/ قوله تعالى (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ)
تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلى النار؟ إلا أنه حذف الجواب لظهوره، وفيه تربية على أن طريق الإيمان بالقرآن وطريق الكفر به لا يستويان، فالذى يؤمن به يؤمن بالتوراة وبكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، والذي يكفر به يعتبر كافرا بكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، وهذا واضح في الدلالة على وحدة الدين الإسلامي فهو دين كل الآنبياء.
- (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ) وهذا يعُم جميع من هو على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه.
فالبينة: العلم النافع، والشاهد الذي يتلوه: العمل الصالح، وذلك يتناول الرسول ومن يتبعه إلى يوم القيامة، فإن الرسول على بينة من ربه ومتبعيه على بينة من ربهم.
وقال في حق الرسول (قل إني على بينة من ربي) [الآنعام: ٥٧] وقال في حق المؤمنين (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) [محمد: ١٤]
قال أُبيّ بن كعب وغيره: « هو مثل نور المؤمن وهو نوره الذي في قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع والعمل الصالح وذلك بيّنة من ربه، فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بيّنة من ربهم وبصيرة وهدى ونور وهو الإيمان الذي في قلوبهم، والعلم والعمل الصالح. وقد قال الحسن البصري (أفمن كان على بينة من ربه) قال: المؤمن على بيّنة من ربه»(١)
/ في الآية تربية على أن المطلوب في الإيمان هو الجزم واليقين ولا يقبل الله الظن لأنه من المرية وهي الشك.
وفيها تربية على أن أكثر الناس لا يؤمنون فهي سنة الله في خلقه وما ينبغي أن تؤثر في إيمان المؤمنين ما دامت سنة من سنن الله، وما ينبغي للمؤمن أن ينخدع بكثرة الهالكين.
- في قوله تبارك وتعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ) مقدر وهو: خير أم ذلك الذي على ضلالة وكفر وإعراض وتخرص وجهل وقول على الله بلا علم؟
/ تخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر لأن جميع أهل الكتاب مجتمعون على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به حجة على الفريقين أولى.
/ (وَمَن یَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ ) قال أبو أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: « كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه في القرآن، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله، قال: وقلما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقا في القرآن حتى وجدت هذه الآية (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) قال من الملل كلها.» (٢)
/ (وَیَبۡغُونَهَا عِوَجࣰا) هذه الآية بعموم لفظها تصدق على كل من صد عن سبيل الله عز وجل ومن ضلل الناس بكتاباته وضاق ذرعا بشرائع الإسلام فلبّس على الناس وشككهم في دينهم وضللهم وأغراهم بالفساد والشر والمنكر ودعا المرأة إلى التمرد والاختلاط ومزاحمة الرجال ونزع الحجاب واستهزء بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وجمعيات التحفيظ والحفظ لكتاب الله والدعاة إلى الله تبارك وتعالى.
/ الفرق بين كلمة الخاسرين والأخسرين:
أن الأخسر أفعل تفضيل أي أنه قد بلغ في الخسران غايته
وأما الخاسر فليس كذلك ولهذا جاء بضمير الفصل (هم) بين طرفي الكلام في قوله (هم الأخسرون) لأن ذلك يفيد تقويته، ودخول (أل) يدل على أنهم حققوا الوصف الكامل من الخسارة.
/ قوله تعالى (إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخۡبَتُوۤا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ)
لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحوال الكافرين الجاهلين البالغين أقصى غايات الخسارة ذكر مقابلهم الذين بلغوا أعلى درجات السعادة لأن النفوس تشرئب عند سماع حكم شيء إلى معرفة الحكم ضده وفيها ترغيب بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى الله تعالى من خلال الوعد بدخول الجنة والخلود فيها.
/ ذكر الإخبات مع الإيمان والعمل الصالح والإخبات من جملة الأعمال الصالحة لأنه لا يخلو من أن يكون عملا يتصل بالقلب أو يتصل بالجوارح وفُسر الإخبات بالإنابة، وفُسر بالخضوع، وفسره كثيرون بالخشوع، وفُسر بالسكون وهي معان متقاربة.
ثم ذكرت الآيات قصص بعض الآنبياء مع أممهم وقد اشتملت هذه القصص هنا على زيادات عنها في سورة الأعراف وأبرزت أفكار معاني جديدة تنسجم مع موضوع السورة، ففي هذه القصص شواهد واقعية لصفات الفريقين اللذين مثلت لهما الآية في قوله تعالى (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلها أفلا تذكرون) فقد أظهرت التباين الواضح بينهما في السلوك والمصير كما دلت على أن مسؤولية الإنسان عمله تمتد من الدنيا إلى الآخرة وأن ما يترتب عليها من جزاء قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، فضلا عما فيها من تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ومواساة لهم وهم يواجهون عناد المشركين وجحودهم. كما أن فيها تأكيدا لصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وصحة نبوته في إخباره عن المغيبات الماضية من وقائع الأمم وأحداث التاريخ.
استولت على عقول قوم نوح ثلاث شبهات أدت بهم إلى نتيجة سيئة وهي اتهام النبي نوح عليه السلام بالكذب وهذه الشبهات هي:
/ أنه بشر مثلهم كونه ما اتبعه إلا أراذل من القوم.
/ قوله تعالى (وما نرى لكم علينا من فضل) أي لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل، ولا في رعاية المصالح، ولا في قوة الجدل، فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات.
واعلم أنهم عابوا نبيهم بما ليس عيبا فيه:
/ فأما كونه بشرا فهكذا يكون النبي حتى يستطيعون الاقتداء به ولو كان ملكا لقالوا لا طاقة لنا باتباعه.
/ وأما كون اتباعه من الضعفاء والفقراء وليس من الأقوياء والأغنياء فلا ذنب له في ذلك إنما هو داعية إلى الله ومن آمن به كان عليه قبول إيمانه والتعامل معه على هذا الأساس وهذا إذا اعتبرنا ضعف الفقر عيبا وهما ليسا كذلك.
/ وأما قولهم أنه لا فضل للمؤمنين عليهم فباطل لأن الإيمان يرفع الناس درجات والكفر يخفض الناس درجات ولكن القوم جاهلون وجاهليون لأنهم يرون الكفر بالله الخالق والتكذيب بالنبوة الهادية فضلا ورفعة ومرتبة.
/ قوله تعالى: (وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِینَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِیَ ٱلرَّأۡیِ)
كل دين أول من يدخل فيه يوم الضعفاء، لأن الضعفاء غالبا مضطهدون من الوجهاء والأعيان، فيكون هؤلاء الضعفاء في أحوج شي إلى من يأتي ويغير الحال الذي يعيشونه فإذا جاء الأنبياء بالصلاح وغيروا النظم الاجتماعية القائمة على الظلم والقهر في أقوامهم كان هؤلاء الضعفاء أول من يتبعهم.
سمع نوح عليه السلام إلى جميع أقوالهم وتركهم يُدلون بكل ما لديهم مما يدل على ثقته عليه السلام بنفسه، وعلمه بقوة حججه ولما انتهى القوم من كلامهم بادر عليه السلام إلى ردها.
/ (قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَءَاتَىٰنِی رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّیَتۡ عَلَیۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَـٰرِهُونَ)
فيه رد على الشبهة الأولى التي أوردها قوم نوح عليه السلام وهي (ما نراك إلا بشر مثلنا).
- وفيه تربية على أن الأساس في الضلال هو الجهل وعدم الإبصار بالعين والقلب.
- وفيه تربية على أن النبوة رحمة للناس، وفيه تربية على أنه لا إكراه في الدين.
/ (وَیَـٰقَوۡمِ لَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِیَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ)
فيه تربية على أن من علامات الإخلاص في الدعوات هو ألا يكون للداعية مطمع في أموال الناس أو نسائهم أو الوجاهة والسلطان فيهم لأشياء شخصية بحتة.
"فيؤخذ من هذه الآية ونظائرها:
أن الإنسان ينبغي له ان يدعو إلى الله عز وجل ولا يأخذ في مقابل دعوته لهم شيئا من الأجر. ويوجد في بعض البلاد الأعجمية في كل مسجد صندوق للدعوة تقوم عليه لجنة من المسجد لشؤون المسجد فيؤتى أحيانا ببعض الدعاة ممن يرتاحون له لأنه يذكر لهم بعض الأشياء الطريفة أو القصص أو الحكايات وما أشبه ذلك فيجلس معهم ساعة أو نحو ساعة بأكثر من ألفي دولار مع أنها بلاد فقيرة جدة متوسط داخل الإنسان فيها ما يصل إلى ثلاثمائة ريال فيجلس معهم ساعة أو نحو ساعة بأكثر من ألفي دولار مع أنها بلاد فقيرة جدة متوسط داخل الإنسان فيها ما يصل إلى ثلاثمائة ريال وللأسف الشديد ابتُلينا بشيء من هذا فتجد الدرس الواحد أو المحاضرة تباع بأربعمائة ألف ريال، وربما يذهب الواحد مع حملة بمائة ألف، ومثل هذا المفروض أنه لا يقع مهما تأول الناس في هذا هذه الأشياء ومن ذلك فعل ومن فعل ذلك فثقوا تماما أن الكلمات تخرج ميتة من فمي ويذهب النور الذي على كلامه ولا ينتفع الناس بما يقول إطلاقا"(٣)
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة إن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانا من غير أخذ عوض عن ذلك وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي والروياني في مسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: «علمت رجل القرآن فأهدى لي قوسا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أخذتها أخذت قوسا من نار) فردتها (٤) ......» وذكر عدد من الأحاديث حتى قال هذه الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليه».
قال الشيخ خالد السبت في تعليقه على المصباح المنير:
« وكل الأحاديث الواردة في هذا لا تخلو من مقال ولهذا ذكر عامة أهل العلم أن ما أخذه الإنسان من غير استشراف نفس فلا إشكال فيه وإنما الإشكال في الاشتراط، ومسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ألّف فيها بعض أهل العلم رسائل مستقلة، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه يجوز ذلك للمصلحة - يعني مصلحة التعليم- وإذا كان الإنسان منقطعا لهذا الغرض ولا يجد بدا من هذا، والعلماء رحمهم الله حتى الذين منعوا كالحنفية وتشددوا في هذا المتأخرون منهم لانو في هذه المسألة، فلا ينبغي للإنسان أن يشرط هذا فإن أعطي وكان محتاجا أخذ وأن كان مستغنيا فلا يأخذ حتى في تعليم الحديث ونحو ذلك وقد تكلم بعض وأهل العلم ولمز من كان لا يحدث ألا بمقابل لفقره»
/ ( وَمَاۤ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ۚ )
فيه جواب على الشبهة الثانية من الشبهات التي أوردها قوم نوح عليه السلام وهي قولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)
/ (اللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا فِـي أنْفُسِهِمُ)
المراد أنه أعلم بهؤلاء أنهم أهلٌ لقبول الحق واتباعه لما فيهم من التجرد بخلاف هؤلاء من أصحاب الرئاسة فهم يحسبون حسابات طويلة لما يفوتهم بسبب اتباع الحق من ذهاب رئاستهم وأموالهم، ومن جملة الأمور التي يرُد الإنسان بها الحق أن يكون له في الباطل شهرة ومعيشة فهو لا يريد أن تذهب عنه هذه الشهرة والأضواء والنجومية ويصير في النهاية آخر الناس، كان مغنيا، مهرجا، ممثلا، مخرجا، فنانا، لاعبا، فإذا تاب وصلح حاله واستقام ستبقى المؤهلات الحقيقية، ماذا عنده من العلم والعمل؟ متخرج من رابع ابتدائي فيبقى في المحل الطبيعي، فهو يحسب حساباته من أين يأتيه الدخل والأموال والملايين والسيارات والهدايا والعطايا من أين تأتيه وربما ما يصلح يوزع إعلانات، ما عنده شيء، لا يحسن القراءة، فمن الناس من يكون له في الباطل شهرة ومعيشة فيرُد الحق بسبب هذا، فهؤلاء من أصحاب الرئاسة والملأ رأوا أنهم إذا اتبعوا الحق سيستوون مع هؤلاء الضعفاء، وستذهب عنهم الأموال والرئاسة، ولذلك تجد كبار شيوخ الطرق الصوفية الذين سخّروا الناس في قطاعاتهم أو في مصالحهم أو يأخذون منهم أموالا، وهكذا شيوخ الطوائف كالرافضة وغيرهم يأخذون من الخُمس ونحو هذا، هذا إذا اتبع الحق ستذهب هذه الأشياء كلها وقد لا يجد له وظيفة بألفين وخمسمائة ريال، تذهب كل هذه الأشياء بعدما كان عالما معمما إذا رجع إلى الحق، سيبقى من أجهل الناس في دين الله عز وجل، يحتاج يتعلم الحروف الهجائية ويقرأ القرآن ويحفظ ويتعلم الأربعين النووية ويتعلم الأحاديث والمتون يبدأ من الصفر فهو ما عنده استعداد .
/ (قالوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدَالَنا )
الجدال - الحوار- من الدّين ومشروع من أجل بيان الحق والدعوة إليه لأن الذين أنهوا الجدال هنا هم قوم نوح عليه السلام وليس نوح نفسه، بل لما أوردوا الشبهات على دعوته شرع في الجدال - الحوار - لدحض هذه الشبهات والرد عليهم، وبيان الحق ودعوة قومه إليه، ولكن القوم قطعوا الجدال واستعجلوا العذاب تشكيكا ونفيا لوقوعه.
/ (وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا)
أمر تعالى رسوله عليه السلام بصناعة الفلك وهي وسيلة النجاة وفي ذلك تربية على الأخذ بالأسباب فإنه تعالى قادر على نجاة قوم نوح بقوله (كن) ولكنه أمر بصناعة السفينة لتعليمنا الأخذ بالأسباب.
/ الاستهزاء عقبة من عقبات الدعوة إلى الله تعالى، والدعاة إلى شرع الله وسنته يلاقون الاستهزاء والسخرية وتلك سنة باقية إلى يوم الدين.
/ (وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ )
الثقة بالنفس والإيمان بالدعوى يبث القوة في الداعية ويدّعم موقفه أمام الآخرين، فهؤلاء الكفار يسخرون منه عليه السلام وأصحابه حين يرونهم يصنعون السفينة، فيرد عليهم نبي الله نوح إن كنتم الآن منا تسخرون فنحن نسخر منكم الآن وحين تقع الواقعة ويحين هلاكم.
/ (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنور)
« أي فار الماء من تنور الخبز، أي أُخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار، روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب»(٥) وهو دليل على كمال قدرة الله تعالى إذ أخرج الماء من موضع وجود النار.
- شحن السفينة بأزواج من جميع الأنواع الأرضية البرية أمر مُعجز تم بأمر الله ومشئته وقدرته، وقد سماه الله آية - فهي معجزة - في قوله (وآية لهم إنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) [يس: ٤١] ، كما سمى سبحانه صنع السفينة نفسها آية في قوله (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [العنكبوت: ١٥].
- للخبر في قوله تعالى (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) دلالته، فمن أجل هذا العدد القليل المؤمن أجرى الله الطوفان الذي دمّر كل شيء في الأرض من حياة وعمران، وجعل وراثة الأرض وعمرانها بعد ذلك لهذا العدد القليل المؤمن. إن البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى.
- (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)
« قال عاصم عن الشعبي قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كتب كان يكتب (باسمك اللهم) فلما نزلت (بسم الله مجريها ومرساها) كتب (بسم الله)، ولما نزلت (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) كتب (بسم الله الرحمن)، فلما نزلت (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) كتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال عاصم قلت للشعبي أنا رأيت كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال: ذاك الكتاب الثالث» (٦)
- كل عمل لا يبدأ فيه بـ ( بسم الله) أبتر كما ذكر النبي صلى الله
عليه وسلم، وذِكرُ الله عنوان الإيمان وسمة المسلم لعلمه أن كل شيء بيده سبحانه يُصرّف الأمور كيف يشاء، فمن لجاء إلى الله تعالى فقد لاذ بالأمن والنجاة. وتصور أخي الحبيب السفينة مهما كانت كبيرة تمشي بين موج كالجبال لا يحفظها من هذا الموج سوى الله. وفي تفسير القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك (بسم الله الرحمن الرحيم)).
- ( إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )
قال الرازي في التفسير «وأما قوله (إن ربي لغفور رحيم) ففيه سؤال وهو: إن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟ وجوابه: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنهم إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه وأن يكون رحيما لعقوبته غفورا لذنوبه»
- العبرة بقرابة الدّين لا بقرابة النسب، فإن قرابة النسب بين نوح عليه السلام وابنه حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدّين نفى الله تعالى ابن نوح من الأهلية بأبلغ الألفاظ وهو قوله إنه ليس من أهلك وفي هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين فإن ابن نوح عليه السلام كان كافرا مع أن أباه كان نبيا.
/ (وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ )
أي اشربي ماءك الذي خرج منك للطوفان ورُديه إلى جوفك دون المياه المعهودة التي كانت على سطحك في الأنهار والعيون والبحيرات وغيرها.
/ (وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَآء أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَاء)
أليس هناك ترادف بين قول الله (يا أرض لعيناءك) وبين قوله (وغيظ الماء)؟
الجواب: الأرض أخرجت ما عندها من ماء، والسماء أمطرت ماء، فقول الله جل وعلا (يا أرض ابلعي ماءك) أي الماء الذي أخرجته، وقوله (وغيض الماء) هذا في ماء السماء، فما بلعته الأرض الماء الذي خرج منها لأن الله قال: (وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قُدر) وقال: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) فالتقى ماءان، ماء السماء وماء الأرض فقول الله (ابلعي ماءك) عائد على الأرض في الماء الذي أخرجته، (وغيض الماء) في الماء الذي نزل من السماء. فيصبح بهذا لا تكرار في الآية.
/ (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)
أي ليس من أهلك الموعود بنجاتهم، وذلك أنه لم يكن على دينه (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ) عمل هذا الولد غير صالح، وابن جرير يفسر قوله (إنه عمل غير صالح) أن ذلك لا يرجع إلى الولد وإنما يرجع إلى السؤال، سؤال نوح، وربما يُحتج لهذا بأنه عقّبه بالفاء (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لأنها لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والأول أشهر وعليه عامة أهل العلم وهو الأقرب.
- قرابة النسب تنقطع بالموت على الكفر ولهذا لا يتوارثان، وقرابة الدين أقوى من قرابة النسب ولهذا لا تنقطع بالموت بل تبقى وتستمر وينفع الله تعالى الميت المسلم بصلاة المسلمين عليه ودعائهم واستغفارهم له ويجمع الله بينهم برحمته وفضله في الجنة بعد أن يُلحق المقصر منهم بالسابق كما في قوله سبحانه (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) [الطور: ٢١].
- لم يُذكر خبر نوح مع ولده إلا في سورة هود مع أنه سبحانه ذكر قصة نوح في عدة سور وخصص لها في المفصل سورة كاملة سميت باسمه، وقد دلت هذه الحلقة من قصة نوح عليه السلام على أن الإنسان مسؤولية شخصية فردية فلا يسأل أحد عن ذنبه غيره مهما كانت القرابة بينهما، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، وكل إنسان مكلف مسؤول عن كسبه واختياره.
ولعل سر انفراد سورة هود بهذه الحلقة الجديدة من قصة نوح مع قومه أنها تتفق تماما مع موضوع المسؤولية والجزاء الذي تدور آيات السورة في فلكه.
/ (قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم)
كان محمد بن كعب القرظي -رحمه الله- عندما يقرأ هذه الآية يقول: «دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة»
------------------------------
١- فتاوى الشيخ ابن تيمية
٢- رواه الحاكم في المستدرك كتاب التفسير تفسير سورة هود (٣٢٧/٢) برقم (٣٣٠٩).
٣- موقع أ.د خالد السبت
٤- صححه الألباني في إرواء العليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٣١٦/٥) برقم (١٤٩٣)
٥- تفسير النسفي (سورة المؤمنون)
٦- معاني القرآن للنحاس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق