الاثنين، 29 يونيو، 2015

وقفات مع آيات الصيام - ٤ - (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)

د.عويض العطوي

...عن قوله تعالى:
 (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:١٨٦]
أولاً:  أيها الإخوة الكِرام الآيات التي سبقت هذه الآية كانت عن الصيام والآيات التي ستعقب هذه الآية عن الصيام فما مُناسبة ورود هذه الآية عن الدُّعاء في وسط آيات الصيام؟
أولاً: رُبما يكون من أسباب ذلك أنَّ من أظهر أوقات الاستجابة وأظهرِها في رمضان، فإنَّها تتعدد وتكثر أكثر من غيرها.
 ثانياً: أنَّ الداعين في رمضان والمتوجِّين إلى الله سبحانه وتعالى والذين انكسرت نفوسهم وأرادوا أن يسألوا ربَّ العالمين أعدادُهم أكثر منهم في غير رمضان.
 لذلك من أظهر العِبادات التي وردت في سياق الحديث عن آيات الصِّيام الإشادة بالقرآن ومن ذلك الاهتمام به وقراءته وتلاوته وتدبُّره وكذلك الدُّعاء، والدُّعاء كما قيل أيُّها الإخوة الكِرام هو من أَظهر أنواع العِبادة بل قال النبي صلى الله عليه وسلم { الدُّعاء هو العِبادة } فالعِبادة كُلها في الدُّعاء ذلك أنَّ حقيقة العِبادة الانكِسار لله عزَّ وجل والإقرار بوحدانيته ورُبوبيَّته وقدرته سبحانه وتعالى وضعف الإنسان لذلك هو يلجأ إلى الله فيدعو ربَّه سبحانه وتعالى. وكُلَّما كان الإنسان أكثر خضوعاً وأكثر خشوعاً كان أكثر استجابة لذلك يكون الإنسان في حالة السجُود عندما يضع أشرف ما لديه -جبهته وأنفه- في الأرض وقد يضعُها على التراب عند ذلك يكون (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجِد فأكثِروا فيه من الدُّعاء فَقَمِن أن يُستجاب لكم) فهذا واضح.
فأكثر الأحوال التي ينكسر فيها نفس الإنسان هو رمضان ولذلك هو من أظهر مواسِم الدُّعاء هو رمضان فلعلَّ هذا من الأسباب.
/ قال الله عزَّ وجل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) الآية التي قبلها يقول الله سبحانه وتعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ) ثُم يُمكن أن يُقال بعد ذلك "وادعوني أستجب لكم" فيكون السِّياق واحداً لكنَّ الله سبحانه وتعالى مع الدعاء ذكر شيئاً يختلف عن التكبير وإكمال العِدَّة فقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) فأخرج الدُّعاء مخرج السؤال ذلك أنَّ السؤال من أظهر وسائل الفهم والاستيعاب وإذا أردت وأنت في حديث طويل أن تُركِّز على قضيَّة محددة إذا وصلت إليها اِسأل عنها فإذا أجبت عليها فلن يبقى في ذِهن المُستمعين إلا ذلك السؤال والجواب وهذا أمرٌ معلوم ومُجرَّب.
 فهُنا أيها الإخوة الكِرام قال الله عزَّ وجل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) جاءت "إذا" دون "إن" أي ما قال الله سبحانه وتعالى "وإن سألك عبادي عني" ذلك لأن "إن" تختلِف عن "إذا"، "إذا" تُستخدم في الأشياء الثابتة المُتكررة التي لا شك فيها ولا غرابة و"إن" تُستخدم في الأشياء الغريبة التي رُبَّما لا تحدُث إلا مرَّات قليلة، وأيضاً تُستخدم بالأشياء المشكوك فيها.
 وحتَّى نوضِّح الصورة لو كُنت تريد أن تواعِد شخصاً بعد الدوام فتقول له "إذا انتهى الدوام أمُرُّك" هل يصلح أن تقول "إن انتهى الدوام أمُرُّك" ؟ تجدها غير مقبولة ولا تجِدها بالأشياء المتكررة الثابتة التي يُقِرّ العقل بها مِثل إن طلعت الشمس سأزورك هل هذا مقبول؟ ماهو مقبول، لكن تقول إذا طلعت الشمس يعني مع طلوع الشمس أزورك تجِدها مقبولة.
 كذلِك هُنا أيُّها الإخوة الكِرام (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) ليست "إن" ليس سؤاله لله سبحانه وتعالى أمراً قليلاً أو نادِراً أو مشكوكاً فيه بل هو أمرٌ ثابت ومُتيَقن ولذلك من أسباب استجابة الدُّعاء أن تدعو وأنت مُوقِن بالإستجابة لا أن تدعو على سبيل التجريب أو مرَّة واحِدة ، بل إنَّ أيضاً من أسباب استِجابة الدُعاء تكرار الدُّعاء وعدم الملل وعدم الاستِعجال ولو طال الزَّمن ولو استمر الأمر شهوراً أو سنوات استمر لأنَّك لن تخسر مع الدُّعاء شيئاً.
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) قيل في هذه الآية لها سبب نزول وقال بعضُهم ليس لها سبب صريح.
 رُويَ أنَّ بعض الصحابة -وقيل أعرابي- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فسأله أربُّنا بعيدٌ فنُناديه أم قريبٌ فنُناجيه؟
 وأيضاً في بعض أسفار النبي صلى الله عليه وسلَّم رفع الصَّحابة أصواتهم بالتكبير إذا عَلو وبالتسبيح فقال: (أيُّها الناس اربعوا على أنفُسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً وإنَّما تدعون قريباً مُجيباً). وقال بعضُهم: ليس لها سببٌ صريح فيها .
على كُل حال كُل الآيات التي جاءت في صورة السُّؤال جاءت بهذه الصيغة (ويسألونك) أو (يسألونك) [ويسألونك عن المحيض، عن الأنفال، عن اليتامى، عن الجِبال] وغير ذلِك وكُلَّها كانت الإجابة فيها بِـ (قُل) أي أنَّ الإجابة جاءت بواسِطة النبي صلى الله عليه وسلم ليُوصل الخبر إلى الناس إلا في هذا الموضِع من القرآن الخاصِّ بالدُّعاء فإنَّ الإجابة جاءت مُباشرةً من الله (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) ماقال فقُل مِثل الآيات الأُخرى بل الله عزَّ وجل هو الذي أجاب قال (فَإِنِّي قَرِيبٌ) للدِّلالة على أنَّ الدُّعاء ليس بحاجةٍ إلى واسِطة حتَّى ولو كانت هذه الواسِطة هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحدٍ أن يجعل بينه وبين الله عزَّ وجل واسِطة بالدُعاء فلا تذهب إلى أحد ولا غير ذلك إنَّما تدعو ربَّك سبحانه وتعالى مُباشرة، وكُلَّما انكسرت وضعُفت واضطررت كانت الإجابة أقرب، لذلك ما يصلح الإنسان أن يدعو هكذا لا يدري ما الذي يدعو، أو يأخذ أوراقاً لا يدري ما هو مكتوبٌ فيها فيقرأ شيئاً رُبَّما لا يخُصَّه، أدعو بحاجتِك التي بينك وبين الله فهو سبحانه وتعالى يعلم ويُجيبك.
  (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي سمَّاهم الله عزَّ وجل عِباد وهذا شرف عظيم
 ومما زادني شرفاً وتيها ** وكِدّتُ بأخمُصي أطأ الثريَّا
دخُولي تحت قولِك ياعِبادي ** وأن صيَّرت أحمد لي نبياً
 صلى الله عليه وسلم. فمن أشرف المواطِن التي يشرف بها الإنسان هي العبودية ولِذلك الله عزَّ وجل وصف نبيَّه محمد صلى الله عليه وسلم في أشرف المواضع بالعبودية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ) إنزال الكِتاب .. إنزال القرآن (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) فسمَّاه عبداً في هذه المواضِع الشريفة لذلِك أشرف شيء يتلبَّس به الإنسان هو عبودية ربه رب العالمين سبحانه وتعالى فناداهم الله بهذا الأمر للدلالة أيضاً على حاجتِهم له سبحانه وتعالى.
 (فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) فقُرب الله سبحانه وتعالى ومعيَّة الله سبحانه وتعالى ثابِتة على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى وهي معيَّة عامَّة لِكُل البشر ولكل المخلوقات، ومعيَّة خاصة للمؤمنين تقتضي الحُبَّ والقُرب والحِماية والحَيطة وغير ذلك وفي رمضان -وفي غير رمضان- (ينزِل ربُّنا سبحانه وتعالى كُل ليلة إلى سماء الدُّنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخِر فيقول هل من داعٍ فأستجيب له -هذا الذي معنا- هل من مُستغفر فأغفر له هل من سائلٍ فأُعطيه) وفي رمضان يتأكد ذلك لأنَّ الناس يقومون الليل فلا يقومون في غير رمضان كما يقومون في رمضان فتعرُّضهم لوقت النزول الإلهي أكثر، ولو جئنا الآن إلى الليل وقسَّمناه لوجدناه ثمان ساعات أو تِسع ساعات يمكن من الساعة الواحِدة وما بعدها أنت داخِل في الثُلث الأخير من الليل، كُل ليلة ينزل ربُّنا سبحانه وتعالى إلى السَّماء الدُّنيا فيقول هذا فكيف نُفرِّط في هذه الساعة!! فدعونا نبدأ من الليلة يا إخواني الكِرام هذه الساعة ولو رُبع ساعة من هذه الساعات الأخيرة نحرص أن ندعو ربَّنا سبحانه وتعالى ونُناجيه عزَّ وجل.
  (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) لا حِظوا معي  ماقال أجيب الداعي لأنَّ المُهم هو الدَّعوة التي يدعو بِها لذلك احرصوا أيُّها الإخوة الكِرام أن نتعلم دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم، دعاء الأنبياء فهم أعلم بالله عزَّ وجل سبحانه وتعالى ولا نخترع أدعية من عندنا نظُن أنها الأفضل، لا .. نأخذ بدعاء الأنبياء ودعاء نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم فهو أجمع وأفضل وأحسن.
 (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ما قال أجيب دعوتهم لأنَّه لو قال أجيب دعوتهم لكانت الإجابة لدعوة السائلين فقط يعني الذين سألوا وأمَّا غيرهم فلا يجاب لهم بل قال سبحانه (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) أيَّاً كان من الذين سألوا والذين لم يسألوا.
(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) والمطلوب (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) إذا أمرتهم أو نهيتهم أو ذكرت لهم حدَّا فيقفوا عنده (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي  وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) . هذا وصل الله وسلم على نبيِّنا محمد.
--------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق