها حياء، في غطاء وجهها -مثلا- وشعرها حتى يقال إن موسى -عليه الصلاة والسلام- وهو من هو في مقامه وعفته لما قال لها: وأين أبوكِ؟ قالت: اتبعني، قال: بل أنتِ امشي ورائي فإني رجل عبراني لا أنظر إلى أدبار النساء، من حياء موسى الذي قابل به حياء هذه الفتاة أنه أمرها أن تمشي وراءه وتدله بالصوت لأنها لو مشت أمامه سيرفع بصره حتى ينظر أين هي، المهم إن هذه الفتاة قال الله فيها (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) يعني كأنها مُتمكنة من الحياء وعالية عليه وعلت هي بسبب الحياء والمرأة لا تعلو إلا بسبب الحياء، والله إذا تبذلت أول من يحقرها من يرها من الرجال، لكن إذا جاءت المرأة محتشمة والله إن الله يجعل لها من العلو في قلوب الرجال مالا يجعل لأولئك اللواتي يردن أن يذهبن بقلوب الرجال بسبب ما هن عليه من التبرج والتبذل وقلة الحياء، ولذلك المرأة التي -نسأل الله السلامة والعافية- يعني يتمكن منها الرجل في الحرام هو أول من يحقرها ويبصق عليها ويسترذلها. عندنا الهيئة في الرياض أمسكوا شاب يدخل على فتاة في بيت أهلها لكن في ظلمة الليل وأهلها لا يدرون فجاء أحد الجيران وبلغ الهيئة فجاءت الهيئة وترقبت ووجدت بالفعل بعد الساعة الواحدة ليلا يأتي ويقف وتفتح له الفتاة ويدخل ويعاشرها في بيت أهلها -نسأل الله السلامة والعافية- لكن الأهل في غفلة، فالمهم الهيئة قبضت عليهم عند الباب وأخذتهما إلى الهيئة، لما أذن الفجر اتصلوا على أبيها قالوا له تعال، قال لهم: لماذا آتي؟ قالوا له: نريدك في أمر ضروري، قال: طيب بعدين، قالوا: لا، الآن، فجاءهم، فلما جاء قالوا له بنتك عندنا، قال: وماالذي جاء ببنتي؟ آسف، لما اتصلوا عليه قالوا وين بنتك؟ قال: وماذا تريدون بها؟ قالوا: نريد نسأل عنها، قال: موجودة، قالوا: ابحث عنها، فذهب إلى غرفتها فما وجدها، بحث عنها في البيت ما وجدها -نسأل الله العافية والسلامة يا إخوان- قال: ما وجدتها أين هي؟ قالوا: عندنا، ما الذي جاء بها عندكم؟ المهم لما ذهب عرف القصة، فالهيئة جزاهم الله خيرا من حُسن تصرفهم قالوا ما دام الرجل قد صار له بها علاقة نحن مستعدون الآن ، هي تقول إنه جاءني ووعدني بالزواج وأنا تعرفت عليه من أجل إن نهيئ أنفسنا لحياة، اللي يجيها كل ليلة وصديقته ويقول لها أنا أحبك وما أدري ايش -انظروا يا إخواني- فبكت الفتاة وسقطت أمام الناس أنت اللي تغارني كل هذه الأيام تقول لي كذا وكذا الآن تقول لي هذا الكلام؟! انظروا يا إخواني -نسأل الله العافية- أول من يستهين بالمرأة المتبرجة التي باعت عرضها وشرفها هو من كانت تريد أن تغزو قلبه وأن تملّك قلبه -نسأل الله العافية- وهذا معاملة لها بالضد وهذا كما يقول العلماء الجزاء من جنس العمل -نسأل الله العافية والسلامة- طيب هذا استطراد.
/ قال:





المجاوزة يقول: وهو معنى لا يكاد يجاوزها. لأنه كثير في "عن" (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ) مجاوزين العذاب. وتأتي سببية كما في قول الله -عز وجل- (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ) أي بسبب قولك.
/ وكذلك الفاء 







تأتي عاطفة، للتعقيب، للسببية، وتاتي فصيحة، وتأتي توكيدية، وتأتي جوابية، وذكر المؤلف -وفقه الله- أمثلة لكل هذا الأمر.
/ "في"








أصل معنى "في" يأتي للظرفية يعني ظرف نحن الآن جلسنا في المسجد، المسجد مظروف أو ظرف لنا ونحن داخلون فيه. طيب أصل معانيها الظرفية وهو معنى لا يكاد يُفارقها. مثل قول الله -عز وجل- (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ).
 اسمعوا مثلا قول الله -عز وجل- (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) لماذا قال (فِي تَكْذِيبٍ) يعني كأنهم دخلوا في وسط التكذيب فالتكذيب محيط بهم من كل جانب، رأيتم البلاغة، يعني كأنهم يا محمد مهما جئتهم بأدلة وبيّنات وبراهين فإنهم لا ينزعون عن التكذيب، (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) ايش يقولون بعد ذلك (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) يعني يا محمد لو جئت لهم بسلّم فصعدوا فيه إلى السماء الدنيا واطلعوا على كل شيء ورأوا صدق ما تقول لهم فإنهم في نهاية المطاف يقولون سحرنا محمد من شدة ما هم فيه من التكذيب ولذلك جاءت الآية قال (فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) مادام وضعوا أنفسهم في وسط هذا التكذيب فهم لا يقولون إلا تكذيبا لك فالله (مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) أي كُتب في لوح محفوظ، إذا "في" للظرفية .
قال: وتأتي للتعليل (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أي لأجلنا (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
وتأتي للاستعلاء (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) أي على أعناقهم.
وتأتي للمُقايسة (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) قياسا للآخرة إلا قليل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (والله مالدنيا في الآخرة إلا مثلما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع) يعني مقياس الدنيا بالنسبة للآخرة، الذي يريد أن يعرف المقياس يذهب إلى البحر ويُدخل أصبعه في الماء ثم يُخرجها فينظر كم نقص أصبعه من الماء، كم نسبة البلل الذي حصل على أصبعه بالنسبة لماء الخليج العربي وما وراءه من بحار الدنيا، كم النسبة؟ فيه أحد يستطيع أن يستنتج لنا هذا الرقم؟ لو كان معه آلة حاسبة بقدر المسجد هذا ومليئة بالأصفار لا يستطيع لأنها لا تكاد تُذكر كذلك نسبة الدنيا ونعيمها وما فيها بالنسبة إلى الآخرة. ولذلك -وهذا استطراد مني- : آخر واحد يدخل الجنة رجل يدخل وقد امتُحش -تفحّم واسودّ- ويحصل له أنه يُغمس في نهر الحياة فينبت كما تنبُت الحِبة في حميل السيل ،كما تنبُت البقلة ثم يُريه الله -عز وجل- شجرة من بعيد فيقول: يارب أدنني من تلك الشجرة لأستظل بظلها وأشرب من مائها، بس هذا غاية قصدي ولن أسألك غير ما أسألك، قال الله: أرأيت يا عبدي إن أدنيتك منها تسألني غير ذلك؟ قال: لا والله يا ربي لا أسألك غير ذلك، فيُدنيه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، قال: فتبدو له شجرة أخرى أعظم منها -ابن آدم طماع في الدنيا وفي الآخرة لا يشبع- فيقول: يارب أسألك أن تُدنيني من تلك الشجرة لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول: يا عبدي ألم آخذ عليك العهد والميثاق ألاّ تسألني غير ما سألتني؟ فيقول: ياربي إني أرى مالا صبر لي عليه، فيُدنيه الله منها ثم يرى باب الجنة فيُفتن فيقول: ياربي أسألك أن تُدنيني من باب الجنة حتى أرى أهل الجنة وهم في الجنة، يقول: يا عبدي ألم آخذ عليك العهد والميثاق ألاّ تسألني غير ما سألتني؟ فيقول: ياربي لا أسألك غير هذا الذي أسألك، فيُدنيه الله من باب الجنة فينظر فيقول له الله -عز وجل- أدخل فإن لك -هذا آخر واحد ترى- يقول له أدخل فيقول: ياربي كيف أدخل وقد امتلأت بأهلها؟! فيقول له الله: أدخل فإن لك مثل مُلك ملِك من ملوك الدنيا ومثله ومثله ومثله ومثله وعشرة أمثاله -عشرة أمثال الخمسة فيصير خمسين، يعني آخر واحد اللي رقمه -مثلا- مليار من المؤمنين الذين يدخلون الجنة سيكون له مثل مُلك خمسين ملِك من ملوك الدنيا، الأول ما يكون له؟! رقم واحد، ورقم عشرة، ورقم مئة، ورقم ألف، ورقم عشرة آلآف، ومئة ألف، ورقم مليون، ورقم مليونين، كم لهم هؤلاء؟!- ثم يقول له: وإن لك ما اشتهت نفسك، يا الله، يعني أطلب بعدها ما تشاء أُعطيك. هذا آخر واحد، هذا بعدما يُعذب في نار جهنم وينال نصيبه منها ثم يُغمس في نهر الحياة يدخل الجنة وينال هذا الجزاء والفضل العظيم فهل تعلمون أحدا ذا فضلٍ أعظم من فضل الله. والله لا أحد، الذي يُبدّل سيئاتك ويجعلها حسنات لا أحد أفضل منه ولا أكثر فضلا منه سبحانه،فنسأل الله أن يغمرنا بفضله العظيم في الدنيا وفي الآخرة. / "قد" من الأدوات أيضا









قال: "قد" إذا جاءت مع الفعل الماضي تدل على التحقيق (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) يعني تحقق فلاح المؤمنين، تحقق سماع الله للتي تشتكي زوجها، فـ"قد" للتحقيق يعني تحقق وقوع ذلك الشيء إذا جاءت مع الفعل الماضي، أما مع الفعل المضارع فإن الأغلب أن تكون للتقليل مثلا: تقول قد يصدق الكذوب، وقد ينجح الكسول -قليلا ما ينجح الكسول- ومع ذلك تأتي "قد" مع الفعل المضارع أحيانا للتكثير كما قال الشاعر:
قد يُدرك المتأني بعض حاجته ** وقد يكون مع المستعجل الزلل
قد يكون معه زلل، هذا كثير وإلا لا؟ كثير إن الإنسان إذا استعجل جاء الزلل معه، فـقد هنا ليست للتقليل وإنما هي للتكثير، وقد تكون للتحقيق مع الفعل المضارع (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا) (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ) هنا تحقق عِلم الله للقائلين منكم هلمّ إلينا والمعوقين أيضا منكم .
/ اللام الجارة 







يقول: أصل معانيها الاختصاص (الْحَمْدُ لِلَّهِ) يعني الحمد خاص بالله. وهو معنى لا يكاد يُفارقها (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) وتأتي للصيرورة (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) في سورة هود قال (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) قال (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) فهذه اللام يقول العلماء للصيرورة أي يصيرون إلى هذا الأمر.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي لأجل التذكر، للعلة.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ) هذه صِلة. اللامات الأخرى ذكرها المؤلف و"ما" الحرفية، و"ما" الإسمية، و"مِن". انتهينا الآن من هذه الحروف وبإمكانكم مراجعة الجدول والمثلة التي ذكرها المؤلف -وفقه الله- ليُبين لنا أشهر هذه الحروف التي ترِد وبيان معانيها وأمثلة على كل معنى من المعاني.
يقول: بقي كيفية الوصول إلى معرفة دلالة حروف المعاني في الآية. فيقول: إذا مرّ بك حرف من هذه الحروف علينا بالخطوات التالية:
الأول: اُنظر الجدول السابق وتأمل المعاني المشهورة للحرف.
ثانيا: راجع هذه المعاني في الكتاب السابق -الذي ذكره- (معجم حروف المعاني في القرآن الكريم) بشكل أوسع.
ثالثا: تأمل في المعنى الذي اختاره المؤلف وافهم سبب اختياره وقد تحتاج مع هذه الخطوات إلى من يُذلل لك بعض الصعوبات.
إذا نحن بحاجة إلى أن نفهم معاني هذه الأدوات وأن نجتهد في تدريب أذهاننا على تفسير هذه الأدوات ومعرفتها في الجمل التي ترِد فيها في كلام العرب وفي كلام الله -جل وعلا-. ثم ذكر أمثلة يُوضح بها المقال. 
فقال في قول الله -عز وجل- (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) الأصل أو المتوقع أن يقول "ولأصلبنكم على جذوع النخل" إذا لما قال "في" عرفنا أن هناك معنى آخر أنه من شدة التصليب والربط على النخل كأنه يريد أن يُدخلهم فيها حقدا عليهم وحنقا وتعبيرا عن كراهيته لهم وأنهم خذلوه، هؤلاء السحرة خذلوه وصاروا عونا لعدوه عليه، عدوه موسى -عليه الصلاة والسلام-.
المثال الثاني:(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) هذا إبراهيم يقول لأبيه الذي قال (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) هذا رد الأب، رد الإبن (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أول شيء سلام عليك، اُنظر مقابلة السيئة بالحسنة، إبراهيم -سبحان الله- هذا آية من آيات الله ولذلك استحق مرتبة الخُلة، (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) السين هنا للمهلة لكن للمهلة القريبة سأشرع بعد قليل في الاستغفار لك على ما بدر منك ثم بعد ذلك لما علِم أنه عدو لله تبرأ منه، فانظروا لما جاء بالسين هنا دلّ ذلك على قُرب الاستغفار وأن إبراهيم كان رؤوفا رحيما بأبيه حريصا عليه أشدّ الحرص برا به، ولو قال "سوف أستغفر لك ربي" لدل ذلك على زمن أبعد وهو خلاف مُراد إبراهيم -عليه السلام- الذي بلغ من إحسانه بأبيه وحرصه على هدايته ما بلغ مع شدة ما لقيه منه من وعيد وطرد وتهديد وغير ذلك. فهذه السين إشارة إلى نوع من الكمالات الخُلُقية التي اختصّ الله بها هذا النبي الكريم والموفق من عباده الصالحين. وقريب منه ما قاله عطاء الخرساني -العلماء يأتون بعجائب عندما يتأملون هذه الحروف والأدوات- قال لما عقد بين طريقة يوسف في العفو عن إخوته وطريقة يعقوب في العفو عن أبنائه قال عطاء الخرساني: "طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ" الحاجة عندما تطلبها من الشاب الحصول عليها أيسر من الحاجة عندما تطلبها من الشيخ، الشيخ يفكر ويناظر ويدبر وعنده تجارب وعنده أمور كثيرة ينظر إليها، الشاب يقتنع بالشيء يُجيب مباشرة ويضرب على صدره وعلى طول يعطيك ما تريد. قال: "ألم ترَ إلى قول يوسف عندما اعتذر لإخوته (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ)" مباشرة عفا عنهم ولا تثريب عليهم ووعد أنه لن يُذكرهم بشيء مما وقع منهم ولذلك لما جاء أبوه وجاء إخوته واجتمعوا عنده قال (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) لم يذكر الجبّ مع إن الجبّ خطير كان مآله إلى الموت والهلاك ولم يذكر الجبّ لماذا؟ لأنه قال لا تثريب عليكم، خلاص والله ما يُذكر هذا الأمر (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ  وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)  طيب يعني كأن الشيطان سوى مشكلة بيني وبين إخوتي، طيب من هو صاحب المشكلة، ومن الذي بدأ الشر، وكيف صارت القضية، لم يذكر هذا الأمر ولم يمر على سيرته. كريم يوسف لذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) إي والله كريم، رأيتم كيف الكرم مع أنهم فرقوا بينه وبين أبيه وكادوا له ليقتلوه ثم باعوه ثم حصل له من الغربة والشتات والبعد والفتنة ثم السجن وبينهما يُقال أربعين سنة، تصور لو أنت واحد أربعين سنة وأنت تتلظى بنار مكيدته التي كاد بها ماذا يبقى في نفسك؟ سيبقى في نفسك الكثير عليه وإلا لا؟ بل لو واحد بصق في وجهك أمام الناس ثم جاء يستسمح منك في نفس اللحظة تقول خلاص سامحتك بس ابعد عني -يا أخي- لاعاد أشوفك بعد اليوم صح وإلا لا؟ وهي بصقة فكيف قتل ومؤامرات وشغل على ولد -طفل صغير- وفي النهاية يقول (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) ثم لما جاء التذكير بهذا الأمر أعرض عنه إعراضا تاما ومر عليه مرورا كريما. طيب لما رجعوا إلى الأب (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) ماذا قال الأب؟ (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) فيقول عطاء الخرساني: "ألم ترَ قول يوسف -عليه السلام- (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) وقال يعقوب -عليه السلام- (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)".
ذكر أمثلة -يا إخواني- المثال الثالث والرابع والخامس والسادس والحقيقة أن هذه الأمثلة تزيد المعنى إيضاحا فتقرؤنها -جزاكم الله خيرا- في هذا الكتاب الذي بين أيديكم.
ننتقل بعدها إلى [ص:70] يقول في نهاية الصفحة: التضمين. ذكر المؤلف التضمين في هذا الباب الذي هو معرفة معاني الأدوات لأن له صلة بالأدوات، تأتي الأدوات جزءا أساسيا في هذا المعنى العظيم من معاني كلام العرب أو في هذا الفن من فنون كلام العرب ماهو التضمين؟ التضمين: أن يأتي فعل فلا يُعدى بالحرف الذي يتعدى به عادة وإنما يُعدى بحرف آخر للدلالة على أن هذا الفعل في ضمنه فعل آخر. فبدل من أن أقول شربت من الماء أقول شربت بالماء. العادة تقول شربت من، فتأتي بـ"مِن" لا تأتي بالباء، لماذا جئنا بالباء؟ قال: يأتي هنا بلاغة في الكلام وهي أن (شَرِب) في ضمنها -وراءها- فعل آخر. كيف نعرف إن فيه فعل آخر؟ نأتي بالأداة أو الحرف الذي يُناسب هذا الفعل وليس يُناسب هذا الفعل. ما معنى الكلام؟ قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) ما معنى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)؟ قال: يشرب مُلتذا بها عباد الله، لو قال يشرب منها خلاص ما عرفنا إلا أنها شُرب من العين فقط، ولأوهمت أنهم يشربون منها لعطش يصيبهم، وهل في الجنة عطش؟ ليس فيها عطش أصلا، كل الأكل والشرب واللذائذ التي فيها إنما هي لمزيد التلذذ ولذلك يُعطى الرجل في الجنة قوة مئة أكل وشرب وجماع، مئة، فأبشروا وأملوا خيرا -أسأل الله أن أراكم جميعا وأن تروني أيضا ونحن نسرح ونغدو في أنهار الجنة وفي جناتها ونعيمها ونأكل من أطايبها ونلقى ربنا سبحانه وتعالى فنزداد بلقياه كل ما لقيناه سرورا ونعيما وبهجة وجمالا وما ذلك على الله بعزيز-.
قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) إذا "بها" الباء هنا ما جاءت عبثا، جاءت للدلاة على فعل قد ضُمِن يشرب، يشرب ويروى ملتذا بها عباد الله -لا إله إلا الله- لماذا لم يقل عينا يروى أو يلتذ بها عباد الله؟ قال: لم يقل هذا لأنه لو قال ذلك لكانت هذه اللذة منقطعة. يعني كأنهم يشربون منها مرة واحدة، يلتذون بها مرة واحدة، فكأنه يقول يشربون ملتذين ثم يشربون مُلتذين، ثم يشربون مُلتذين، في كل شربة يُغيّر لهم الطعم كما قال الله -عز وجل- (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يؤتى لهم بلبن فيشربون منه ثم يؤتى لهم بلبن فيقولون هذا الذي رُزقنا من قبل، قبل قليل شربنا من هذا نريد شيء آخر، يقول له اشرب فيشرب وإذا طعم آخر ومذاق آخر ونكهة أخرى وعاقبة أخرى فيؤتى له بثالث فيقول هذا يشبه الثاني، هذا مثله فيقولون له اشرب فيشرب فيجد شيئا لم يجده من قبل، طيب ويستمر؟ يستمر في كل مرة يُلون كما قال الله -عز وجل- (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يشبه بعضه بعضا في الخِلقة واللون ولكنه محتلف تماما في الطعم -لا إله إلا الله- . 
قال: التضمين له علاقة متينة جدا بحروف المعاني ولذا أوردته هنا وهي كلمة تدور في كتب اللغة بين العروضيين -يعني أصحاب الشعر الذين يعرفون موازين الشِعر هل هذا من الشِعر العربي أو مختلف عنه- والأدباء والنحويين والبيانيين ولكل طائفة من هؤلاء معنى خاص يُفسرون به التضمين. والذي يهمنا من هؤلاء هم طائفة البيانيين -أهل البلاغة- وكذلك بعض النحاة، فالتضمين الذي نقصده هنا "إشراب لفظ معنى لفظ آخر". وبعبارة أوضح "إشراب فعل معنى فعل آخر ليدل الفعل الأول على معناه الأصلي وعلى المعنى الذي دلّ عليه السياق. فنصير استفدنا معنيين في جملة واحدة وهذا من بلاغة القرآن. ومن ظَرَف العرب وجمال كلامهم.
ثم ذكر كلاما لأهل العلم رحمه الله- في أهمية هذا الفن وبيان أنه معروف عند العرب إلى أن ذكر الأمثلة، قبل الأمثلة قال في [ص:73]: وفائدة التضمين هي الإيجاز والاختصار. بدل استخدام كلمتين استخدمنا كلمة واحدة.
قال: ومن الأمثلة على ذلك: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) 
المثال الثاني: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) . أنت في العادة تقول أردت كذا أو أردت بكذا؟ يعني مثلا: أردت زيارة أخي أو أردت بزيارة أخي؟ أردت زيارة أخي. طيب.
أردت أكل اللحم أو أردت بأكل اللحم؟ أردت أكل اللحم . أردت ضربك أو أردت بضربك؟ ضربك. إذا "أراد" تتعدى بنفسها فلماذا عُديت في الآية بحرف الباء (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ)؟ قال العلماء: لأنه ضمّن "أراد" معنى الهمّ. ليس المقصود الإرادة وحدها بل إرادة فيها همّ، يعني معنى الإرادة هو الهمّ كأنه قال ومن يرد هامّا بإلحاد، يهِمّ بإلحاد ولذلك قال العلماء: إن الحرم من بين سائر البقاع في الدنيا من همّ فيه بسيئة كُتبت عليه سيئة لأن الله قال (وَمَنْ يُرِدْ) ماهو يعزم، يُرِد بمعنى يعزِم، لا، يُرِد بمعنى يهِمّ فيه بإلحاد (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) قال العلماء: "من همّ في الحرم بسيئة كُتبت له سيئة ولو كان في الصين". كأن يقول أحدهم لو جئت إلى مكة سأسرق من الذهب الذي فيها، يهِمّ بهذا الأمر وهو في الصين لم يأتِ إلى مكة، تُكتب له سيئة، أحرم الله تجترئ عليه حتى تهِم أن تعمل فيه معصية؟! أبلغ من قلة تقديرك وتعظيمك لبيت الله وحرمه المعظم إنك تحدث نفسك بأن تعصي الله فيه?! هذه من قلة مهابتك لربك، ولذلك جُعل قدر هذا الحرم أن من همّ فيه بالسيئة فكأنما فعل السيئة فيه، يعني جزاؤه مثل جزاء من عزم على السيئة في غيره قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل -يعني عرفنا أنه في النار لأنه قتل- فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه) فهويريد أن يقتل وهو لم يفعل لكن كان حريصا فيكافأ على حرصه بأن يكون في النار لم يمنعه من الفعل إلا أنه قُتل. هذا في باب العزيمة أما في الحرم فلا، مجرد الهمّ يُكتب على الإنسان سيئة ولذلك عُدي بالباء فقال (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) وإلا لو جاءت على العادة لقال ومن يُرِد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم. المثال الثالث: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) العادة "نَصَرَ" يتعدى بـ"على" تقول نصرت فلانا على فلان، نصر الله نوحا على القوم الذين كذبوه، فلماذا قال (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ)؟ لأنه ضمّن "نصر" معنى خلّص وأنجا ليس مجرد أنه نصره فقط،لا، وخلّصه من بينهم وأنجاه من بينهم فوقع عليهم الهلاك ووقعت بهم المصيبة وهو لم يُصبه شيء من السؤ، هذا هو المعنى.
المثال الرابع: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ) لم يقل مع أموالكم ليُضمِّن "تأكلوا" معنى ضامّين وجامعين إلى لأموالكم لأن هذه غالب الحيل التي يتم فيها أكل أموال اليتامى، كيف؟ أن الولي عليهم يخلط مالهم بماله فيأكل مالهم، هو لا يجترئ على أن يأكل المال صرفا، لا، يخلطهما سويا مثلا: يريد يشتري أرض وخائف أن الأرض تخسر فيُدخل أموالهم مع أمواله لكي يُخفف من الخسارة، فإذا خسرت الأرض وإذا بهم قد حملوا جزء كبير من الخسارة قال الله -عز وجل- (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ) يعني تضمون أموالهم إلى أموالكم وتجمعونها إليها.
المثال الخامس: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) "يُخالفون" تتعدى بنفسها "يخالفون أمره" ولكنه جاء بـ"عن" للدلالة على الإعراض "يخالفون معرضين عن أمره" لأنه ليس المقصود مجرد المخالفة، أنا أخالف وأنت تخالف وما منا من أحد إلا ويقع منه معصية للرسول -صلى الله عليه وسلم- والمعصية مُخالفة لا، ليست هذه التي وقع عليها الوعيد، الذي وقع عليه الوعيد أن تعصي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنت مُعرض عن أمره متولي قد ابتعدت،جانبت أمره، فهذا هو الذي وقع عليه الوعيد في هذه الآية "فليحذرِ الذين يُخالفون معرضين عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
 قال الإمام أحمد: "الفتنة الشرك" يعني قد يقعوا في الشرك -والعياذ بالله- ولذلك نحن نقول من أعرض عن سنة رسول الله فإنه يُخشى عليه أن يُفتن في دينه وأن يقع في الزيغ والهلاك (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
وبهذا -أيها الأحبة- نكون انتهينا من المرحلة الثالثة.
                                        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق