(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))
غريب القرآن:
افتراه = اختلقه من عند نفسه
استوى = علا وارتفع استواء يليق بجلاله وعظمته
يعرج إليه = يصعد إليه
نسله = ذريته
سلالة = وهي النطفة لأنها مستلة من جميع البدن
مهين = ضعيف، رقيق
ضللنا في الأرض = تحولنا ترابا بعد الموت
(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
قال الله عز وجل في مفتتح هذه السورة (الم) هذه من الحروف المقطعة وسبق أن ذكرنا الحديث عنها في سورة لقمان وفي سورة الروم، وغالبا ما يأتي ذكر القرآن بعد هذه السورة، فأين ذكر القرآن في هذه السورة؟ الجواب في قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب) قال الله عز وجل (الم تنزيل الكتاب) أي هذا القرآن منزل من عند الله سبحانه، (لا ريب فيه) أي لا شك أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين الخالق المالك المدير الجميع العالمين.
وفي قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) فيه دليل على أن هذا القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قاعدة ينبغي أن تستصحبوها دائما في قراءتكم للقرآن حين ورود الحديث عن كتاب الله عز وجل، أنه دائما إذا قدح الكافرون في القرآن كريم فإنهم يقدحون في من جاء به وهو النبي عليه الصلاة والسلام، والعكس إذا جاء القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقدحون فيه وبما جاء به، فالقدح في القرآن ملازم للقدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ملازم للقدح في القرآن فهما متلازمان، ولذلك الآن سيأتي الحديث لما قال الله عز وجل (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) هذا ما يتعلق بالكتاب، سيأتي الآن الحديث على ماذا؟ على الحديث على المُنزل عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) من أي لا شك أنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3))
في قوله (أم يقولون) الضمير يعود إلى من؟ الجواب يعود إلى المشركين الذين قدحوا في القرآن الكريم
(أم يقولون) أي بل أيقول المشركون أفتراه أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم أي جاء بهذا الكتاب من عند نفسه ونسبه إلى الله عز وجل كذبا، هكذا كان زعمهم في قوله (أم يقولون افتراه)، ثم سبب المجيء بالفعل المضارع في قوله (أم يقولون) لماذا لم يقل مثلا قالوا؟ لأن هذه الفرية مستمرة ومتجددة في القدح في هذا الكتاب ، وهكذا القدح في القرآن يكون فيه قدح للنبي عليه الصلاة والسلام والعكس، لأن الأمرين متلازمان.
قال الله عز وجل (أم يقولون أفتراه) أي بل أيقول المشركون اختلق هذا القرآن محمد صلى الله وسلم وأتى به من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله كذبا، ثم جاء الرد عليهم قال الله عز وجل (بل هو الحق) أي ليس الأمر كما يقول أولئك القوم (بل هو الحق) أي القرآن هو الحق، أي الصدق الثابت المُنزل إليك يا محمد من عند ربك.
قال (بل هو الحق من ربك) لماذا جيء بقوله (من ربك)؟ ولم يقل مثلا بل هو الحق من الله عز وجل، ذكر بعض أهل العلم أن الربوبية نوعان: أولا الربوبية العامة فالله عز وجل رب الخلق أجمعين إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، وهناك ربوبية خاصة وهي التي تقتضي العناية والرعاية والتوفيق، فالله عز وجل قال ( بل هو الحق من ربك) وهذا فيه اعتناء بالنبي صلى الله عليه وسلم واصطفاء له عليه الصلاة والسلام، وأيضا رفعة لشأنه، كيف يكون ذلك؟ ما وجه الاستدلال في أنه في قوله (من ربك) رفعة لشأن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإتيان بكاف الخطاب في قوله من (ربك) وهذا فيه دليل على عناية الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم.
قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ) أي لتنذر يا محمد بالقرآن وتحذر بهذا القرآن (قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ)
اختلف المفسرون - رحمهم الله - في المراد بهؤلاء القوم من هم هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ على أقوال:
القول الأول قالوا: هم كفار قريش فإنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل النبي صلى الله عليه وسلم
القول الثاني قالوا هم العرب كافة والله عز وجل قال (هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ)
القول الثالث قالوا هم أهل الفترة الذين هم بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يرِد إشكال وهو أن ظاهر هذه الآية يعارض قول الله عز وجل (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، هنا قال (لتنذر قوْما مَا أتاهم من نذير من قبلك) وجاءت أية أخرى تقول (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فكيف يجيب أهل العلم عن هذا الإشكال الظاهر؟
قال بعض أهل العلم الجواب: أنه هنا لم يأتهم نذير معاصر لهم فلا يعارض هذا قول الله عز وجل (إن من أمة إلا خلا فيها نذير)
وقيل: المراد بقوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أي هم محتاجون إلى الإنذار لكونهم لم يتقدم من ينذرهم. هذا اشكال.
ثمة إشكال آخر وهو يتعلق بالقول الثالث في المراد بالقوم، يتعلق به إشكال، أهل الفترة الذين بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام هنا إشكال وهو قوله سبحانه وتعالى (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) هل هذه تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل بالنذارة فقط للعرب أو لأهل الكتاب أيضا؟ فإن أهل الكتاب قد جاءهم نذير فكيف يكون قوله عز وجل (لتندر قَوْما ما أتاهم من نذير من قبلك) وأهل الكتاب قد أتاهم نذير قبل النبي عليه الصلاة والسلام فهل تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب؟ الجواب: لا ، كيف إذا تدفع الإشكال؟
نقول هذا التخصيص في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) لا يوجب نفي من عداهم لكن يُوجه قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أنهم هم أولى الناس بالنذارة من غيرهم.
الجواب الثاني: قالوا في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يدخل فيه أهل الكتاب، لماذا؟ قالوا لأن أهل الكتاب بعد رسولهم عيسى عليه السلام قد ضلوا ولم يأتهم نذير فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين وإلى العرب وغيرهم.
قال الله عز وجل (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) أي من قبلك يا محمد (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لعلهم يعرفون الحق ويؤمنون به ويتبعون هذا الحق الذي جئت به يا محمد.
قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وهذا فيه فائدة: أن القرآن طريق إلى الهداية، وأن من تمسك بالقرآن فقد اهتدى قال الله عز وجل (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2))، وقال سبحانه وتعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رب لم حشرتني أعْمَى وقد كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذلِك أتَتكَ آيَاتُنَا فَنسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126))
(اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما في ستة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم من دونه من ولي ولا شَفِيعُ أَفَلا تتَذَكَّرُونَ (4))
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (الله الذي خلق السموات والأرض) أي الله سبحانه وتعالى الإله المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين وما بينهما في ستة أيام وهذا يسمى عند أهل العلم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، لأن الكفار مقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض الله (ولئن سألتهم من خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْض ليقولن الله) فهذه الآية فيها تعريض بهؤلاء الكفار، فكأنه قيل لهم ألستم مُقرين بأن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الله؟ الجواب نعم، إذا فهو المستحق للعبادة، وهو الإله المعبود الذي يستحق العبادة ولا تُصرف العبادة إلا له ، ولذلك بدأ بلفظ الجلالة هذا الاسم العظيم (الله الذي خلق السموات والأرض) لو قيل: الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام الله، صح لكن هنا قُدم لتعظيم هذا الأمر.
قال الله سبحانه وتعالى (الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوتِ وَالْأَرْض وما بينهما) يعني من الخلائق على أن في السماوات خلق وفي الأرض خلق وبين السماء والأرض خلق الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في سنة أيام وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد وتنتهي يوم الجمعة .
قال الله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السموات) السبع، (والأرض) والأرضين، (وما بينهما في ستة أيام) هنا سؤال قد يرد على الأذهان وهو ما الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع أن الله عز وجل قادر على أن يخلقها في طرفة عين؟ فلماذا كان خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟
قال بعض أهل العلم: في ذلك دليل على حكمة الله عزوجل ولطفه وتدبيره، وأيضا فيه تعليم للناس وتنبيه على التأني في الأمور، وأن لكل شيء أجلا، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل والخلق يسألون.
قال الله عز وجل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) أي ثم علا وارتفع سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، وهذا فيه دليل على أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض.
قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي ولا شفيع. هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المخاطببين في قوله (ما لكم من دونه) على قولين:
القول الأول: قالوا الخطاب هنا للكافرين أي ما لكم أيها الكافرون من دون الله من ولي ولا شفيع.
القول الثاني: قالوا المراد به عموم الناس.
قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ) أي ليس لكم من دونه، الضمير في قوله (من دونه) يعود على من؟ على (الله) عز وجل أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي.
هنا في قوله (من ولي) هذه (مِن) يسميها العلماء مِن مزيده أو صلة لماذا جاء بها؟ جيء بها للتوكيد وتقدير الآية ليس لكم سوى الله عز وجل ولي يتولى أمركم وينفعكم ولا شفيع يشفع لكم عند ربكم، لأن الإنسان في نصرته يتحقق فيه أمران: إما أن يكون هناك من ينصره، وإما أن يكون هناك من يشفع له فنفى الله عز وجل الناصر والشفيع.
قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) ما تعلمونه من أن الله عز وجل هو الخالق وحده الذي خلق السماوات والأرض واستوى على عرشه، وأنه لا حجة لشيء مما أشركتموه به فإن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة وهو الذي ينبغي أن تصرف له العبادة، فهو الإله الحق المعبود، وهذا معنى تحقيق قول لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله.
قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5))
قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي يدبر الله عز وجل أمر خلقه بما يشاء، وما المراد بالأمر في قوله (يدبر الأمر)؟
هل المراد به الأمر القدري الكوني أو المراد به الأمر الشرعي؟ الجواب كلاهما مراد ، الأمر الكوني القدري الذي هو مقادير الناس وخلقهم وأرزاقهم ...الخ ، والأمر الشرعي الذي هي الشرائع والفرائض والنوافل ....الخ ، فالمراد بهما هنا الأمر الشرعي والأمر الكوني القدري.
قال الله عز وجل (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي فينزل تقديره سبحانه وتعالى وقضاؤه من السماء إلى الأرض.
ثم قال بعد ذلك (ثم يعرج إليه) أي ثم يصعد إليه من الأرض إلى السماء، وفي قوله (ثم يعرج إليه) دليل على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، لأن العلو يكون من فوق إلى أسفل، فدل ذلك على علو الله سبحانه وتعالى.
ثم هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في الذي يعرج إليه أي الذي يصعد ما هو؟ في قوله سبحانه وتعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه)، ما الشيء الذي يصعد إليه؟ اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
القول الأول: قالوا المراد به المَلك الذي ينزل بالأمر، أي يعرج الملك إليه بعد نزوله بالأمر يصعد مرة أخرى.
القول الثاني: المراد به الأمر الذي سبقت الاشارة إليه في قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي ثم يصعد الأمر إليه.
قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)) أي في يوم كان مقداره ألف سنة مما تحسبون من أيامكم في الدنيا، وهنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بقوله (في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ) على أقوال أوصلها بعضهم إلى خمسة أقوال أصحها وأرجحها: أن المراد به في قوله (في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِما تَعُدُّونَ) أي الأمر ينزل من السماء إلى الأرض ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد وقدر ذلك اليوم ألف سنة مما يحسبه الناس، كيف يكون؟ قالوا لأن ما بين الأرض والسماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك فذلك ألف سنة، يعنى الأمر ينزل ويصعد في ألف سنة، هذه أصح الأقوال، ثمة أقوال ضعّفها بعض أهل العلم لأن بعضها لا يحتمل السياق، وبعضها مبني على روايات ضعيفة. فهذا أصح الأقوال وهذا اختيار الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله.
(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))
(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6))
يقول ربنا جل وعلا (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) اسم الإشارة في قوله (ذلك) يعود إلى الله سبحانه وتعالى أي ذلك الإله العظيم الشأن العالي القدر الذي فعل ما وصف من الآيات السابقة، هو عالم الغيب والشهادة.
في قوله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..) الآيات قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي هو الله سبحانه وتعالى، وجيء باسم الإشارة هنا بعد تلك الأمور التي وصفها الله عز وجل في الآيات التي قبل في قوله (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما..) إلى آخره، جيء بعد تلك الأشياء التي وصفها الله عز وجل لها قبل جاء باسم الإشارة هنا للتنبيه على أن المشار إليه باسم الاشارة وهو الله عز وجل حقيق بما يرِد بعد اسم الاشارة في قوله (عالم الغيب والشهادة).
قال سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ) أي عالم بكل ما غاب عن خلقه، والغيب نوعان:
/ غيب مطلق وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى
/ والنوع الثاني غيب نسبي وهو ما يكون غائبا عن شخص غير غائب عن شخص آخر
والله سبحانه وتعالى يعلمهما يعلم الغيب المطلق والغيب النسبي.
قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الشهادة المقصود بها كل ما هو مشاهد أو مدرك من خلقه، وهنا سؤال: لماذا قدم الغيب على الشهادة؟ لماذا لم يقل ذلك عالم الشهادة والغيب، فبدأ بالأمر المشاهد ثم بالأمر الذي يغيب عن الخلق؟
قال أهل العلم: قدم الغيب هنا على الشهادة لأنه أقوى وأشد في التنبئة عن كمال العلم - كمال علم الله سبحانه وتعالى - فإذا كان عالما بالغيب فمن باب أولى أن يكون عالما بالشهادة.
قال هنا سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) العزيز: أي العزيز الغالب القاهر المُنزه عن كل عيب ونقصص عظيم القدر سبحانه وتعالى الرحيم بعباده. وهنا سؤال: لماذا جيء باسم الرحيم؟ دائما ما يقترن اسم (العزيز) باسم (الحكيم).
قال أهل العلم: جيء باسم (الرحيم) لأن الله عز وجل رحيم بعباده، فهو يرسل الرسل وينزل الكتب رحمة بعباده وهذا من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى إنزال الكتب إرسال الرسل إقامة الحجة هذه كلها من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى.
قال بعض أهل العلم: في هذه الجملة في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الكلام هنا فيه معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازيكم عليها في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7))
ثم قال بعد ذلك جل ذكره (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) (الذي أحسن) أتقن خلق كل شيء واحكمه سبحانه وتعالى، وفي مفردة (خَلَقَه) قراءتان، فإن القراءات - كما مرّ معنا آنفا في أكثر من موضع من المواضع التي تدارسنا فيها السور - أن القراءتين بمنزلة الآيتين، كل قراءة تُحمل على أنها آية ويكون لها معنى.
هنا قال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) في مفردة (خَلَقَهُ) قراءتان:
القراءة الأولى بفتح اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) وهذه قراءة نافع والكوفيين.
القراءة الثانية بإسكان اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ ) وهذه قراءة الباقين.
/ قراءة الفتح في قوله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) قال بعض المفسرين لها معنيان:
المعنى الأول: بمعنى أتقن كل شيء وأحكمه.
المعنى الثاني: بمعنى حسّن، أي الذي حسّن خلق كل شيء
/ أما قراءة الاسكان (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ ) قالوا أي أعلم كل شيء خلْقه أي: أنهم خلقهم وما يحتاجون إليه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)
/ ثم قال بعد ذلك جل ذكره (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) وهنا سؤال وهو: أليس الإنسان من الخلق وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى (الذي أَحْسَنَ كُل شيء خلْقه) أو (خلَقه) على القراءتين؟ الجواب: بلى.
فلماذا خصّ الإنسان بالذكر هنا؟
قال أهل العلم: خصّ الإنسان بالذكر هنا من باب أن هذا المخلوق هو من أشرف المخلوقات، أشرف المخلوقات في الحيوانات هو الإنسان والله عز وجل قال (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا).
قال (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) ما المراد بالإنسان هنا ؟ هل يُراد به آدم عليه السلام أو يراد به جنس الإنسان؟ قولان لأهل العلم هنا. تنبيه: الضمائر لا بد من ترتيبها في الآية. فأحيانا قد يرِد إشكالات لابد أن ننتبه لها. قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا المراد به آدم عليه السلام، والمعنى: وخلق آدم أبا البشر من طين هذا المقصود.
القول الثاني: قالوا المراد بالإنسان هنا الجنس البشري أي وابتدأ خلقه الذي هو أصله آدم عليه السلام.
ننتبه بعد ذلك على ترتيب الضمائر على هذين القولين.
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8))
قال (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ثم جعل الله نسل هذا الإنسان - على الخلاف السابق - آدم عليه السلام أو جنس الإنسان. قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ولده، والنسل مأخوذ من الانفصال عن الشيء ولذلك سمي هذا نسله، قال (ثم جعل نسله) أي الإنسان (جعل نسله) يعني ذريته - ذرية آدم - على القول بأنه آدم، أو الإنسان جنس الإنسان. (ثم جعل نسله من سلالة) السلالة مأخوذة من السَلّ وهو: استخراج الشيء من الشيء، فكأن المعنى (ثم جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سلالة) أي مستخلصة من ماء والمقصود بالماء هنا المني.
قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) ما معنى مهين هل يراد به أنه ضعيف؟ أو يراد به مهين يعني ممتهن؟ ما المراد به؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: قالوا المراد من ماء مهين يعني ضعيف، ووصف الماء - المني هذا - بأنه ضعيف، قالوا لأنه لا يسيل سيلان الماء فهو يسير ببطء، وهذا وجه الضعف فيه.
القول الثاني: قالوا المقصود بـ (مهين) هنا يعني ممتهن لا يعبأ به ، والغرض من هذا الوصف ماذا؟ في وصفه كونه ضعيف أو ممتهن؟ هو التنويه إلى عظمة التكوين هذا الجنس المكتمل العجيب، فإذا رأيت الشخص الممتلئ قوة ونشاطا ونحو ذلك ورأيت أصل خلقِه دل ذلك على عظمة الخالق جل وعلا قال الله عز وجل (ألم نخلفكُم مِّن مَاء مَّهِينٍ (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، وقال (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نحنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بمسبوقين (60)) الآية
أي القولين هنا مراد في قوله مهين هل هو ضعيف أو ممتهن؟ الجواب: كلا القولين مراد فهو ماء ضعيف وماء ممتهن.
/ (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
قال الله سبحانه بعد ذلك (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى آدم أو الإنسان؟
إذا جعلت الضمير في (وبدأ خلق الإنسان) لآدم تجري الضمائر على آدم، وإذا جعلت الضمير على الإنسان على جنس الإنسان تجري الضمير على جنس الإنسان.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) هنا الإشكال: يعني هل آدم خلق من طين ثم جاء نسله بعد ذلك، ثم بعد ذلك نفخ فيه الروح؟ الجواب: لا، الإشكال: أولا خلق آدم من طين ثم نفخ فيه الروح ثم بعد ذلك جاء نسله، هنا في الآية أنه خلق الإنسان من طين ثم بعد ذلك جعل نسله ثم بعد ذلك سواه ونفخ فيه من روحه ، هنا الترتيب في قوله (ثم) ليس المقصود به ترتيب الأحداث إنما هو مجرد الأخبار والذكر فقط .
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) يعني إذا كان قلنا الضمائر لآدم، لكن إذا كان الضمائر جنس الإنسان فالأمر مستقيم.
(ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير هنا من يعود إلى آدم أو إلى جنس البشر، وأنت تستطيع بعد ذلك أن تُركب الأقوال على عود الضمائر.
قال(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ثم جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا كما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بربك الكريم (6) الذي خلقك فَسَوَّاكَ فَعَدلك (7)) في قراءة عدّلك.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا،(وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) أي وجعل فيه الروح فصار حيا، وهذا إذا قلنا على أن القول هذا المراد به جنس الإنسان، إذا المراد به آدم فإن الله قد نفخ فيه من روحه، وفي قوله من روحه الإضافة ماذا؟ إضافة المخلوق لخالقه أن الروح مخلوقة وخالقها هو الله عز وجل، وهنا من باب التشريف.
المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان:
النوع الأول: إضافة صفة إلى موصوف كصفة السمع والبصر وغيرها الله عز وجل
والنوع الثاني: إضافة مخلوق إلى خالقه كبيت الله عز وجل، وناقة الله، ورسول الله، ونحو ذلك. وهذه الإضافة تقتضي التخصيص والتشريف كما هنا في قوله ونفخ فيه من زوجه يعني جعل فيه الروح فصار حيا..
/ ثم قال سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ) وهنا فيه تغيير في الأسلوب يُسمى الالتفات لأنه كان يتكلم عن شيء غيب، من أسلوب الغيب إلى أسلوب الخطاب، كان يتكلم عن (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ ) كان تقدير الكلام أن يقال وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، هذا تقدير الكلام فقال هنا (وَجَعَلَ لَكُمُ) لماذا جيء بهذا الأسلوب الالتفات؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة.
قال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) لتسمعوا به الأصوات (وَالْأَبْصَارَ) لتبصر بها المبصَرات، (وَالْأَفْئِدَةَ) التي هي القلوب لتدركوا بها المعقولات، وهنا سر بلاغي جميل وهو أنه وحّد السمع فقال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) والأبصار والأفئدة جمعها، فلماذا وحّد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؟
قال أهل العلم وحّد السمع هذا لأنه مصدر فالسمع هو قوة واحدة، ومحلها واحد وهو الأذن ولا اختيار لصاحبها فيها، بخلاف البصر فإنه يستطيع أن يدرك بالزوايا ونحو ذلك، أما السمع فلا، ولذلك جمع البصر والفؤاد لأن للإنسان فيها اختيار، وهنا استدل بعض أهل العلم بالمفضلة في أيهما أفضل السمع أو البصر؟ الجواب: الأفضل السمع فإن الإنسان بالسمع يدرك العلوم ويفقه ويفهم ويعقل بخلاف لو كان أصم فإنه لا يستطيع أن يدرك ما يدركه السميع، لو كان الإنسان أعمى فإنه يدرك ويفهم ويصل إليه الخطاب، ويستطيع أن يتعامل وهكذا، فالسمع أفضل هنا قدمه لأنه أفضل لصاحبه فإنه تدرك به الحُجّة ولذلك يقول أهل العلم: السمع منفذ إلى القلب.
قال الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
هنا سؤال في قوله (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) يعني قليلا شكركم هل المراد بالقليل على أصله فعل القليل، أو يراد به المعدوم يعني الشيء الذي لا يوجد؟ قولان لأهل العلم:
/ القول الأول: قالوا المراد بقوله (قليلا ما تشكرون) أي أنتم مع ما أنعم الله عز وجل عليكم به من هذه النعم المتوافرة الكثيرة شكركم قليل، والشاكر من العباد قليل كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله (وقليل من عبادي الشكور)
/ القول الثاني: قالوا بل المقصود به هنا (قليلا ما تشكرون) أي لا تشكرون الله عز وجل على هذه النعم، فهنا جعله منزلة المعدوم فإنهم لم يستعملوا هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى.
(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ثم قال بعد ذلك (وقالوا) الضمير يعود إلى من في قوله (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)؟ إلى المشركين المنكرين للبعث.
قال سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا) واستفهامهم هنا هل هو استفهام على بابه استفهام حقيقي؟ الجواب: لا ، استفهامهم هذا استفهام استنكار وتعجب واستبعاد أيضا للبعث، (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا) أي بمعنى ذهبت أجسادنا وتفرقت لحومنا وعظامنا وغابت في التراب، وصارت مثل التراب بحيث لا تتميز هذه الأعضاء وهذه الأجساد التي كانت في التراب بعد أن صارت ترابا يفرق بينها وبين التراب، قالوا (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) هذا من شدة إنكارهم جاؤوا بـ (في) الظرفية يعني كأنهم التراب والأرض شيء واحد،(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) يعني هل سنعود أحياء بعد تلك الحال؟ بعد أن خالطنا التراب وصرنا ترابا نعود أحياء بعد ذلك كما قال الله سبحانه وتعالى (وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ قَوْلهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقِ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأولئك الأغلال في أعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فهم مستبعدون لقضية البعث، والله عز وجل قد ردّ عليهم في أكثر من موضع بأكثر من حجة.
قال الله عز وجل هنا (بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) هنا (بل) يسمونها للإضراب يعني ليس الأمر كما يقولون هم، فهؤلاء لا يجحدون بقدرة الله عز وجل، يجحدون ماذا؟ يجحدون لقاء ربهم للحساب والبعث وإلا فالذي كان قادرا على بدء الخلق قادر على إعادته مرة أخرى كما قال الله سبحانه وتعالى (أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ) قال سبحانه وتعالى (وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ) في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فهو هين على الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) الإنسان بقدر بعده عن الآخرة بقدر تجاسره على المعاصي، فإذا الإنسان غفل عن البعث والجزاء فإن يكون مقدما على المعاصي تاركا للطاعات والعكس.
(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُم)
قال هنا سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم) الخطاب لمن ؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) (يتوفاكم) مأخوذة من الاستيفاء يعني يستوفي ملك الموت الذي وكله الله عز وجل أرواحكم، فلا يترك منكم أحدا (إنك ميت وإنهم ميتونَ) و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) هذه حقيقة لا مفر منها
الموت باب وكل الناس داخله = يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
الدار دار نعيم إن عملت بما = يرضى الإله وإن قصّرت فالنار
فهذه حقيقة لابد أن يدركها الإنسان أنه يوما ما سيذوق الموت لا محالة
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته = يوما على آلة حدباء محمول
ولكن ليست المصيبة في الموت ، المصيبة فيما بعد الموت.
قال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) من هو ملك الموت هذا؟ لم يرِد في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام تسمية هذا الملك، لكن ورد في بعض الروايات الإسرائيلية أن هذا الملك اسمه عزرائيل معناها عبد الله، لكن لم يرد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية هذا الملك.
قال الله عز وجل هنا (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) هنا فيه إشكال، الإشكال أنه في هذه الآية أسند الموت إلى المَلك فقال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وجاء في آيات أخرى أنه أسند ذلك إلى الملائكة فقال (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وجاء في آية أخرى أنه أسند هذا التوفي إلى الله سبحانه وتعالى فقال الله سبحانه وتعالى (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) فكيف نجيب عن هذا التعارض الظاهر؟ قال أهل العلم: أما إسناد التوفي إلى الله سبحانه وتعالى في قوله (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) فهذا إسناده إلى الله سبحانه وتعالى لأن كل شيء كائن لا يكون إلا بقضاء الله وقدره وأمره سبحانه وتعالى وملك الموت لا يقبض روح أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فهو المتوفي حقيقة ، هذا إسناد التوفي إلى الله سبحانه.
إسناده إلى الملائكة في قوله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكة) أن لملك الموت بأعوان من الملائكة فإنهم يأخذون هذه النفس حتى يصلون بها إلى الحلقوم ثم بعد ذلك ينتزعها ملك الموت، وأما اسناده إلى ملك الموت فهو الملك المباشر والمأمور بقبض الأرواح.
قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)
طبعا هناك مسائل خلافية في ملك الموت وهل ملك الموت هو الذي يقبض أرواح بني آدم هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بقية المخلوقات كالجن وكالحيوانات وإلى آخره، الكلام هذا ليس هذا محله لكن هو ملك الموت الذي يقبضه الأرواح هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بني آدم وغيره هذا الصحيح.
قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) في الآية تقديم وتأخير كيف سيكون نظام الآية في قوله (ثم إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) سيكون تقدير الآية ثم ترجعون إلى ربكم، لماذا جيء بالتقديم والتأخير؟ في الأصل ثم ترجعون إلى ربكم، قال (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) هذا من باب التنبيه والتحذير، وأن الإنسان محاسب ومجزي، في قوله (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي ثم أنتم بعد موتكم تردون أحياء يوم القيامة ثم ترجعون إلى ربكم سبحانه وتعالى فيجازيكم على أعمالكم، وهذا فيه تنبيه على أن الإنسان يُحسن عمله، لأنه راجع إلى ربه وسائر إليه، ومسؤول عن ما عمله في هذه الدار.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك اللهم نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها ، سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يتدارسونه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق