الثلاثاء، 19 يوليو، 2011

تفسير سورة النساء من 1- 10 / من دورة الأترجة


د.محمد بن عبدالعزيز الخضيري




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ،
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما ينفعنا، اللهم اجعلنا جميعًا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك وأُذكِّر الإخوة بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )[1].
اليوم معنا نصف سورة النساء وسنأخذها في تفسير إجمالي لأن الوقت المخصص لمعرفة وبيان آيات هذه السورة أقل مما ينبغي ولكن كما يقولون يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ونحن نشير إشارات ونذكر بأمور. هذا المجلس إن شاء الله سيتكون من ثلاثة فصول كل فصل أربعين دقيقة فتحملونا قليلًا في هذه الفصول الثلاثة وبعد العصر فصلان كل فصل أربعون دقيقة
وبعد العشاء بإذن الله تعالى سيكون هناك فصلان كل فصل أربعون دقيقة وبهذا ننتهي - إن شاء الله تعالى - بيسر وتمام وكمال وإحسان من نصف سورة النساء.
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴿٣﴾ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴿٤﴾)[2]
هذه السورة سورة عظيمة أنزلها الله ـ عز وجل ـ ليبين فيها أمورًا كثيرة من أعظمها وأجلِّها وأرفعها المقصود الأعظم من هذه السورة "حفظ حقوق الضعفاء" ولذلك نراها تذكر بحقوق اليتامى وحقوق النساء وحقوق السفهاء وقسمة المواريث حفظًا لحق الضعفاء لأن العرب كانوا يقسمون المال على الأقوياء ويدعون الضعفاء فأنزل الله ـ عز وجل ـ هذه السورة بما فيها من القسمة والتأكيد على حقوق الضعفاء.
إذن مقصود هذه السورة الأعظم هو حفظ حقوق الضعفاء وسيتبين لنا ذلك بشكل جليّ عندما نمر على كثير من آياتها.
هذه السورة نزلت في المدينة، قالت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ "ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله " تعني قد بنى بها، يعني قد دخل بها عليه الصلاة والسلام.
فضل السورة: أما هذه السورة من حيث الفضل فلم يرد في فضلها شيء خاص لكن قال ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما رواه الحاكم في إسناده وصححه قال "إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا وما فيها )
(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40))
و
(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (31))
و
(إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء (48))
وقوله
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64))
وقوله (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110))، هذا ما روي عن ابن مسعود.
أما ابن عباس فروي عنه ـ رضي الله تعالى ـ عنه أنه قال مثل قول ابن مسعود لكنه زاد ثلاث آيات أُخر، قال ابن عباس: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت أولاهنّ (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26))
والثانية (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27))
والثالثة (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)) ثم ذكر الخمس آيات التي ذكرت قبلًا في حديث ابن مسعود الآنف ذكره.
نبدأ هذه السورة أحبتي الكرام بقول الله ـ عز وجل ـ في الآية الأولى
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)
/ قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذه السورة افتتحت بهذه الافتتاحية لبيان أن المعاني التي فيها تتضمن جميع الناس ويؤمر بها كل الخلق وليست خاصة بأحد دون أحد، ففيها الوصية بتقوى الله لجميع الخلق وفيها الأمر برحمة الضعفاء لجميع الخلق وغير ذلك.
ولم يفتتح في القرآن سورة بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) إلا سورة النساء وسورة الحج وهذه في نصف القرآن الأول وتلك في نصف القرآن الثاني، وهذه في بداية الخلق وتلك في بداية الآخرة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)).
ثم قال (اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي نفس آدم - عليه السلام - فجميع البشر مخلوقون من آدم حتى حواء قال (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) حواء خُلقت من آدم وقد بيّن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ( إن المرأة خُلِقت من ضِلَع وإن أعوج ما في الضِلَع أعلاه فإن ذهبت تُقيمها كسرتها وكسرها طلاقها وإن استمعت بها استمعت بها على عوج ) [3]
فبيّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المرأة خلقت من ضلع أي من أضلاع آدم وهذا معنى عظيم ولطيف فهذا الضلع ينضم إلى الإنسان والإنسان أيضًا يحتويه فبينهما من اللُحمة والرحمة ما يُستشفّ من هذا المعنى الجميل.
/ قال (وخلق منها) قال (منها) ليؤكد حق أحدهما على الآخر وليحننه على صاحبه.
/ وقال (زوجها) ولم يقل امرأة ليبين أن بينهما من التزاوج والتناسب ما يدفع إلى أن يرحم أحدهما الآخر ويحفظ أحدهما حق الآخر.
/ قال الله (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) قال العلماء قدّم الرجال لكونهم هم المطالَبون بأن يؤدوا هذه الحقوق بشكل أكبر وقدّمهم أيضًأ لأنهم أكمل ولأن لهم القوامة ووصف بالكثرة لبيان أن كثرة الرجال نعمة فإذا كثرت النساء صار من البلاء ما الله به عليم!
ولذلك في آخر الزمان يكون للخمسين امرأة قيّم واحد [4]وهذا من علامات فساد الزمان وقرب نهاية العالم.
/ قال (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) في الأمر الأول لما كان أمرًا لجميع الناس قال (اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) ربكم الذي رباكم وأنعم عليكم فذكّر بالربوبية، وفي الأمر الثاني لما كان فيه أوامر خاصة وفيها تعبد لله - عز وجل - ذكّر بالألوهية. والربوبية فيها تحبب والألوهية فيها تخويف للناس ألاّ يدعوا أوامر الله وأن يحذروا من أن يخالفوا أمره .
قال (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) تساءلون به يعني يسأل بعضكم بعضًا به فيقولون نسألك بالله. فأنتم تعظمون الله، إذا اتقوه في كل شيء حتى في حقوق هؤلاء الضعفاء. (والأرحام) أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها وهذا على قراءتنا التي هي قراءة النصب (والأرحامَ). وأما القرآءة الثانية قراءة حمزة (والأرحامِ) أي وتتساءلون بالأرحام. فإنه من عادة العرب أن يقولوا نسألك بالله وبالرحم، فيسألون بالرحم لشدة تعظيمهم حقها أو لمعرفتهم بعظم حقها عند الله، ولكنهم مع ذلك كانوا يفرطون فيها فيأكلون أموال النساء ويأكلون أموال اليتامى ظلمًا وعدوانًا.
/ قال الله - عز وجل - (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) هذا تخويف من الله لمن سولت له نفسه أن يأكل أموال الأيتام وألا يفي للضعفاء بحقوقهم. ثم بدأ الله - عز وجل - بالضعيف الأول وهو اليتيم فقال (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ونسبها إليهم ليبين أنها ملك لهم وليس للأولياء منها شيء إنما حقهم فيها هو أن يتولوها بصدق وأن يقوموا فيها بأمانة.
/ قال (وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) لا تتبدلوا الخبيث تستبدلوا الخبيث من أموالكم بالطيب من أموالهم، فإذا كان عندك شاة مهزولة وعند اليتيم الذي أنت وليّه شاة طيبة لا تبدل هذه بهذه فصار الذي عندك خبيث والذين عنده طيب ، أو يكون العكس لا تستبدلوا الخبيث من أموالهم لأن أموالهم بالنسبة لك خبيثة لا يحل لك منها شيء بالطيب الذي أباحه الله لك وأحلّه لك ورزقك إياه من مال الله الذي يرزقه عباده.
/ قال الله (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) أي : لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم وهذا فيه تشنيع حيث أن الله رزقكم أموالًا ثم بعد ذلك أبيتم أن تقتصروا على هذه الأموال ثم اعتديتم على أموال اليتامى فضممتموها إلى أموالكم. ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، فـ "إلى" هنا دلت على التضمين المعروف في لغة العرب معناها لا تأكلوا ضامين أموالهم إلى أموالكم.
/ (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) أي إثمًا عظيمًا وهذا يدل على أن الآثام نوعان : هناك آثام عظيمة وهي الكبائر أو السبع الموبقات والكبائر ، وهناك ما هو دونها وقد دلت هذه السورة على ذلك كما سيأتينا (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (31)).
/ قال الله ـ عز وجل ـ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء) كثير من الناس لا يدرون ما صلة الخوف من القسط في اليتامى بالزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع لكن لو قرأنا سبب النزول عرفنا القصة.
عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة عن هذه الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء) فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها" [5]
عنده ابنة عمه يتيمة عنده أو ابنة خاله يتيمة عنده فيعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها لكنه لا يرغب في أن يعطيها كما يعطي المرأة البعيدة عنه لأنه هو وليها، فإذا كانت المرأة البعيدة تعطى أربعين ألفًا فهو يعطيها مثلًا عشرين ألفًا لأنه هو الذي رباها، لا، إن خفت أن لا تقسط في اليتامى فابعد عن هذه اليتيمة وتزوج من سائر النساء مثنى وثلاث ورباع، هذا هو معنى الآية. قال "فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثلما يعطيها غيره فنُهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا لهنّ ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن".
/ قال الله ـ عز وجل ـ (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء) ما طاب فيه الدلالة على أن الإنسان إذا أراد أن يتزوج عليه أن يتزوج بالطيب خَلْقًا وخُلُقًا ويحرص على البحث عن ذلك ولذلك أمر الإنسان أن ينظر إلى المرأة التي ينكحها لأجل أن تعجبه فتطيب نفسه بها ويرتاح إليها. ( مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) اثنتين اثنتين أو ثلاثًا ثلاثًا أو أربعًا أربعًا ولا يحل لإنسان بإجماع المسلمين على أن يزيد على أربعة.
/ قال الله ـ عز وجل ـ (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ) خشيتم ألا تعدلوا لكون مالكم قليلًا أو لكون عاطفتكم شديدة تخشون من الجَوْر أو لكونكم ضعفاء في أبدانكم أو نحو ذلك من الأسباب التي توقع الإنسان في عدم العدل (فَوَاحِدَةً) يعني اقتصروا على واحدة (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي عليكم بملك اليمين ،وملك اليمين يعني الأَمَة التي يملكها الإنسان ولا يشاركه أحد فيها لأن الأَمَة متى ما كانت مشتركة بين اثنين أو كانت لغيرك فلا يحل لك أن تتسرّى بها.
/قال الله ـ عز وجل ـ (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) أدنى بمعنى أقرب، ذلك أقرب إذا اقتصرتم على الواحدة أو تسريّتم بملك اليمين ،أقرب إلى أن لا تجوروا ولا تظلموا وهذه مسألة ينبغي لنا أن ننتبه لها. وروي عن الشافعي أنه قال (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) أي"أن لا يكثر عيالكم " وهذا ضعيف لأنه لو كان المراد عدم كثرة العيال لم يرشد إلى ملك اليمين لأنه قال (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) من دون عدد فلو كان عندك ألف أمة لك أن تتسرى بها فلو تسرّيت بألف وجئن بألف إنسان صار كثرة العيال موجودة فما صار آخر الآية يتناسب مع أولها،ولذلك أدنى ألا تعولوا يعني ألا تجوروا.
/ (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) بعد أن ذكر حق اليتامى عرّج بعده على النكاح من سائر النساء ثم ذكر حق النساء في الصداق، قال (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ) أي مهورهن. وسُمِيَ الصداق صداقًا لأن الرجل يعبِّر عن صدقه في طلب المرأة فسُميَ صداقًا لأجل ذلك وقد جاء اسمه في القرآن - سيأتينا في هذه السورة - : صداق ونحلة وطول وأجر أربعة أسماء جاءت في القرآن للمهور.
قال الله - عز وجل - (نِحلة) أي عن طيب نفس. فينبغي لك إذا دفعت المهر للمرأة أن تدفعه بطيب نفس وهذا يقتضي أن لا تؤذيها في تسليمها إياه فتعطيها إياه بصدق وبطيب نفس لأنه حق لها من عند الله ـ عز وجل ـ وألا تمنّ عليها بعد أن تعطيها "أنا دفعت عليك أربعين، خمسين، مائة ألف!" وتبدأ كل يوم تسمعها هذا الموال هذا ما يليق بك ويخالف قوله (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
/ قال (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا) هذا يدل على أنه لا يحل للإنسان من مهر امرأته الذي دفعه لها إلا ما طابت نفسها به فإذا طابت نفسها بشيء حلّ لك وإلا فهو حرام عليك. فبعض الناس عنده المهر المؤخر يعني يقدّم بعض المهر ويكون بعضه مؤجلًا فهو يحرص على أن يضايق المرأة ويضغط عليها من أجل أن تلغي هذا المؤخر وأن تسقطه عنه، نقول لا يسقط عنك إلا إذا كان من المرأة بطيب نفس منها. وأموال الناس عموما لا تحل لنا إلا بطيب نفس قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه )[6]
/ قال (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) إذا طابت أنفسهن بشيء من المال فكلوه أنتم هنيئًا مريئًا، معنى هنيئا حين الأكل ومريئًا أي في عاقبته فإنه لن يضركم منه شيء بإذن الله .
قال الله - عز وجل - (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) أي لا تعطوا السفيه المال. وأموالكم هنا هي أموال السفهاء لكنه نسبها إلى الأولياء لأنهم هم الذين يتصرفون فيها فقال (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً). ولا يمنع أيضًا أن يكون المعنى لا تؤتوا السفيه أموالكم أنتم لأن السفهاء لا يحسنون التصرف فيها فيبذِّرونها ويضعونها في غير مواضعها. وبذلك قال كثير من السلف أن المقصود بالسفهاء هنا همّ النساء لأن المرأة في الغالب لا تحسن التصرف في المال تحسن تدبير البيت وتربية الأولاد لكن لم يخلقهن الله لكي تتصرف بالمال. لذلك وضع المال في يدها في الغالب يؤول إلى التلف والفساد، وليس هذا لكل النساء ولكنه موجو في كثير من النساء وهذا معروف بالتجربة والواقع.
قال (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء) السفيه : هو من لا يحسن التصرف في المال أو من لا يحسن التصرف أصلًأ وهو نوعان : سفيه لصغره وسفيه لضعف عقله ومنه المعتوه والمجنون وغيرهما وهؤلاء السفهاء يجب الحجر عليهم وهذا الحجر لحظ أنفسهم يعني من أجل أن نحفظ أموالهم وهناك حجر لحظ الغير وهو أن الإنسان إذا غلبت ديونه موجوداته وممتلكاته فعند ذلك نحجر عليه من أجل أن نحفظ حقوق الناس فلا يتصرف في ماله تصرفًا يضر بغرمائه.
/ قال الله (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) هذا فيه فضل المال وأن الله - عز وجل - قد جعل فيه خيرًا للناس وهو أنه تقوم به حوائجهم ويقيمون به أمور دنياهم ويستغنون به عن الناس ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح ) ، وهذا يدلّ على أن الإنسان ينبغي له أن يكتسب المال من حلّه وألا يضعه إلا في محله وأن يكون رشيدًا في التصرف في المال فلا يُبذره ولا يفسد فيه قال الله - عز زجل - (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا )[7]
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) هذه من دلالات القرآن الجميلة! قال ارزقوهم فيها ولم يقل ارزقوهم منها ليبين أن على الأولياء أن يتجروا بهذه الأموال فيكون الرزق في هذه الأموال لا منها لأنه لو كان الرزق منها لنقصت حتى تفنى فإذا كان عندك مال لسفيه أو يتيم أو ضعيف أو مجنون فينبغي لك أن تتّجِر به في المواطن الآمنة حتى تعطيه من ريع ذلك المال فلا ينفذ عليه ولا يحتاج إلى آخرين ولذلك قال (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا). وسيأتينا بعد قليل (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) إذا جئنا لنقسم مال الميت فإن الورثة يأخذون حقهم، إذا حضر معهم يتيم أو مسكين أو فقير فإننا نعطيه من هذا المال هذا العطاء ينقص من المال إذا كنا سنقسم خمسة ملايين ريال نعطيه ألفين ثلاثة ألاف، أربعة آلآف من المال الذي هو خمسة ملايين. هذا هو الفرق بين فارزقوهم فيها وارزقوهم منه.
/ قال (وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) هم سيطالبون بأموالهم، أعطونا فلوسنا، نريد مالًا فيقال لهم إن شاء الله تأخذون هذا المال إذا كثر وصرتم قادرين وتزوجتم وكلمات طيبة حتى لا يجد في نفسه حرجًا وضيقًا، وأيضًأ هذا فيه بيان أهمية القول المعروف وسيأتينا أن عملية اللسان هذه هي أعظم عملية تدار بها المعاملات مع الناس القول المعروف (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا )[8] ، سيأتينا بعد قليل عدد من الآيات تدل على القول المعروف والقول السديد وغير ذلك.
/ قال (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ) لما ذكر أن أموال السفهاء تحفظ بيّن متى تُسلم لهم فقال لا يُسلَّم المال إلى ليتيم إلا بشرطين:
الأول : إذا بلغوا النكاح بلغوا السن الذي يصلحون فيه للنكاح سن البلوغ هو أن يبلغ الخامسة عشر أو أن يُنبِت أو أن يُنزِل و المرأة إذا حاضت (إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ).
الشرط الثاني : (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا) علمتم منهم رشدًا في التصرف في أموالهم، كيف نأنس منه الرُشد؟ نختبره، فيـأتي الوليّ ويقول يا فلان هذه عشرين ريالًا اشترِ لنا بها فإذا اشترى الشيء الرخيص بثمن غالٍ عرفنا أنه لم يحسن التصرف وإذا اشترى الشيء بثمنه جرّبناه في مال أكثر فإن اشترى كذلك وعرف كيف يأخذ السلعة ويشتري الطيب دون الخبيث فعند ذلك هو مستحق لأن يُسلّم إليه ماله، قال الله (فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) والآيات من أولها إلى الآن تؤكد أن الأموال أموال اليتامى، هي ملك لهم، ولا يحق لكم منها شيء وأن ما أخذتموه منها فهو حرام عليكم بل هو نار في بطونكم.
قال (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا) أي على وجه الإسراف، لا تأكلوها على وجه التبذير، أي بدل أن تشتري له ولك طعام غداء بعشرين ريالًا تشتري بمائة ريال أو تذهب به إلى مطعم فاخر تدفع مائتي ريال! لا تأكلوها على وجه الإسراف ،ولا تأكلوها أيضًا بدارًا يعني مبادرين أن يصلوا إلى سن يرشدون فيه فلا يجدوا مالًا، تبادرون في إنهاء المال، (وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ) أي قبل أن يكبروا.
(ومن كان غنيًا) من الأولياء (فليستعفف ) أن يأخذ من أموال اليتامى شيئًا أجرة له على حفظ مال اليتيم وعلى الإتجار فيه. (وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) من كان فقيرًا وعنده مال ليتيم فليأكل من هذا المال بالمعروف يعني بما تعورف عليه ،وهذا يُقدره في العادة أهل الخبرة يقولون الأجرة في هذا كذا وكذا فلك أن تأخذ هذا المال ولا تزيد عليه.
قال (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ) لئلا يحتجوا عليكم فيما بعد فيقولوا نحن لم نستلم منكم أموالًا. (وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا) وهذا تهديد لليتيم الذي رشد وفي الوقت ذاته تهديد للولي أن يخون في هذه الأمانة.
/ قال الله مبينا مقدمة في آيات المواريث التي لم يكن العرب يعرفونها كانوا يقسمون للرجال الأقوياء ويدعون الأطفال الصغار والنساء لأنهم لا يقاتلون ولا يذودون عن العشيرة وليس بيدهم أو عليهم مسؤوليات فيأكلون المال عنهم فبيّن الله في هذه الآية أن للنساء حقًا في تركة مورّثيهم قال (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) هذا ليبين أنه هذا من شرع الله وأنه نصيب قد جعله الله لهن فلا يحل لأحد أن يحرمهن حقهن، قال (وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) يعني ممكن واحد يقول الذي تركه هذا الرجل عشرة آلآف بالكاد تكفيني أنا أصرف على من عندي!، قال (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) أكد على أنهن لهن حق في الكثير والقليل ولو مات عن ريال واحد فإن للمرأة ولهذا اليتيم حق فيه.
قال الله ـ عز وجل ـ (نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) إما معناها مقدّرًا لا يجوز لأحد أن يتعداه وإما أن يكون معناها نصيبًا واجبًا لا يجوز لأحد أن يقصّر فيه والآية تحتمل المعنيين.
/ قال الله (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) إذا حضر القسمة قسمة التركة قرابتك أو يتامى واليتيم هو من مات أبوه قبل أن يبلغ (والمساكين) وهم الفقراء وإذا أطلقت كلمة المساكين في القرآن دلت على المساكين والفقراء وكذلك إذا أطلقت كلمة الفقير في القرآن دلت على الفقير والمسكين وإذا اجتمعا دل أحدهما على معنى والآخر على معنى آخر فالفقير أشد بؤسًا من المسكين. قال إذا حضر هؤلاء القسمة (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) تطييبًا لأنفسهم يرون أموالًا تقسم هكذا من دون جهد من أصحابها ولا عناء منهم، ما الحل؟
ينبغي لنا أن ندفع ما يقع في أنفسهم من الشفاحة -كما يسميها العامة عندنا- لأنهم تتشوف نفوسهم إلى هذا المال ويرغبون به وينظرون إلى الناس يقتسمون مالًا وليس لهم منه شيء! فيقول الله ـ عز وجل ـ أعطوهم منه إرضخوا لهم. قال بعض العلماء ومنهم الشيخ السعدي في تفسيره "وهذه قاعدة في كل من حضر قسمة ليس له فيها شيء أن يعطى منها شيئًا تطييبًا لأنفسهم" وأقول حتى مع البهائم إذا كنت أنت وأولادك تأكلون فجاءت قطة ينبغي لك أن لا تدعها، خذ قطعة من اللحم وارمها لها فإن هذا يدفع ما في نفسها وهذه الحيوانات لها أنفس خبيثة كما أن الناس لهم أنفس خبيثة فتدرأ هذه النفس الخبيثة بهذه العطيّة القليلة.

/ قال الله - عز وجل - (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) وقوله (أُوْلُواْ الْقُرْبَى) يعني القرابة غير الوارثين بدليل قوله (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) لما قال القسمة دل على أن هناك من يُقسم له وهناك من لا يُقسم له وهم هؤلاء القرابة الذين لا يرثون ولا يقسم لهم. قال (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) يعني وأنت تقسم لهم قل لهم ربي يرزقكم، نحضر إن شاء الله مجلسًا ترزقون فيه خيرًا مما رُزقنا فتطيب أنفسهم بهذا الكلام ويشعرون بأن الناس يتلطفون معهم ويتحننون عليهم.
/ قال الله (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ) ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا لخافوا عليهم، لو تركوا ذرية ضعافًا لخافوا، هذا من حذف اللام في جواب (لو). فالمعنى لو تركوا ذرية ضعافًا لخافوا عليهم.
(فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) قال بعض العلماء هذه الآية في الوصية يعني إذا أراد أحدكم أن يوصي فليتق الله ـ عز وجل ـ في الوصية فلا يجور فيها يعطي أبناء هذه المرأة أو يوصي لأبناء هذه المرأة ويدع أبناء هذه المرأة أو يوصي لابنه فلان أو ابنته فلانة ويدع فلان أو فلانة، إحذر من ذلك لأن هذا مما يخالف تقوى الله ـ عز وجل ـ والقول السديد (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا)
والقول الثاني وعليه أكثر المفسرين أن من تولّى مال يتيم فليتق الله في مال اليتيم كما يحب أن يُتقى الله في أيتامه هو إذا مات، تذكر أنه سيكون لك أيتام وضعفاء من بعدك فماذا تريد أن يُصنع بهم؟ ماذا تتوقع وماذا ترغب أن يصنع بهم؟ إذا كنت ترغب أن يعدل معهم ويرحم ويلطف بهم ولا يؤكل شيء من أموالهم ماذا إذن أنت إصنع في أموال اليتامى ما تحب أن يصنع في أيتامك من بعدك. (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) أي فليتقوا الله في أموال اليتامى وليقولوا قولا سديدا.
/ قال الله - عز وجل - (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) هنا ختم الله الحديث عن أموال اليتيم بالذات بهذا الوعيد الشديد (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ) وذكر الأكل دون غيره من أنواع التصرفات لأنه الأغلب وليس معناه أن من لم يأكل، بنى أو اكتسى من مال اليتيم أنه غير داخل في الآية وإنما ذكر ذلك لأنه هو الأغلب. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) وهذا يدل على أن الأكل من مال اليتيم نوعان :
1ـ نوع بحق.
2ـ ونوع بظلم.
فالذي بحق كما قال الله (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) ومثل أن تُدخِل مال اليتيم في مالك من أجل أن تتجر ومن أجل أن لا تكثر النفقة على مال اليتيم وتشتد. فمن أكل مال اليتيم ظلما استحق هذا الوعيد (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) قال العلماء نكّر كلمة نارًا ولم يقل النار ليدل على التهويل والتعظيم والتفظيع . (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) أي سيجازون بالسعير يوم القيامة كلمة (وَسَيَصْلَوْنَ) أي يدخلون نار جهنم فيشوون بها ، يصلون بها، يصلون تدل على المعنيين الإدخال والشيّ يعني سيدخلون نار جهنم ويشوون بها سعيرا وهذه أشد آية في أمر اليتامى وقد جاء في الحديث اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها أكل مال اليتامى نسأل الله العافية والسلامة. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية المجاس الأول من مجالس التفسير في هذا اليوم نسال الله أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

----------------------------------
شعب الإيمان للبيهقي [1

سورة النساء [2]

صحيح البخاري باب الوصاة بالنساء . [3]

صحيح مسلم باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ فِى آخِرِ الزَّمَانِ.[4]

( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى ) . صحيح البخاري باب [5]

صحيح البخاري باب قَوْلِ النَّبِىِّ - - « هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ » .[6]

(27) الإسراء [7]

(53) الإسراء) [8]
مصدر التفريغ : موقع أهل التفسير بتصرف يسير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق