الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015

تفسير سورة الممتحنة -١-/ د. رقية المحارب


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ومولانا ويرضاه أما بعد :
فالحمد لله الذي منّ علينا بمِنّة هذه المجالس المباركة التي نتلو فيها كلام الله ونتدارس فيها آياته ونستمع فيها إلى كلام سيد المرسلين ﷺ وإلى كلام أصحابه والتابعين لهم ومن تبعهم بإحسان في تفسير آيات الله جل وعلا نتدارسها ونتأملها نعيش معها، مجالس آمنة مطمئنة نرجو فيها رضوان الله وتتنزل فيها السكينة وتغشى الرحمة ونسأل الله أن يجعلها كذلك ويذكرها الله فيمن عنده ونسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا بذنوبنا وأن يمُنّ علينا بالقبول واﻹخلاص إنه جواد كريم.
كنا توقفنا عند آخر سورة الحشر بقي فيها آيتان ما أتممنا الكلام عليها وتذكرة لما كان قبلها :
فقد بدأ المقطع من قول الله جل وعلا :
 (لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [سورة الحشر ٢١ - ٢٣].
وقفنا عند قول الله جل وعلا ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) وقفنا عند قوله (السلام) فالله سبحانه وتعالى قال ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) ثم جاء التأكيد على هذه اللفظة من ألفاظ التوحيد قال جل وعلا ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) فالله سبحانه وتعالى الملِك مالك جميع الخلق وجميع الأمور واﻷشياء المُتصرف فيها بلا مُمناعة ولا مُدافعة، وهو القدوس ، وتكلّم أهل العلم في معنى القدوس:
/ فمنهم من قال معنى القدوس: الطاهر، قال بذلك وهب بن منبه.
وقال مجاهد وقتادة: أي المبارك
وقال ابن جرير: تقدِّسه الملائكة الكرام.
ولا يمنع أن تكون هذه المعاني جميعا مرادة، والله سبحانه وتعالى قدوس مُنزّه وهو الذي تقدِّسه الملائكة ويقدِّسه عباده المؤمنون ويقدسه خلقُه الذين لم تحِد فطرتُهم عن السواء ولم تجتالهم الشياطين.
يقول سبحانه وتعالى (السلام ) ومعنى السلام: إما أن يكون معناه أو من معانيه السالم من العيوب، السالم من جميع العيوب والنقائص لكماله فالله سبحانه وتعالى صاحب الكمال والجلال ليس فيه عيب ولا نقص وهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله فهو بذلك السلام.
/ وأيضا يمكن أن يكون من معانيه : السلام السالم أهل طاعته به.
/ وأيضا يمكن أن يكون من معانيه : السلام أي الذي يكون به اﻷمن والسلام على عباده (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ..) [سورة اﻷحزاب٤٤] فالله جل وعلا يحييهم بهذه التحية حين يدخلون الجنة وهي تحيتهم في الدنيا وقد جاء في الحديث لما خلق الله آدم قال اذهب إلى هؤلاء من الملائكة فقل السلام عليكم وانظر ماذا يردون عليك فهي تحيتك وتحية ذريتك من بعدك، فهذه تحية اﻷنبياء وهي التحية التي اختارها الله جل وعلا لعباده.
ومعنى قوله (المؤمن ) قال ابن عباس : أي أمِن خلقه من أن يظلمهم.
وقال قتادة : أمِن بقوله أنه حق. وقال ابن زيد: صدّق عباده. يعني المُصدِّق عباده المؤمنين في إيمانهم.
 وقيل: هذا وهذا معا فهو المُصدِّق سبحانه وتعالى والمُأمِّن عباده من ظلمه وبطشه فالله سبحانه وتعالى جعلهم في أمان منه، أمان من عقابه وأمان من بطشه وأمان من انتقامه فهو يُأمِّنهم في الدنيا ويُأمِّنهم في اﻵخرة أيضا.
ولو قيل: ولكننا لا نرى في الدنيا هذا اﻷمان لكثير من عباده المؤمنين فمنهم من يُمتحن بالبطش والقتل والتعذيب وجَورِ الظلمة من أصناف البشرية من أعدائهم وكذلك أيضا قد يجتالهم الفقر والعَوز والقحط واﻷمراض واﻷدواء وكل ذلك يقع بهم فأين أمنُهم من هذا؟ فيقال: إن هذا ليس هو اﻷمان الذي وُعِدوا إياه، فإن الله جل وعلا وَعد أنبياءه اﻷمان ومع ذلك فهم أشد الناس بلاء فاﻷمان لهم هو أنهم لا يُضارّون في شيء إلا كان لهم رفعة وكان عند الله قربة بخلاف غيرهم فإنهم لا يأمنون ولو نزل بهم عقاب أو نزل بهم بلاء فإنهم لا يُجازَون عليه ولا يُثابون منه ودليل ذلك قول الله جل وعلا ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [سورة النساء ١٠٤] فمعناه أن اﻷمن واﻷمان الذي ينالونه هو أنهم يُثابون ويؤجرون على بلائهم الذي يُبتلون به، وقد ضرب الله تعالى مثلا لذلك بما جاء في سورة البروج (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [سورة البروج ٤ - ٨] فهؤلاء رغم إيمانهم إلا أنهم ذاقوا ويلات الحرق بالنار وذلك فيما يراه الناس، حسب عُرف الناس ونظر الناس وإلا فإن من يُقذف في نار في سبيل الله جل وعلا يكون قذفه ذلك قذفا في الجنة، يكون ذلك قذفا في الجنة كما جاء في حديث المسيح الدجال أنه إذا أخذ أحدا من المؤمنين وقذفه في النار فإنما يقذِفه في الجنة وهذا معنى أن الله جل وعلا يُأمِّن أولياءه ويُأمِّن عباده فهو المؤمن يعني مُأمِّنهم في الدنيا والآخرة.
/ وقول الله جل وعلا (المهيمن) قال ابن عباس وغير واحد: أي الشاهد على خلقه بأعمالهم أنه يشهد عليهم بأعمالهم.
 وقال على ذلك ابن كثير مستشهدا على ذلك باﻵية قال (والله على كل شيء شهيد ) يعني أنه شاهد عليه. ومنه قول الله جل وعلا في القرآن (ومُهيمِنا عليه ) يعني أنه شاهد على هذه الكتب السابقة له أنها حق. ويمكن أن يكون المعنى -باﻹضافة إلى هذا- يكون محتويا على معنى أو فيه معنى السيطرة فالله جل وعلا المُهيمن يعني المُسيطر على ما يفعله الناس المُسيطر على خلقه جنا وإنسا وجميع الكائنات فهي تحت قهرِه وتصرفه فهو المهيمن عليها .
/ قال جل وعلا ( الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) ومعى العزيز -مر معنا تكرارا- وهو هنا يؤكد هذا المعنى يعني العزيز الذي عزّ كل شيء فقهره، عزّ وعلا على كل شيء وظهر وقهر، وهو أيضا العزيز الذي لا يُغلب والذي يغلب اﻷشياء فلا ينال جنابه لعزته وكبريائه وجبروته أحد، ولذلك جاء بعد هذا المعنى قول الله جل وعلا (الجبار المتكبر ) فهو سبحانه وتعالى الجبّار يعني الذي لا تليق الجبرية إلا له وهو القادر على إجبار من خلق على ما يشاء فهو الذي أجبر بعض الكائنات على أن تكون جمادا وأجبر بعضها على أن تكون حيوانا وجعل بعضها إنسا وجعل بعضها جِنا بعزته وقدرته، وهو إذا شاء أن يجعل اﻹنسان حيوانا جعله ولذلك جعل من اليهود قردة وخنازير. وخلق الله عزوجل أشياء وفطرَها على أمور تسير فيها ولا تتعداها ولا تخرِقها ولا تُغيرها وهذا فيه معنى الجبر.
وله معنى آخر أيضا وهو : الجابر يعني يجبُر الكسر، يجبُر الضعيف فهو الجبّار الذي يجبُر الفاسد فيُصلحه، ويجبر الكسير فيُقيمه فهو الذي يُقيم ما اعوجّ ويُصلِح ما فسد ويُقيم ما كُسِر فهو سبحانه وتعالى الجبار.
يقول سبحانه (الْمُتَكَبِّرُ) المتكبر الذي له الكبرياء وهو المستحق لذلك سبحانه وتعالى وقد جاء في الحديث الصحيح (العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته ) وجاء في الحديث أن الله جل وعلا يقول (أنا الجبّار المتكبر أين الجبارون المتكبرون) يعني في الدنيا، فالجبّار في الدنيا يُقال لمن لا يُراجع أو يأبى المُراجعة فالله سبحانه وتعالى يأبى المراجعة ﻷنه المُتصرف سبحانه وتعالى وهو الذي قال عن نفسه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [سورة اﻷنبياء ٢٣] فكونه لا يُسأل عما يفعل فيه معنى أنه الجبار وكذلك فيه معنى أنه المُتكبر سبحانه وتعالى.
وقال قتادة: المتكبر يعني عن كل سوء. قال تعالى (سبحان الله عما يشركون ) .
ولما كانت هذه أوصافه وأفرد سبحانه وتعالى نفسه وذاته بالوحدانية في الخلق والبرءِ والتصوير والجبرِ والمُلك والهيمنة كان مستحقا بذلك التنزيه عن الشرك فلا نِد له ولا نظير له ولا مثيل له ولا شريك معه فإذا كان لا شريك معه في هذه الصفات فلا شريك معه أيضا في العبادة ﻷن العبادة نتيجة للصفات فمن ذا الذي مثله، من ذا الذي هو قيوم، ومن ذا الذي هو حي لا يموت، ومن ذا الذي هو لا ينام، ومن ذا الذي هو جبّار لا ينكسر ولا يضعَف، ومن هذا الذي هو عزيز لا يُغلب إلا هو سبحانه وتعالى. فمن عرف أوصاف الله جل في علاه تمسك به، ومن عرف أوصاف الله جل وعلا لجأ إليه ولاذ بجنابه وعاذ به فلا يُغلب ولا يُقهر إلا أن يشاء الله جل وعلا فإذا وقع عليه غلبة أو قهر قال حسبي الله ونعم الوكيل، فالله ينتقم له والله يُعزِّه والله يرفع مقامه ويُعلي مكانه إن كان في الدنيا ففي الدنيا وإن لم يكن في الدنيا ففي جنة عرضها السموات والأرض واﻷخرى خير له من اﻷولى ولذلك اختار النبي ﷺ خيار اﻵخرة وهذا ﻷن الله جل وعلا قال له (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [سورة الضحى ٤] .
يقول سبحانه وتعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة الحشر 21 - 24] فهو الخالق يقول (هُوَ اللَّهُ) و"الله" اسمه، قال بعض أهل التفسير وقال بعض أهل العِلم هو اسمه اﻷعظم الذي إذا دُعي به أجاب، والله سبحانه وتعالى هذا اﻻسم له لم يتسمى به أحد فالله جل وعلا قال عن نفسه (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [سورة مريم ٦٥] فلم يتسمى أحد بهذا الاسم "الله". (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ) يعني الله المألوه المعبود.
(الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) وهذه اﻷسماء بعضها قد يظن بعضنا أن المعنى واحد،  وهذه اﻷسماء يقول بعض أهل التفسير إنها إذا اجتمعت اختلفت أو افترقت وإذا افترقت اتفقت، فـ "الخالق" الخلق: قال بعض أهل التفسير يعني التقدير كما قال ذلك ابن كثير "الخلق يعني التقدير قبل التنفيذ قبل أن يكون" وذلك إذا جاءت مع البارئ ومع المصور، أما إذا انفردت فمعناها (الله خالق كل شيء) يعني مُقدره ومُنفذه ومُصوِّره معا.
قالوا : الخلق هو التقدير يعني هو إرادة الشيء على هيئة وصورة لكنها لم تظهر بعد ولم تكن بعد ولكن أرادها الله جل وعلا وهي قول الله (إذا أراد شيئا ) يعني أراده على هيئة وعلى صِنف وعلى شكل وعلى صورة هذه اﻹرادة هي الخلق.
و "البارئ" يعني المُنفِّذ الذي يُظهر ما براه وما قدره وما قرره يُظهره فيكون ذلك بفعل اسمه البارئ، فيكون ذلك برئٌ فهو الذي برأ النسمة يعني كانت نسمة فبرأها يعني جعلها متهيئة متكونة، وليس كل من رتب شيئًا وقدره يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عزوجل لذا قال الشاعر يمدح آخر:
ولأنت تفري ما خلقت ** وبعض القوم يخلُق ثم لا يفري
أي أنت تنفِّذ ما خلقت أي ما قدّرت خلقَه بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريده. إذا فالخلق عند ابن كثير هو التقدير و"الفري" هو التنفيذ ومنه يُقال > قدَّر الجلاد ثم فرى< أي قطع على ما قدّره بحسب ما يريده،  يعني -مثلا- قدر أن هذه القطعة أو أنه يحتاج إلى هذا المقاس أو هذا الحد -قدّر- ثم بعد ذلك قطع على ما يريد. هكذا بالنسبة لعمل الناس .
أما الله جل وعلا فقدّر -مثلا- الشيء على ما يعلم أنه هو التقدير يعني هو القدر المناسب تقول قدره ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) فهو  قدره قدر هذا القدر المناسب ولذلك فإن الله جل وعلا أنزل من السماء ماء بقدر يعنى بقدر مناسب لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد فتغرق اﻷرض ولا ينقص فتعطش اﻷرض وتيبس فهو قدره تقديرا و (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) أعطى كل شيء خلقه يعني قدّره.
أما البارئ فإنه نفذه وكونه، نفذه على ما خلقه، ثم بعد ذلك صوره، والتصوير هنا -أيضا- معنى ثالث. والتصوير هو: إرادة الشيء على صفة محددة معينة فيكون هذا الشيء مخلوقا ثم مبريا ثم مصورا.  هكذا ذكر ابن كثير.
/ وأقول: هذا المعنى أيضا يضاف إليه معنى آخر وهو أن الله جل وعلا إذا قال (خلق ) يعني أنشأ، خلق الشيء أقول " أنشأه من العدم، خلق الشيء أنشأه من العدم.
وبراه يعني: كونه على هيئة لم تكن من قبل فكان باريا له مثلما تقوليت بريت القلم، فالقلم يكون -مثلا- أسطوانيا ثم تبرينه على هيئة معينة فتجعلين منه خلاف أو تقولين بريت أغصان الشجرة أقلاما فأنت جعلتي من اﻷغصان أقلاما فأنت غيرتي ما أنشأتي. فالله جل وعلا خلق -أنشأ- هذا اﻹنسان من تراب وماء فجعله طينا، فلما جعله طينا إذا هو أنشأه ثم بعد ذلك براه يعني جعل له هيئة أخرى غير التي خلقه عليها، ثم بعد أن براه صوره، والتصوير هو: التمام والكمال فيما أراد سبحانه وتعالى.
 إذا هذه المراحل الثلاث هي مراحل لما يخلق سبحانه وتعالى فهو يخلقه الشيء يُنشئه، ثم يبريه يجعله على صفة على غير صفة الخلق ثم بعد ذلك يصوره على أحسن صورة يريدها لما يناسبها أو يصلح لها.
بعض الناس من المفسرين قال: إن الخلق عام فالخلق يكون لكل شيء يعني خلق السموات، خلق اﻷرض، خلق الجماد، خلق ...، خلق الهواء، خلق الكائنات، خلق الديدان، خلق الثعابين، كل هذه داخلة في الخلق، خلق كل شيء المعنويات والحسيات فكله داخل في الخلق. ثم قالوا يختص أن يكون بارئ يعني إذا قيل بارئ يعني هو بارئ للحيوان، ومصور مصور للإنسان. فنوعوها بهذا.
ونقول -والله أعلم- أن هذا لا دليل عليه، ولو أنا أخذنا المعنى الذي ذكرتموه ... لكان أدلّ على ذلك المراحل التي تكون للإنسان ويتفق ذلك مع اﻵيات فالله جل وعلا قال (والله أنشأكم ) ماذا يعني أنشأكم؟ لما أنشأكم كنتم على نفس الصورة؟ لا، قال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) يعني أنتم كنتم شيء وصرتم شيئ.
أيضا الجنين الله خلقه سبحانه وتعالى حين أنشأه أنشأه نطفة هذه النشأة -النطفة- صارت علقة ثم مضغة ثم جعلها عظاما ثم كسا العظام لحما قال الله جل وعلا ( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فالخلق الآخر هذا الذي أنشأه الله سبحانه وتعالى في هذه المراحل التي مرت ابتدأت من الخلق ثم البرء ثم التصوير، والتصوير هو أحسن أو أكمل المراحل.
قد يقول قائل: لكن ثمة أمر وهو أنكم تقولون أن الله سبحانه وتعالى صور وتصويره أحسن تصوير، فما بالنا نرى مشوهين وعميان وبكمان وكذا ماهذا؟ أين هذا من الكمال؟
يقال: إن أصل الخلق الكمال، يعني الله جل وعلا خلق اﻷشياء أرادها تأتي على كمالها وتمامها ولكن إذا صار نقص من المخلوق اختلّ هذا الكمال لا ﻷجل الخالق وإنما ﻷجل تفريط المخلوق وذلك أنه قد يكون -مثلا- قد يكون هذا التشوه بسبب طعام -قصور في الطعام بسبب تعرض -مثلا- لجراثيم، تعرض -مثلا- لميكروبات، تعرض -مثلا- لنوع من أنواع اﻷشعة تعرفون الجنين ممكن يتخلف بسبب اﻷشعة السينية أو ما شابه ذلك ، -مثلا- اﻷشعة النووية.
هذه الجينات الوراثية أصلها مستقيمة لكنها اختلت بفعل اﻹنسان ﻹفساده، إفساده للبيئة..إفساده للنوع، هذا كله له دور في القصور عن الكمال. صحيح أن هذا قد يكون اختبار وامتحان أنا لا أتكلم عن اﻷهداف والسبب وإنما اﻷصل في ذلك أنه من فعل الناس أو من فعل البشر أو من فعل البيئة أو من فعل غير الله جل وعلا. الله جل وعلا لا يخلق إلا مستقيما ولم يُرد جل وعلا إلا مستقيما.
قد يقول قائل: ما دليلك على ذلك؟
أقول : دليلي على ذلك أن الله حين يريد نقص الخلق فإنه لا يجعل له نسلا كما جاء في الحديث (ما جعل الله لمسخ من نسل ) إذا أراد الله أن يمسخ الخِلقة السوية فإنه يُوقِفها عند هذا الحد لا يتعداها لغيرها لماذا؟
ﻷن الله جل وعلا خلق السوية وصوّر السوية وأراد التمام ولم يُرد سواه، يعني أراده منسوبا له فإذا كان مسخ ﻷجل عِلة مثل ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) جعل من الخنازير يعني اليهود مسخ منهم أمة فهذه اﻷمة ليس لها نسل.
قد يقول قائل: طيب سمعنا حديثا عن رسول الله ﷺ أن الضب كان من اليهود ومُسِخ،  كان أمة من اليهود مُسِخت، والضب هو: ذاك الكائن الذي يعيش في الصحراء من الزواحف، أبى أن يأكله النبي ﷺ قال (إني أخشى أن يكون مسخا ) أن يكون أمة من اليهود مُسخت، هذا قاله النبي ﷺ قبل أن يُعلَم أنه ما جُعل لمسخ من نسل فلما علِم أنه ما جعل لمسخ من نسل أباح أكله وإن كان لا يأكله فكان ترك أكله ﻷجل التقذر لا ﻷجل التحريم ولذلك أكل على ما ئدته ﷺ، وقد ذكر أهل العلم للضب مراحل في نهي النبي ﷺ :
اﻷول: نهيه أن يؤكل واﻹمساك عنه والسبب في ذلك أنه خشي أن يكون أمة ممسوخة من اليهود.
ثم علم بعد ذلك أنه ما جعل الله لمسخ من نسل فأباح أكله وامتنع هو عن أكله ﻷجل أنه كان لا يراه من بلاد قومه أو لم يكن معروفا عند قومه فيجد نفسه يعافه. فقط إلى هذا الحد.
/ قال الله جل وعلا (المُصوِّر ) والتصوير قال الله سبحانه وتعالى (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [سورة الانفطار ٨] والصورة يعني صورة اﻹنسان يركبه الله سبحانه وتعالى عليها وستأتينا إن شاء الله حين تفسيرها. فالله جل وعلا يُصوره يجعله على هيئة معينة في وصف شعره وبشرِه  وعينه وأنفه وفمه وكذا فيجعله الله سبحانه وتعالى في أي صورة ما شاء يركبه سبحانه وتعالى.
/ قال الله سبحانه (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) والله جل وعلا له اﻷسماء الحسنى يعني سمّى نفسه باﻷسماء الحسنى، وقد جاء في الحديث (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة) وهذا الحديث الصحيح.
 جاء في حديث عند الترمذي وضعّفه بعض أهل العلم تعداد هذه اﻷسماء، جاء في الترمذي تِعداد هذه اﻷسماء -الترمذي وغيره- جاء فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال (إن لله تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة) قالوا في الإحصاء يعني من أحصاها ليس من عدها وإنما من أحصاها يعني من عرف معانيها وآمن بها وأيقن بها.
/ ماهذه اﻷسماء؟
جاء في الحديث (من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصوِّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرّزاق، الفتّاح، العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المُعز المُذل، السميع البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، المُقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المُجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القوي، المتين، الوليّ، المُقدِّم المؤخر، الوليّ، الحميد، المُحصي، المبدئ، المُعيد، المحيي المُميت، الحيّ القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المُقتدر، المُقدِّم المؤخر، الأول اﻵخر، الظاهر الباطن، الوالي، المُتعال، البرّ، التوّاب المُنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام، الجامع، الغني المُغني، المُعطي المانع، الضار النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي الوارث، الرشيد، الصبُر
فهذه اﻷسماء جاءت مفصلة مذكورة على التمام عند اﻹمام الترمذي وحديثه فيها -في نظري- أنه يُقارب الحسن وضعّفه بعض أهل العلم.
س: الرشيد  والماجد... ؟
ج: ... جاءت هذه في الحديث، ولا يعني أن لله تسعة وتسعين اسما أنه ليس لله إلا هي وإنما هناك من أسمائه ما جاء في بعض الأحاديث مثل (إن الله ستيّر يحب الستر) وجاء (إن الله جميل يحب الجمال) فمثل هذه وإن لم تذكر في الحديث إلا أنها من أسماء الله.
وجاء في الحديث فيها أيضا (وما استأثرتَ به في علم الغيب عندك) يعني هناك أسماء استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمها ولم يُعلِمها أحدا من خلقه. وقد جاء في الحديث أيضا (لقد دعا الله باسمه اﻷعظم الذي إذا دُعي به أجاب).
/ قال الله جل وعلا (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وهذا المقصود به عموم مافي السموات واﻷرض، السموات تسبح اﻷرضين تسبح، مافي السموات يسبح، مافي اﻷرض يسبح جاء في الحديث (أطت السماء وحُق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أقدام إلا وفيها ملك قائم أو راكع أو ساجد يسبحون الله جل وعلا) وجاء في الحديث أيضا في تسبيح النمل وفي تسبيح الحيتان وفي تسبيح الطير وكل ذلك يجمعه قول الله جل وعلا (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ..) [سورة اﻹسراء ٤٤] فكل شيء يسبح بحمد الله جل وعلا ولذلك قال الله جل وعلا (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، وحرف النفي هنا "إن"، "إن" هذه حرف نفي يعني "إن" "ما" (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) يعني "ما من شيء" لو قلت : إن من شيء عندنا، يعني ما من شيء عندنا.
/ يقول الله جل وعلا (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي العزيز الذي لا يُرام جنابه ولا يُغلب، والحكيم في شرعه وقدرِه وهو الذي قد قدّر كل شيء بحكمة لا يتجاوزه حكمة ولا تقصر عنه حكمة فهو الحكيم سبحانه وتعالى في كل شيء وقد جاء في حديث فيه ضعف وهو حديث معقل بن يسار وذكره أهل التفسير هنا عند هذه اﻵية (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قرأ آخر آيات من سورة الحشر وكَل الله به سبعين ألف ملك يُصلون عليه حتى يُمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة)
وهذا الحديث فيه ضعف لكن ذكره بعض أهل التفسير فذكرته.
س: هل يقرأ هذه الآيات في أذكار الصباح والمساء؟
 نعم يذكرها بعض أهل العلم في أذكار الصباح والمساء، وقد جاء عند الخطيب في تاريخه بسنده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف -خلف راوي حمزة- قال: قرأت على خلف فلما بلغت هذه اﻵية (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل...) الخ السورة قال ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش فلما بلغت هذه اﻵية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على يحيى بن وثّاب فلما بلغت هذه اﻵية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على علقمة واﻷسود فلما بلغتُ هذه اﻵية قالا: ضع يدك على رأسك فإنا قرأنا على عبدالله -يعني ابن مسعود- فلما بلغنا هذه اﻵية قال: ضعا أيديكما على رؤوسكما فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت هذه اﻵية قال لي ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل إلي بها قال: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السامّ والسام الموت ) وهذا الحديث يسمى الحديث المسلسل يعني الذي يُقيد، فقيّده هنا الخطيب بإسناده إلى رسول الله ﷺ مسلسلا. وهذا الحديث صحح بعض أهل العلم إسناده وجودُوه.
وهذه اﻵيات من اﻵيات التي تقرأ في الرقية وتجمع جُلّ أسماء الله، من أجمع اﻵيات التي تُذكر فيها أسماء الله جل وعلا هذه اﻵيات من آخر سورة الحشر. ولعلنا نذكِّركم بأن هذه السورة -وهي سورة الحشر- سورة مكية -كما ذكرنا في المرة الماضية- ولما جاء ذكر اليهود وجاء ذكر المشركين في هذه السورة وما أخزى الله به اليهود وما سلبها من أموالهم وجعلها للمسلمين وما أعلى الله فيه كعب أهل اﻹسلام بعد أن طُردوا من مكة وخرجوا منها خائفين مختفين مُضيَّق عليهم مُضايَقيِن في دينهم مؤذَين في عقيدتهم كان لهم من العزة والنصر والتمكّن والقوة والغلبة ما كان لهم. وبين هذه اﻵيات التي ذكر فيها غلبة المسلمين للمشركين وغلبة المسلمين لليهود وبشارتهم بالغلبة قاطبة على جميع الناس ممن لا يدين بالله ربا، جعل الله جل وعلا لهم ختام ذلك هذه اﻷسماء التي لا يزالون يدعون بها ويسألون بها ويلجؤن إلى الله سبحانه وتعالى بها. وقد دعا رسول الله ﷺ بهذه اﻷسماء حين أُوذي في نفسه وحين أُوذي في أهله وحين أُوذي في ماله وحين أُوذي في بلده، وأيضا حين مرض وحين سُحِر، وحين كان في الحرب مع أعدائه، كان ﷺ يرفع يديه ويدعو بهذه اﻷسماء والصفات التي جاء بعضها هنا في ختام هذه السورة.
 ولما كانت المفاصلة بين المسلمين وبين المشركين، لما كانت المُفاصلة مطلبا عقديا، مطلبا مُلِحّا مهما خاصة في ذاك الوقت الذي يُضيَّق فيه على اﻹسلام ويحتاج المسلمون إلى الاعتزاز بدينهم والبراءة من الكافرين وولاية المؤمنين كانت السورة التي بعد هذه السورة هي سورة الممتحِنة أو سورة الممتحَنة وكان الطلب العظيم اﻷكيد من المؤمنين ألا يتخذوا عدوهم وعدو الله جل وعلا أولياء كما سنقرأ في هذه السورة وهي سورة الممتحِنة والممتحَنة وتُسمى أيضا سورة الامتحان وتسمى سورة الوِّد.
 وهي ثلاثة عشر آية نزلت بعد المائدة قبل النساء يعني بين المائدة وبين النساء سورة المائدة أولا ثم نزلت سورة النساء وهذه السورة نزلت بينهما. نقرأ اﻵيات إلى اﻵية السادسة:
  (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة الممتحنة ١ -٧] .
الحمد لله .. استمعنا إلى اﻵيات من سورة الممتحِنة أو الممتحَنة.
 قال القرطبي: "المشهور على اﻷلسنة النُطق في كلمة الممتحِنة -بكسر الحاء- وهو الذي جزم به السُهيلي" .
ووجه التسمية في ذلك أنه جاءت فيها آية امتحان إيمان النساء اللاتي يأتين من مكة مهاجرات إلى المدينة وهي آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِوَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة الممتحنة ١٠] 
فوصف الناس تلك اﻵية بالممتحِنة ﻷنها امتحنت ولاءهن لله جل وعلا ﻷن الدين والعقيدة فرّقت بين الرجل وامرأته قال ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) فلذلك هي الممتحِنة يعني تمتحن الناس.
 أو أنها كانت بالممتحَنة -بالفتح- ﻷنها كانت في امرأة امتُحنت وهذه المرأة هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط امرأة عبد الرحمن بن عوف وسنأتي على ذلك إن شاء الله في في حينه.
/ قال الله جل وعلا استفتاحا لهذه السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فنادى المؤمنين الذين نزلت فيهم هذه السورة أو هذه اﻵيات بالذات بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهذا الخطاب في الحقيقة فيه أمان. قلنا قبل إن الله جل وعلا وصف نفسه قال (المؤمن) وهذا منه فإنه أمَّن أهل اﻹيمان وإن بدا منهم من الظاهر خلاف ماهم عليه فقد أمّنهم الله جل وعلا ومن أمانِهم أن الله سبحانه وتعالى بين إيمانهم وبيّن أحكامهم على ما كان في داخلهم من النُّصح لله ولرسوله والحب لله ولرسوله وإن خالف بعض أعمالهم ما كان يجب أن يكون فخاطبهم الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) وذكر ابن كثير وغيره من أهل التفسير أن السبب في نزول صدر هذه السورة: قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة.
أذان العشاء..
 إذا كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضا وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش وإنما كان من الذين عاشوا في مكة وليس له فيها قبيلة تحميه أو فخِذ قبيلة يلوذ به. فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة لما نقض أهلها العهد أمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال (اللهم عمِّي عليهم خبرنا) وكان النبيﷺ إذا أراد أن يخرج لغزوة لا يخرج تجاه البلد التي يريد أن يغزوها وإنما يخرج من جهة أخرى ، إذا يريد يذهب إلى مكة يخرج كأنما هو ذاهب إلى خيبر -مثلا- وبالفعل توجّه كأنما يتوجّه إلى خيبر لكن في الحقيقة هو متوجّه إلى مكة وأخبر مجموعة من أصحابه ليتأهبوا وكان من هؤلاء حاطب ثقة بأن حاطب من المهاجرين ومن أهل بدر فكانت الثقة به، ثم كان ما كان وحدّث علي بن أبي طالب بحديث جاء أصله في البخاري ومسلم وأذكر لكم رواية اﻹمام أحمد ففيها بعض التفصيل:
 (جاء عند اﻹمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خافّ فإن بها ضعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلُنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالضعينة قلنا أخرجي الكتاب، قالت : ما معي كتاب، قلنا لتُخرِجِن الكتاب أو لنُلقين الثياب -نفتشك- قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها - يعني من عقائص شعرها ادخلته في عقائص الشعر. قال: فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول اللهﷺ فإذا فيه "من حاطب بن أبي بلتعة إلى أُناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: يا حاطب ما هذا؟ قال: لا تعجل علي إني كنت امرءا مُلصقا في قريش - لست منهم، لصيق بهم- إني كنت امرءا مُلصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان ممن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم -يعني لا يحمون عيالي بنسبي- أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي -على اﻷقل اسوي معروف يحمون قرابتي فيها- وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد اﻹسلام فقال رسول الله ﷺ: إنه صدقكم -ما كذب عليكم- فقال عمر: دعني أضرب عُنق هذا المنافق. -عمر رضي الله تعالى عنه شديد في الدين- قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ: إنه قد شهد بدرا -يعني لا نغضّ من عمله السابق فإنه قد شهد بدرا- وما يدريك لعل الله اطّلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ونزلت فيه قول الله جل وعلا  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)).
وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة فقال الله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مناداه بالإيمان وهذا دليل على أنه باقٍ على إيمانه وأنه صادق في مودته لرسول الله ﷺ ولكنه اجتهد في أمر أضعفه فيها حبّ القرابة والأهل وأراد أن يتخِذ فيهم يدا وهو كان مخطئا في ذلك فإن حماية أولاده ليست بأعز من حماية أرواح المؤمنين. ولاشك أن من تأبّى أن يُهاجر إلى رسول الله ﷺ أنه ليس أحق بالحيطة ولو كان مؤمنا من الذين هاجروا معه ودفعوا ثمن هذه الهجرة ببلادهم وأموالهم وأهليهم. فقال الله جل وعلا (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ  تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِفسمّى ذلك الفعل منه رضي الله تعالى عنه إلقاء بالمودة إذ أنت أرسلت لهم سرا من أسرار المسلمين الذي يمكن أن يواجهوا به النبي ﷺ وأصحابه فيأتيهم على غِرة من أمرهم فلا يستطيعون الاستعداد فيثخنهم القتال.
/ وقال الله جل وعلا (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) كيف أنت تُوادهم وتُناصحهم وقد كفروا بما جاءك من الحق يعني بذلك المشركين والكفار الذين حاربوا الله ورسوله فنهى الله جل وعلا أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء فلا يجوز أن يُتخذ الكافرين أولياء حقا أو أن يُخلص لهم في النصيحة، أما إن كان ذلك يُتقى منهم تقاة كما قال جل وعلا (إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) [آل عمران :٢٨] أن يُعمل بين المؤمنين وبينهم صلح -مثلا- أو هدنة إلى حين القوة والقدرة فلا بأس بذلك ولو صار بينهم وبينهم تجارة وبيع وشراء و -مثلا- سُفراء ومباعيث أو تعاونوا -مثلا- على بعض الشؤون التي فيها -مثلا- حفظ للأخلاق أو قِوام الحياة أو ما شابه ذلك، لا حرج مع وجود الهُدنة أن يكون بين المسلمين وبين أعدائهم من التعاون أو التعاضد في شؤون تعود على المسلمين بالخير ولكن مع ذلك لا يكون في القلب وُدّهم ولا حُبهم ولا اﻹبقاء على الصُلح دوما معهم دون أن يكون لذلك أمد أو مدة يمادّون فيها أهل الشرك وأهل الكفر حتى يكون لهم غُنية من قوة وسُلطة وبذلك يكون لهم انتصار لدينهم. هذا هو ما جرت به اﻵيات واﻷحاديث وهو شرع الله جل وعلا.
/ قال الله سبحانه وتعالى (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) هؤلاء الكفار الذين بعثت لهم بهذه الرسالة تُحذرهم قد أخرجوك وأخرجوا الرسول ﷺ. والخطاب هنا لو تلاحظين أن الخطاب لم يتطرق إلى حاطب بن أبي بلتعة ﻷن القضية ليست قضية شخصية وإن كانت الأسباب خاصّة إلا أن الأحكام عامّة فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولذلك لم يرِد هنا عند الحديث عن هذه القضية رغم أنه ذكر ابن عباس وكثير من أهل التفسير وصح بذلك الخبر عند البخاري وعند مسلم وعند أهل السنن وفي مسند أحمد وغيره أن ذلك السبب كان ﻷجل ما فعله حاطب بن أبي بلتعة وقد ذكرنا قصته.
فيقول الله جل وعلا (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) وقال هنا (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) ولم يقل (يخرجونكم والرسول) وإنما قال (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ) ﻷن إخراج الرسول ﷺ أعظم من إخراج الناس كذلك إهانة الرسول ﷺ أعظم من إهانة الناس، أيضا السُخرية من الرسول ليست مثل السخرية من الناس ولو كانوا مؤمنين ولو كانوا علماء ولو كانوا صالحين ﻷن الرسول ﷺ مُبلغٌ عن ربه ولذلك جاء تقديمه هنا في اﻵية (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ).
 (أَنْ تُؤْمِنُوا) بسبب أنكم آمنتم، و"أن" هنا تفسيرية تفسر السبب أو سببية معنى تُفسر السبب الذي من أجله أُخرجوا.
(أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) يعني بسبب إيمانكم بالله ربكم (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) فالله جل وعلا يقول(إِنْ كُنْتُمْ) إذ كنتم خرجتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي ثم حين خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تُسرُّون إليهم بالمودة!! فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟ كيف تجمعون بين أنكم خرجتم مهاجرين مجاهدين خرجتم جهادا في سبيل الله، وجمع الله جل وعلا لحاطب هنا اعتبار الجهاد واعتبار الهجرة مع فعله إلا أن الله جل وعلا لم يُسقِط فعله الحسن وهذا نستفيد منه: أن من كان له قامة في اﻹسلام أو كان له نفع للمسلمين من تأليف أو دعوة أو معروف أو جهاد أو كذا أنه يُحفظ له وإن أخطأ وإن كان له أخطاء.  وهذا لا يفقهُه كثير من الناس، المنهج الرباني الذي ربى النبي ﷺ وربى أصحابه من بعده يقول  <أن من كان له قدم صدق في اﻹسلام وإن أخطأ وإن أذنب يُحفظ له قدم الصدق ويُعفى عنه الذنب > كذا فعل مع حاطب هنا ولذلك قال الله جل وعلا (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) فاعتبر الله له اﻹيمان واعتبر له الهجرة واعتبر له الجهاد، أما اعتبار اﻹيمان فدليله..شاهده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أما اعتبار الهجرة فقوله (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) إذا هذا الخروج، (جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) يعني تريدون مرضاة الله جل وعلا فإن كنتم كذلك فعلتم حقا هذا الجهاد الذي خرجتموه والهجرة التي خرجتموها فلا تتخذوا عدوي وهؤلاء الأعداء الذين عاديتهم وعاديتموهم وأخرجوا رسولي وأخرجوه بالتهديد والوعيد وكادوا يقتلونه يقول الله جل وعلا (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:٣٠] فالله جل وعلا أخبر نبيه ﷺ بذلك وأخبر المؤمنين معه.
/ قال (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) وعاب عليهم تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر وتفعلون ذلك وأنتم تؤمنون بأن الله جل وعلا يُخرج السرائر ويعلم البواطن كيف تفعلون ذلك!!
  قال الله جل وعلا (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ) فالله أعلم بما تخفونه وما تُعلنونه كيف يفوتكم ذلك وأنتم أهل اﻹيمان.
/ قال الله جل وعلا (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) يعني من يفعل هذا الفعل (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أخطأ الطريق الذي أُمِر بأن يسلكه وأن يسير فيه وعاتبه الله سبحانه وتعالى بذلك.
/ قال جل وعلا (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) يعني لو أنهم تمكّنوا منكم (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) لو قدروا عليكم وتمكّنوا منكم فإنهم يؤذونكم وتظهر عداوتهم بالقتل والتشريد واﻷسرِ وما إلى ذلك مما رأوه وعلِمُوه في بدر ثم علِمُوه في أُحد أيضا فإنهم قد قتلوا المسلمين ومثّلُوا بهم ولذلك قال الله جل وعلا  (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ) فهم قد بسطوا أيديهم يعني بالقتال وألسنتهم بما قالوه من المسبة والشتيمة لرسول الله ﷺ ولأصحابه وتمثّلُوا ذلك شعرا ونثرا وتهديدا ووعيدا.
أيضا مع ذلك قال (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) حتى في خُططهم التي يخطُّونها كما جاء في صلح الحديبية أنهم قالوا من جاءكم -يا محمد- مُسلما فإنكم تعيدونه لنا ومن جاءنا منكم فإننا لا نعيده لكم، وهذا لاشك أنه من بسط اليد واللسان بالسوء ومودة الكفار.
/ ثم بيّن سبحانه وتعالى لمن فعل هذا الفعل بأنه إنما فعله من أجل قرابته ولليد التي يريدها فيهم قال (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إن كنتم فعلتم ذلك من أجل أولادكم فأولادكم لن ينفعوكم ولن تنفعكم أرحامكم قراباتكم عمومتكم أخوالكم بنوهم بنوكم لن ينفعكم ذلك أبدا بل يوم القيامة يفصِل الله جل وعلا بينكم ولا تصِلُون إلى من أرضيتُموهم إلا بسخط الله جل وعلا فيسخطُ عليكم إذ اشتريتم رضاهم على رضا جل وعلا.
 ومن وافق أهل الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسِر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته مهما كانت صلته بهم ولذلك قال الله جل وعلا (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يعني علِم ورأى ما فعلتموه وما صنعتموه فأَطلَع نبيه ﷺ عليه وافتضحتم به عند نبيكم ﷺ ولكن ما داموا لهم قدم صدق ومادام لهم سابقة خير فإن الله جل وعلا لا يُهدِر ذلك وكذلك نبيه ﷺ لم يُهدِر ذلك ولعل النبي ﷺ علِم ذلك من نداء الله  جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولذلك قال (ما يُدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
 / ثم يضرب الله مثلا ويُذكِّرهم به فيقول لهم ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) ألا تذكرون إبراهيم وما كان فيه من أسوة حسنة هو والذين آمنوا معه من أتباعه الذين آمنوا (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ) لما آمنوا قالوا لقومهم (إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ) تبرأنا منكم ومما تعبدون من دون الله (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ففاصل إبراهيم والده وفاصل قومه وكسَّر أصنامهم وقال إني بريء منكم ومما تعبدون من دون الله فتبرأ إبراهيم منهم إلا لما وعده موعِدة أن يستفغر له (سأستغفر لك ربي ) دعا إبراهيم ربه أن يغفر له ولوالديه فلما نهاه الله جل وعلا عن ذلك تبرأ منه، وحين تبرأ منه إبراهيم علت منزلته عند الله جل وعلا واتخذ الله إبراهيم خليلا. فكانت براءة إبراهيم من والده مع كفره وكانت تضحيته بابنه مع إيمانه تلبية ﻷمر الله جل وعلا فكان من إبراهيم صفاء القلب وإخلاص الروح وإخلاص العمل، والمودة الظاهرة لدين الله جل وعلا وأنه ليس في قلبه إلا الله لذلك اتخذ الله إبراهيم خليلا.
/ قال الله سبحانه وتعالى (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمِ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا)  يعني دائما في الدنيا وفي اﻵخرة فهم يتبرؤن منهم في الدنيا يعرضون عنهم فإن لاقوهم قاتلوهم على التوحيد والدين وإن لقُوهم في اﻵخرة فإنهم لا يشفعون لهم ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو ذرياتهم فإنهم لا يشفعون لهم لأنه لا يستحق الشفاعة إلا أهل اﻹيمان.
/ قال الله جل وعلا (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) يستثنى من ذلك قول إبراهيم ﻷبيه
(لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) وبالفعل استغفر له ولكنه لا يملِك شيئا إلا تلك الكلمة التي قالها عن عِدتِه التي وعده إياها ولذلك فإن الله جل وعلا بيّن هذا لئلا يحتجّ به أحد.
نكمل إن شاء الله في اﻷسبوع القادم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.                                                                                               

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق