الأحد، 18 أكتوبر، 2015

المرحلة الأولى/ (الوقوف على الآثار الواردة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم الصحابة وأئمة التابعين في الآيات)



المرحلة الأولى :



فهم الآثار والمرويات الواردة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والتابعين في بيان معنى الآية وفي فضائل السورة وفي أسباب النزول وفي معرفة الناسخ والمنسوخ ، وهذا لابد منه ، لا نستطيع نفهم القرآن بغير ذلك لأن هؤلاء هم الذين نزل فيهم القرآن ، وهم الذين فهموا المراد منه ولا نستطيع نحن أن نفهم منه شيئا لم يفهمه أولئك ، نعم نستطيع أن نزيد بالمعنى بما يوافق المعاني التي جاؤا بها ولكن لا نستطيع أن نخالفهم في المعاني التي وردت عنهم ، فالله لما أنزل القرآن أنزله على رسوله ولم يُنزله كتابا وجدناه في الكعبة وإلا وجدناه فوق جبل وإلا وجدناه مثلا في مكان معين قال خذوا هذا الكتاب واقرؤه كيف شئتم ، لا ، أنزل كتابا على رسول حتى يُبيّن لنا (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فالرسول بيّن ووضح وأزال الإشكال وحلّ ما أشكل على الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- والصحابة فهِموا والقرآن ينزل فكانوا كلما أشكل عليهم شيء جاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألوه ، ماذا قالوا لما أنزل الله -عز وجل- (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فهموا معنى الظلم هنا أنه كل معصية ، فهموها بشكل عام فجاؤوا إلى الرسول فقالوا : يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال : ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، ففسر الله الشرك بأنه هو الظلم ، يعني الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ، فلما أشكل على الصحابة لجؤا إلى رسول الله ليوضح لهم . إذا -يا إخواني- نحن بحاجة إلى معرفة الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في فهم القرآن . فإن قيل: هل هناك من أمور نحترز منها عندما في الأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب؟ نقول : نعم ، هناك أحدايث ضعيفة وموضوعة يجب علينا أن نحذر منها ، إذا كان الإنسان لا يُحسن هذا الفن فإنه يرجع فيه إلى من يُحسنه من الأئمة النُقّاد والعلماء الكبار .
ثم إذا لم نجد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في صفحة (24) 



فإننا نلجأ بعد ذلك إلى تفسير الصحابة ، فإن قلت : لِم نلجأ إلى تفسير الصحابة؟ نقول : لأن الله أثنى عليهم ومدحهم وزكّاهم في القرآن ومقتضى هذه التزكية أن يكون لهم شأن وأن يكون قولهم مقبولا وأن نرُدّ إليهم ما نختلف فيه قال الله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا...) الخ الآية وهذا يجعل لهم مقاما ومنزلة تجعلنا نرجع إلى أقوالهم ونحتكم إليها قال الله -عز وجل- (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) يعني جاؤوا بعدهم متبعين لما كانوا عليه بإحسان ، محسنين . وفي السُّنة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (النجوم آمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعد) يعني السماء لا تذهب ولا تُطوى حتى تذهب هذه النجوم وتنكدر كما قال الله -عز وجل- (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) قال (وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يُوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون) وقال -عليه الصلاة والسلام- (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
فإن قيل : إن هذه النصوص تدلّ الفضل لا على العِلم بالقرآن؟ فالجواب : أن العِلم الحقّ بالقرآن هو رأس الفضائل فمن أدركه فقد سبق سبقا عظيما ومن فاته سُبق سبقا بعيدا ، يعني أيّ فضل لهم -لهؤلاء الصحابة إذا لم يكونوا من أهل العلم الذي يُتبع أو يُتبعون عليه.
ثم قال : فإن قيل : لكن هذه النصوص تدل على أفضليتهم في علم بالقرآن بالجملة لا بالأعيان؟ الجواب : وهذا هو المراد ، يعني نحن لا نقول إن كل واحد من الصحابة أصاب الحق في تفسير القرآن فإنه قد يُفسر الصحابي الآية بتفسير يكون مرجوحا ويكون غيره من اصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أصاب الحقّ فيها ولم يُصبه الآخر .
إذا فما المراد؟ نقول : لا يخرج من أقوالهم فالاتباع المطلوب هو اتباع لجميعهم لا لواحد منهم وعليه لو أن إنسانا جاء بقول لم يقل به أحد من الصحابة قلنا له هذا القول خطأ ومردود عليك لأننا إذا قبلناه منك فقد ادعينا أن الصحابة لم يفهموا القرآن ، وأنه قد خلا عصرهم من قائل لله بالحُجّة ، وهذا ضلال ، هل يمكن للصحابة والتابعين بقوا إلى اليوم ما فهموا شيئا من القرآن وأنت يا من جئت في القرن الخامس عشر فهِمت القرآن؟! هل يليق هذا بأصحاب رسول الله وبالتابعين وبالأمة وبهداية الله لهذه الأمة ؟! لا يليق . إذا لا يمكن أن يكون المعنى خفي على أولئك وظهر لك ، لابد أن يكون الحقّ في قول واحد منهم إن لم يكن في أقوالهم جميعا . ثم - يا إخواني- من عاصر نزول القرآن لاشك أنه أحرى بالحق مِمن لم يُعاصر ، ومن عاصر نزول الوحي أو من عاصر من نزل عليه الوحي وهو رسول الله أحرى بالحق مِمن لم يعش مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ثم إن الله قد اختارهم لصُحبة نبيه وهذا يدل على أن لأقوالهم مزية.
المقصود -يا إخواني- من هذا الكلام أننا يجب علينا أن نرجع إلى تفسير الصحابة وأن نقدم هذا التفسير وأن نرى أن له اعتبارا وحُجيّة ولكن ليست الحُجيّة في قول كل واحد منهم لأنهم يختلفون ، وإنما الحُجيّة في مجموع أقوالهم فالحق لا يخرج عن مجموع أقوالهم . وهنا كأني ببعضكم يقول : إذا خلاص -نقفّل على التفسير- إن لقيناه عند الصحابة وإلا لا نفهم شيء؟ نقول : لا يا أخي نحن نقول فهم المعنى  يجب أن يكون من الصحابة وأما نحن فإننا نستنبط من المعنى ما نشاء ما دام موافق للمعنى الذي جاء عن الصحابة . فإذا جئت -مثلا- إلى قول الله -عز وجل- (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فقال الصحابة في تفسيرها : "لا نعبد إلا الله ولا نستعين إلا بالله " فقلت أنظر كيف قدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة حق الله والاستعانة حق المخلوق فقُدم حق الله على حق المخلوق ، هذا المعنى هل يُعارض ما جاء عن الصحابة؟ لا يُعارض ، ولو قلت انظر إلى قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) من باب توحيد الألوهية و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) من باب توحيد الربوبية وهذا فيه دلالة على أن توحيد الألوهية أعلى وأجل منزلة من توحيد الربوبية ، هذا لا يُعارض ما جاء عن الصحابة ، ولو قلت إن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) عليها مدار الأمر والشرع والخلق كله والناس لا يخرجون عن هذين الأمرين : إما عابدون مستعينون ، وإما غير عابدين ولا مستعينين ، وإما عابدون غير مستعينين ، وإما غير عابدين مستعينون فأصناف الناس أربعة ، هل يُعارض هذا ما جاء عن الصحابة ويُخالف الفهم الذي قالوه لنا؟ لا يُعارض ، فنحن في الاستنباط نتوسع ما لم نأتِ بشيء يُناقض أقوالهم كأن يقول أحدهم (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معناها إياك نصلي ، نقول : لا ، نستعين نطلب العون ونسأل وندعو ونلجأ إليك ونتضرع وليست بمعنى نصلي ، وليست بمعنى نصوم ..الخ. المهم أن المؤلف بيّن أن تفسير الصحابة حُجّة وأنه لا يجوز الخروج على أقوالهم والإتيان بقول يُناقض ما قالوه.
لما ذكر ذلك انتقل إلى شيء مهم جدا وهو : تفسير التابعين ، ولماذا اختار التابعين؟ لأن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة وكانوا في عصر اللغة فيها قوية والناس لم تصبهم العُجمة في ألسنتهم وكانت الأهواء قليلة ، وقد تلقوا هذا التفسير عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتفرغ كثير منهم له مثل: مجاهد بن جبر، مجاهد هذا إمام من أئمة التابعين في التفسير تفرغ للتفسير ، قرأ القرآن على ابن عباس -حبر الأمة وتُرجمان القرآن- ثلاث مرات من أوله إلى آخره يوقفه عند كل آية فيسأله عنها ولذلك قال سفيان : "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به" لماذا؟ لأن مجاهد تفرغ لهذا الفن وأخذه من إمام من أئمة الصحابة الذين دعا لهم الرسول-صلى الله عليه وسلم- . إذا فتفسير التابعين عندنا له مزية ولذلك نقول نحن نرجع إلى تفسير التابعين وليس معنى ذلك أن كل واحد من التابعين أصاب الحق في التفسير ، لا ، ولكن نقول إن الحق لا يخرج عن أقوالهم فإذا جاء إنسان يُفسّر آية يجب عليه أن ينظر فيما قاله الصحابة وما قاله التابعون حتى لا يخرج فيما يقوله عن أقوالهم ، ولا يأتي بشيء يُبطل به أقوالهم . لو جاء واحد -يا إخواني- فقال (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ) قال السيارة يعني عندهم سيارات ؟! نقول لا ،السيارة في كلام العرب بمعنى القافلة التي تسير ، هذه تُسمّى سيارة.  لو قال لك أحدهم انظروا إلى القرآن السيارات هذه ليست حديثة من زمان الناس يعرفون السيارات ، نقول لا ، الناس سمّوا هذه سيارة ولكن السيارة تُطلق في اللغة العربية على القافلة . انتبه! ثم ذكر جملة من التابعين الذين اشتهروا بالتفسير كسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وعطاء ، والحسن البصري ، ومسروق بن الأجدع ، وسعيد بن المسيب ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس وقتادة ، والضحّاك بن مُزاحم ، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم .
قال في [ص: 27] :
 أعطيكم مثال : قال الله -عز وجل- (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ما هو اليقين؟ قال الصحابة والتابعين : اليقين هو الموت واستلوا على ذلك بقول الله -عز وجل- في سورة المدثر (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ) جاء جماعة من الناس ممن ضلوا عن منهج الصحابة والتابعين في الدين فقالوا : اليقين : مرحلة من بلغها سقطت عنه التكاليف. ما رأيكم بهذا التفسير؟ نقول : مردود ، مرذول ، غير مقبول لأنه خالف إجماع الحُجّة من الصحابة والتابعين في التفسير فنرده على صاحبه ولا نقبله ونرى أن من يأخذ به فهو مرذول وقد حاد عن طريق الصحابة والتابعين .
طيب : "وما اختلفوا فيه لم يخرج الحق عن أقوالهم" 
كيف لم يخرج الحق عن أقوالهم؟ نقول : إذا اختلف الصحابة في آية ما على قولين أوثلاثة فالحق يدور في هذه الأقوال الثلاثة إما هذا أوهذا أو هذا، مثاله : قال الله -عز وجل- (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) اختلف العلماء من الصحابة والتابعين في معنى الصراط المستقيم:
 فقال بعضهم : الصراط المستقيم هو الإسلام
قال بعضهم: هو القرآن
وقال بعضهم : هو سنة رسول الله
وقال بعضهم : طريقة أبي بكر وعمر .
هذه أقوال الصحابة والتابعين ، لو جاءنا إنسان وقال : الصراط المستقيم هو مكة والمدينة نقول هذا غير صحيح ولا يمكن لأنه لابد تقول بواحد من هذه الأقوال الأربعة ، الحق لا يمكن أن يخرج عن هذه الأقوال الأربعة أو الخمسة التي أُثرت عن الصحابة والتابعين.
مثال آخر : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) يعني إذا طلقت المرأة قبل أن تدخل بها وقد قررت لها مهرا معينا فماذا يجب في هذه الحالة؟
 قال الله (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) يعني يجب للمرأة النصف وجوبا (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يعني إلا أن تعفو المرأة عن هذا النصف تقول لا ، لا حاجة لي به خذه الله يستر علينا وعليك (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) من هو الذي بيده عقدة النكاح؟ 
قيل : الذي بيده عقدة النكاح هو ولي المرأة ، وقيل : الزوج .هذه أقوال الصحابة والتابعين  في هذين القولين ، لو قال واحد : الذي بيده عقدة النكاح هو الحاكم أو القاضي ، قلنا لا ، لا يمكن أن يكون هذا من الحق ، لا يمكن ، لماذا؟ لأنه لم يرِد عن الصحابة والتابعين أنهم فسروا (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) بأنه هو القاضي أو الحاكم ، وما هو الصحيح؟ الصحيح أنه الزوج لأنها بعد ما عقد عليها صار عقدة النكاح بيده هو ، هو الذي يُطلق وهو الذي يُمسك وكأن الآية قسمت المهر قسمين قال : إلا أن تعفو المرأة عن حقها أو يعفو الرجل عن نصيبه فيقول لا والله ، أنا والله عقدت عليكِ وقررت لكِ أربعين ألفا أو خمسين ألفا وكسرت خاطركِ فلك كل هذا المهر فتكون قسمة عادلة ، أليس كذلك. وهلُم جرا. إذا ما اتفقوا عليه فهو حُجّة ولا يجوز مخالفته ، ما اختلفوا فيه لم يخرج الحق عن أقوالهم.
فإن قال قائل : فما لم نجده عن الصحابة والتابعين فما حكمه؟ أكل ما لم يأتي عنهم في التفسير يكون باطلا؟ الجواب -هذا الجواب مهم- : قيل ما ناقض أقوالهم -ضادها- هو الباطل ، أما ما سكتوا عنه فما وافق أصولهم فهو حق وما خالفها فباطل بمعنى : أن ما يُؤتى به من معانٍ جديدة ننظر : إن كان مُناقضا لأقوالهم فهو باطل مثل الذي يقول إن الذي بيده عقدة النكاح هو مدير الجامعة ، نقول : لا ، غير صحيح ، أو المسؤول عنها في الوظيفة ، نقول ليس بصحيح ، أبدا لم يقل بهذا أحد. هذا مُناقض لأقوالهم .
أما ما سكتوا عنه ، لم يذكروا فيه شيئا فإن وافق أصولهم فهو حق وإن خالف أصولهم فهو باطل ولذلك قال :





يعني أنه سيذكر الآن أصول السلف -رحمهم الله- من الصحابة والتابعين في التفسير.
يقول : ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة والتابعين  في التفسير  يكون على ثلاثة أنواع . النوع الأول : ما ورد في فضائل الآيات أو السور. 
هذا نوع ، ولماذا ما ورد في فضائل الآيات والسور مهم؟
لأننا نعرف بذلك أن السورة عظيمة القدر عند الله -سبحانه وتعالى- ، لماذا نحن نُعنى بآية الكرسي؟ لأنها أعظم أية في القرآن ، ولماذا نُعنى بسورة الفاتحة؟ لأنها أعظم سورة في القرآن ولهذا نحن نجتهد في فهمها أكثر من اجتهادنا في فهم غيرها من سور القرآن . ولماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سورة الإخلاص إنها تعدِل ثُلث القرآن؟ ليُبيّن لنا أن هذه السورة مُتميزة وأنه ينبغي للناس أن يقرؤها ويفهموا معناها وأن يؤمنوا بما جاء فيها ، فهذا يدلك على شرف هذا الكلام ، والقرآن -كما قرر أهل السُّنة- يتفاضل ، القرآن يتفاضل ولذلك فيه أعظم آية وأعظم سورة ، وما يعدل ثلث القرآن وما يعدل ربع القرآن..الخ .
ثم ذكر المؤلف من ألفوا وصنفوا في جمع فضائل السور ، وهذا الكلام ليس مما نتعني به في هذه العُجالة لكن من أراد يتفقه فيه فليقرأ كلام المؤلف إلا أننا نُبيّن -وقد بيّن المؤلف ذلك- جزاه الله خيرا ، أن بعض الناس غلوا في أمر تصحيح الآثار الواردة في فضائل السور وجعلوها مثل الأحاديث الواردة في الحلال والحرام ، وهذا مُخالف لطريقة المُتقدمين من المُحدثين والأئمة المعروفين فإنهم كانوا -رحمهم الله- يُشددون في أحاديث الحلال والحرام والأحكام ويتورعون فيها ولكن في أحاديث الفضائل وما يتصل بها فإنهم يتسامحون إذا لم يكن الضعف شديدا أو لم يصل لدرجة الوضع فإنهم يتسامحون في نقل تلك الفضائل لأن هذا الأمر لا يترتب عليه شيء يضر.
الأمر الثاني مما جاء عن الرسول والصحابة في التفسير : ما ورد في أسباب النزول.
وما المقصود بأسباب النزول؟ يقول المؤلف : هو ما نزلت الآية من أجله شريطة أن تكون في زمن وقوعه. فكل ما وردت الآية من أجله وكان في زمن الوقوع فيُعتبر من أسباب النزول مثل لما جاءت خولة بنت ثعلبة تشتكي إلى رسول الله أن زوجها قد ظاهر منها وكانت في طرف الحجرة وعائشة في طرف الحجرة وكانت عائشة تقول : "وإني لأسمع بعض قولها ويخفى عليّ بعضه" فتقول عائشة " فنزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) هذا يُسمّى سبب نزول لأن الآيات نزلت عند تلك الحادثة فيُقال هذا الحديث أو هذه القصة هي سبب نزول هذه الآيات من سورة المجادلة . وقد تتابع المفسرون كما في [ص :30] على أهمية الوقوف على أسباب النزول وأنها مهمة جدا في بيان المعنى ولعلي أذكر لكم مثالا واحدا حتى تعرف أهمية معرفة أسباب النزول في فهم الآيات : قال الله -عز وجل- (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ماذا تفهمون من قوله (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) نفهم منها أنه لا حرج على الإنسان أنه يسعى بين الصفا والمروة وأن السعي بينهما ليس واجبا ، وهذا غير صحيح لأن الآية لم تأتِ لبيان حكم السعي بين الصفا والمروة ابتداء إنما جاءت لإزالة إشكال وقع فيه الصحابة لأنهم كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الجاهلية فقال الله لا ، السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله وليس من شعائر الجاهلية (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ) لا يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة بحجة أنهما من شعائر الجاهلية ، أو بحجة أن على الصفا صنم وعلى المروة صنم فهو يخشى من الطواف بين صنمين ، لا هما من شعائر الله وأهل الجاهلية اعتدوا عليهما فوضعوا عليهما أصناما فلا تقل يجوز لك الطواف أو السعي بين الصفا والمروة ولا يجب عليك لقول الله (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) نقول لا ، هذه الآية إنما جاءت لسبب مُعين . وهذا يدلك على أهمية معرفة أسباب النزول ، بل إن أسباب النزول تُبيّن معاني القرآن مثل : قول الله -عز وجل- (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) لا ندري ما هو النسيء لكن حين تقرأ في أسباب النزول تجد أن العلماء ذكروا النسيء : شيء كان يفعله أهل الجاهلية وهو : أنهم يؤخرون حُرمة الشهر الحرام إذا اشتهوا القتال والغنيمة من القبائل الأخرى قالوا هذا شهر مُحرم وسيطول علينا فلننقل التحريم إلى شهر صفر ونذهب نغزو الآن ، فيذهبون ويغزون وينقلون التحريم إلى شهر صفر ، وإذا مرت بهم قافلة وهم في شهر رجب المُحرم قالوا والله فرصة ماذا نصنع ، فينقلون التحريم إلى شهر شعبان واغزوا الآن واغنموا هذه القافلة ، فقال الله -عز وجل- (إِنَّمَا النَّسِيءُ) أي التأجيل في حُرمة شهر حرام زيادة في الكفر ، يعني هو زائد على ما كانوا فيه من الكفر (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) كيف نفهم هذا؟ لو ما عندنا أسباب النزول ما عرفنا الآية وما عرفنا معناها.
وقد أفرده العلماء بالتصنيف ، من أقدمهم ابن المديني ، ومن أجود المُصنفات فيه :(العُجاب في بيان الأسباب) للحافظ بن حجر
(لُباب النقول لأسباب النزول) للسيوطي -رحمه الله-
(الصحيح المُسند من أسباب النزول) للعلامة الشيخ مُقبل الوادعي -رحمه الله- .
ومنها أيضا : كتاب (المقبول في أسباب النزول) للشيخ الد.عصام الحميدان جمع فيه أسباب النزول المقبولة من كتب التفسير . 
وأيضا هناك كتاب جديد صدر حديثا -قبل سنة تقريبا- اسمه (المُحرر من أسباب النزول) لـد.خالد المزيني.
النوع الثالث : التفسير المُسند عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
يقول المؤلف : الناظر في التفسير بالمأثور ينبغي أن يقف على أمرين اثنين :
- النظر في طُرق روايته
- النظر في فهم درايته.
يعني : أن تنظر في الرواية أولا ، طرق الرواية هل الأسانيد صحيحة ، هل هي مُعتبرة ، هل فيها ضعف ، والثاني في المعنى - تفهم المعنى فهما صحيحا- .
أما الأول : وهو النظر في طُرق الرواية فإن للتفسير طرقا مشهورة معتبرة عند أئمة المفسرين بالأثر بمعنى ابن عباس -رضي الله عنه- له طُرق في التفسير ، بمعنى أن هناك تفسير ابن عباس يُروى بأسانيد معلومة لدى العلماء -رحمهم الله- فهناك طريق فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس ، وطريق فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس ، وطريق فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس ، الطريق الأول أجود طريق إذا جاءك التفسير عن طريقها فهو أحسن ما يأتي عن ابن عباس ، الطريق الثاني حسن ، الطريق الثالث مُعتبر ، ضعيف فيه انقطاع ، الطريق الرابع كذب في كذب لا تأخذ منه شيئا . يقول هناك طُرق مشهورة للتفسير ، يعني أسانيد معروفة عن أئمة التفسير كابن عباس وابن مسعود وأُبيّ بن كعب وغيرهم من الأئمة وهي معروفة عند الأئمة ولذلك إذا قرأتم في تفسير الطبري تجدون أن الطبري يُكرر الأسانيد في كل آية حدثني فلان قال حدثني فلان قال حدثني فلان عن ابن عباس أنه قال كذا ، ثم تجد هذا الإسناد في أكثر الآيات لماذا؟ لأن هذا الإسناد رُوي به هذا التفسير كله من أول القرآن إلى آخره فقطّعه الطبري على الآيات تقطيعا حتى يُبيّن لك من أين روى هذه الكلمة هل هو من الطريق الفلاني أو من الطريق الفلاني.
وينبغي في هذا المبحث أن يُعلم أن الآثار الواردة في التفسير على نوعين :
النوع الأول : آثار يُراد إثبات عموم معناها لا دقائق ألفاظها . ما معنى هذا الكلام؟ يعني هناك آثار في التفسير كثيرة نحن لا نريد منها التدقيق في ألفاظها وروايتها إنما نريد أن تُثبت لنا عموم المعنى ، تفسير السلف يدور حول هذا المعنى ولذلك العلماء في هذا النوع لا يُدققون كثيرا ، ولاينظرون إلى صحة الأسانيد بل إنهم يتجاوزون وعلى ذلك سار الأئمة الكبار كالطبري وابن أبي حاتم وابن المُنذر وعبد بن حُميد ومن جاء بعدهم من الأئمة لا يُحققون ولا يُنقرون ولا يُدققون في مثل هذا النوع من الأسانيد فيقول لك -مثلا- في قول الله -عز وجل- (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) (تَحُسُّونَهُمْ) بمعنى تقتلونهم ، حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس قال (تَحُسُّونَهُمْ) أي تقتلونهم قتلا ذريعا ، وحدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس (تَحُسُّونَهُمْ) أي تُقاتلونهم فتستأصلونهم ، الإسناد الثاني لما تنظر إليه ضعيف شديد الضعف ومع ذلك يذكره الأئمة لماذا يذكرونه؟ لأنهم يريدون بذلك إثبات المعنى فقط ولا يريدون تحقيق اللفظ ولذلك يتساهلون في رواية هذا الأمر لأنه لا يتعلق بالحلال والحرام وبالأحكام وإنما بإثبات المعنى ، وثبوت المعنى يتم بعدد من الوجوه . يعني لو قال لنا واحد أنه قبل شهر رمضان أُعلن أن الشيخ عبد الله بن جبرين توفي ، صحيح؟ نعم صحيح ، من حدّثك بهذا؟ قال : حدثني واحد من العمال يشتغل في منطقة الصناعية وقال إن الشيخ عبد الله بن جبرين توفي ، هذا إسناده منقطع -يا أخي- والرجل هذا ضعيف وليس من أهل العلم لا نقبل بل الشيخ الآن حيّ ، هل نقول هذا؟ لا ، قد استفاض في الناس أن الشيخ تُوفي وكون هذا العمل حدّث به ووكالة الأنباء الأمريكية وإلا الأوروبية وإلا الروسية تحدثت عنه لا يضير هذا الخبر شيئا إنما يزيده ثقة وصحة . فالعلماء -رحمهم الله- إذا أرادوا إثبات المعنى لا دقائق اللفظ يتساهلون في الرواية فيذكرون المناكير والمقاطيع والضعيف والمرويات التي لا يُعتد بأسانيدها في الحلال والحرام ولكن يُعتد بأسانيدها في السِير والمغازي والملاحم وفي التفسير وفيما لا يكون شأنه شأن الحلال والحرام ، وهذا هو الكلام الطويل الذي ذكره المؤلف -وفقه الله- في مبحث نفيس جدا أوصيكم بقراءته لأنكم ستجدون بعض طلاب العلم -مع كل أسف- ليسوا من أهل التحقيق جاؤا إلى بعض كتب التفسير يحققونها فيقول لك بعد كل رواية وهذا إسناد ضعيف ولا يُعتد به ، وهذا إسناد موضوع ولا يُعتد به ...، فتقول إذا كل ما ورد عن الصحابة والتابعين ضعيف وموضوع كيف نصدق؟ وماذا نفعل؟ ولا نقبل هذا الشيء؟ نقول : بلى ، قبله ابن كثير وقبله ابن جرير وقبِله الأئمة الكبار وحدثوا به ونقلوه إلينا واعتدوا به لأن المقصود به إثبات عموم المعنى لا التدقيق في الألفاظ .
القسم الثاني : وهذا ذكره المؤلف في [ص:37] قال : آثار في التفسير يُراد الاحتجاج بها أو إثبات دقائق ألفاظها .
عندما يكون للتفسير معنى وعندما نريد إثبات هذا اللفظ عن ابن عباس أو عن ابن مسعود ، وعندما يكون ما ورد فيه من معنى مُغاير لما ورد عن سائر السلف وفيه شيء من النكارة هنا نُدقق ونقول هذا الإسناد ضعيف لا نعتد به في نقل هذه الرواية. أذكر لكم مثال غير ما ذكره المؤلف ليزداد به المعنى وضوحا : 
في قول الله -عز وجل- (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ورد عن جملة كبيرة من الصحابة والتابعين أن كرسيه -كرسي الرب- موضع قدميه وهذا هو الوارد عن عامة السلف أن الكرسي هو موضع القدمين ، وممن ورد عنه ذلك ابن عباس بأسانيد صحيحة ، ووردت رواية عن ابن عباس أن كرسيه في هذه الآية بمعنى العِلم ، فنظرنا كيف فُسر الكرسي هنا بمعنى العِلم ، لم يُنقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ، وليس هو بالمشهور في لغة العرب أن يُسمى العِلم كُرسيا . إذا دعونا نتوقف ما هو الإسناد الذي جاءت به هذه الرواية نظرنا إلى الإسناد فوجدناه إسنادا ضعيفا فماذا نفعل؟ ... ندفن هذه الرواية بكل أريحية وما عندنا مشكلة . هنا حين احتجنا للتدقيق في الألفاظ والنظر في المعنى الذي خالف المعاني الواردة عن جملة الصحابة والتابعين أو كان في ظاهره نكارة أو خالف أحكاما وردت في القرآن أو في السُّنة دققنا وحققنا ونقّرنا وفتشنا وصححنا وضعّفنا ، هنا يليق بنا أن نفتش. فهذه القضية يجب أن تكون ظاهرة لدينا ، وذكر المؤلف -وفقه الله- أمثلة ونماذج لهذا الأمر .
ثم بعد أن تحدثنا عن الرواية بقيت علينا الدراية فقال : الأمر الثاني : النظر في فهم درايته . يعني في فهم المعنى المذكور في الرواية سواء كانت حديثا نبويا أو أثرا للصحابة أو عن التابعين. قال : وهذا هو المقصود في المراحل السبعة المتبقية . يعني المراحل الباقية كلها ستتحدث عن المعنى ولن تتحدث عن الإسناد وطريق الرواية.
قال : ولكني أُشير هنا إلى مسألتين جليلتين :
المسألة الأولى : أهمية الإحاطة بأقوال السلف في الآية المُفسّرة.
 المقصود : يعني عندما تريد أن تُفسّر آية إياك أن تقتصر على قول واحد من الصحابة أو قول اثنين أو ثلاثة من الصحابة أو التابعين ، بل ينبغي لك أن تجمع ما تستطيع من أقوال الصحابة والتابعين في بيان معنى الآية حتى ينتظم لك معناها من مجموع أقوالهم فإنك أحيانا قد ترى في قول أحدهم معنى قد لا يكون هو المعنى الذي يحوي المراد في الآية بل يكون قاصرا عن بعض معناها ، وهذا أمر مهم لأن الصحابة والتابعين كانوا أحيانا يُفسرون بالمثال يعني يقولون (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) 
قال بعض الصحابة : الباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)،وقال بعضهم : الباقيات الصالحات ذكر الله ،وقال بعضهم : قيام الليل وصيام الهواجر ، وقال بعضهم : .....الخ
لو أني قرأت الأول وسكت ، ما فسرت الباقيات الصالحات إلا بـ (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) لكن لما قرأت المقالات الأخرى فهمت أن الباقيات الصالحات هي : الأعمال الصالحات التي تبقى للإنسان -بإذن الله- بعد موته فيراها يوم القيامة نورا تتلألأ بها صحيفته سماها الله بالباقيات . إذاً إذا أردنا أن نفسِّر ينبغي لنا أن نُحيط بأقوال السلف وأن نفسِّر الآية بكل ما قالوه مثال ذلك : قال الله -عز وجل- {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا } ما معنى (دِهَاقًا)؟ قال بعض السلف : صافية ، قال بعض السلف : متتابعة ،وقال بعض السلف: ملأى. طيب ما هو الحق؟ الحق مجموع منها جميعا فهي كأس ملأى وهذا أقرب المعاني في اللغة وأكثرها ورودا في اللغة إن الدِهاق المليان ، وصافية ليس فيها كدر ولا شائبة ، ومتتابعة تأتي إثرها في إثر بعض كأس من الخمر وكأس من العسل ، وكأس من الماء ، وكأس من اللبن ، إلخ ما هنالك من القائمة الطويلة من كؤوس الجنة نسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يدركونها.
قال في [ص:40] : ويقول شيخ الإسلام في مقدمته المشهورة في التفسير : "الخلاف بين السلف في التفسير قليل" .
قليل يا شيخ الإسلام ونحن نرى تفسير الطبري فيه أربعين ألف رواية ، كيف تقول قليل؟! نعم قليل باعتبار أن غالب الخلاف الذي ورد عنهم إنما هو من باب اختلاف التنوع الذي يمكن أن تجتمع الأقوال فيه على شيء مُعين .
قال : وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير.
الأحكام المقصود بها أحكام الصلاة والطهارة والعبادات والمعاملات وغيرها خلافهم فيها أكثر من خلافهم في التفسير ، وغالب ما يصح عنهم من الاختلاف يرجع إلى اختلاف تنوعٍ لا اختلاف تضاد ، يعني غالب اختلاف السلف في التفسير يرجع إلى اختلاف التنوع لا إلى اختلاف التضاد. إذاً عندنا الاختلاف نوعان : اختلاف تنوع ، واختلاف تضاد . اختلاف التنوع كما ذكرنا في (الصراط المستقيم) قال بعضهم :   السّنة والجماعة ، قال بعضهم : طريقة أبو بكر وعمر ، قال بعضهم : الإسلام ، قال    بعضهم : القرآن ، قال بعضهم : طريق الجنة ، طيب : ما هي المشكلة؟ أي قول منها تختاره يدل على الثاني ، هل يمكن أن يكون الإسلام بدون قرآن أو القرآن بلا إسلام؟لا يمكن . والقرآن والإسلام هل يمكن أن يكونا بغير السنّة والجماعة؟ لا ، والسنة   والجماعة هل يمكن أن تكون طريقة مخالفة لطريقة أبي بكر وعمر؟ لا ، إذاً : فحلاف السلف غالبه من اختلاف التنوع. قال : وذلك صنفان . يعني غالب طريقة السلف في تنوعهم تؤل إلى أمرين ، ماهي يا شيخ الإسلام؟ قال :




يعني أن كل واحد يُعبِّر عن المراد بعبارة تختلف عن عبارة صاحبه ومعناها يختلف عن معنى عبارة صاحبه لكنها تجتمع على ذات واحدة مثل لو أقول لك صِف لي فلان فيقول واحد : فلان طويل ، ويقول الثاني : فلان أسمر ، طويل هي بمعنى أسمر؟ لا، طويل لها معنى معروف ، وأسمر معنى معروف لكن طويل وأسمر مجتمعة في ذلك الشخص الموصوف . فكثير من السلف -رضوان الله تعالى عليهم- يُفسرون المعنى بعبارات مختلفة ، كل عبارة مختلفة عن العبارة الأخرى لكن يمكن اجتماعها في ذات واحدة كما قلنا في صافية ومتتابعة وملأى ، الامتلاء يختلف عن الصفاء ، والصفاء يختلف عن التتابع لكن يمكن اجتماعها في إناء واحد؟ يمكن ، فهذا الكأس الذي يأتي المؤمنين في الجنة يأتي صافيا ويأتي مليان ويأتي كأسا إثر كأس . وبهذا يكون غالب تفسير السلف من هذا النوع .
قال في [ص:40] : الصنف الثاني : أن يذكر كلٌ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل المثال. وهذا كثير عند السلف يعني يذكرون من الاسم العام بعض أنواعه مثل ما قلنا في الباقيات الصالحات فهذا يذكر الأذكار ، وهذا يذكر الصلوات ، وهذا يذكر الصوم ، وهذا يذكر الزكاة والصدقة وكل واحد منهم يُسمّي مثالا لهذا الاسم العام الذي ينتظم أنواعا كثيرة أو نماذج وأمثلة كثيرة.
ثم قال المؤلف : كيف نجمع بين أقوال السلف المختلفة في الآية .
نقف هنا عند هذه النقطة ونكمل إن شاء الله في يوم غدٍ.
ملحوظة : من طريقة السلف أنهم يكتبون عند الكلمة التي وصلوا إليها بلغ يعني بلغ إلى هنا .  سبحانك الله وبحمدك أشهد ألاّ إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا    من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا   شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد : فهذا هو المجلس الثاني في شرح هذا الكتاب المتخصص في أصول التفسير وقواعده والمُسمى بالمراحل الثمان لطالب فهم القرآن لمؤلفه الد.عصام بن صالح العويد الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .
وقد وصلنا إلى بعض المسائل في المرحلة الأولى التي خصصها المؤلف أو ذكر المؤلف أنها هي المرحلة التي يبدأ بها المُفسِّر وهي المرحلة الخاصة بفهم كلام السلف وجمع مروياتهم والنظر فيما ورد عنهم فإنه لا يليق بأحد أن ينتصب لتفسير القرآن ، ولا يمكن لأحد أن يفهم الآيات فهما دقيقا صحيحا موافقا للصواب ، موافقا لما كان عليه سلف الأمة حتى يعرف ما قاله الصحابة وما قاله التابعون ولذلك حفظ الله -سبحانه وتعالى- لنا مقالاتهم في تفسير القرآن لأنهم كانوا أعلم الأمة بكتاب الله -عز وجل- بعد نبيها -عليه الصلاة والسلام- ، وذكرنا في الدرس الماضي أهمية أقوال الصحابة وأهمية أقوال التابعين ، وذكر المؤلف بعدما ذكر في مسألة جمع أقوال السلف ذكر أن الأمر الثاني بعد جمع المرويات ومعرفة الأسانيد والطرق الموصلة إلى رواية الصحابة ذكر النظر في فهم معاني كلامهم قال : النظر في فهم درايته يعني في فهم كلام هؤلاء السلف وماذا أرادوا بكلامهم فإن بعض الناس قد يقرأ كلامهم فلا يرى فيه شيئا مفيدا والسبب ليس من كلامهم وإنما من ضعف فهمه . وذكر هنا أنه لابد لنا أن نشير إلى مسألتين :
المسألة الأولى : أهمية الإحاطة بأقوال السلف وأنه يجب على من يطّلع على أقوالهم أن يجمع أقوالهم في المسألة معينة حتى يُحيط بجميع ما ورد من أقوال السلف في معنى الآية لأنه لا يتحقق الفهم الكامل التام المستوعِب من قراءة كلام واحد منهم فأنت إذا راجعت كلام ابن مسعود -رضي الله عنه- أو ابن عباس قد يكون في كلام علي أو أُبيّ أو أبي بكر وعمر -رضي الله عن الجميع- ما يكون مُتمما للمعنى ومفيدا في الباب ولعلنا ذكرنا بعض الأمثلة بالأمس. ثم ذكر المؤلف كيف يكون الخلاف بين السلف في التفسير وأن أغلب خلافهم إنما هو من باب التنوع وخلاف المفسرين غالبه من باب التنوع يعني الذي يصح فيه جمع الأقوال كلها وقبولفها جميعا بخلاف خلاف السلف في الأحكام فإنهم يختلفون في الأحكام وخلافهم غالبه في الأحكام من باب التضاد هذا يقول واجب ، وهذا يقول حرام ، وهذا يقول حرام وهذا يقول مكروه ، هذا يقول مكروه وهذا يقول مستحب ، بخلاف الخلاف في التفسير فإنه غالبه من باب التنوع الذي يمكن جمع الأقوال فيه على معنى واحد. وذكر أن تفسير السلف إما أن يكون كل واحد منهم قد عبّر عن المراد بعبارة تختلف عن عبارة صاحبه لكن كلها تجتمع في ذات واحدة مثل ما ذكرنا في قول الله تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أو في قول الله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) فقيل في
(كُوِّرَتْ) لُفت ، وقيل في كُورت انطفأت ، وقيل في كورت أُلقيت في النار ، هذه الثلاثة ثلاثة أقوال كل واحد منها له معنى مستقل لكن يمكن اجتماعها في الشمس يوم القيامة بمعنى أن الشمس يوم القيامة تُلف ، فإذا لُفت انطفأت ثم بعد ذلك تُلقى في النار تبكيتا لمن كانوا يعبدونها حتى يروا ما يتحسرون عليه ، هذه الآية التي كنا نعبدها من دون الله صارت معنا في نار جهنم فييأسون يأسا عظيما ويحصل لهم بذلك شر كبير .
النوع الثاني مما يكون عليه خلاف السلف : التفسير بالمثال ، فقد كان السلف -رحمهم الله- لتيسيرهم في التفسير يفسرون كثيرا بالمثال فإذا ذكر الله -عز وجل- في القرآن شيئا عاما لم يذكروا معنى هذا الشيء العام وإنما يذكرون مثالا له ، يعني مثل لو تقول أنا أحب الشاب الصالح ، فيقول لك واحد ومن هو الشاب الصالح؟ تقول محمد بن عبد الله بن فهد بن ناصر ، لا تريد إن هذا هو الشاب الصالح في الكلام ، يعني لا يُفسر هذا الكلام إلا بفلان ، لا وإنما تريد أن تقول مثل هذا هو الشاب الصالح ، ومثل ذلك ما ذكرناه بالأمس في قول الله -عز وجل- (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) فبعض السلف قال: الباقيات الصالحات يعني (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، وبعضهم قال: هي نوافل الصلاة ، وبعضهم قال: هي صوم الهواجر ، وبعضهم قال ، وبعضهم قال ...، كل واحد منهم أشار إلى نوع من الباقيات الصالحات لأنه أيسر في الفهم ولم يقصد أن يُبيّن أن الباقيات الصالحات يُقصد بها هذا النوع دون غيره ، لم يقصد ذلك . 
ومثل ذلك -مثلا- (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) من هم؟ لو قلت سعيد بن جبير ، وسعيد بن المُسيب ، والحسن البصري ، لا نقصد أن نحصر التابعين في هذه الأسماء الأربعة أو الستة أو العشرة وإنما هؤلاء نموذج لمن تبع الصحابة بإحسان وهكذا.
ثم قال المؤلف -وهو ما وصلنا إليه بالأمس- في [ص:41] كيف نجمع بين أقوال السلف المختلفة في الآية. يعني إذا اختلف السلف في الآية على أقوال متعددة فكيف نجمع بين أقوالهم؟ قال :



يعني أول شيء تبدأ بجمع أقوال السلف قدر ما تستطيع حتى تعرف كيف تتصرف مع هذا الخلاف.




يعني إن كان أهل العلم قد أنكروا شيئا من هذه الأقوال فضعّفوه أو استنكروه أو رأوا أنه شاذّ أو غريب فيجب عليك أن تُبعد هذا القول ولا تأخذ به ولا تعتدّ به.



(تتعارض) يعني إذا جاء أحدها انتفى الآخر ، إذا قلت بواحد يجب أن تطرح الآخر، قال : إما تتعارض فيُرجح بينها بقواعد الترجيح بين المفسرين . يعني إذا تعارضت أقوال السلف في الآية وجب هنا الترجيح ، والترجيح ليس بالهوى بل بقواعد معروفة مضبوطة عند أهل العِلم وذلك -إخواني- موجود في كتب مثل كتاب (قواعد التفسير) لد.خالد السبت ، و(القواعد الترجيحية عند المفسرين) للد.حسين الحربي ، وهذان الكتابان من أفضل ما كُتب في جمع قواعد التفسير وبيان أمثلتها وكلام العلماء حولها. قال : فيُرجح بينها بقواعد الترجيح بين المفسرين،وإما لا تعارض بينها فيُجمع بعضها إلى بعض. مثل ما ذكرنا بالأمس (وَكَأْسًا دِهَاقًا) الكأس الدِهاق ماهو؟ قيل:ملأى،وقيل: متتابعة ، وقيل: صافية ، وهذا كله ثابت عن السلف ويمكن اجتماع هذه الأقوال الثلاثة في كلامهم فتكون الكأس الدِهاق ملأى تأتي للمؤمنين في الجنة مليئة ليست ناقصة ، وتأتي صافية ليس فيها شائبة ، وتأتي متتابعة كأسا إثر كأس.
 قال: فنجمع بعضها إلى بعض ليتبيّن المعنى الكلي للآية عندهم وهذا له فائدة كبرى في إدراك المعاني الكلية للآية كما لا يخفى، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا" يعني من أنفع ما يكون أن نجمع كلام السلف ثم نحاول أن نُؤلف بينها فإن مجموع عباراتهم أدلّ على المقصود من عبارة أو عبارتين ومع هذا فلابد من اختلاف مُحقق بينهم كما يوجد مثل ذلك في الأحكام كيف؟ يقول إن جمع عبارات السلف نافع جدا لأنه يُحيط  لك بالمعنى من كل وجوهه مثلا : قول الله -عز وجل- (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (قضى) قال بعض السلف: أي حكم ، وقال بعضهم: أمر ، وقال بعضهم: وصى ،قال بعضهم: أوجب ، كونك تجمع هذه العبارات أنت تُدرك المعنى إدراكا جيدا فمعنى قضى أي حكم حكما شرعيا لازما،ومعنى قضى أي وصى جعلها من باب الوصية التي تكون من الأعلى للأدنى على وجه الخوف عليه والشفقة عليه يعني إذا أردت النجاة وأردت العاقبة الحميدة فعليك بعبادة الله وحده وبرك للوالد ، وكذلك أوجب للدلالة على أن هذا من الواجبات، وأمر للدلالة على أن هذا مما أمر الله به وما أمر الله به قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا، وبِر الوالدين فيه ماهو واجب وفيه ماهو مستحب لأنه درجات متنوعة   ومختلفة فجمع كلام السلف في بيان معنى الآية مفيد جدا في إثراء الموضوع ومعرفة كل المعنى ومع ذلك يقع بين السلف اختلاف مُحقق يعني أن يكون كلام أحدهم مخالف للآخر ولابد لنا من اعتبار أحد الكلامين مثل ما قال الله -عز وجل- في سورة البقرة (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) قال بعض العلماء:القُرء الحيض،إذا المرأة تتربص -تعتد- إذا طُلقت بثلاث حيضات فإذا حاضت المرة الأولى ثم حاضت الثانية إذا حاضت الثالثة خرجت من العِدة ، وقال بعضهم: بثلاثة قروء ثلاثة أطهار فمعنى ذلك الطُهر الأول ثم الطُهر الثاني ثم إذا حاضت الثالثة فطهرت بعد الحيضة الثالثة خرجت من العِدة ، والفرق بينهم قرابة سبعة أيام أو ثمانية أيام على اختلاف النساءفي هذا الباب،أحدهم يُخرجها من العِدة أولا عن أول الحيضة والآخر يُخرجها من العِدة عند أول الطُهر الذي يكون بعد الحيضة،إذاً هذا خلاف مُحقق، طيب ما موقفي الآن؟ هنا تأتي قواعد الترجيح ويأتي الجهابذة والمجتهدون من العلماء فيُرجحون ما يرونه بالأدلة ،وأمثلة ذلك من الخلاف المُحقق كثيرة كما سيتبين معنا بعد قليل. ثم ذكر المؤلف أمثلة كثيرة لكيفية الجمع بين أقوال السلف فذكر مثالا قال: (هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) ماهو الغساق؟ تقرأ في كلام العرب يعني البارد الشديد البرودة،وتقرأ في كلامهم (الغسّاق) صديد أهل النار وقيحهم،وتقرأ في كلام السلف (الغسّاق) دموع أهل النار ، وتقرأ أيضا في كلام السلف (الغسّاق) المُنتن ، وتقرأ أيضا في كلامهم (الغسّاق) عين يجتمع فيها سُمّ السُمّيات كالعقارب والحيّات.إذاً عندنا دموع أهل النار، صديد أهل النار،البارد،المُنتن،المكان الذي تُجمع فيه السُميّات، ماهو الغسّاق؟
نقول: يمكن جمع هذا الكلام فالغسّاق صديد أهل النار وعرقهم وقيح جروحهم ودموعهم يُجمع في عين ويُضاف إليه سُمّ الحيّات والعقارب ثم يُبرد أشدّ التبريد، ويُنتن أشدّ الإنتان ثم يُقدّم طعام لهؤلاء الكفار في نار جهنم (هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ) أي حار شديد الحرارة قد بلغت النهاية في حرارته وغليانه،و(غساّق) أي بارد مُنتن كريه شديد البرودة من دموع وعرق وقيح وصديد أهل النار -نسأل الله العافية والسلامة- رأيتم كيف جمعنا هذه الأقوال وجعلناها متآلفة وصار كل واحد منها يُعبر عن جزء من المعنى فاستفدنا من مقالاتهم جميعا أنه اكتملت لنا صورة المعنى من جميع أطرافه ولذلك بعض الناس لما تقول له اقرأ في كلام السلف يقول والله يا أخي يختلفون اختلافهم كثير،أنا لما أقرأ في تفسير ابن كثير أجد كلام كثير للسلف والله كل واحد منهم يضيعني في وادي،لا ما يضيعك حاول تفهم كلامهم ستجد أن أكثر كلامهم مجتمع وأنه يمكن أن يُجمع إلى بعضه وكل واحد منهم يشير إلى زاوية في الكلام ما يُشير إليها الآخر ولهذا كان المفسرون يعتنون بجمع أقوال السلف ويألفون بين أقوالهم . وذكر أيضا مثالا آخر في قوله (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) 
ما معنى (مُهْطِعِينَ)؟ قيل: الإهطاع النظر من غير أن يطرف الناظر من شدة الهول. وقيل: الإهطاع الإسراع فالمهطع الذي يُسرع في المسير.
وقيل:المهطع الذي لا يرفع رأسه .
طيب ماذا نفعل،نقول يمكن اجتماع هذه الأوصاف الثلاثة في هؤلاء الكفار الذين يأتون يوم القيامة فهم لا ينقطع طرفهم،يعني لا يطرفون -يُغمضون أعينهم ويفتحونها- من شدة الهول لأنهم يرون شيئا لا يستطيعون أن ينصرفوا عنه،والثاني: يخفضون رؤوسهم من الذل،والثالث:هم مسرعون،فاجتمع لنا المعنى من مجموع أقوالهم. وهكذا ذكر المؤلف مثالا ثالثا في قوله (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ).








أما المسألة الثانية: فهي مقارنة ما ورد عن السلف من التفسير بما جاء في كتب اللغة المُصحَحَة كتهذيب اللغة للأزهري والصِحاح للجوهري ونحوهما. يعني إن على طالب العلم إذا جمع أقوال السلف أن يُقارن أقوالهم بما في كتب اللغة وهذا سيأتي بيانه في المرحلة التالية وهي المرحلة الثانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق