الأربعاء، 21 يناير 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (١٧- ٤٨)

 / قوله تعالى (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ)
 تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلى النار؟ إلا أنه حذف الجواب لظهوره، وفيه تربية على أن طريق الإيمان بالقرآن وطريق الكفر به لا يستويان، فالذى يؤمن به يؤمن بالتوراة وبكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، والذي يكفر به يعتبر كافرا بكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، وهذا واضح في الدلالة على وحدة الدين الإسلامي فهو دين كل الآنبياء.
 
- (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ) وهذا يعُم جميع من هو على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه.
 فالبينة: العلم النافع، والشاهد الذي يتلوه: العمل الصالح، وذلك يتناول الرسول ومن يتبعه إلى يوم القيامة، فإن الرسول على بينة من ربه ومتبعيه على بينة من ربهم.
وقال في حق الرسول (قل إني على بينة من ربي) [الآنعام: ٥٧] وقال في حق المؤمنين (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) [محمد: ١٤]
 قال أُبيّ بن كعب وغيره: « هو مثل نور المؤمن وهو نوره الذي في قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع والعمل الصالح وذلك بيّنة من ربه، فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بيّنة من ربهم وبصيرة وهدى ونور وهو الإيمان الذي في قلوبهم، والعلم والعمل الصالح. وقد قال الحسن البصري (أفمن كان على بينة من ربه) قال: المؤمن على بيّنة من ربه»(١) 
/ في الآية تربية على أن المطلوب في الإيمان هو الجزم واليقين ولا يقبل الله الظن لأنه من المرية وهي الشك.
وفيها تربية على أن أكثر الناس لا يؤمنون فهي سنة الله في خلقه وما ينبغي أن تؤثر في إيمان المؤمنين ما دامت سنة من سنن الله، وما ينبغي للمؤمن أن ينخدع بكثرة الهالكين.
- في قوله تبارك وتعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦ وَیَتۡلُوهُ شَاهِدࣱ مِّنۡهُ) مقدر وهو: خير أم ذلك الذي على ضلالة وكفر وإعراض وتخرص وجهل وقول على الله بلا علم؟
/ تخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر لأن جميع أهل الكتاب  مجتمعون على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به حجة على الفريقين أولى.
/ (وَمَن یَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ ) قال أبو أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: « كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه في القرآن، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله، قال: وقلما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقا في القرآن حتى وجدت هذه الآية (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) قال من الملل كلها.» (٢)
 
/ (وَیَبۡغُونَهَا عِوَجࣰا) هذه الآية بعموم لفظها تصدق على كل من صد عن سبيل الله عز وجل ومن ضلل الناس بكتاباته وضاق ذرعا بشرائع الإسلام فلبّس على الناس وشككهم في دينهم وضللهم وأغراهم بالفساد والشر والمنكر ودعا المرأة إلى التمرد والاختلاط ومزاحمة الرجال ونزع الحجاب واستهزء بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وجمعيات التحفيظ والحفظ لكتاب الله والدعاة إلى الله تبارك وتعالى.

/ الفرق بين كلمة الخاسرين والأخسرين:
أن الأخسر أفعل تفضيل أي أنه قد بلغ في الخسران غايته
 وأما الخاسر فليس كذلك ولهذا جاء بضمير الفصل (هم) بين طرفي الكلام في قوله (هم الأخسرون) لأن ذلك يفيد تقويته، ودخول (أل) يدل على أنهم حققوا الوصف الكامل من الخسارة.

/ قوله تعالى (إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخۡبَتُوۤا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ)
 لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحوال الكافرين الجاهلين البالغين أقصى غايات الخسارة ذكر مقابلهم الذين بلغوا أعلى درجات السعادة لأن النفوس تشرئب عند سماع حكم شيء إلى معرفة الحكم ضده وفيها ترغيب بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى الله تعالى من خلال الوعد بدخول الجنة والخلود فيها.

/ ذكر الإخبات مع الإيمان والعمل الصالح والإخبات من جملة الأعمال الصالحة لأنه لا يخلو من أن يكون عملا يتصل بالقلب أو يتصل بالجوارح وفُسر الإخبات بالإنابة، وفُسر بالخضوع، وفسره كثيرون بالخشوع، وفُسر بالسكون وهي معان متقاربة.

ثم ذكرت الآيات قصص بعض الآنبياء مع أممهم وقد اشتملت هذه القصص هنا على زيادات عنها في سورة الأعراف وأبرزت أفكار معاني جديدة تنسجم مع موضوع السورة، ففي هذه القصص شواهد واقعية لصفات الفريقين اللذين مثلت لهما الآية في قوله تعالى (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلها أفلا تذكرون) فقد أظهرت التباين الواضح بينهما في السلوك والمصير كما دلت على أن مسؤولية الإنسان عمله تمتد من الدنيا إلى الآخرة وأن ما يترتب عليها من جزاء قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، فضلا عما فيها من تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ومواساة لهم وهم يواجهون عناد المشركين وجحودهم. كما أن فيها تأكيدا لصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وصحة نبوته في إخباره عن المغيبات الماضية من وقائع الأمم وأحداث التاريخ.
استولت على عقول قوم نوح ثلاث شبهات أدت بهم إلى نتيجة سيئة وهي اتهام النبي نوح عليه السلام بالكذب وهذه الشبهات هي:
/ أنه بشر مثلهم كونه ما اتبعه إلا أراذل من القوم.
/ قوله تعالى (وما نرى لكم علينا من فضل) أي لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل، ولا في رعاية المصالح، ولا في قوة الجدل، فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات.
 واعلم أنهم عابوا نبيهم بما ليس عيبا فيه:
 / فأما كونه بشرا فهكذا يكون النبي حتى يستطيعون الاقتداء به ولو كان ملكا لقالوا لا طاقة لنا باتباعه.
/ وأما كون اتباعه من الضعفاء والفقراء وليس من الأقوياء والأغنياء فلا ذنب له في ذلك إنما هو داعية إلى الله ومن آمن به كان عليه قبول إيمانه والتعامل معه على هذا الأساس وهذا إذا اعتبرنا ضعف الفقر عيبا وهما ليسا كذلك.
/ وأما قولهم أنه لا فضل للمؤمنين عليهم فباطل لأن الإيمان يرفع الناس درجات والكفر يخفض الناس درجات ولكن القوم جاهلون وجاهليون لأنهم يرون الكفر بالله الخالق والتكذيب بالنبوة الهادية فضلا ورفعة ومرتبة.
 
/ قوله تعالى: (وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِینَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِیَ ٱلرَّأۡیِ) 
كل دين أول من يدخل فيه يوم الضعفاء، لأن الضعفاء غالبا مضطهدون من الوجهاء والأعيان، فيكون هؤلاء الضعفاء في أحوج شي إلى من يأتي ويغير الحال الذي يعيشونه فإذا جاء الأنبياء بالصلاح وغيروا النظم الاجتماعية القائمة على الظلم والقهر في أقوامهم كان هؤلاء الضعفاء أول من يتبعهم.
 سمع نوح عليه السلام إلى جميع أقوالهم وتركهم يُدلون بكل ما لديهم مما يدل على ثقته عليه السلام بنفسه، وعلمه بقوة حججه ولما انتهى القوم من كلامهم بادر عليه السلام إلى ردها.

/ (قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَءَاتَىٰنِی رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّیَتۡ عَلَیۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَـٰرِهُونَ)
 فيه رد على الشبهة الأولى التي أوردها قوم نوح عليه السلام وهي (ما نراك إلا بشر مثلنا).
- وفيه تربية على أن الأساس في الضلال هو الجهل وعدم الإبصار بالعين والقلب.
- وفيه تربية على أن النبوة رحمة للناس، وفيه تربية على أنه لا إكراه في الدين.
/ (وَیَـٰقَوۡمِ لَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِیَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ)
 فيه تربية على أن من علامات الإخلاص في الدعوات هو ألا يكون للداعية مطمع في أموال الناس أو نسائهم أو الوجاهة والسلطان فيهم لأشياء شخصية بحتة.
"فيؤخذ من هذه الآية ونظائرها:
أن الإنسان ينبغي له ان يدعو إلى الله عز وجل ولا يأخذ في مقابل دعوته لهم شيئا من الأجر. ويوجد في بعض البلاد الأعجمية في كل مسجد صندوق للدعوة تقوم عليه لجنة من المسجد لشؤون المسجد فيؤتى أحيانا ببعض الدعاة ممن يرتاحون له لأنه يذكر لهم بعض الأشياء الطريفة أو القصص أو الحكايات وما أشبه ذلك فيجلس معهم ساعة أو نحو ساعة بأكثر من ألفي دولار مع أنها بلاد فقيرة جدة متوسط داخل الإنسان فيها ما يصل إلى ثلاثمائة ريال فيجلس معهم ساعة أو نحو ساعة بأكثر من ألفي دولار مع أنها بلاد فقيرة جدة متوسط داخل الإنسان فيها ما يصل إلى ثلاثمائة ريال وللأسف الشديد ابتُلينا بشيء من هذا فتجد الدرس الواحد أو المحاضرة تباع بأربعمائة ألف ريال، وربما يذهب الواحد مع حملة بمائة ألف، ومثل هذا المفروض أنه لا يقع مهما تأول الناس في هذا هذه الأشياء ومن ذلك فعل ومن فعل ذلك فثقوا تماما أن الكلمات تخرج ميتة من فمي ويذهب النور الذي على كلامه ولا ينتفع الناس بما يقول إطلاقا"(٣)
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة إن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانا من غير أخذ عوض عن ذلك وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي والروياني في مسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: «علمت رجل القرآن فأهدى لي قوسا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أخذتها أخذت قوسا من نار) فردتها (٤) ......» وذكر عدد من الأحاديث حتى قال هذه الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليه».
قال الشيخ خالد السبت في تعليقه على المصباح المنير:
« وكل الأحاديث الواردة في هذا لا تخلو من مقال ولهذا ذكر عامة أهل العلم أن ما أخذه الإنسان من غير استشراف نفس فلا إشكال فيه وإنما الإشكال في الاشتراط، ومسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ألّف فيها بعض أهل العلم رسائل مستقلة، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه يجوز ذلك للمصلحة - يعني مصلحة التعليم- وإذا كان الإنسان منقطعا لهذا الغرض ولا يجد بدا من هذا، والعلماء رحمهم الله حتى الذين منعوا كالحنفية وتشددوا في هذا المتأخرون منهم لانو في هذه المسألة، فلا ينبغي للإنسان أن يشرط هذا فإن أعطي وكان محتاجا أخذ وأن كان مستغنيا فلا يأخذ حتى في تعليم الحديث ونحو ذلك وقد تكلم بعض وأهل العلم ولمز من كان لا يحدث ألا بمقابل لفقره» 

/ ( وَمَاۤ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ۚ ) 
فيه جواب على الشبهة الثانية من الشبهات التي أوردها قوم نوح عليه السلام وهي قولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)

/ (اللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا فِـي أنْفُسِهِمُ)
المراد أنه أعلم بهؤلاء أنهم أهلٌ لقبول الحق واتباعه لما فيهم من التجرد بخلاف هؤلاء من أصحاب الرئاسة فهم يحسبون حسابات طويلة لما يفوتهم بسبب اتباع الحق من ذهاب رئاستهم وأموالهم، ومن جملة الأمور التي يرُد الإنسان بها الحق أن يكون له في الباطل شهرة ومعيشة فهو لا يريد أن تذهب عنه هذه الشهرة والأضواء والنجومية ويصير في النهاية آخر الناس، كان مغنيا، مهرجا، ممثلا، مخرجا، فنانا، لاعبا، فإذا تاب وصلح حاله واستقام ستبقى المؤهلات الحقيقية، ماذا عنده من العلم والعمل؟ متخرج من رابع ابتدائي فيبقى في المحل الطبيعي، فهو يحسب حساباته من أين يأتيه الدخل والأموال والملايين والسيارات والهدايا والعطايا من أين تأتيه وربما ما يصلح يوزع إعلانات، ما عنده شيء، لا يحسن القراءة، فمن الناس من يكون له في الباطل شهرة ومعيشة فيرُد الحق بسبب هذا، فهؤلاء من أصحاب الرئاسة والملأ رأوا أنهم إذا اتبعوا الحق سيستوون مع هؤلاء الضعفاء، وستذهب عنهم الأموال والرئاسة، ولذلك تجد كبار شيوخ الطرق الصوفية الذين سخّروا الناس في قطاعاتهم أو في مصالحهم أو يأخذون منهم أموالا، وهكذا شيوخ الطوائف كالرافضة وغيرهم يأخذون من الخُمس ونحو هذا، هذا إذا اتبع الحق ستذهب هذه الأشياء كلها وقد لا يجد له وظيفة بألفين وخمسمائة ريال، تذهب كل هذه الأشياء بعدما كان عالما معمما إذا رجع إلى الحق، سيبقى من أجهل الناس في دين الله عز وجل، يحتاج يتعلم الحروف الهجائية ويقرأ القرآن ويحفظ ويتعلم الأربعين النووية ويتعلم الأحاديث والمتون يبدأ من الصفر فهو ما عنده استعداد .

/ (قالوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدَالَنا )
 الجدال - الحوار- من الدّين ومشروع من أجل بيان الحق والدعوة إليه لأن الذين أنهوا الجدال هنا هم قوم نوح عليه السلام وليس نوح نفسه، بل لما أوردوا الشبهات على دعوته شرع في الجدال - الحوار - لدحض هذه الشبهات والرد عليهم، وبيان الحق ودعوة قومه إليه، ولكن القوم قطعوا الجدال واستعجلوا العذاب تشكيكا ونفيا لوقوعه.

/ (وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا)
 أمر تعالى رسوله عليه السلام بصناعة الفلك وهي وسيلة النجاة وفي ذلك تربية على الأخذ بالأسباب فإنه تعالى قادر على نجاة قوم نوح بقوله (كن) ولكنه أمر بصناعة السفينة لتعليمنا الأخذ بالأسباب.

/ الاستهزاء عقبة من عقبات الدعوة إلى الله تعالى، والدعاة إلى شرع الله وسنته يلاقون الاستهزاء والسخرية وتلك سنة باقية إلى يوم الدين.

/ (وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ) 
الثقة بالنفس والإيمان بالدعوى يبث القوة في الداعية ويدّعم موقفه أمام الآخرين، فهؤلاء الكفار يسخرون منه عليه السلام وأصحابه حين يرونهم يصنعون السفينة، فيرد عليهم نبي الله نوح إن كنتم الآن منا تسخرون فنحن نسخر منكم الآن وحين تقع الواقعة ويحين هلاكم.

/ (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنور)
« أي فار الماء من تنور الخبز، أي أُخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار، روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب»(٥) وهو دليل على كمال قدرة الله تعالى إذ أخرج الماء من موضع وجود النار. 

- شحن السفينة بأزواج من جميع الأنواع الأرضية البرية أمر مُعجز تم بأمر الله ومشئته وقدرته، وقد سماه الله آية - فهي معجزة - في قوله (وآية لهم إنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) [يس: ٤١] ، كما سمى سبحانه صنع السفينة نفسها آية في قوله (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [العنكبوت: ١٥].

- للخبر في قوله تعالى (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) دلالته، فمن أجل هذا العدد القليل المؤمن أجرى الله الطوفان الذي دمّر كل شيء في الأرض من حياة وعمران، وجعل وراثة الأرض وعمرانها بعد ذلك لهذا العدد القليل المؤمن. إن البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى.

 - (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)
« قال عاصم عن الشعبي قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كتب كان يكتب (باسمك اللهم) فلما نزلت (بسم الله مجريها ومرساها) كتب (بسم الله)، ولما نزلت (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) كتب (بسم الله الرحمن)، فلما نزلت (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) كتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال عاصم قلت للشعبي أنا رأيت كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال: ذاك الكتاب الثالث» (٦)

- كل عمل لا يبدأ فيه بـ ( بسم الله) أبتر كما ذكر النبي صلى الله 
عليه وسلم، وذِكرُ الله عنوان الإيمان وسمة المسلم لعلمه أن كل شيء بيده سبحانه يُصرّف الأمور كيف يشاء، فمن لجاء إلى الله تعالى فقد لاذ بالأمن والنجاة. وتصور أخي الحبيب السفينة مهما كانت كبيرة تمشي بين موج كالجبال لا يحفظها من هذا الموج سوى الله. وفي تفسير القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك (بسم الله الرحمن الرحيم)).

-  إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) 
قال الرازي في التفسير «وأما قوله (إن ربي لغفور رحيم) ففيه سؤال وهو: إن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟ وجوابه: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنهم إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه وأن يكون رحيما لعقوبته غفورا لذنوبه»



- العبرة بقرابة الدّين لا بقرابة النسب، فإن قرابة النسب بين نوح عليه السلام وابنه حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدّين نفى الله تعالى ابن نوح من الأهلية بأبلغ الألفاظ وهو قوله إنه ليس من أهلك وفي هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين فإن ابن نوح عليه السلام كان كافرا مع أن أباه كان نبيا.

/ (وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ )
 أي اشربي ماءك الذي خرج منك للطوفان ورُديه إلى جوفك دون المياه المعهودة التي كانت على سطحك في الأنهار والعيون والبحيرات وغيرها.

/ (وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَآء أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَاء)
 أليس هناك ترادف بين قول الله (يا أرض لعيناءك) وبين قوله (وغيظ الماء)؟
 الجواب: الأرض أخرجت ما عندها من ماء، والسماء أمطرت ماء، فقول الله جل وعلا (يا أرض ابلعي ماءك) أي الماء الذي أخرجته، وقوله (وغيض الماء) هذا في ماء السماء، فما بلعته الأرض الماء الذي خرج منها لأن الله قال: (وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على  أمر  قد قُدر) وقال: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) فالتقى ماءان، ماء السماء وماء الأرض فقول الله (ابلعي ماءك) عائد على الأرض في الماء الذي أخرجته، (وغيض الماء) في الماء الذي نزل من السماء. فيصبح بهذا لا تكرار في الآية. 

/ (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)
 أي ليس من أهلك الموعود بنجاتهم، وذلك أنه لم يكن على دينه (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ) عمل هذا الولد غير صالح، وابن جرير يفسر قوله (إنه عمل غير صالح) أن ذلك لا يرجع إلى الولد وإنما يرجع إلى السؤال، سؤال نوح، وربما يُحتج لهذا بأنه عقّبه بالفاء (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لأنها لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والأول أشهر وعليه عامة أهل العلم وهو الأقرب.

- قرابة النسب تنقطع بالموت على الكفر ولهذا لا يتوارثان، وقرابة الدين أقوى من قرابة النسب ولهذا لا تنقطع بالموت بل تبقى وتستمر وينفع الله تعالى الميت المسلم بصلاة المسلمين عليه ودعائهم واستغفارهم له ويجمع الله بينهم برحمته وفضله في الجنة بعد أن يُلحق المقصر منهم بالسابق كما في قوله سبحانه (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) [الطور: ٢١].

- لم يُذكر خبر نوح مع ولده إلا في سورة هود مع أنه سبحانه ذكر قصة نوح في عدة سور  وخصص لها في المفصل سورة كاملة سميت باسمه، وقد دلت هذه الحلقة من قصة نوح عليه السلام على أن الإنسان مسؤولية شخصية فردية فلا يسأل أحد عن ذنبه غيره مهما كانت القرابة بينهما، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، وكل إنسان مكلف مسؤول عن كسبه واختياره.
ولعل سر انفراد سورة هود بهذه الحلقة الجديدة من قصة نوح مع قومه أنها تتفق تماما مع موضوع المسؤولية والجزاء الذي تدور آيات السورة في فلكه.

/ (قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم)
كان محمد بن كعب القرظي -رحمه الله- عندما يقرأ هذه الآية يقول: «دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة»
------------------------------
١- فتاوى الشيخ ابن تيمية 
٢- رواه الحاكم في المستدرك كتاب التفسير تفسير سورة هود (٣٢٧/٢) برقم (٣٣٠٩).
٣- موقع أ.د خالد السبت
٤- صححه الألباني في إرواء العليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٣١٦/٥) برقم (١٤٩٣)
٥- تفسير النسفي (سورة المؤمنون)
٦- معاني القرآن للنحاس

اقرأ المزيد...

الأحد، 18 يناير 2026

الدرس التاسع والخمسون تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٧) (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل…)

 059 تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٧)/ صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى عليه السلام وآتاه التوراة ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى عليهم السلام وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر (وأيدناه بروح القدس) أي قوّاه الله تعالى بروح القدس، قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام، وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله تعالى به عباده ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها لما أتوكم بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم أي عن الإيمان بهم ففريقا منهم كذبتم وفريقا تقتلون، فقدمتم الهوى على الهدى وآثرتم الدنيا على الآخرة وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد: قول الله جل وعلا (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل) إلى تمام الآية، هذه الآية لها تعلق بما سبقها من آيات في بيان الحال التي كان عليها بنو إسرائيل من عتو، وظلم واستكبار، وعناد وإباء وتكذيب، إلى غير ذلك من الأوصاف الذميمة التي كانوا عليها، فهذه الآية فيها بيان عتو بني إسرائيل وفيها بيان شدة عنادهم وتكبرهم على الحق وعلى رسل الله وأنبيائه الكرام عليهم صلوات الله وسلامه، وهذا العتو يأتي مع عظم النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليهم كبيرة وعظيمة للغاية لكن مع عظم النعمة كانوا في أشد ما يكون من العتو والاستكبار والتكذيب لرسل الله ولِما جاؤوا به، ولهذا يذكر الله عز وجل في هذه الآية عظيم النعمة عليهم بقوله (ولقد آتينا موسى الكتاب) موسى بُعث فيهم، (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي أعطيناه الكتاب، والمراد بالكتاب التوراة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام وجعل فيها جل وعلا الهدى والنور، وقد تقدمت حالهم مع التوراة، ماذا صنعوا وماذا فعلوا بها من كتمان وتغيير وتحريف.
 (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل) (بعده) أي بعد موسى والى عليهم الرسل، (قفينا) أي رسول يقفوه رسول، رسول يتبعه رسول، أرسل رسلا بعد موسى رسلا تترى كلما مات رسول تبعه الآخر وجاء على قفاه على أثره (وقفينا من بعده بالرسل)
وهؤلاء الرسل الذين جاءوا من بعد موسى عليه السلام كلهم يحكمون بالتوراة كما قال الله سبحانه وتعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) (يحكم بها النبيون) فهؤلاء الرسل المشار إليهم بقوله (وقفينا من بعده) أي من بعد موسى (بالرسل) هؤلاء كلهم كانوا يحكمون بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، إذًا شريعتهم كلهم شريعة موسى، والحكم الذي يحكمون به كلهم حكم موسى الذي أنزل عليه في التوراة (وقفينا من بعده بالرسل)،
ثم ختم جل وعلا أنبياء بني إسرائيل الذين تتابعوا وكثروا بعد موسى عليه السلام ختم هؤلاء الأنبياء بعيسى عليه السلام لكن يختلف عن هؤلاء الأنبياء الذين قبله  - الذين كانوا يحكمون بالتوراة - يختلف عنهم بأن أُنزل إليه كتاب فهو رسول مُرسل بكتاب، شريعة، ولهذا في شريعته أشياء ناسخة للتي كانت في التوراة والتي كانت في شريعة موسى عليه السلام، ولهذا ذكر بصيغة تختلف عن من قبله قال (وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)، عيسى ابن مريم عليه السلام خُتمت به الرسالات التي كانت في بني إسرائيل وبه خُتم أنبياء بني إسرائيل فكان آخرهم، كان خاتمهم.
(وآتينا عيسى ابن مريم البينات)
(البينات) المراد بها الآيات المعجزة التي على مثلها يؤمن البشر، أيده الله سبحانه وتعالى بها وهي آيات متنوعة عديدة يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «هي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى، وخلقِه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه الذي أحدث الله إليه أحدث الله إليه (وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) أي حديث الإنزال، أنزله الله سبحانه وتعالى إليه» قال: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) (وأيدناه) أيدنا عيسى عليه السلام بروح القدس، التأييد: التقوية، (أيدناه) أي قويناه (بروح القدس) أي بجبريل عليه السلام على الصحيح في أقوال أهل العلم في معنى قوله (روح القدس).
 قال: (وأيدناه بروح القدس) أي أيدناه بجبريل، والقول بأن المراد بروح القدس جبريل هو الذي عليه التحقيق في أقوال أئمة التفسير
ذُكر في المعنى أقوال لكن أصحها وأظهرها أن المراد به جبريل عليه السلام وهذا اختيار الإمام بن جرير الطبري وابن كثير وابن تيمية وغيره من أهل العلم، والأدلة عليه واضحة مثل:
● قول الله عز وجل في موطن آخر سبحانه وتعالى (قل نزّله روح القدس من ربك بالحق)
● قول النبي عليه الصلاة والسلام لحسان بن ثابت (اهجهم وروح القدس معك) روح القدس أي جبريل يؤيدك الله به، (معك) أي يؤيدك الله سبحانه وتعالى به، قال الإمام بن جرير رحمه الله «وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال الروح في هذا الموضع جبريل» 
الروح في هذا الموضع جبريل، من المفسرين من قال أن المراد بالروح الإنجيل لأن الوحي سماه الله روحا (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) سماه الله روحا، فمن المفسرين من قال الروح الإنجيل والوحي يسمى روحا، لماذا؟ لأن به تحيا القلوب الحياة الحقيقية، به تحيا القلوب الحياة الحقيقية ولهذا بعض المفسرين ذهبوا إلى أن المراد بروح القدس أي أيدناه بالإنجيل، بروح القدس أي أيدناه بالإنجيل. في أواخر سورة المائدة يقول جل وعلا (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ذكر ماذا؟ ذكر شيئين، ذكر التأييد بروح القدس وذكر الإنجيل، فهما شيئان: روح القدس شيء، والإنجيل شيء آخر، واضح في الآية فقوله في هذه الآية (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) أي أيدناه بجبريل، قويناه بجبريل، والله يؤيد - سبحانه وتعالى - من شاء بملائكته، يؤيد أي يقوي، يقوي سبحانه وتعالى من شاء بالملائكة، قال (وأيدناه بروح القدس) ماذا كان من هؤلاء؟ يعني مع هذه النعم والبراهين والحجج والرسل تتوالى وتترى هل أحدث ذلك فيهم لينا، خضوعا، إقبالا، قبولا، انقيادا، ما ازدادوا إلا عتوا وتكبرا ولهذا يصف الله عز وجل حالهم مع عِظم النعمة التي أنعم بها عليهم، يصف حالهم فيقول (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) هذا فيه أن حالهم مع توالي الأنبياء وعظم الآيات والبينات والدلائل الذي كانوا عليه هو ماذا؟ هو التكبر والتكذيب وأيضا السعي في قتل الأنبياء بل قتلوا بعض الأنبياء الذين أُرسلوا اليهم لماذا؟ ما السبب؟ شيء واحد جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم، (لا تهوى أنفسهم) أي جاؤوهم بشيء لا تميل إليه أنفسهم، لا ترغبه أنفسهم فجعلوا أنفسهم هي الحاكمة، وجعلوا المعول على ما تهواه الأنفس وهذا عين الضلال، عندما يكون الإنسان محكما هواه على شرع الله يرُد الشيء لا لشيء إلا لأنه لا يوافق هواه هذه آفة عظيمة من أعظم آفات القلوب ومن أعظم أدواء القلوب وأسقامها.
 قال (أفكلما جاءكم رسول) الخطاب لمن؟ لليهود، (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم) أي تكبرتم وتعاليتم على الحق، فكانت هذه حالهم يعني في تكبر وتكذيب وقتل أيضا للأنبياء، وهذه أسوأ معاملة يعامل بها الرسل عليهم صلوات الله وسلامه يتكبرون على الرسل وعلى الحق الذي جاءوا به، ويكذبون ما جاءت به الرسل، وأيضا يعملون على قتل الأنبياء، وفعلا قتلوا من قتلوا منهم، قال: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) لاحظ الله عز وجل قال: (وفريقا تقتلون) ما قال (وفريقا قتلتم)، قال (ففريقا كذبتم) ولم يقل (وفريقا قتلتم) مثل التي قبلها قال (تقتلون) بصيغة المضارع، صيغة المضارع يفيد الاستمرار ولهذا كانت لهم محاولات لقتل محمد عليه الصلاة والسلام وعملوا على سحره، ووضعوا له سما في طعامه عليه الصلاة والسلام، كانوا يعملون على قتله هذا منها (وفريقا تقتلون) يعني كانوا يقتلون بالفعل ويقتلون بالسعي بالقتل ولهذا سعوا في قتل نبينا عليه الصلاة والسلام وقد قال لعائشة رضي الله عنها في مرض موته «إني لأجد أثر السم» يعني الذي وُضع له في كتف الشاة أو في اللحم - عليه الصلاة والسلام - ولهذا جاءت الصيغة (فريقا تقتلون) يعني أن هذه الصفة صفة مستمرة فيهم إما القتل أو العمل على القتل مثل ما حاولوا وسعوا في قتل نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قال الشيخ رحمه الله: «يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى وآتاه التوراة» كليمه يقال لموسى الكليم لأنه سمع كلام الله من الله بلا واسطة، مباشرة قال جل وعلا (وكلم الله موسى تكليما)، (لما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه) وكلمه ربه فهو سمع كلام الله من الله ولهذا كان من ألقابه وصفاته الكليم لأن هذا شرف عظيم رفيع عالي جدا أن سمع كلام الله سبحانه وتعالى من الله قال: «أن أرسل إليهم كليمه موسى» ينبه الشيخ بعِظم المنّة يعني أرسل لهم موسى الكليم يعني له خاصية، رسول له خاصية، له له مكانة وهو من أولي العزم الخمسة من الرسل عليه وعليهم صلوات الله وسلامه «وآتاه التوراة فيها الهدى والنور ثم تابع من بعده الرسل الذين يحكمون بالتوراة» الذين يحكمون بالتوراة كما في الآية التي أشرت إليها (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) «ثم تابع من بعده» أي موسى «بالرسل الذين يحكمون بالتوارة إلى أن ختم أنبياءهم» من هم؟ بنو إسرائيل «إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم عليه السلام وآتاه من البينات ما يؤمن على مثله البشر» ومر معنا شيء منها في أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال «وأيدناه بروح القدس أي قواه الله بروح القدس قال أكثر المفسرين أنه جبريل عليه السلام، وقيل أنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده» قويناه بروح القدس أي قويناه بالإيمان والإيمان روح لأن الإيمان - وهذا وجه اختيار بعض المفسرين أن المراد الإيمان – لأن الإيمان روح (أومن كان ميتا فأحييناه) بماذا؟ بالإيمان، الإيمان روح، لماذا سمي الإيمان روحا؟ لأن به حياة الإنسان، ولماذا سمي الوحي روحا؟ لأن به حياة الانسان، ولماذا سمي جبريل روحا؟ لأنه ينزل بالوحي الذي به حياة الإنسان الحياة الحقيقية.
قال «ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها لعظمها لكبرها لفخامتها لما أتوكم - أي الرسل - بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم عن الإيمان بهم، استكبرتم أي تعاليتم وتعاظمتم في أنفسكم أن تؤمنوا بما بعث به هؤلاء الرسل لكونهم جاؤوا بما لا تهوى انفسكم ففريقا من الرسل كذبتم وفريقا تقتلون- فقال الشيخ «فقدمتم الهوى على الهدى وآثرتم الدنيا على الآخرة وفيه من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى» نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون) أي اعتذروا عن الايمان لما دعوتهم إليه يا أيها الرسول بأن قلوبهم غلف أي عليها غلاف وأغطية فلا تفقه ما تقول يعني فيكون لهم بزعمهم عذر لعدم العلم وهذا كذب منهم فلهذا قال تعالى (بل لعنهم الله بكفرهم) أي أنهم مطرودون ملعونون بسبب كفرهم فقليلا المؤمن منهم أو قليلا ايمانهم وكفرهم هو الكثير»

ت/ قول الله جل وعلا (وقالوا قلوبنا غلف) قالوا أي اليهود للنبي محمد عليه الصلاة والسلام لما دعاهم إلى الإسلام رغبة فيه وذكر لهم ما يوجب قبولهم لهذا الدين من الحجج البينة والآيات الظاهرة والبراهين الساطعة لما ذكر لهم ما يوجب إيمانهم اعتذروا عن الإيمان بهذا العذر الذي ذكره الله عنهم في هذه الآية (وقالوا) أي اليهود (قلوبنا غلف) ما معنى غلف؟ أي مغلفة مغلقة هكذا وجدت بزعمهم، هكذا وجدت مغلفة ما ينفذ الحق الذي تقوله ما ينفذ لأن قلوبنا هكذا وجدت مغلقة ما يدخل الحق الذي تدعونا إليه أو تأمرنا به، (وقالوا قلوبنا غلف) (غلف) يعني عليها غطاء، عليها غشاوة فالذي تقوله ما يدخل، (غُلف) هذا جمع أغلف مثل حُمْر - باسكان الميم- جمع أحمر، وغُلف أيضا -بإسكان اللام- جمع أغلف  (غلف) يعني عليها غلاف، عليها غطاء عليها غشاوة، فهذا الذي تدعونا إليه لأن قلوبنا هكذا وجدت مغلفة فلا يدخل،  هذه الآن دعوه يعتذرون بها عن قبول الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا بهذه الدعوة (قلوبنا غلف) كأنهم يدّعون أن قلوبهم هكذا وجدت، هكذا خلقت، هكذا وجدت مغلفة فالحق الذي تدعوهم إليه ما يجد طريقا لأنها هكذا وُجدت، هكذا خُلقت مغلفة،  (قلوبنا غلف) والقلب الأغلف لا يفقه ولا ينفذ إليه حق هذا يذكرونه حُجة لأنفسهم في عدم الإيمان، عدم قبول ما جاءت به الرسل عليهم السلام، فأكذبهم الله عز وجل في هذا الادعاء بقوله (بل) وهذه تأتي للإضراب (بل لعنهم الله بكفرهم) في الآيات الأخرى ماذا قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) انتبه لقوله (بكفرهم) هنا وفي الآية الأخرى قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) الباء سببي يفسرها قوله سبحانه وتعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) هنا قال (بل طبع الله عليها) يعني على قلوبهم بكفرهم وفي آيتنا هذه قال (بل لعنهم الله بكفرهم) أي بسبب كفرهم وتكذيبهم فأُتوا من فساد في قلوبهم، ما هو كفرهم؟ هو شيء اختاروه هم لأنفسهم وآثروه على الإيمان الذي دعتهم إليه رسل الله عز وجل، فلما آثروا الكفر على الإيمان حصل لهم الطبع عقوبة لهم، عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم كما قال (بل طبع الله عليها بكفرهم فقليلا ما يؤمنون)
(فقليلا ما يؤمنون) قيل في معنى قليلا ما يؤمنون أي يؤمنون بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره - مر معنا سابقا ما يؤيد هذا المعنى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)- وعرفنا هناك أن الذي آمنوا به أقل من الذي كفروا به، هذه مثلها (فقليلا ما يؤمنون) يعني الذي يؤمنون به مما في أيديهم أقل من الذي كفروا به،(فقليلا ما يؤمنون) يعني يؤمنون بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وقيل المعنى قليل منهم من يؤمن، أكثرهم لم يؤمنوا قليل منهم من كتب الله سبحانه وتعالى له هداية، فإذا قوله (قليلا) إما أن تكون عائدة على العمل أو على العاملين (فقليلا ما يؤمنون)
 قال الشيخ رحمه الله: «أي اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه أيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأن قلوبهم غلف أي عليها غلاف وأغطية فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم بزعمهم عذر لعدم العلم وعدم الإيمان وعدم قبول ما جاءت به الرسل، وهذا كذب منهم فلهذا قال تعالى (بل لعنهم الله بكفرهم) في الآية الثانية قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) أي أنهم مطرودون ملعونون بسبب كفرهم
فقليلا المؤمن منهم أو قليلا إيمانهم وكفرهم هو الكثير، يعني قولان في المعنى المعنى المراد بقوله فقليلا ما يؤمنون نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين* بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين)
نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله واهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ... جزاكم الله خيرا
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 13 يناير 2026

اسم الله [القريب / المجيب] من كتاب فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد الرزاق البدر

  .. وقد جمع الله بين هذين الاسمين في قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيب ﴾ [هود: ٦١]. ولم يرد «المجيب» في غير هذا الموضع
 وأما «القريب» فقد ورد في موضعين آخرين هما: 
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٦]
 وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِيَ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ [سبأ: ٥٠]. 
وقرب الله الذي تدلُّ عليه هذه الآيات هو قرب خاص من العابدين المحبين والداعين المستجيبين، قرب لا يدرك له حقيقة، وإنما تُعلَمُ آثاره من لطفه بهم، وتوفيقه لهم وعنايته بهم.
ومن آثاره: إجابته للداعين، وإثابته للعابدين، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر : ٦٠]. وقد ثبت في السنة أحاديث عديدة تدلُّ على قرب الله عزوجل من عباده المؤمنين وأوليائه المتقين، يسمع دعاءهم، ويجيب نداءهم، ويعطيهم سؤلهم، ففي «الصحيحين» (۱) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم ليس تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم». 
وفي الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عزوجل : (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً، تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول).
واسمه تعالى «المجيب» يدلُّ على أنه سبحانه يسمع دعاء الداعين، ويجيب سؤال السائلين، ولا يخيب مؤمناً دعاه، ولا يرد مسلماً ناجاه، ويحب سبحانه أن يسأله العباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية، من الطعام والشراب والكسوة والمسكن، كما يسألونه الهداية والمغفرة والتوفيق والصلاح والإعانة على الطاعة، ونحو ذلك، ووعدهم على ذلك كله بالإجابة مهما عظمت المسألة، وكثر المطلوب، وتنوعت الرغبات، وفي هذا دلالة على كمال قدرة الله سبحانه وكمال ملكه، وأن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس وأجابهم في جميع ما سألوه، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر) رواه مسلم (۳).
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن لِيَعْزِم المسألةَ، وَلْيُعْظِمِ الرَّعْبَةَ، فَإِنَّ الله لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ).
وقد ورد في السنة النبوية أحاديث عديدة في الترغيب بالدعاء، وبيان أن الله تبارك وتعالى يجيب الداعين ويعطي السائلين، وأنه جل وعلا حيي كريم، أكرم من أن يرد من دعاه أو يخيب من ناجاه أو يمنع من سأله. روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنَّ الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا) (٥).
وفي حديث النزول الإلهي يقول صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه (٦)، وهو حديث متواتر رواه عن النبي الله جمع من الصحابة بلغ عددهم ثمانية وعشرين صحابياً .
وجاء في الحديث القدسي في بيان منزلة أولياء الله المتقين أنَّ الله تبارك وتعالى يقول: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه) رواه البخاري في «صحیحه» (٧).
فهذه النصوص وما في معناها تدل دلالة بينة أن الله تبارك وتعالى لا يرد من سأله من عباده المؤمنين، ولا يخيب من رجاه، لكن قد يستشكل في هذا أن جماعة من العباد والصلحاء قد دعوا وبالغوا ولم يجابوا، والجواب: أن الإجابة تتنوع:
 ●فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور
●وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمة
●وتارة تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها، ●وقد تدخر له أجراً ومثوبة يوم القيامة.
روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وغيرهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أنَّ النبيَّ الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعةُ رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أَنْ تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السُّوء مثلها، قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر ) (٨) .
وبهذا يتبين أن إجابة السائل في سؤاله أعم من إعطائه عين المسؤول.
وإن من أثر الإيمان باسم الله المجيب أن يقوى يقين العبد بالله، ويعظم رجاؤه ويزيد إقباله عليه وطمعه فيما عنده، ويذهب عنه داء القنوط من رحمته أو اليأس من روحه.
وكيف لا يكون المسلم واثقا بربه الجواد الكريم المحسن، وهو سبحانه بيده ملكوت كل شيء، فما شاء كان في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وحكمه سبحانه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل، وله الثناء الحسن (يَسْألُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن : ۲۹] ، تبارك الله رب العالمين.
____________________________
(١) البخاري (رقم : (٧٣٨٦) ، ومسلم (رقم : ٢٧٠٤) - واللفظ له ..
(۲) البخاري (رقم : (٧٥٣٧) ، ومسلم (٢٦٧٥) واللفظ له.
(۳) (رقم : ٢٥٧٧) وهو طرف من حديث أبي ذر له.
(٤) البخاري (رقم : ٦٣٣٩) ، ومسلم (رقم : ٢٦٧٩) واللفظ له.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) رواه البخاري (رقم : (١١٤٥) ، ومسلم (رقم : (٧٥٨) من حديث أبي هريرة له.
(٧) (رقم: ٦٥٠٢).
(٨) مسند الإمام أحمد (۳) (۱۸)، و«الأدب المفرد (رقم : (۷۱۰)، و«المستدرك» (١/ ٤٩٣) وصحح الحاكم إسناده، وجوده الحافظ المنذري، كما في صحيح الترغيب والترهيب» (رقم: ١٦٣٣).
اقرأ المزيد...

الخميس، 8 يناير 2026

فوائد سورة القيامة (١-١٥)

 بسم الله الرحمن الرحيم

■ قال الطبري: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من سئل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة». «تفسير الطبري (٢٤ / ٥٤)»

(لا أقسم بيوم القيامة)
عن المغيرة بن شعبة، قال: يقولون: القيامة القيامة، وإنما قيامة أحدهم: موته.
وعنه في تفسيره قال: عن أبي قبيس، قال: «شهدت جنازة فيها علقمة، فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته». «تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩).
وقال ابن الجوزي: «(لا أقسم) اتفقوا على أن المعنى أقسم»، واختلفوا في «لا»: 
● فجعلها بعضهم زائدة، كقوله تعالى : (لئلا يعلم أهل الكتاب).
● وجعلها بعضهم توكيدا للقسم كقولك: لا والله لا أفعل.
● وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث. ويدل عليه أنه أقسم على كون البعث. قال ابن قتيبة زيدت «لا» على نية الرد على المكذبين، كما تقول : لا والله ما ذاك كما تقول، ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ في الرد». «زاد المسير في علم التفسير» (٤ / ٣٦٨).

وقال السعدي: «ليست {لا} ها هنا نافية، ولا زائدة، وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح، والمقسم به في هذا الموضع هو المقسم عليه، وهو: البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم». «تفسير السعدي» (ص ۸۹۸).

(ولا أقسم بالنفس اللوامة) 
قال ابن القيم: «وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه الأخرى، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)، وبقوله : (لا أقسم بيوم القيامة* ولا أقسم بالنفس اللوامة)، وبقوله: (إن النفس لأمارة بالسوء) والتحقيق: أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات، فتسمى باعتبار كل صفة باسم.... إلى أن قال:
 وأما اللوامة، وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله : { ولا أقسم بالنفس اللوامة) فاختلف فيها:
■ فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة. أخذوا اللفظة من التلوّم، وهو التردد، فهي كثيرة التقلب والتلون. وهي من أعظم آيات الله، فإنها مخلوق من مخلوقاته، تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر - ألوانا متلونة. فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتلطف وتكثف، وتنيب وتجفو، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتعصي، وتتقي وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلوّنها، فهي تتلوّن كل وقت ألوانا كثيرة. فهذا قول.
■ وقالت طائفة اللفظة مأخوذة من اللوم. ثم اختلفوا:
● فقالت فرقة هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المحمودة. قال الحسن البصري: «إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما. يقول: ما أردت بهذا ؟ لم فعلت هذا ؟ كان غير هذا أولى، ونحو هذا من الكلام»، وقال غيره: «هي نفس المؤمن توقعه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان، بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب، بل يلومها وتلومه على فواته».
● وقالت طائفة بل هذا اللوم للنوعين، فإن كل أحد يلوم نفسه، برا كان أو فاجرا. فالسعيد يلومها على ارتکاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها.
● وقالت فرقة أخرى هذا اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته، وإن كان محسنا على تقصيره.
وهذه الأقوال كلها حق، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله، وباعتباره سميت لوامة، 
ولكن اللوامة نوعان:
لوامة ملومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته.
ولوامة غير ملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله . مع بذله جهده، فهذه غير ملومة.
وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت ملام اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه قد تخلصت من لوم الله لها، وأما من رضيت بأعمالها، ولم تلم نفسها عليها، ولم تحتمل في الله مُلام اللوام، فهي التي يلومها الله عز وجل». «الروح (٢/ ٦٢٢-٦٣٩)»

(أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه)
قال البغوي: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه نزلت في عدي بن ربيعة، حليف بني زهرة، ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اكفني جاري السوء)، يعني: عديا والأخنس. وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، حدثني عن القيامة متى تكون؟ وكيف أمرها وحالها ؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام فأنزل الله عز وجل : (أيحسب الإنسان) يعني الكافر (أن لن نجمع عظامه) بعد التفرق والبلى فنحييه قيل : ذكر العظام وأراد نفسه؛ لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا باستوائها. وقيل: هو خارج على قول المنكر : أو يجمع الله العظام، كقوله: {قال من يحيي العظام وهي رميم}. «تفسير البغوي (۸) ۲۸۰)»

(بلی قادرين على أن نسوي بنانه)
قال ابن عطية: «قال القتبي (نسوي بنانه) معناه نتقنها سوية، والبنان الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم: إنما تُجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء، وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث.
وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: «(نسوي بنانه) معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى: قادرين في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بیده فكأن التقدير : بلى نحن أهل أن نجمعها قادرين على إزالة منفعته بيده، ففي هذا توعد ما» والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء». «تفسير ابن عطية(٥ / ٤٠٢)».
وقال ابن القيم: «جاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:
أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه؛ كما قال في جواب من قال: من يحيي العظام وهي رميم: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، وقال: {وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل*إن ربك هو الخلاق العليم)، وقال: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم).
والثاني: تقرير كمال قدرته؛ كقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}، وقوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه)، وقوله : {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير}، ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله : (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم).
الثالث: كمال حكمته كقوله : (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين)، وقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) وقوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)، وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله الملك الحق}، وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}». «الفوائد لابن القيم (۱) ۸-۹)»

(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)
قال البغوي: « يقول : لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع عظامه، لكنه يريد أن يفجر أمامه، أي: يمضي قدما على معاصي الله ما عاش راكبا رأسه، لا ينزع عنها ولا يتوب. هذا قول مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي. وقال سعيد بن جبير : (ليفجر أمامه) يُقْدِم على الذنب ويؤخر التوبة، فيقول: سوف أتوب، سوف أعمل، حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله. وقال الضحاك : هو الأمل، يقول: أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا، ولا يذكر الموت». «تفسير البغوي (۲۸۱۸)»
وقال ابن عطية: «و (بل) في أول الآية هي إضراب على معنى الترك، لا على معنى إبطال الكلام الأول». «تفسير ابن عطية ( ٥ / ٤٠٣)».

(فإذا برق البصر)
قال ابن كثير : « قال أبو عمرو بن العلاء : (برق) بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: (لا يرتد إليهم طرفهم) بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب. وقرأ آخرون: "برق" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عِظَم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور». «تفسير ابن كثير (۸) ۲۷۷)»

(وخسف القمر)
قال القرطبي : ( وخسف القمر ) أي ذهب ضوءه والخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوءه. ويحتمل أن يكون بمعنى غاب ومنه قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض)». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٩٦).

(وجُمع الشمس والقمر)
قال القرطبي: « قال ابن عباس وابن مسعود: جُمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرونين كأنهما ثوران عقيران... وفي قراءة عبد الله: (وجمع بين الشمس والقمر)، وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقال علي وابن عباس : «يجعلان في نور الحجب» وقد يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عُبدا من دون الله، ولا تكون النار عذابا لهما لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم - يعني ممن كانوا يعبدونها من دون الله». وفي مسند أبي داود الطيالسي، عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۷).
وقال السعدي: «وجمع الشمس والقمر وهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى، فيجمع الله بينهما يوم القيامة، ويُخسف القمر، وتكوّر الشمس، ثم يُقذفان في النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، وليري من عبدهما أنهم كانوا كاذبين». «تفسير السعدي» (ص۸۹۹).

(يقول الإنسان يومئذ أين المفر)
قال القرطبي : «قال الماوردي: ويحتمل وجهين: 
أحدهما: أين المفر من الله استحياء منه.
 الثاني: أين المفر من جهنم حذرا منها. 
ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
 أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرضة القيامة دون المؤمن، لثقة المؤمن ببشرى ربه.
الثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۷).

(كلا لا وزر)
عن الحسن في قوله : (كلا لا وزر ) قال: «كانت العرب تخيف بعضها بعضا، قال: كان الرجلان يكونان في ماشيتهما، فلا يشعران بشيء حتى تأتيهما الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه، يا فلان الوزر الوزر، الجبل الجبل». «تفسير الطبري (٢٤/ ٥٩)».

(إلى ربك يومئذ المستقر )
قال البغوي: {إلى ربك يومئذ المستقر } أي مستقر الخلق. وقال عبد الله بن مسعود: المصير والمرجع نظیره قوله تعالى : إلى ربك الرجعي)، وإلى الله المصير)، وقال السدي: المنتهى، نظيره: (وأن إلى ربك المنتهى)». «تفسير البغوي (۸) ۲۸۲)»

(ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) 
● قال البغوي: قال ابن مسعود وابن عباس : (بما قدم قبل موته من عمل صالح وسيئ، وما (أخر): بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يُعمل بها. 
● وقال عطية عن ابن عباس : (بما قدم من المعصية (وأخر) من الطاعة.
● وقال قتادة : (بما قدم من طاعة الله ( وأخر) من حق الله فضيعه.
● وقال مجاهد: بأول عمله وآخره.
● وقال عطاء : (بما قدم) في أول عمره، وما (أخر) في آخر عمره.
وقال زيد بن أسلم: (بما قدم) من أمواله لنفسه، وما (أخر ) خلفه للورثة». «تفسير البغوي) (۲۸۲/۸).
●وقال القرطبي: قال القشيري: «وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال ويجوز أن يكون عند الموت، قلت: والأول أظهر، لما خرجه ابن ماجه في سننه ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته). وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره من علّم علما، أو أجرى نهرا ، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا ، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته). فقوله: (بعد موته وهو في قبره) نص على أن ذلك لا يكون عند الموت، وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن عمله، وإن كان يبشر بذلك في قبره. ودل على هذا أيضا قول الحق: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم). وقوله تعالى : ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال. والله أعلم. وفي الصحيح: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۹۹).

■ قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)
●عن قتادة قوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) أنه قال: «إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلا عن ذنوبه؛ قال: وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، ولا تبصر الجذع المعترض في عينك». 
«تفسير الطبري (٢٤/ ٦٣)»
●وقال القرطبي: «قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك.
●وقال ابن عباس: (بصيرة) أي شاهد، وهو شهود جوارحه عليه يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة الشاهد» ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)....
وقيل: المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر يدل عليه قوله تعالى: (ولو ألقى معاذيره) فيمن جعل المعاذير الستور». «الجامع لأحكام القرآن (۱۹/ ۹۹-۱۰۰)».
●وقال القرطبي: «فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه، لأنها بشهادة منه عليها، قال الله سبحانه وتعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) ولا خلاف فيه لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه، لأن العاقل لا يكذب على نفسه، وهي المسألة. وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما مع لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) ثم قال تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۱۰۲).

قوله تعالى: ( ولو ألقى معاذيره)

● قال ابن كثير: «قال مجاهد : (ولو ألقى معاذيره) ولو جادل عنها فهو بصير عليها.
●وقال قتادة : (ولو ألقى معاذيره) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه.
● وقال السدي: (ولو ألقى معاذيره) حجته. وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم. واختاره ابن جرير.
● وقال قتادة عن زرارة، عن ابن عباس: (ولو ألقى معاذيره) يقول: لو ألقى ثيابه.
● وقال الضحاك ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر : المعذار.
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) وكقوله: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون).
● وقال العوفي، عن ابن عباس: «(ولو ألقى معاذيره) هي الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: {لا ينفع الظالمين معذرتهم}، وقال (وألقوا إلى الله يومئذ السلم)، { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء}، وقولهم (والله ربنا ما كنا مشرکین). «تفسیر ابن کثیر (۸) (۲۷۸)»
● وقال السعدي: «(ولو ألقى معاذيره) فإنها معاذير لا تقبل، ولا تقابل ما يقرر به العبد فيُقر به، كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} فالعبد وإن أنكر أو اعتذر عما عمله، فإنكاره واعتذاره لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه وبصره وجميع جوارحه بما كان يعمل، ولأن استعتابه قد ذهب وقته، وزال نفعه فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون». «تفسير السعدي (ص ۸۹۹)».
-----------------------------------
د. أبصار الإسلام



اقرأ المزيد...

الاثنين، 5 يناير 2026

الدرس الثامن والخمسون | تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٤) (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم…)


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون* ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون* أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) هذا الفعل المذكور في هذه الآية فعلٌ للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم الفِرق الثلاث من فِرق اليهود بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود فيقتل اليهودي اليهودي ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدا بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فُرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يُخرج بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، فإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال (أفتؤمنون ببعض الكتاب) أي وهو فداء الاسير (وتكفرون ببعض) وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان قال تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) وقد وقع ذلك فأخزاهم الله وسلط رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم فقتل من قتل وسبى من سبى منهم وأجلا من أجلا، (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) أي أعظمه (وما الله بغافل عما تعملون)، ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعضه فقال (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار فاختاروا النار على العار فلهذا قال (فلا يخفف عنهم العذاب) بل هو باق على شدته، ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات (ولا هم يُنصرون) أي يدفع عنهم مكروه«
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أما بعد:
 هذه الآيات بدءا من قوله عز وجل (واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) وما بعدها من آيات هذه جاءت في ذم اليهود، واليهود المعنيون بهذا الذم هم من كانوا في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان هؤلاء اليهود في المدينة فرق ثلاثة بنو قينقاع، بنوا قريظة، وبنو النضير، أتوا المدينة وكان في المدينة الخزرج والأوس الذين صاروا فيما بعد هم الأنصار،  أكرمهم الله عز وجل بالإسلام وحسن الإسلام وعظيم النصرة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صار هذا وصفا لهم الأنصار (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم) وهؤلاء الفرق الثلاثة من اليهود لما نزلوا المدينة، بنو قريظة وبنوا النضير صاروا حلفاء للاوس، وبنو قينقاع صاروا حلفاء للخزرج، والأوس والخزرج في جاهليتهم كانت تنشب بينهم حروب وقتال وحلفاء كلٍ يكونون حلفاء لهم، يكونون معهم في القتال، وعندهم في التوراة - يعني هؤلاء الطوائف وهؤلاء الفرق بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير- عندهم مواثيق وعهود بُينت لهم وأُخذ عليهم الميثاق فيها تتعلق بعلاقاتهم هم بعضهم ببعض وهذه المواثيق متعددة:
 منها: أن لا يقتل بعضهم بعضا
 ومنها: أن لا يُخرج أحد منهم آخر من منزله،  من مسكنه، من دياره
 ومنها: ألا يُظاهر عليه أحدا
ومنها: إن وجد واحدا من إخوانه من هؤلاء أسيرا أن يفديه
 هذه مواثيق أُخذت عليهم في التوراة وهم يعلمون بذلك، يعلمون أنها أخذت عليهم في التوراة، وأنهم مأمورون بها، قال عز وجل (وإذ أخذنا) يعني واذكروا (إذ أخذنا ميثاقكم) يعني أخذنا عليكم العهد والميثاق (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم، وأيضا - كما سيدل ما بعده من آيات - ولا يُظاهر أحدا على إخوانه بان  يعين في قتال عليهم، وأيضا الفدية لمن وُجد أسيرا منهم،  هذه أربعة أمور أُخذ عليهم الميثاق في التوراة أن يُقروا بها، وأن يلتزموا بفعلها فماذا كان منهم؟
قال (ثم أقررتم) أقررتم بهذه الأحكام والتزمتم بهذه المواثيق أن تفعلوها، (ثم أقررتم) أي بمعرفة هذه المواثيق التي أُخذت عليكم في التوراة وأقررتم بصحتها وأنكم مأمورون بفعلها وتشهدون بذلك، تشهدون بأنها مواثيق أُخذت عليكم في التوراة، تشهدون بذلك وسياق الآيات هو في بيان أن هؤلاء لم يلتزموا بالعهود والمواثيق التي أُخذت عليهم في التوراة، ولم يلتزموا بأحكام التوراة التي يعتقدون صحتها ويشهدون أنها صحيحة كما تقدم، (وأنتم تشهدون) يشهدون بصحتها ولكن لا يلتزمون بأحكامها، ومن كان كذلك لا يُؤتمن على الكتاب الذي عنده في نقوله ولهذا كثُر كذبهم، كثر دسهم، كثر كتمانهم وخاصة فيما يتعلق بالبشارة الموجودة في التوراة بالرسول عليه الصلاة والسلام وذكر صفاته فكانوا يكتمون ذلك ويحرفونه ويكتمون الصفات المذكورة للرسول عليه الصلاة والسلام وهذا ليس بغريب عليهم لأن هذه حالهم  مع التوراة يُقرون بها، يُقرون بالأحكام التي فيها، يشهدون أنها صحيحة،  يشهدون أنها مأمور بها من الله لكن لا يلتزمون أحكام الله، ولا يمتثلون شرع الله سبحانه وتعالى ولهذا يقول جل وعلا (ثم أنتم هؤلاء) (ثم) هذا حرف عطف يفيد التراخي وهي معطوفة، الجملة معطوفة على قوله (ثم أقررتم) يعني ثم من بعد إقراركم وشهادتكم أن هذه أحكام ومواثيق أُخذت عليكم في التوراة من بعد هذا الإقرار تنقضون ذلك ولا تمتثلون أوامر الله سبحانه وتعالى. (ثم أنتم هؤلاء) أي يا هؤلاء، (هؤلاء) منادى وحذفت ياء النداء أو حرف النداء: ثم أنتم يا هؤلاء (تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) (تقتلون أنفسكم) يقتل بعضكم بعضا، يعني الذين مع الأوس في الحروب التي تنشب بين الأوس والخزرج يقتلون اليهود الذين مع الخزرج والعكس كذلك، يقتل بعضهم بعضا ويظاهر بعضهم غيرهم عليهم، قال (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) أي يقتل بعضكم بعضا (وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) أي تخرجونهم من مساكنهم وبيوتهم وتنهبون بيوتهم، هذا يحصل في تلك الحروب (تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) تظاهرون الظهور: العلو، في قراءة: تظّاهرون اي تتعاونون عليهم، (بالإثم والعدوان) الإثم: المعصية، والعدوان: أي بالاعتداء على الآخرين في الأموال والأنفس، الأنفس قتلا، والأموال نهبا، هذا حصل من هؤلاء تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان، وعرفنا أن الخطاب للذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لأن هذه أمور جرت ووقعت منهم قبيل مبعث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
قال: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) في قراءة: (تفدوهم) إن يأتوكم أسارى في أيدي أعدائكم سعيتم في فديتهم وتخليصهم من الأسر، هذا الحكم فعلوه أو لم يفعلوه؟ هذا فعلوه، من الأحكام الأربعة التي أُخذ عليهم الميثاق والعهد أن يفعلوها هذا الحكم الوحيد الذي يفعلونه أو كانوا يفعلونه والثلاثة الباقية لا يفعلون منها شيء، يقتل بعضهم بعضا، يخرجونهم من ديارهم مساكنهم منازلهم ويعتدون عليهم، ويظاهرون غيرهم عليهم، هذه أحكام أخذ عليهم الميثاق فيها ولم يلتزموا بها، قال: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم) أي حُرم عليكم إخراجهم في التوراة، الأحكام التي بُينت لكم في التوراة، هذا يُعد ماذا؟ الآن الصنيع منهم يأخذون ببعض الأحكام أو حتى قل يأخذون بقليل من الأحكام ويتركون الكثير، الآن الذي عرفنا من السياق أربعة أحكام فعلوا واحد وتركوا ثلاثة ولهذا قال الله عز وجل: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) يعني شأنكم مع أحكام الكتاب، المواثيق، العهود التي أُخذت عليكم في الكتاب شأنكم معها أن الأحكام التي تمتثلونها مجرد انتقاء تنتقون منه وغير ذلك من الأحكام تتركونه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) هكذا شأنهم، هذه كانت صفتهم، والذي يؤمنون به من أحكام الكتاب هو الذي يقع في نفوسهم رغبة فيه يمتثلونه وما سوى ذلك لا يمتثلونه من أحكام الله سبحانه وتعالى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) قال جل وعلا: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) (خزي في الحياة الدنيا) ذل، وحصل لهم ذلك، أذلهم الله سبحانه وتعالى، ولهذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام - التي كانت هذه الأحداث قبله - في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم من قتل، وسبى من سبى، وأجلى من أجلى - كما سيأتي معنا- هذا في الدنيا، (إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) في قراءة: (يعملون) بالغيبة، وهنا بالخطاب (تعملون).
 (أولئك الذين اشتروا) أي استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، (فلا يخفف عنهم العذاب) أي لا يُفتر عنهم ولا ساعة، ولا لحظة، (ولا هم ينصرون) أي لا يجدون من ينصرهم وينقذهم من عذاب الله سبحانه. روى ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ابتلاهم الله بذلك من فعلهم وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم فكانوا فريقين طائفة منهم من بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه من اليهود حتى يتسافكوا دمائهم بينهم وبأيديهم التوراة - يعرفون أن الله حرم عليهم أن يسفك بعضهم دم بعض، أن يقتل بعضهم بعضا- فحتى يتسافكوا دمائهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم» مثل ما تقدم (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا، لكن هؤلاء الفرق الثلاثة من اليهود أهل  كتاب يعرفون، عندهم أحكام ويعرفون أنها من الله، يعرفون أن الله أمرهم بها وأخذ عليهم الميثاق والعهود، ويُقرون بذلك ويشهدون أنها موجودة في التوراة، والتوراة بأيديهم، وشأنهم مع التوراة ماذا؟ يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، قال: «فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم» هذا حكم مأمورون به ويفعلونه هو الوحيد من الأحكام الذي يفعلونه «افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة» امتثالا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، «ويُطلون ما أصابوا من الدماء» يُطلُّون أي: يُهدرون «ويطلون ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم»
 قال الشيخ رحمه الله: «وهذا الفعل المذكور في هذه الاية فِعل الذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة» يعني قبيل البعثة ووقت البعثة وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار، سمعتم ماذا قال ابن عباس قبل قليل عنهم، قال: أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا يعرفون نارا ولا بعثا ولا قيامة ولا كتابا ولا حراما ولا حلالا» انظروا ماذا أصبحوا بعد ذلك، وماذا شأنهم والثناء العظيم في القرآن في مواطن عليهم ورضى الله عنهم ورضاهم عنه، قال: «وهم الأنصار كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين كانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود بنو قريظة وبنوا النضير وهؤلاء كانوا حلفاء للأوس، وبنوا قينقاع وكانوا حلفاء للخزرج فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود فيقتل اليهودي اليهودي ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب ثم إذا وضعت الحرب أوزارها وقد كان حصل أسرى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا والأمور الثلاثة كلها قد فُرضت عليهم، ففُرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يُخرج بعضهم بعضا أي من ديارهم ومساكنهم، وإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه وفكاكه من الأسر، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين،  فأنكر الله عليهم ذلك قال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب) ما هو هذا البعض؟ فداء الأسير وتكفرون ببعض وهو القتل والإخراج، وهو القتل قتل بعضهم بعضا، والإخراج: إخراج بعضهم بعضا من مساكنهم ومنازلهم.
 قال الشيخ: «وفيه دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي» لأن أُخذ عليهم العهد والميثاق بامتثال هذه الأوامر فسمى الله عز وجل تركهم لفعل هذه الأوامر كفرا قال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) وسمّى فعلهم لما فعلوه من أوامر ايمانا، الآن فداء الأسير ما نوعه؟ هذا فعل مأمور وسماه الله إيمانا (تؤمنون ببعض) سماه إيمانا، وسمى أيضا الذي تركوه من الأوامر سمى تركهم كفرا (وتكفرون ببعض) (أفتؤمنون ببعض الكتاب) وهو فداء الأسير، (وتكفرون ببعض) وهو القتل والإخراج، وفيه دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي،  وأن المأمورات من الإيمان، من أين أخذ المأمورات من الإيمان؟ (تؤمنون ببعض الكتاب) من البعض المعني هنا؟ فداء الأسير، ما نوعه؟ عمل مأمور به قال تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) أي ذل، وقد وقع ذلك فأخزاهم الله وسلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم فقتل من قتل وهم بنو قريظة أبيد وحكم فيهم بقتل مقاتلتهم لما حاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وسبى من سبى أي من النساء والذراري، وأجلي من أُجلي، بنو النضير أُجلوا إلى الشام، هذا كله حصل عليهم متى؟ في الدنيا عقوبة دنيوية معجلة. هل هذه العقوبة الدنيوية المُعجلة صارت كفارة للعمل؟ قال: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) يردون أي أن هذا الذي كان ليس كفارة، هذه عقوبة وهناك عقوبة مؤخرة (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) أي أعظمه.  (وما الله بغافل عما تعملون) (وما الله بغافل عما يعملون) بالخطاب وبالغيبة .
 ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعضه، السبب الذي أوجب لهم ذلك قال: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) (اشتروا) أي استبدلوا، (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) أي استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، قال: «توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار فاختاروا النار على العار» إن لم يعينوا حلفاءهم من حالفوهم إما من خزرج أو من الأوس يظنون إن لم يُعن حليفه فهذا عار عليه، كيف يكون حليف له ولا يعينه، وعنده أحكام في التوراة بيّنة يعرفها أنه لا يجوز له أن يقتل أخاه اليهودي فاستبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، يعني كأنهم يقولون النار ولا العار، قال: «فاختاروا النار على العار فلهذا قال (فلا يخفف عنهم العذاب) أي بل هو باق على شدته ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، لا يُفتر عنهم ولا ساعة ولا لحظة، (ولا هم ينصرون) أي لا يجدون من يدفع عنهم المكروه وعقوبة الله سبحانه وتعالى.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

| الدرس السابع والخمسون | تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٣) (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله…)


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: 
ن/ «قوله (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى)
(وقالوا لن تمسنا) اقرأ الآيات وكلام الشيخ:
ن/ «(وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون* بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون* والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ذكر أفعالهم القبيحة ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله والفوز بثوابه وأنهم لن تمسهم النار النار إلا أياما معدودة أي قليلة تُعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن، ولما كان هذا مجرد دعوى رد تعالى عليهم فقال قل لهم يا أيها الرسول (أتخذتم عند الله عهدا) أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقف على أحد هذين الأمرين الذين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا فتكون دعواهم صحيحة، وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم. وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء حتى وصلت بهم الحال إلى أن يقتلوا طائفة منهم ونكولهم عن طاعة الله تعالى ونقضهم المواثيق فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم من أعظم المحرمات وأشنع القبيحات.
ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد يدخل فيه بنو إسرائيل وغيرهم وهو الحكم الذي لا حكم غيره لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين فقال (بلى) أي ليس الأمر كما ذكرتم فإنه قول لا حقيقة له ولكن (من كسب سيئة) وهو نكرة في سياق الشرط فيعُم الشرك فما دونه والمراد به هنا الشرك بدليل قوله (وأحاطت به خطيئته) أي أحاطت بعاملها فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته، (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية وهي حجة عليهم كما ترى فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مُبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلابد أن يكون فيما احتج به حجة عليه،  (والذين آمنوا) أي بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (وعملوا الصالحات) ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله متبعا بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فحاصل هاتين الآيتين: أن أهل النجاة والفوز هم أهل الإيمان والعمل الصالح والهالكون أهل النار المشركون بالله الكافرون به»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: قول الله جل وعلا (وقالوا لم تمسنا النار إلا أياما معدودات) إلى قوله (هم فيها خالدون) مر الكلام على معاني هذه الآيات ويقول الشيخ رحمه الله في تفسيره لها: ذكر الله جل وعلا أفعالهم القبيحة - يعني في الذي سبق هذه الآيات - ثم ذكر أنهم يزكون أنفسهم ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله والفوز بثوابه وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما قليلة، أياما معدودة، وأيضا قالوا - كما في آية أخرى (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الشيخ - كما سيأتي – يقول: هذه أماني ودعاوي والله قال (ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به) الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال» ليس الإيمان دعاوى تُدعى أو أماني ترتجى، ولو كان الايمان بالتمني فانظر حال هؤلاء مع القبائح العظيمة التي يذكرها الله عنهم يقولون في تزكيتهم لأنفسهم (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) يقولون (نحن أبناء الله وأحباؤه)، ويقولوا (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) هذه دعاوى فجة، دعاوى كاذبة، والدعاوى لا تجدي وإنما الذي يُجدي البيّنات أن يقيم المرء البيّنة بصحة الإيمان، وصحة العمل، والاستقامة على طاعة الله سبحانه وتعالى، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ما هو البرهان؟ (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) هذا هو البرهان (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) (بلى) للإضراب، هم يقولون أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى فيقول الله (هاتوا برهانكم) هاتوا البينة على ما تدعون، ثم يبين من هم أهل الجنة قال (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
هنا قال (أتخذتم عند الله عهدا) ميثاقا، موعدا. وعلى المعنى الآخر في تفسير قوله (أتخذتم عند الله عهدا) أي هل وحّدتم الله توحيد عهد، توحيد ميثاق - كما سيأتي- (وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) هل عندكم هذا الميثاق الذي هو التوحيد والطاعة؟ هل وحدتم الله أخلصتم دينكم لله فلن يخلف الله عهده (أم تقولون على الله ما لا تعلمون) يقول الشيخ: «فأخبر أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين الذين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهد فتكون دعواهم صحيحة، وإما أن يكونوا متقولين فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم وقد عُلم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا لم يتخذوا عند الله عهدا لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم من أعظم المحرمات وأشنع القبيحات.
ثم ذكر جل وعلا حكما عاما لكل أحد قال (بلى) أي ليس الأمر كما ذكرتم (من كسب سيئة) وهو نكرة في سياق الشرط فيعم الشرك فما دونه، والمراد به الشرك، يقول الشيخ المراد بالسيئة هنا الشرك، من أين؟ من دلالة السياق من وجوه، دل السياق أن المراد الشرك الكفر الأكبر قال بدليل قوله (وأحاطت به خطيئته) أي أحاطت بعاملها فلم تدع له منفذا وهذا لا يكون إلا الشرك لا يكون إلا الشرك، والسياق دل على أن المراد الشرك من وجوه عديدة أشرت إلى عدد منها بالأمس أعيدها تذكيرا:
 الوجه الأول: أن السيئة هنا جاءت منكرة في سياق الشرق فتفيد العموم فهي متناولة للشرك الأكبر فما دونه قال (بلى من كسب سيئة)
والوجه الثاني: قوله (وأحاطت به خطيئته) والخطيئة لا تكون محيطة بالعاصي، عنده إيمان لا تكون الخطيئة محيطة إلا بالكافر المشرك.
والأمر الثالث: قوله بعد ذلك (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) إذا الذين قبلهم من الكفار (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة) إذا الحديث عن فريقين فريق الكفر وفريق الإيمان، فريق الجنة وفريق السعير فالذي قبلها الكفار، وقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) هؤلاء أهل الجنة هم فيها خالدون.
والوجه الرابع: أن قوله (بلى من كسب سيئة) جاء في سياق الرد على اليهود في قولهم (لن تمسنا النار).
فهذه وجوه أربعة تدل على أن المراد بالسيئة والخطيئة هنا الشرك الأكبر،  الكفر الأكبر الناقل من الملة - كما عرفنا- هذا يبين فساد استدلال الخوارج بهذه الآية وتنزيلهم لها على عصاة الموحدين.
ذكر الشيخ قاعدة وهي: كل مُبطل يحتج بآية أو حديث على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه. 
هذه قاعدة عظيمة جدا، وابن تيمية رحمه الله تعالى التزم مع كل مُبطل يحتج على حجته بآية من القران أو حديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرد عليه بالآية نفسها التي يحتج بها ويكشف أن الآية التي هو يحتج بها هي حجة عليه، وهذا واضح لكم الآن هنا يحتج بها الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة والآية نفسها رد عليهم، والسياق نفسه رد عليهم قال (والذين آمنوا) أي بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (وعملوا الصالحات) ثم بين الشيخ أن العمل الصالح لا يكون صالحا إلا بشرطين: الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. قال: «فحاصل هاتين الآيتين أن أهل النجاة والفوز أهل الإيمان والعمل الصالح والهالكون أهل النار المشركون بالله الكافرون به من قوله تعالى (وقالوا لن تمسنا النار) إلى قوله في أهل الجنة (هم فيها خالدون) نظيرها تماما لو تتأمل قول الله سبحانه وتعالى في سورة النساء (ليس بأمانيكم) الآن لما يقول (لن تمسنا النار)، (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا) إلى آخره هذه ما هي؟ قال (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا*ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) هذه مثلها تماما» نعم

ن/ قال رحمه الله قوله: «وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) فهذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله تعالى بها في كل شريعة لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ كأصل الدين ولهذا أمرنا الله تعالى بها في قوله (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) إلى آخر الآية، فقوله (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) هذا من قسوتهم أن كل أمر أُمروا به استعصوا فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموثقة (لا تعبدون إلا الله) هذا أمر بعبادة الله تعالى وحده ونهي عن الشرك به وهذا أصل الدين فلا تُقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها فهذا حق الله تعالى على عباده، ثم قال (وبالوالدين إحسانا) أي أحسنوا بالوالدين إحسانا وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين أو عدم الإحسان، والإساءة لأن الواجب الإحسان والأمر بالشيء نهي عن ضده، وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة وهذا محرم لكن لا يجب أن يُلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين وتفاصيل الإحسان والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعدّ بل تكون بالحد - كما تقدم - ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال (وقولوا للناس حسنا) ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله أُمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق وهو الإحسان بالقول فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار ولهذا قال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ومن أدب الإنسان الذي أدب الله تعالى به عباده أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله غير فاحش ولا بذيء ولا مشاتم ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق امتثالا لأمر الله تعالى ورجاء لثوابه، ثم أمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. ثم بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل عرف أن من إحسان الله تعالى إلى عباده أن أمرهم بها وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم ثم توليتم على وجه الإعراض لأن المتولي قد يتولى وله نية رجوع إلى ما تولى عنه وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله (إلا قليلا منكم) هذا استثناء لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم فأخبر أن قليلا منهم عصمهم الله تعالى وثبتهم»

ت/ ثم قال جل وعلا (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) 
(وإذ أخذنا) أي: واذكروا حين (أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) (أخذنا ميثاق بني إسرائيل) أي في التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، أخذ عليهم الميثاق الذي هو: العهد الشديد، العهد المؤكد، العهد الغليظ الذي هو أعظم العهود وأكبر المواثيق أن يكونوا موحدين لله مخلصين الدين له سبحانه وتعالى.
(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) (لا تعبدون) بالخطاب وقرئ (لا يعبدون) بالغيبة، (لا يعبدون الا الله) بالغيبة إخبارا عن الأولين. قال: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) (لا تعبدون) هذا نفي لكن بمعنى النهي ولكنه بمعنى النهي قال (لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا) ذُكر أولا التوحيد الذي هو أعظم الحقوق وأكبر الواجبات، في قوله (لا تعبدون إلا الله) هذا التوحيد، (لا تعبدون إلا الله) وهذا هو معنى لا إله إلا الله، لا إله إلا الله معناها: لا تعبدون إلا الله، أن يُخلص الدين لله (فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) هذا هو المعنى، وأكبر الحقوق وأعظمها (وبالوالدين إحسانا)، (وبالوالدين إحسانا) عطف حق الوالدين على حق الله جل وعلا وهذا يدل على عظم شأن حق الوالدين، وهذا تراه في مواطن كثيرة جدا من القرآن يعطف حق الوالدين على حق الله سبحانه مثل (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا)، (قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا)، (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) هذا التوحيد، (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها) الخ الآية، فتجد في آيات كثيرة أن اشكر لي ولوالديك، آيات كثيرة في القرآن يقرن حق الوالدين بحق الله مما يدل على عظم شأن حق الوالدين وكبره. قال (وبالوالدين إحسانا) أي تحسنون إليهما إحسانا، وأُطلق الإحسان ليعُم كل إحسان مقدور عليه من قولي أو فعلي بكل ما أوتي، هو ميدان منافسة  بين الأبناء مع والديهم يحسنون إليهم إحسانا بما يقدرون عليه من قول أو فعل.
(بالوالدين إحسانا وذي القربى) أي وإحسانا لذي القربى أي قرابة الإنسان وهذا فيه الحث على صلة الرحم، واليتامى بكفالتهم والإنفاق عليهم ورعايتهم وتربيتهم وتعويضهم عن فقد والدهم، والمساكين الذين أسكنهم الفقر، اشتدت بهم الحاجة.
(وقولوا للناس حسنا) أي كلموا الناس بالكلام الطيب والقول المعروف ويدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى الله باللطف في الخطاب واللين في القول والبعد عن الألفاظ السيئة والشتائم وغير ذلك. (وقولوا للناس حُسنا) وفي قراءة (وقولوا للناس حَسَنا) بالفتح على أنه وصف لمصدر محذوف تقديره: قولا حسنا، (قولوا للناس حَسَنا) أي: قولا حسنا.
(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) على أي صفة؟ على الصفة التي بينت لهم في التوراة، والله يقول (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) استثنى قليل منهم لم يحصل منهم هذا التولي، ثبتوا وهذا يتناول من ثبت على الدين قبل أن يبدل ويحرف، بقي عليه ولم يدخل في شيء من التبديل والتحريف، ويشمل من أدرك بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وآمن به وصدق بما جاء به.
(ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم) الواو هنا حالية والحال أنكم معرضون،  يعني بإعراض - سياتي معنا في كلام الشيخ - يعني بعض الناس يحصل منه تولي وعنده خط رجعة لكن هؤلاء تولي وعزم على عدم الرجوع، إعراض تام عن هذا الدين وهذا أبعد الناس عن الهداية ونيلها.
قال الشيخ رحمه الله: «فهذه الشرائع - يعني المذكورات في الآية لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا هذه إلى آخرها - هذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله بها في كل شريعة لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان فلا يدخلها نسخ كأصل الدين» يعني في كل الشرائع مأمور الناس بقول القول الحسن، مأمورون بالصلاة، الصلاة في كل الشرائع لكن قد تختلف الصفة من من شريعة إلى أخرى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) لكن كل الشرائع فيها صلاة، كل الشرائع فيها زكاة، كل الشرائع فيها بر الوالدين، فيها صلة الأرحام، فيها الإحسان لليتيم،  فيها مساعدة الفقير، هذا في كل الشرائع، انظر يعني هنا هذا الميثاق وانظر مثله تماما كالآية في النساء (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) هي نفسها هذه كلها في كل الشرائع. فقوله (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) هذا من قسوتهم أن كل أمر أُمروا به استعصوا، يعني استعصوا، تأبّوا، تمنّعُوا فلا يقبلونه إلا بالأيمان المغلظة، مر معنا أنهم ما قبِلوا إلا لما رُفع الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم  في السياق هناك (خذوا ما آتينا كم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون)، قال: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به استعصوا فلا يقبلون إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموثقة. 
 (لا تعبدون إلا الله) هذا أمر بعبادة الله وحده ونهي عن الشرك وهذا أصل الدين فلا تُقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله على عباده. 
ثم قال: (وبالوالدين إحسانا) أي أحسنوا بالوالدين إحسانا وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم ويتضمن أيضا النهي عن الإساءة للوالدين، ويتضمن عدم الإحسان والإساءة لأن الواجب للوالدين الإحسان والأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله أحسِن للوالدين هذا يتضمن النهي عن الإساءة، ويقول الشيخ كلام جميل، يقول: للإحسان ضدان: الإساءة - الذي يسيء إلى والديه هذا بعيد عن الإحسان وهي أعظم جرما- وأيضا يتضمن ترك الإحسان، لا يقوم بأعمال الإحسان لوالديه بدون إساءة، لا يسيء لهما لكن لا يقدم لهم إحسانا وهذا محرم لأنه لم يمتثل أمر الله له بالإحسان لوالديه، لكن لا يجب أن يُلحق بالأول، لا يُجعل مثل الذي يسيء لوالديه، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين في الإحسان إليهم، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعدّ بل تكون بالحد - كما تقدم- الإحسان القولي والفعلي يتناول كل إحسان يتهيأ للعبد وهو ميدان منافسة بين الأبناء كلٌ يجتهد في بذل الإحسان لوالديه.
قال: «ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما قال (وقولوا للناس حسنا)» ومن القول الحسن أمرُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتعليمهم العلم وبذل السلام والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. قال: «ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله أُمر بأمر يقدر عليه» هذا كلام جميل (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم) لا يسع الناس بماله لكن يسعهم بخُلقه، بأدبه، بلطفه، بجميل معاملته.
 قال: «ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله أُمر بأمر يقدر على الإحسان إلى كل مخلوق وهو الاحسان بالقول» الاحسان بالقول فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكافر، الكافر أيضا يقال له القول الحسن ويُلان له الكلام ويُلاطف في الحديث حتى يكون أيضا هذا سبب لهدايته، رأيت لو كان لا يعامله المسلم إلا بغلظة وشدة وجفاء كيف يحب الإسلام؟! وكيف يُقبِل على الدين؟! ولهذا الله في سورة الممتحنة (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)  أول السورة (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) وهنا يقول (لا ينهاكم) هذا لا يتنافى - ننتبه لهذا- هذا لا يتنافى، نعم لا يكون في قلبك مودة له ولا تولي له لكن تقول له حسنا تلاطفه بالقول تكلمه بالكلام الطيب اللطيف تهدي له، باب الهدية للمشرك هذا في الأدب المفرد الإمام البخاري وأورد عن ابن عمرو ذبح شاة قال: أعطيتم جارنا اليهودي؟ قالوا: اليهودي أصلحك الله؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يزال جبريل يوصيني بالجار) يتناول حتى غير المسلم، هذا له منافع له فوائد من ضمنها، من أعظمها أنه يكون فيه تأليف لقلبه لعل الله سبحانه وتعالى يهديه، وهذا مطلوب هداية الناس لهذا الدين وهو لا يتنافى مع البراءة من المشرك، قال: «حتى للكافر» ولهذا قال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ومن أدب الإنسان، - سبحان الله- انظر قول الله (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) وتأمل في العنف الذي يحصل أحيانا بين بعض طلبة العلم، والغلطة على بعضهم، والشدة عندما يختلفان في مسألة وينتصر أحدهما للآخر، أحيانا يصل إلى شتم أخيه ورفع الصوت عليه واسماعه الكلام الغليظ يقول لأخيه يا سفيه يا جاهل يا كذا، ينزل عليه بالكلام والله يقول (لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) هذا أدب يؤدبنا الله سبحانه وتعالى به قال: «ومن أدب الإنسان - هذا من أدب الإنسان - الذي أدبه الله به أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله غير فاحش ولا بذيء ولا شاتم أو مشاتم ولا مخاصم بل يكون حسن الخلق واسع الحُلم مجاملا لكل أحد - يلاطف الناس يترفق بهم - صبورا على ما يناله من أذى الخلق امتثالا لأمر الله ورجاء لثوابه سبحانه وتعالى، ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود والزكاة متضمنة للإحسان للعبيد ثم بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل عرف أنها من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها وتفضل بها عليهم، وأخذ المواثيق عليكم ثم توليتم على وجه الإعراض (وأنتم معرضون) لأن المتولي قد يتولى وله نية رجوع إلى ما تولى عنه وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر يُستفاد هذا من قوله (وأنتم معرضون)، وقوله (إلا قليلا) هذا استثناء لئلا يُوهم أنهم تولوا كلهم فأخبر أن قليلا منهم عصمهم الله سبحانه وتعالى وثبتهم».
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.. جزاكم الله خيرا
اقرأ المزيد...