الاثنين، 9 يناير 2012

تأملات في سورة الحشر (1) د. خالد السبت

د . خالد بن عثمان السبت


افتتح الله عز وجل هذه السورة بالتسبيح {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} واختتمها أيضا بالتسبيح لما ذكر الله جملة من أسمائه الحسنى {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ....} الآيات ثم قال { يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فاكتنفها التسبيح في أولها وفي آخرها ، ومن تأمل فيما اشتملت عليه هذه السورة عرف علة ذلك - والله تعالى أعلم - وذلك أن الله - جل جلاله - قد أخرج هؤلاء اليهود وهم في غاية التمكين والقوة كما سيتضح ، أخرجهم بقوته وبأسه وكان ذلك في غاية العدل منه والحكمة حيث وضع الأمور في مواضعها وأوقعها في مواقعها .
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} كل شيء يسبح لله جل جلاله وهذا التسبيح بمعنى التنزيه وهو على ظاهره فالله - تبارك وتعالى - لا يمتنع عليه شيء فهو قادر على أن يجعل لهذه الجمادات من الإدراكات ما يكون لها من التسبيح والتنزيه والتقديس لله - عز وجل - والأدلة على هذا كثيرة ، ففي القرآن الله - جل جلاله - يقول {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ، وكذلك أيضا جاء في قصة داوود - صلى الله عليه وسلم - {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} فكانت تردد معه تلاوته الزبور ، ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ( إني لأعرف حجرا كان يُسلم عليّ بمكة قبل أن أُبعث) ، وتعرفون خبر الجذع الذي كان يخطب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اتخذ المنبر فحنّ الحذع كحنين العشار - الناقة لولدها - فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم وسكّنه وامر بدفنه وأخبر أنه لو لم يفعل لحنّ إلى يوم القيامة ، جذع يحنّ . وفي صحيح مسلم في حديث جابر - رضي الله عنهما - لما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الطريق ليقضي حاجته فلم يجد شيئا يستتر به فأخذ بطرف شجرة ثم قال : انقادي عليّ بإذن الله ثم أخذ بطرف شجرة ثانية وقال : انقادي عليّ بإذن الله فجاءت كل شجرة تمشي والتأمتا ثم بعد ذلك أمر كل واحدة أن تنطلق فرجعت إلى مكانها , إلى غير ذلك مما جاء من خبر تسبيح بعض الجمادات مثل تسبيح الطعام فقد كانوا يسمعون تسبيحه بين يدي رسول الله ، فالمقصود أن هذا التسبيح على ظاهره كل ما في هذا الكون يسبح لله وهو طيع له ، خاضع لأمره وإرادته ، إن شاء سيّر الجبال ، وإن شاء سخّر الريح ، وإن شاء سخّر ألوانا أخرى من جنده على أعدائه فتهلكهم . هذه الأرض التي يمشي عليها الأعداء ويُحادّون الله هي مسخرة لله إن شاء خسف بهم ، وهذا الهواء مسخر لله إن شاء الله صار عاصفا فأهلكهم كما أهلك الله - عز وجل - عادا بالدبور وإن شاء الله - تبارك وتعالى - حبسه عنهم فأزهق نفوسهم ، فلا يتعاصاه شيء لكن ينبغي علينا أن نعرفه ونتقرب إليه وأن تكون صلتنا قوية بربنا ومعبودنا - جل جلاله - وإلا فكل شيء بيده والنصر بيده والخلق خلقه ، والمُلك ملكه وقلوب العباد بين أصبعين من أصابعه ، فتارة ينزل الملائكة ، وتارة يُهلك بالصيحة ، وتارة ترجف الأرض ، وتارة يرسل الريح العقيم ، وتارة يُلقي الرعب ، إلى غير ذلك من الأسباب التي يسببها الله جل جلاله - فيهلك أعداءه ويأخذهم .
وفي هذا التسبيح تنزيه لله - عز وجل - عن كل ظن سيء ، وعن كل وصف قبيح يصفه به من لا يعرف ربه ولم يُقدره حق قدره ،ولم يعظمه حق تعظيمه . فالله عز وجل - لم يسبحه ولم يُنزهه من نسب له الصاحبة والولد أو قال بأن له شريكا ، أو ظن أنه يخذل أولياءه ويُسلمهم لعدوهم ، أو أن الله - تبارك وتعالى - لا ينصر أهل الإيمان أو أنه - جل جلاله - يُديل الكافرين على أهل الإيمان إدالة دائمة مستمرة ، أو أن ما فعله بأهل الكفر من هزيمة وهلاك أن هذا من قبيل الظلم لهم ، كل هذا ينفيه هذا التسبيح لله {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} و"ما" هذه للعموم ، وهذه الصيغة يستعمل لغير العاقل ، وللعاقل "من" لربما لأن الأشياء التي لا تعقل أكثر مما يعقل فمن باب الغلبة {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فالذي قهر هؤلاء وأذلهم وأخزاهم وأخرجهم من حصونهم هو العزيز الذي لا يُغالب ولا يُقهر ولا تُطاق سطوته ، والعزة هي وصف يتحقق من اجتماع جملة من الأوصاف : القوة والغنى والعظمة إلى غير ذلك من أوصاف الكمالات التي تحصل بها العزة ، والعزة وحدها لا تكفي ولكنها تكون كمالا إذا وجد معها الحكمة لأن العزة قد تحمل على شيء من العسف والقهر والتسلط بغير حق أو غير ذلك والله مُنزه عن ذلك كله فهو مع عزته إلا أنه حكيم ، أما المخلوق فقد تحمله العزة التي قد تحصل له في بعض الأحيان إلى ظلم المخلوقين وقهرهم كما نرى حينما يشعر الكافر يوما من دهره أنه قد ملك قوة فيتسلط بها على الضعفاء ويُسخر هذه القوة للإفساد في الأرض كما نرى اليوم في القوة التي لم تُهذب بالإيمان فتكون هذه القوى لتلك النفوس - نفوس السباع - كالمخالب للسبع والأنياب تستعمل للبطش والافتراس والفتك والقتل ، والحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها ويُوقعها في مواقعها ، فأفعاله واقعة في غاية الصواب لأن الحكمة هي : الإصابة في القول والعمل ، في غاية الصواب . وإذا عرف الإنسان أن ربه عزيز ، وحكيم ، وعليم والحكمة تتضمن العلم لأنه لا يمكن أن يكون حكيما إلا أن يكون عالما فإنه
يطمئن إلى أحكامه الشرعية وأحكامه القدرية فيرضى بأحكامه الشرعية إذا أمره الله - عز وجل - بشيء انقاد واستسلم ورضي وعمل بما أمره الله - عز وجل - به ، وإذا حصل له أمر كوني من بلاء أو نحوه فإنه يعلم أن الله - عز وجل - حكيم وأنه ما فعل به ذلك ليكسره وإنما فعل ذلك ليرفعه ، لينقله من طور إلى طور أكمل منه ، ومن حال إلى حال أفضل من الحال التي كانت عليها ، هكذا يكون أهل الإيمان .الله حكيم ، انظروا هذا الحدث كيف انزعج أهل الإيمان وضاقوا ذرعا لما رأوا من قتل إخوانهم ثم انظر كيف آلت هذه الأمور إلى خير للمسلمين ، جميع المسلمين وليس أولئك الذين في غزة ، هذه وخزة في جسم هذا العملاق النائم فاضطرب من أوله لآخره - تحرك - فخاف الأعداء وتنادوا مباشرة حتى لا يستيقظ فيدمرهم ، ماذا فعلتم بهذا القرار الأهوج ، كانوا يظنون أن القضية هي جولة سهلة ونزهة يقضون فيها على هؤلاء الذين تمردوا على مرادهم ثم بعد ذلك ينتهي كل شيء ، فالذي حصل هو خلاف ما يظنون وما يتوقعون ، آتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب فتحرك هذا الجسم العملاق من أوله إلى آخره ، بدأ يضطرب ، وكل المعاني التي كانوا يخدرونه بها من أجل أن يبقى جثة هامدة لا حراك به ولا يستطيع أن يدفع عدوا ، ولا يسترد سليبا ، ويُصور له أنه لا فرق بين العدو والصديق وأن الأعداء هؤلاء من ذوي الأنياب والمخالب ، أن هؤلاء كلهم في غاية القُرب والمحبة والصداقة له وأن هؤلاء يحبونه وأنهم يريدون بهم خيرا ، فاضطرب هذا الاضطراب فتداعى هؤلاء من أجل ألآّ يخرج الأمر من أيديهم وقالوا هذه الوخزة دمرت علينا كل ما عملناه عبر هذه السنين ، وصار الصغير والكبير الآن تتحرك في نفوسهم العزة وامور تشاهدونها وتسمعونها في نشرات الأخبار ، الرجال والنساء والأطفال وأمور عجيبة جدا ما كنا نؤمل هذا ولا نطمح بعُشر معشاره ، فساق الله - عز وجل - هذا الحدث ليحرك هذه الأمة وينفض هذا التراب وهذا الغبار الذي تراكم عليها ، فأفعاله في غاية الحكمة . وخرج أهل الإيمان قد رفعوا رؤوسهم وفي غاية الاستبشار ، قُتل ألف ، قتل عشرة آلاف ؟ من النصارى في الحرب العالمية الثانية قُتل ما يزيد على خمسين مليون في الحرب العالمية فإذا قتل ألف ، قتل عشرة آلآف ، انظر للمصالح التي تحققت خرج أهل الإيمان في غاية العزة ، رفعوا رؤسهم وخنس المنافقون تماما وذابوا ولم يعد لهم صوت مسموع ، وأما اليهود والنصارى فظهرت عداوتهم لكل ذي عينين ولا يشك في هذا أحد ، بل حتى المنصفين من اليهود والنصارى خرجوا يحتجون ويتظاهرون على هذه الفعال فكيف من كان في قلبه ذرة من إيمان {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وظهر هؤلاء على حقيقتهم من الضعف والعجز ، ما استطاعوا أن يفعلوا شيئا بهذا الجيش الذي يزعمون أحيانا أنه من أقوى جيوش العالم ، ماستطاعوا أن يقضوا على حفنة عُزل ، أين ذهبت هذه القوة .
وافتتاح هذه السورة بالإخبار بتسبيح ما في السموات والأرض لله - عز وجل - فيه تذكير للمؤمنين بأن يسبحوا الله - عز وجل - تسبيح شكر على ما نالهم من هذا النصر العظيم ، أكثروا من التسبيح فكأنه يقول سبحوا له كما سبح له ما في السموات وما في الأرض ، مخلوقات تعرف ربها وخالقها - جل جلاله - وتعرف عظمته ، فأنتم يا أهل الإيمان سبحوه على ما وهبكم ومنحكم من النصر العظيم حيث كفّ يد عدوكم وأركسه ورده خائبا لم ينل خيرا سبحوه وأكثروا هذه الأيام من التسبيح ، وهذا هو الصحيح لا هذه الرسائل التي نشاهدها أحيانا وهي من البدع المُحدثة في الدين ، صيام يوم الإثنين والخميس فيقولون صيام المليون أو قيام المليون هذا كله من البدع أن يتفق الناس هكذا جميعا صوموا يوم الخميس القادم من أجل كذا ، لا ، هذه بدعة لها قرنان فينبغي للإنسان ألاّ يستجيب لمثل هذا ولا ينشر هذه الرسائل ونما يعلم هؤلاء وينصحهم ، فنحن من شكر الله وتسبيحه وتقديسه ثم ذكر سبب ذلك .

أما بعد : فكنا نتحدث عن قول الله - تبارك وتعالى - في هذه السورة الكريمة ، سورة الحشر {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} الذين عناهم الله - عز وجل - بقوله {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} هم بنو النضير من اليهود ، وذكر الكفر هنا يُفهم التعليل وأن سبب هذا الإخراج وسبب ما وقع بهم الخور والضعف والهزيمة إنما هو الكفر بالله - جل جلاله - ، هذا وصف يصدق على طوائف الكفار بأصنافهم من أهل الكتاب ومن غيرهم فالكافر مخذول ، وإذا قام أهل الإيمان بما أمرهم الله - عز وجل - به فإنه كما قال الله - عز وجل - {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} .
{أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} والديار كما قال الله - عز وجل - في قصة قريظة {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} تشمل المباني والمساكن في القرية كما تشمل ما حولها مما يلحقها ويتبعها وكل ذلك يُقال له الديار فصار ذلك جميعا للمسلمين .
وقوله - جل جلاله - {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} اللام هذه تدل على الأولية ، وهذه الأولية يحتمل أن تكون أولية مكانية {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} أي لأول أرض المحشر ، وأرض المحشر في الشام ، فأكثر هؤلاء حينما خرجوا كما ذكرنا أن أهل بيتين خرجوا إلى خيبر ، وخرج قليل منهم إلى الحيرة وأكثرهم ذهبوا إلى اطراف الشام في مكان يُقال له أذريعات ، فمن أهل العلم من يقول : إن الأولية مكانية أو أن تفسيرهم يصدق عليه هذا الوصف أن الأولية فسروها باعتبار الأولية المكانية فأول الحشر أول أرض للمحشر وهي أذريعات ، وعامة أهل العلم يفسرون الأولية هنا بأنها أولية زمانية وإن اختلفوا في تفصيل ذلك .
فإذا كانت الأولية زمانية فمنهم من يقول :/ لأول الحشر أي عند أول حشر للجيش ، بمعنى أنهم تهافتوا لما ألقى الله في قلوبهم الرعب لمجرد حشر الجيش سقطوا وأذعنوا واستسلموا ، وهذا يدل على سرعة الهزيمة والانكسار والسقوط والاستسلام . هذا ذكره طائفة من أهل العلم ، ولكن الذي يظهر أن هذا المعنى غير مترجح لأن أقل ما قيل في المدة التي بقي فيها هذ الحصار أنها كانت ستة أيام ، وبعضهم يذكر أكثر من هذا - كما سياتي - .
/ وهناك أقوال أجود من هذا وأقوى منه تندرج تحت هذا المعنى وهو أن الأولية زمانية ، فبعضهم يقول : هذا أول حشر في الدنيا إلى الشام ، وهذا صحّ عن عائشة - رضي الله عنها - في صحيح البخاري قالت " فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام " {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} الحشر الأول إلى الشام .
/ وبعضهم يقول : هؤلاء لأول الحشر وهم أول من حُشر من أهل الكتاب وأُخرج من دياره وقد عرفنا أن قريظة كانوا بعدهم فهؤلاء بعد بئر معونة قبل الأحزاب ، وقريظة كانوا بعد الأحزاب مباشرة {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} لأول حشر لأهل الكتاب ، لول حشر لليهود ، لأول إخراج لليهود .
/ وبعضهم يقول : إن هؤلاء من بني النضير وهم من نسل هارون - عليه الصلاة والسلام - لم يحصل لهم جلاء في التاريخ ، يقولون الجلاء الذي كان يقع لليهود كان يقع للذين كانوا في الشام وفي النواحي الأخرى ، فكان ملوك الرومان يتسلطون عليهم ويخرجونهم ..إلى غير ذلك ، وهؤلاء كانوا منذ زمن بعيد جاؤا إلى أطراف المدينة ولم يحصل لهم جلاء . وبعضهم يقول جاؤا في زمن موسى - صلى الله عليه وسلم - أنه أرسلهم لمهمة لقتال قوم من الكافرين فلما علموا بموته - عليه الصلاة والسلام - رجعوا ولم يفعلوا ما أمرهم به ، فالناس نبذوهم وعابوهم ومنعوهم من دخول الأرض المقدسة فرجعوا وبقوا في هذه الأماكن .
/ وبعضهم يقول : إن هؤلاء كانوا قد جاؤا واستوطنوا هذه الناحية ينتظرون النبي الذي وُعدوا به. المقصود أن هؤلاء من أهل الكتاب من أهل العلم من يقول إن هذا أول حشر يقع لهؤلاء ، ما حصل لهم جلاء قبل ذلك، هذا الجلاء الأول على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - .
/ وبعضهم يقول : إن إخراج هؤلاء هو الحشر الأول لهم ، وهذا يرجع إلى بعض الأقوال السابقة، الحشر الثاني هو إخراج أهل خيبر في عهد عمر - رضي الله عنه - أخرجهم إلى الشام ولهذا من أهل العلم من يذكر أن الحشر حشر في الدنيا فهذا الحشر إلى الشام ، وقُرب القيامة تخرج نار من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم - الناس الذين لازالوا على قيد الحياة - تسوقهم إلى محشرهم أي إلى أرض الشام فـ {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} هو إخراج هؤلاء اليهود إلى أرض الشام .
/ وبعضهم قال : الحشر له أول واوسط وآخر ، فالأول هو إخراج بني النضير ، والأوسط إجلاء خيبر ، والأخير حشر القيامة . وعلى كل حال القول بأنها زمانية قول له وجه أقوى من القول بأن اللام لتدل على الأولية المكانية ، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم - كما سبق - أقوال أهل العلم تندرج حول القول بأنها زمانية . {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} سواء كان أول إخراج لليهود الذين كانوا حول المدينة بغض النظر عن الحشر الثاني ماهو ، {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} يمكن أن يُقال هذا الحشر الأول والحشر الثاني قريظة لكن لم يحصل لهم - أعني قريظة - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل المقاتلة وسبى النساء والذرية .
على كل حال ، الله - تبارك وتعالى - يقول {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} والحشر هو : إخراج الجمع من مكان إلى مكان ، هذا هو الحشر ، لما يقول {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} أي يجمعون السحرة ويسوقونهم ويأتون بهم إلى فرعون .
ثم قال الله - عز وجل - مصورا شدة تمكن هؤلاء اليهود وما كان لهم من المنعة والقوة في نظر أهل الإيمان وفي نظرهم هم أيضا فكانوا في غاية الوثوق بقوتهم وحصونهم وما عندهم من العدة والسلاح فقال الله - تبارك وتعالى - {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} فهذا أمر لم يكن يتوقعه أهل الإيمان ، فالقضية لم تكن مجرد غرور عند اليهود في قوة وهمية مصطنعة فكانوا قد اغتروا وظنوا أنهم لا يمكن أن يُخرجوا ، لا ، حتى أهل الإيمان يقول الله - عز وجل - {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} فهذا الانطباع وهذا التصور موجود عند المؤمنين .
قال {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} سياق الكلام لو أردنا أن نرتبه على النسق المعهود فإنه يُقال " وظنوا أن حصونهم تمنعهم من الله " لكن الله - عز وجل - قدم الكلام هنا فقال {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} هذه الحصون كانت لهم حصون متعددة : الكُتيبة والوطيح والسُلالِم والنطات والوخدة وشق . هذه حصون كانت لبني النضير ، حاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أيام ، وقيل خمس عشرة، ليلة ، وقيل قريبا من عشرين ، وقيل ثلاثا وعشرين ليلة ، وقيل خمسا وعشرين ، فهذا يُضعّف القول الذي سبق أن أشرت إليه وهو أن الأولية زمانية بمعنى أنه لأول حشر الجيش سقطوا ، لم يكن كذلك وقد وعدهم عبدالله بن أبيّ بالنصر والمدد كما سيتبين ، فانتظروا وتترسوا وتحصنوا تلك الديار واستعدوا للقتال .
على كل حال نرجع إلى هذا السياق وهذا التركيب {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} تقديم المبتدأ على الخبر {مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم} يدل على شدة وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، {وَظَنُّوا أَنَّهُم} الضمير المختص بهم صار اسما لـ "أن" فهذا كذلك إسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم أعزة لا يمكن أن يُقهروا وأنهم من المنعة ما يحول بينهم وبين أن يُغلبوا {وَظَنُّوا أَنَّهُم} عندهم ثقة كبيرة بأنفسهم لم يقل "وظنوا أن حصونهم" {وَظَنُّوا أَنَّهُم} الضمير المتعلق بهم قدمه فهم عندهم ثقة كبيرة بأنفسهم ، وجاء بالخبر هنا {مَّانِعَتُهُمْ} لأن قضية المنَعة هي محل الاهتمام ، هم يريدون المنعة بهذه الحصون {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} فدل على شدة وثوقهم بهذه الحصون وأنها تحول بينهم وبين أي اعتداء أو محاولة لحربهم والتغلب عليهم . وكل زمان له ما يُناسبه في القوة لكن يكفي هذا التصوير من الله - تبارك وتعالى - حيث صور لنا حال هؤلاء ونظر أهل الإيمان إلى تلك الحصون كما نحن ننظر بمعادلات وبقوى في هذا العصر إلى قوى معادية ، ننظر إلى أن هذه القوى قوية جدا ويصعب أن تُغلب ونحو ذلك في ذلك الزمان أهل الإيمان يرون أن تلك القوة - قوة اليهود - أنها بمنزلة يصعب دحرها وقهرها والغلبة عليها ، نحن قد نقول في هذا الزمان لجاءت طائرة ودمرت تلك الحصون بقذيفو واحدة لكن في زمانهم الأمر ليس كذلك فليس عندهم إلا الرماح والنبال والسيوف ، وهذه الحصون منيعة وفي أرض حرة سوداء ، إذا قدمت على المدينة أنظر من الطائرة قبل ما تصل بقليل ستجد حرة شديدة السواد ، وستجد يسير فيها في هذا السواد ، سواد حالك ، هذا السواد المتعرج هذه حرة النار التي كانت في القرن السابع الهجري - شديدة جدا- والباقي حرة لها أكثر من ثلاثة آلآف سنة شديدة التضاريس يصعب أن يمشي فيهاالإنسان على قدميه أو على الدواب ، بل إن بعض الخبراء العسكريين يقولون إن جنازر الدبابات تتتقطع حينما تمشي عليها ، وهي تُحيط بالمدينة من ثلاث جهات ، حرة جنوبية ، وحرة غربية ، وحرة شرقية ، فهذه الحصون بوسط الحِرار ، فما ظنكم ؟ لاسيما أن الحياة آنذاك لا يوجد هناك جرافات وأشياء تمهد الطرق ، هناك غير هذا ، هذه الصخور مدببة ، صخور بركانية مرتفعة لها رؤوس مدببة ومنخورة سوداء ليس فيها نبات يصعب المشي فيها ، فالشاهد أنهم كانوا يقيمون في وسط هذه الحرة فعندهم من التحصينات الطبيعية ، وعندهم من التحصينات التي اتخذوها هم بتلك القِلاع والحصون {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} وهل يُعقل أن أحدا تمنعه قوته مهما بلغت من الله - عز وجل - ؟ أبدا .
وحينما عرضت صورة طبيعية للكرة الأرضية من الفضاء كأنها حبة رمل ، من حضر معنا شاهد هذا ، صغيرة جدا تسبح في الفضاء ثم قربناها شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى مسجدنا ، فهذه الصورة هي في الفضاء هكذا ، هذه القوى الموجودة على وجه الأرض هل يتعاصى شيء منها على الله - عز وجل - بل هذه الأرض جميعا كما قال الله - عز وجل - {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فهذه القوى ليست بشيء بالنسبة لقوة الله - عز وجل - ولكن ليبلو الناس بعضهم ببعض فيرى عملهم ويرى صبرهم ، ويرى بذلهم ويرى إيمانهم فيتبين الصادق من غيره ، فمالذي حصل لهؤلاء وهم في هذه المنعة ؟ {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}
بماذا جاءهم ؟/ بعضهم قال بقتل سيدهم كعب بن الأشرف
/ وبعضهم يقول بنزول النبي - صلى الله عليه وسلم بساحته
/ وبعضهم يقول بإلقاء الرعب في قلوبهم
كل ذلك وارد ، إذا أتى أمر الله - عز وجل - تهيأت الأسباب وتداعت فتداعى الخراب والسقوط والهزيمة ، ويصير كل عمل يحاول الإنسان أن يُرقع به وأن يستدرك يتحول ذلك إلى خراب - كما سيأتي - {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} إذا جاء أمر الله - عز وجل - فلا مرد له ، لا يستطيع أحد أن يدفعه {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} لم يقل فأتاهم الجيش ، فأتاهم المؤمنون ، لا ، قال {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ} وإذا أتى الله أحدا فإلى أين المفر ؟ لا مفر ، والخلق في غاية الضعف والعجز امام قوة الله - عز وجل - وبأسه {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} لم يظنوا ، لم يعلموا ، لم يتوقعوا {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} القذف هو : الرمي بقوة ، فألقى الرعب وهو : الخوف الشديد الذي تنخلع له القلوب ، ألقاه في قلوبهم ، وإذا وجد الرعب في القلب فإن المقاتل لا يستطيع أن يتمالك ولا يثبت بأرض المعركة ، رجلاه لا تحملانه ، يفر ، ينهزم . انظروا إلى المسلمين حينما غزاهم التتار فكان الرجل من التتار لربما جاء إلى سرداب أو مكان أو ناحية فيها أكثر من مئة من المسلمين وليس معه سيف فيقول لهم انتظروا ويذهب ويأتي بالسيف ولا أحد يتحرك ثم بعدذلك يقتلهم به ، مئة ، حتى لو كان معاه سيف وانطلق عليه هؤلاء يُجرح ثلاثة ، يُقتل ثلاثة ، خمسة ، والباقي يأخذونه لكن من شدة الخوف ينتظرون ، أصابهم رعب شديد أن هؤلاء التتار لا يمكن أن يُقهروا ، أنهم غير عاديين ، عندهم قوة وإمكانات لا يمكن أن تُواجه ، الرعب . بل نُقل في التاريخ أن الرجل التتري أحيانا لربما أضجع المسلم ليذبحه فلم يجد معه ما يذبحه به فيقول له انتظر فيبقى في مكانه ويذهب ويأتي بالسيف أو السكين وهذا لم يتحرك ، رأيتم الدجاج حينما يضعه البائع في الميزان ، على الحالة التي وضعه فيها إن وضعه على جنب بقي على جنب وإن وضعه ... ، من شدة الخوف . {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْب} نسأل الله العافية .
{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} "يُخْرِبُونَ" فيها قراءتان هذه القراءة قراء بها الجمهور {يُخْرِبُونَ} ، وقرأ أبو عمر {يُخَرِّبُونَ}، من أهل العلم من يقول القراءتان بمعنى واحد {يُخْرِبُونَ} و {يُخَرِّبُونَ} وأن الثانية {يُخَرِّبُونَ} تدل على التكثير ، كثرت التخريب لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى ، زاد حرف فزاد المعنى ، كثرت التخريب . وبعضهم يقول : هناك فرق {يُخْرِبُونَ} يعني يتركونها خرابا ، و {يُخَرِّبُونَ} من التخريب بالهدم ونحو ذلك .
كيف يخربون بيوتهم بأيديهم ؟ وكيف يُخربونها بأيدي المؤمنين ؟لاحظوا كم تعبوا ؟ كم بقوا من العقود بل لربما مئات السنين وهم يُشيدون في هذه الحصون؟ ، هذه الحصون فيها آبار ، في داخلها من المؤن والأقوات ما يمكن أن يبقى هؤلاء لربما سنوات . حصن كعب بن الأشرف فقط - لربما وصفت في بعض المناسبات لكم - موجودة أطلاله حتى الآن وفي داخله بئر ومعروف ، إذا قرأتم عن الحصون القديمة وكيف كانت الآبار والمؤن وكذا ، تبقى مدة طويلة متماسكة ، فهؤلاء صاروا يُخربونها ، تعبوا في تشييدها وتقويتها وبنائها وتحصينها فصاروا {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} جاء أمر الله . {بِأَيْدِيهِمْ} كيف ؟ - كل الأقوال التي نُقلت داخلة فيه والله أعلم - بنقض العهد الذي كان سببا في خراب البيوت ، وأيضا في وقت الحصار كان المسلمون إذا فتقوا في الحصن شيئا سارع هؤلاء وأخذوا من دورهم من الأحجار والأبواب ونحو ذلك وسدوا فيه هذه الثغرة التي فتحها المسلمون {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} وأيضا حينما أجلاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - صاروا يأخذون ما استحسنوه من هذه البيوت من أخشاب ، من نوافذ ، أبواب ، ماستحسنوه أخذوه والباقي كانوا يُخربونه من أجل ألاّ ينتفع به المسلمون فدمروا ديارهم من أجل إذا دخل المسلمون لا يجدون شيئا يصلح للانتفاع والاستعمال ، تعبوا في تشييدها فصاروا يُخربونها بأيديهم ! من يتوقع هذا ؟ لو قيل لهم وهم يشيدونها سيأتي يوم تخربونها بأيديكم قد لا يصدقون .
{وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} كان المؤمنون يهتكون تلك الحصون ويهدمون فيها فكانت تندك أمام جيش أهل الإيمان . {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}، فائدة : يحتج الأصوليون دائما بـ "اعتبروا" على حجية القياس يقولون الله قال " فاعتبروا " فنحن ننتقل من حال إلى حال ، من الشيء إلى نظيره ، وهذا هو القياس .
بأي شيء نعتبر ؟ نعتبر بما جرى لهم ، ما حصل لهم ، كيف تحولت قوتهم هذه التي كانوا يتفاخرون بها ويعتزون بها ، وأورثتهم شيئا من الانتفاشه والغرور والتعالي والتعاظم ونقض العهد ، فهم يرون أن عندهم من القوة ما لا يمكن مواجهته ولا مقاومته ثم تحول ذلك إلى خراب بأيديهم قبل أيدي المؤمنين ، فتحولت تلك القوة إلى عبء ثقيل .
أما الاعتبار : فأصله من العبور وهو المجاوزة من شيء إلى شيء ولهذا يُقال "عبّارة" ، ويُقال : معبر ينقلك من ناحية إلى ناحية . ولهذا سُميت العَبرة وهي معروفة - استعبر فلان - لأنها تنتقل من العين إلى الخد . وسُميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع . وفي الأمثال : السعيد من اعتبر بغيره ، يقول : جعلته عبرة ، صار فلان عبرة ، معنى ذلك : ينظرون إليه وينتقلون إلى أنفسهم فيقولون لا يقع لنا ما وقع لفلان । فالاعتبار الذي يحصل من الإنسان حقيقته أنه ينتقل من حال ذلك الغير الذي اعتبر به إلى نفسه ، فهو نظر في حقائق الأشياء وجهات دلالاتها ليُعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها .
معنى هذا إذا أردنا أن نعتبر الآن : أن كل قوة على وجه الأرض لا تتعاصى ولا تتعاظم ولا تمتنع على الله - جل جلاله - فالله على كل شيء قدير . هذه القوى ، وهذه الإمكانات المشيدة يمكن أن تتحول إلى شيء آخر بأيدي أصحابها ، ومن ثم اليأس لا يتطرق إلى قلب المؤمن أبدا ، ولا يخاف المخلوقين كخوفه من الله أو أعظم من خوفه من الله - عز وجل - وإنما يُعطي المخلوقين الحجم اللائق بهم ، فالله فوقهم وأقوى منهم فيتوكل على الله ويثق بقوته ومدده وعونه ويُقبل عليه ويجدّ ويجتهد في طلب مرضاته {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} فهذا شرط والحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه ، فعلى قدر نصرنا لله - عز وجل - بالعمل بطاعته وترك معصيته على قدر ما يكون لنا من النصر وهكذا .
وأرانا الله - عز وجل - هذه الأيام هذه الآية في فئة ضعيفة قليلة ليس لها قوة وقفت في وجه هذا العدو الذي لا يرقُب في مؤمن إلاّ ولا ذمة ، فما الذي منعهم وحال بينهم من أن يقوموا بعمل خاطف ويحققوا الأهداف التي يريدونها ، مع أننا كما نشاهد لم يتحقق هدف واحد ، لم يستنقذوا أسيرهم ، ولم يمنعوا تلك الصواريخ التي تحلّق على رؤوسهم ، ولم يكسروا قوة المجاهدين ، ولم يُسقطوا حكومة حماس ، ولا شيء من هذا . كل هذه أهداف لم يتحقق منها شيء . ماالذي جعلهم يبقون أكثر من عشرين ليلة بهذه القوة الضاربة ويأتون بقواتهم الاحتياطية ومع ذلك ما استطاعوا أن يحققوا هذا ، ماالذي منعهم ؟ كان بالإمكان جولة واحدة ولكن {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} فالله يحفظ عباده ويدفع عنهم ويكلؤهم ويحميهم ويحوطهم وإن وقع فيهم آلام وجراح فكما سبق في قوله - تبارك وتعالى - {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} اتباع كثير {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} الذي هو النصر {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} جمع لهم بين هذا وهذا . فما على أهل الإيمان إلا أن يعرفوا الله معرفة صحيحة وأن يُقبلوا عليه ويثقوا بما عنده وأن يحققوا عبوديته فعلى قدر تحقيقهم لهذه العبودية على قدر ما يكون من دفع الله وحراسته ونصره وتمكينه لهم ، والله أعلم .
نكتفي بهذا القدر هذه الليلة وأسأل الله - عز وجل - أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم ، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين ، وأن يلطف بإخواننا في فلسطين وفي كل مكان وأن ينصرهم على عدوه وعدوهم ، وأن يشفي جرحاهم ويُغنيهم من فضله وأن يُصلح أحوالهم إنه على كل شيء قدير ، رؤوف رحيم ، لطيف بعباده . نسأل الله - عز وجل - أن يلطف بنا جميعا وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه .

-------------------------
تأملات في سورة الحشر (1) قوله تعالى " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق