الأربعاء، 21 يناير 2026
فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (١٧- ٤٨)
الأحد، 18 يناير 2026
الدرس التاسع والخمسون تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٧) (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل…)
059 تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٧)/ صوتي
ن/ «قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى عليه السلام وآتاه التوراة ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى عليهم السلام وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر (وأيدناه بروح القدس) أي قوّاه الله تعالى بروح القدس، قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام، وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله تعالى به عباده ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها لما أتوكم بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم أي عن الإيمان بهم ففريقا منهم كذبتم وفريقا تقتلون، فقدمتم الهوى على الهدى وآثرتم الدنيا على الآخرة وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد: قول الله جل وعلا (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل) إلى تمام الآية، هذه الآية لها تعلق بما سبقها من آيات في بيان الحال التي كان عليها بنو إسرائيل من عتو، وظلم واستكبار، وعناد وإباء وتكذيب، إلى غير ذلك من الأوصاف الذميمة التي كانوا عليها، فهذه الآية فيها بيان عتو بني إسرائيل وفيها بيان شدة عنادهم وتكبرهم على الحق وعلى رسل الله وأنبيائه الكرام عليهم صلوات الله وسلامه، وهذا العتو يأتي مع عظم النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليهم كبيرة وعظيمة للغاية لكن مع عظم النعمة كانوا في أشد ما يكون من العتو والاستكبار والتكذيب لرسل الله ولِما جاؤوا به، ولهذا يذكر الله عز وجل في هذه الآية عظيم النعمة عليهم بقوله (ولقد آتينا موسى الكتاب) موسى بُعث فيهم، (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي أعطيناه الكتاب، والمراد بالكتاب التوراة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام وجعل فيها جل وعلا الهدى والنور، وقد تقدمت حالهم مع التوراة، ماذا صنعوا وماذا فعلوا بها من كتمان وتغيير وتحريف.
(ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل) (بعده) أي بعد موسى والى عليهم الرسل، (قفينا) أي رسول يقفوه رسول، رسول يتبعه رسول، أرسل رسلا بعد موسى رسلا تترى كلما مات رسول تبعه الآخر وجاء على قفاه على أثره (وقفينا من بعده بالرسل)
وهؤلاء الرسل الذين جاءوا من بعد موسى عليه السلام كلهم يحكمون بالتوراة كما قال الله سبحانه وتعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) (يحكم بها النبيون) فهؤلاء الرسل المشار إليهم بقوله (وقفينا من بعده) أي من بعد موسى (بالرسل) هؤلاء كلهم كانوا يحكمون بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، إذًا شريعتهم كلهم شريعة موسى، والحكم الذي يحكمون به كلهم حكم موسى الذي أنزل عليه في التوراة (وقفينا من بعده بالرسل)،
ثم ختم جل وعلا أنبياء بني إسرائيل الذين تتابعوا وكثروا بعد موسى عليه السلام ختم هؤلاء الأنبياء بعيسى عليه السلام لكن يختلف عن هؤلاء الأنبياء الذين قبله - الذين كانوا يحكمون بالتوراة - يختلف عنهم بأن أُنزل إليه كتاب فهو رسول مُرسل بكتاب، شريعة، ولهذا في شريعته أشياء ناسخة للتي كانت في التوراة والتي كانت في شريعة موسى عليه السلام، ولهذا ذكر بصيغة تختلف عن من قبله قال (وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)، عيسى ابن مريم عليه السلام خُتمت به الرسالات التي كانت في بني إسرائيل وبه خُتم أنبياء بني إسرائيل فكان آخرهم، كان خاتمهم.
(وآتينا عيسى ابن مريم البينات)
(البينات) المراد بها الآيات المعجزة التي على مثلها يؤمن البشر، أيده الله سبحانه وتعالى بها وهي آيات متنوعة عديدة يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «هي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى، وخلقِه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه الذي أحدث الله إليه أحدث الله إليه (وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) أي حديث الإنزال، أنزله الله سبحانه وتعالى إليه» قال: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) (وأيدناه) أيدنا عيسى عليه السلام بروح القدس، التأييد: التقوية، (أيدناه) أي قويناه (بروح القدس) أي بجبريل عليه السلام على الصحيح في أقوال أهل العلم في معنى قوله (روح القدس).
قال: (وأيدناه بروح القدس) أي أيدناه بجبريل، والقول بأن المراد بروح القدس جبريل هو الذي عليه التحقيق في أقوال أئمة التفسير
ذُكر في المعنى أقوال لكن أصحها وأظهرها أن المراد به جبريل عليه السلام وهذا اختيار الإمام بن جرير الطبري وابن كثير وابن تيمية وغيره من أهل العلم، والأدلة عليه واضحة مثل:
● قول الله عز وجل في موطن آخر سبحانه وتعالى (قل نزّله روح القدس من ربك بالحق)
● قول النبي عليه الصلاة والسلام لحسان بن ثابت (اهجهم وروح القدس معك) روح القدس أي جبريل يؤيدك الله به، (معك) أي يؤيدك الله سبحانه وتعالى به، قال الإمام بن جرير رحمه الله «وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال الروح في هذا الموضع جبريل» الروح في هذا الموضع جبريل، من المفسرين من قال أن المراد بالروح الإنجيل لأن الوحي سماه الله روحا (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) سماه الله روحا، فمن المفسرين من قال الروح الإنجيل والوحي يسمى روحا، لماذا؟ لأن به تحيا القلوب الحياة الحقيقية، به تحيا القلوب الحياة الحقيقية ولهذا بعض المفسرين ذهبوا إلى أن المراد بروح القدس أي أيدناه بالإنجيل، بروح القدس أي أيدناه بالإنجيل. في أواخر سورة المائدة يقول جل وعلا (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ذكر ماذا؟ ذكر شيئين، ذكر التأييد بروح القدس وذكر الإنجيل، فهما شيئان: روح القدس شيء، والإنجيل شيء آخر، واضح في الآية فقوله في هذه الآية (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) أي أيدناه بجبريل، قويناه بجبريل، والله يؤيد - سبحانه وتعالى - من شاء بملائكته، يؤيد أي يقوي، يقوي سبحانه وتعالى من شاء بالملائكة، قال (وأيدناه بروح القدس) ماذا كان من هؤلاء؟ يعني مع هذه النعم والبراهين والحجج والرسل تتوالى وتترى هل أحدث ذلك فيهم لينا، خضوعا، إقبالا، قبولا، انقيادا، ما ازدادوا إلا عتوا وتكبرا ولهذا يصف الله عز وجل حالهم مع عِظم النعمة التي أنعم بها عليهم، يصف حالهم فيقول (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) هذا فيه أن حالهم مع توالي الأنبياء وعظم الآيات والبينات والدلائل الذي كانوا عليه هو ماذا؟ هو التكبر والتكذيب وأيضا السعي في قتل الأنبياء بل قتلوا بعض الأنبياء الذين أُرسلوا اليهم لماذا؟ ما السبب؟ شيء واحد جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم، (لا تهوى أنفسهم) أي جاؤوهم بشيء لا تميل إليه أنفسهم، لا ترغبه أنفسهم فجعلوا أنفسهم هي الحاكمة، وجعلوا المعول على ما تهواه الأنفس وهذا عين الضلال، عندما يكون الإنسان محكما هواه على شرع الله يرُد الشيء لا لشيء إلا لأنه لا يوافق هواه هذه آفة عظيمة من أعظم آفات القلوب ومن أعظم أدواء القلوب وأسقامها.
قال (أفكلما جاءكم رسول) الخطاب لمن؟ لليهود، (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم) أي تكبرتم وتعاليتم على الحق، فكانت هذه حالهم يعني في تكبر وتكذيب وقتل أيضا للأنبياء، وهذه أسوأ معاملة يعامل بها الرسل عليهم صلوات الله وسلامه يتكبرون على الرسل وعلى الحق الذي جاءوا به، ويكذبون ما جاءت به الرسل، وأيضا يعملون على قتل الأنبياء، وفعلا قتلوا من قتلوا منهم، قال: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) لاحظ الله عز وجل قال: (وفريقا تقتلون) ما قال (وفريقا قتلتم)، قال (ففريقا كذبتم) ولم يقل (وفريقا قتلتم) مثل التي قبلها قال (تقتلون) بصيغة المضارع، صيغة المضارع يفيد الاستمرار ولهذا كانت لهم محاولات لقتل محمد عليه الصلاة والسلام وعملوا على سحره، ووضعوا له سما في طعامه عليه الصلاة والسلام، كانوا يعملون على قتله هذا منها (وفريقا تقتلون) يعني كانوا يقتلون بالفعل ويقتلون بالسعي بالقتل ولهذا سعوا في قتل نبينا عليه الصلاة والسلام وقد قال لعائشة رضي الله عنها في مرض موته «إني لأجد أثر السم» يعني الذي وُضع له في كتف الشاة أو في اللحم - عليه الصلاة والسلام - ولهذا جاءت الصيغة (فريقا تقتلون) يعني أن هذه الصفة صفة مستمرة فيهم إما القتل أو العمل على القتل مثل ما حاولوا وسعوا في قتل نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قال الشيخ رحمه الله: «يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى وآتاه التوراة» كليمه يقال لموسى الكليم لأنه سمع كلام الله من الله بلا واسطة، مباشرة قال جل وعلا (وكلم الله موسى تكليما)، (لما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه) وكلمه ربه فهو سمع كلام الله من الله ولهذا كان من ألقابه وصفاته الكليم لأن هذا شرف عظيم رفيع عالي جدا أن سمع كلام الله سبحانه وتعالى من الله قال: «أن أرسل إليهم كليمه موسى» ينبه الشيخ بعِظم المنّة يعني أرسل لهم موسى الكليم يعني له خاصية، رسول له خاصية، له له مكانة وهو من أولي العزم الخمسة من الرسل عليه وعليهم صلوات الله وسلامه «وآتاه التوراة فيها الهدى والنور ثم تابع من بعده الرسل الذين يحكمون بالتوراة» الذين يحكمون بالتوراة كما في الآية التي أشرت إليها (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) «ثم تابع من بعده» أي موسى «بالرسل الذين يحكمون بالتوارة إلى أن ختم أنبياءهم» من هم؟ بنو إسرائيل «إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم عليه السلام وآتاه من البينات ما يؤمن على مثله البشر» ومر معنا شيء منها في أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال «وأيدناه بروح القدس أي قواه الله بروح القدس قال أكثر المفسرين أنه جبريل عليه السلام، وقيل أنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده» قويناه بروح القدس أي قويناه بالإيمان والإيمان روح لأن الإيمان - وهذا وجه اختيار بعض المفسرين أن المراد الإيمان – لأن الإيمان روح (أومن كان ميتا فأحييناه) بماذا؟ بالإيمان، الإيمان روح، لماذا سمي الإيمان روحا؟ لأن به حياة الإنسان، ولماذا سمي الوحي روحا؟ لأن به حياة الانسان، ولماذا سمي جبريل روحا؟ لأنه ينزل بالوحي الذي به حياة الإنسان الحياة الحقيقية.
قال «ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها لعظمها لكبرها لفخامتها لما أتوكم - أي الرسل - بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم عن الإيمان بهم، استكبرتم أي تعاليتم وتعاظمتم في أنفسكم أن تؤمنوا بما بعث به هؤلاء الرسل لكونهم جاؤوا بما لا تهوى انفسكم ففريقا من الرسل كذبتم وفريقا تقتلون- فقال الشيخ «فقدمتم الهوى على الهدى وآثرتم الدنيا على الآخرة وفيه من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى» نعم
ن/ قال رحمه الله: «قوله (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون) أي اعتذروا عن الايمان لما دعوتهم إليه يا أيها الرسول بأن قلوبهم غلف أي عليها غلاف وأغطية فلا تفقه ما تقول يعني فيكون لهم بزعمهم عذر لعدم العلم وهذا كذب منهم فلهذا قال تعالى (بل لعنهم الله بكفرهم) أي أنهم مطرودون ملعونون بسبب كفرهم فقليلا المؤمن منهم أو قليلا ايمانهم وكفرهم هو الكثير»
ت/ قول الله جل وعلا (وقالوا قلوبنا غلف) قالوا أي اليهود للنبي محمد عليه الصلاة والسلام لما دعاهم إلى الإسلام رغبة فيه وذكر لهم ما يوجب قبولهم لهذا الدين من الحجج البينة والآيات الظاهرة والبراهين الساطعة لما ذكر لهم ما يوجب إيمانهم اعتذروا عن الإيمان بهذا العذر الذي ذكره الله عنهم في هذه الآية (وقالوا) أي اليهود (قلوبنا غلف) ما معنى غلف؟ أي مغلفة مغلقة هكذا وجدت بزعمهم، هكذا وجدت مغلفة ما ينفذ الحق الذي تقوله ما ينفذ لأن قلوبنا هكذا وجدت مغلقة ما يدخل الحق الذي تدعونا إليه أو تأمرنا به، (وقالوا قلوبنا غلف) (غلف) يعني عليها غطاء، عليها غشاوة فالذي تقوله ما يدخل، (غُلف) هذا جمع أغلف مثل حُمْر - باسكان الميم- جمع أحمر، وغُلف أيضا -بإسكان اللام- جمع أغلف (غلف) يعني عليها غلاف، عليها غطاء عليها غشاوة، فهذا الذي تدعونا إليه لأن قلوبنا هكذا وجدت مغلفة فلا يدخل، هذه الآن دعوه يعتذرون بها عن قبول الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا بهذه الدعوة (قلوبنا غلف) كأنهم يدّعون أن قلوبهم هكذا وجدت، هكذا خلقت، هكذا وجدت مغلفة فالحق الذي تدعوهم إليه ما يجد طريقا لأنها هكذا وُجدت، هكذا خُلقت مغلفة، (قلوبنا غلف) والقلب الأغلف لا يفقه ولا ينفذ إليه حق هذا يذكرونه حُجة لأنفسهم في عدم الإيمان، عدم قبول ما جاءت به الرسل عليهم السلام، فأكذبهم الله عز وجل في هذا الادعاء بقوله (بل) وهذه تأتي للإضراب (بل لعنهم الله بكفرهم) في الآيات الأخرى ماذا قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) انتبه لقوله (بكفرهم) هنا وفي الآية الأخرى قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) الباء سببي يفسرها قوله سبحانه وتعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) هنا قال (بل طبع الله عليها) يعني على قلوبهم بكفرهم وفي آيتنا هذه قال (بل لعنهم الله بكفرهم) أي بسبب كفرهم وتكذيبهم فأُتوا من فساد في قلوبهم، ما هو كفرهم؟ هو شيء اختاروه هم لأنفسهم وآثروه على الإيمان الذي دعتهم إليه رسل الله عز وجل، فلما آثروا الكفر على الإيمان حصل لهم الطبع عقوبة لهم، عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم كما قال (بل طبع الله عليها بكفرهم فقليلا ما يؤمنون)
(فقليلا ما يؤمنون) قيل في معنى قليلا ما يؤمنون أي يؤمنون بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره - مر معنا سابقا ما يؤيد هذا المعنى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)- وعرفنا هناك أن الذي آمنوا به أقل من الذي كفروا به، هذه مثلها (فقليلا ما يؤمنون) يعني الذي يؤمنون به مما في أيديهم أقل من الذي كفروا به،(فقليلا ما يؤمنون) يعني يؤمنون بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وقيل المعنى قليل منهم من يؤمن، أكثرهم لم يؤمنوا قليل منهم من كتب الله سبحانه وتعالى له هداية، فإذا قوله (قليلا) إما أن تكون عائدة على العمل أو على العاملين (فقليلا ما يؤمنون)
قال الشيخ رحمه الله: «أي اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه أيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأن قلوبهم غلف أي عليها غلاف وأغطية فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم بزعمهم عذر لعدم العلم وعدم الإيمان وعدم قبول ما جاءت به الرسل، وهذا كذب منهم فلهذا قال تعالى (بل لعنهم الله بكفرهم) في الآية الثانية قال (بل طبع الله عليها بكفرهم) أي أنهم مطرودون ملعونون بسبب كفرهم
فقليلا المؤمن منهم أو قليلا إيمانهم وكفرهم هو الكثير، يعني قولان في المعنى المعنى المراد بقوله فقليلا ما يؤمنون نعم
ن/ قال رحمه الله: «قوله (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين* بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين)
نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله واهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ... جزاكم الله خيرا
الثلاثاء، 13 يناير 2026
اسم الله [القريب / المجيب] من كتاب فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد الرزاق البدر
الخميس، 8 يناير 2026
فوائد سورة القيامة (١-١٥)
بسم الله الرحمن الرحيم
وقال السعدي: «ليست {لا} ها هنا نافية، ولا زائدة، وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح، والمقسم به في هذا الموضع هو المقسم عليه، وهو: البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم». «تفسير السعدي» (ص ۸۹۸).
الاثنين، 5 يناير 2026
الدرس الثامن والخمسون | تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٤) (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم…)
ن/ «قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون* ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون* أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) هذا الفعل المذكور في هذه الآية فعلٌ للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم الفِرق الثلاث من فِرق اليهود بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود فيقتل اليهودي اليهودي ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدا بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فُرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يُخرج بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، فإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال (أفتؤمنون ببعض الكتاب) أي وهو فداء الاسير (وتكفرون ببعض) وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان قال تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) وقد وقع ذلك فأخزاهم الله وسلط رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم فقتل من قتل وسبى من سبى منهم وأجلا من أجلا، (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) أي أعظمه (وما الله بغافل عما تعملون)، ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعضه فقال (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار فاختاروا النار على العار فلهذا قال (فلا يخفف عنهم العذاب) بل هو باق على شدته، ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات (ولا هم يُنصرون) أي يدفع عنهم مكروه«
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أما بعد:
هذه الآيات بدءا من قوله عز وجل (واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) وما بعدها من آيات هذه جاءت في ذم اليهود، واليهود المعنيون بهذا الذم هم من كانوا في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان هؤلاء اليهود في المدينة فرق ثلاثة بنو قينقاع، بنوا قريظة، وبنو النضير، أتوا المدينة وكان في المدينة الخزرج والأوس الذين صاروا فيما بعد هم الأنصار، أكرمهم الله عز وجل بالإسلام وحسن الإسلام وعظيم النصرة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صار هذا وصفا لهم الأنصار (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم) وهؤلاء الفرق الثلاثة من اليهود لما نزلوا المدينة، بنو قريظة وبنوا النضير صاروا حلفاء للاوس، وبنو قينقاع صاروا حلفاء للخزرج، والأوس والخزرج في جاهليتهم كانت تنشب بينهم حروب وقتال وحلفاء كلٍ يكونون حلفاء لهم، يكونون معهم في القتال، وعندهم في التوراة - يعني هؤلاء الطوائف وهؤلاء الفرق بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير- عندهم مواثيق وعهود بُينت لهم وأُخذ عليهم الميثاق فيها تتعلق بعلاقاتهم هم بعضهم ببعض وهذه المواثيق متعددة:
منها: أن لا يقتل بعضهم بعضا
ومنها: أن لا يُخرج أحد منهم آخر من منزله، من مسكنه، من دياره
ومنها: ألا يُظاهر عليه أحدا
ومنها: إن وجد واحدا من إخوانه من هؤلاء أسيرا أن يفديه
هذه مواثيق أُخذت عليهم في التوراة وهم يعلمون بذلك، يعلمون أنها أخذت عليهم في التوراة، وأنهم مأمورون بها، قال عز وجل (وإذ أخذنا) يعني واذكروا (إذ أخذنا ميثاقكم) يعني أخذنا عليكم العهد والميثاق (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم، وأيضا - كما سيدل ما بعده من آيات - ولا يُظاهر أحدا على إخوانه بان يعين في قتال عليهم، وأيضا الفدية لمن وُجد أسيرا منهم، هذه أربعة أمور أُخذ عليهم الميثاق في التوراة أن يُقروا بها، وأن يلتزموا بفعلها فماذا كان منهم؟
قال (ثم أقررتم) أقررتم بهذه الأحكام والتزمتم بهذه المواثيق أن تفعلوها، (ثم أقررتم) أي بمعرفة هذه المواثيق التي أُخذت عليكم في التوراة وأقررتم بصحتها وأنكم مأمورون بفعلها وتشهدون بذلك، تشهدون بأنها مواثيق أُخذت عليكم في التوراة، تشهدون بذلك وسياق الآيات هو في بيان أن هؤلاء لم يلتزموا بالعهود والمواثيق التي أُخذت عليهم في التوراة، ولم يلتزموا بأحكام التوراة التي يعتقدون صحتها ويشهدون أنها صحيحة كما تقدم، (وأنتم تشهدون) يشهدون بصحتها ولكن لا يلتزمون بأحكامها، ومن كان كذلك لا يُؤتمن على الكتاب الذي عنده في نقوله ولهذا كثُر كذبهم، كثر دسهم، كثر كتمانهم وخاصة فيما يتعلق بالبشارة الموجودة في التوراة بالرسول عليه الصلاة والسلام وذكر صفاته فكانوا يكتمون ذلك ويحرفونه ويكتمون الصفات المذكورة للرسول عليه الصلاة والسلام وهذا ليس بغريب عليهم لأن هذه حالهم مع التوراة يُقرون بها، يُقرون بالأحكام التي فيها، يشهدون أنها صحيحة، يشهدون أنها مأمور بها من الله لكن لا يلتزمون أحكام الله، ولا يمتثلون شرع الله سبحانه وتعالى ولهذا يقول جل وعلا (ثم أنتم هؤلاء) (ثم) هذا حرف عطف يفيد التراخي وهي معطوفة، الجملة معطوفة على قوله (ثم أقررتم) يعني ثم من بعد إقراركم وشهادتكم أن هذه أحكام ومواثيق أُخذت عليكم في التوراة من بعد هذا الإقرار تنقضون ذلك ولا تمتثلون أوامر الله سبحانه وتعالى. (ثم أنتم هؤلاء) أي يا هؤلاء، (هؤلاء) منادى وحذفت ياء النداء أو حرف النداء: ثم أنتم يا هؤلاء (تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) (تقتلون أنفسكم) يقتل بعضكم بعضا، يعني الذين مع الأوس في الحروب التي تنشب بين الأوس والخزرج يقتلون اليهود الذين مع الخزرج والعكس كذلك، يقتل بعضهم بعضا ويظاهر بعضهم غيرهم عليهم، قال (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) أي يقتل بعضكم بعضا (وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) أي تخرجونهم من مساكنهم وبيوتهم وتنهبون بيوتهم، هذا يحصل في تلك الحروب (تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) تظاهرون الظهور: العلو، في قراءة: تظّاهرون اي تتعاونون عليهم، (بالإثم والعدوان) الإثم: المعصية، والعدوان: أي بالاعتداء على الآخرين في الأموال والأنفس، الأنفس قتلا، والأموال نهبا، هذا حصل من هؤلاء تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان، وعرفنا أن الخطاب للذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لأن هذه أمور جرت ووقعت منهم قبيل مبعث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
قال: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) في قراءة: (تفدوهم) إن يأتوكم أسارى في أيدي أعدائكم سعيتم في فديتهم وتخليصهم من الأسر، هذا الحكم فعلوه أو لم يفعلوه؟ هذا فعلوه، من الأحكام الأربعة التي أُخذ عليهم الميثاق والعهد أن يفعلوها هذا الحكم الوحيد الذي يفعلونه أو كانوا يفعلونه والثلاثة الباقية لا يفعلون منها شيء، يقتل بعضهم بعضا، يخرجونهم من ديارهم مساكنهم منازلهم ويعتدون عليهم، ويظاهرون غيرهم عليهم، هذه أحكام أخذ عليهم الميثاق فيها ولم يلتزموا بها، قال: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم) أي حُرم عليكم إخراجهم في التوراة، الأحكام التي بُينت لكم في التوراة، هذا يُعد ماذا؟ الآن الصنيع منهم يأخذون ببعض الأحكام أو حتى قل يأخذون بقليل من الأحكام ويتركون الكثير، الآن الذي عرفنا من السياق أربعة أحكام فعلوا واحد وتركوا ثلاثة ولهذا قال الله عز وجل: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) يعني شأنكم مع أحكام الكتاب، المواثيق، العهود التي أُخذت عليكم في الكتاب شأنكم معها أن الأحكام التي تمتثلونها مجرد انتقاء تنتقون منه وغير ذلك من الأحكام تتركونه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) هكذا شأنهم، هذه كانت صفتهم، والذي يؤمنون به من أحكام الكتاب هو الذي يقع في نفوسهم رغبة فيه يمتثلونه وما سوى ذلك لا يمتثلونه من أحكام الله سبحانه وتعالى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) قال جل وعلا: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) (خزي في الحياة الدنيا) ذل، وحصل لهم ذلك، أذلهم الله سبحانه وتعالى، ولهذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام - التي كانت هذه الأحداث قبله - في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم من قتل، وسبى من سبى، وأجلى من أجلى - كما سيأتي معنا- هذا في الدنيا، (إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) في قراءة: (يعملون) بالغيبة، وهنا بالخطاب (تعملون).
(أولئك الذين اشتروا) أي استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، (فلا يخفف عنهم العذاب) أي لا يُفتر عنهم ولا ساعة، ولا لحظة، (ولا هم ينصرون) أي لا يجدون من ينصرهم وينقذهم من عذاب الله سبحانه. روى ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ابتلاهم الله بذلك من فعلهم وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم فكانوا فريقين طائفة منهم من بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه من اليهود حتى يتسافكوا دمائهم بينهم وبأيديهم التوراة - يعرفون أن الله حرم عليهم أن يسفك بعضهم دم بعض، أن يقتل بعضهم بعضا- فحتى يتسافكوا دمائهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم» مثل ما تقدم (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا، لكن هؤلاء الفرق الثلاثة من اليهود أهل كتاب يعرفون، عندهم أحكام ويعرفون أنها من الله، يعرفون أن الله أمرهم بها وأخذ عليهم الميثاق والعهود، ويُقرون بذلك ويشهدون أنها موجودة في التوراة، والتوراة بأيديهم، وشأنهم مع التوراة ماذا؟ يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، قال: «فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم» هذا حكم مأمورون به ويفعلونه هو الوحيد من الأحكام الذي يفعلونه «افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة» امتثالا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، «ويُطلون ما أصابوا من الدماء» يُطلُّون أي: يُهدرون «ويطلون ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم»
قال الشيخ رحمه الله: «وهذا الفعل المذكور في هذه الاية فِعل الذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة» يعني قبيل البعثة ووقت البعثة وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار، سمعتم ماذا قال ابن عباس قبل قليل عنهم، قال: أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا يعرفون نارا ولا بعثا ولا قيامة ولا كتابا ولا حراما ولا حلالا» انظروا ماذا أصبحوا بعد ذلك، وماذا شأنهم والثناء العظيم في القرآن في مواطن عليهم ورضى الله عنهم ورضاهم عنه، قال: «وهم الأنصار كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين كانوا يقتتلون على عادة الجاهلية فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود بنو قريظة وبنوا النضير وهؤلاء كانوا حلفاء للأوس، وبنوا قينقاع وكانوا حلفاء للخزرج فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود فيقتل اليهودي اليهودي ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب ثم إذا وضعت الحرب أوزارها وقد كان حصل أسرى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا والأمور الثلاثة كلها قد فُرضت عليهم، ففُرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يُخرج بعضهم بعضا أي من ديارهم ومساكنهم، وإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه وفكاكه من الأسر، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك قال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب) ما هو هذا البعض؟ فداء الأسير وتكفرون ببعض وهو القتل والإخراج، وهو القتل قتل بعضهم بعضا، والإخراج: إخراج بعضهم بعضا من مساكنهم ومنازلهم.
قال الشيخ: «وفيه دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي» لأن أُخذ عليهم العهد والميثاق بامتثال هذه الأوامر فسمى الله عز وجل تركهم لفعل هذه الأوامر كفرا قال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) وسمّى فعلهم لما فعلوه من أوامر ايمانا، الآن فداء الأسير ما نوعه؟ هذا فعل مأمور وسماه الله إيمانا (تؤمنون ببعض) سماه إيمانا، وسمى أيضا الذي تركوه من الأوامر سمى تركهم كفرا (وتكفرون ببعض) (أفتؤمنون ببعض الكتاب) وهو فداء الأسير، (وتكفرون ببعض) وهو القتل والإخراج، وفيه دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، من أين أخذ المأمورات من الإيمان؟ (تؤمنون ببعض الكتاب) من البعض المعني هنا؟ فداء الأسير، ما نوعه؟ عمل مأمور به قال تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) أي ذل، وقد وقع ذلك فأخزاهم الله وسلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم فقتل من قتل وهم بنو قريظة أبيد وحكم فيهم بقتل مقاتلتهم لما حاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وسبى من سبى أي من النساء والذراري، وأجلي من أُجلي، بنو النضير أُجلوا إلى الشام، هذا كله حصل عليهم متى؟ في الدنيا عقوبة دنيوية معجلة. هل هذه العقوبة الدنيوية المُعجلة صارت كفارة للعمل؟ قال: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) يردون أي أن هذا الذي كان ليس كفارة، هذه عقوبة وهناك عقوبة مؤخرة (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) أي أعظمه. (وما الله بغافل عما تعملون) (وما الله بغافل عما يعملون) بالخطاب وبالغيبة .
ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعضه، السبب الذي أوجب لهم ذلك قال: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) (اشتروا) أي استبدلوا، (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) أي استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، قال: «توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار فاختاروا النار على العار» إن لم يعينوا حلفاءهم من حالفوهم إما من خزرج أو من الأوس يظنون إن لم يُعن حليفه فهذا عار عليه، كيف يكون حليف له ولا يعينه، وعنده أحكام في التوراة بيّنة يعرفها أنه لا يجوز له أن يقتل أخاه اليهودي فاستبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، يعني كأنهم يقولون النار ولا العار، قال: «فاختاروا النار على العار فلهذا قال (فلا يخفف عنهم العذاب) أي بل هو باق على شدته ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، لا يُفتر عنهم ولا ساعة ولا لحظة، (ولا هم ينصرون) أي لا يجدون من يدفع عنهم المكروه وعقوبة الله سبحانه وتعالى.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الأربعاء، 31 ديسمبر 2025
| الدرس السابع والخمسون | تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٣) (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله…)
ن/ قال رحمه الله قوله: «وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) فهذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله تعالى بها في كل شريعة لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ كأصل الدين ولهذا أمرنا الله تعالى بها في قوله (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) إلى آخر الآية، فقوله (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) هذا من قسوتهم أن كل أمر أُمروا به استعصوا فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموثقة (لا تعبدون إلا الله) هذا أمر بعبادة الله تعالى وحده ونهي عن الشرك به وهذا أصل الدين فلا تُقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها فهذا حق الله تعالى على عباده، ثم قال (وبالوالدين إحسانا) أي أحسنوا بالوالدين إحسانا وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين أو عدم الإحسان، والإساءة لأن الواجب الإحسان والأمر بالشيء نهي عن ضده، وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة وهذا محرم لكن لا يجب أن يُلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين وتفاصيل الإحسان والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعدّ بل تكون بالحد - كما تقدم - ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال (وقولوا للناس حسنا) ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله أُمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق وهو الإحسان بالقول فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار ولهذا قال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ومن أدب الإنسان الذي أدب الله تعالى به عباده أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله غير فاحش ولا بذيء ولا مشاتم ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق امتثالا لأمر الله تعالى ورجاء لثوابه، ثم أمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. ثم بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل عرف أن من إحسان الله تعالى إلى عباده أن أمرهم بها وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم ثم توليتم على وجه الإعراض لأن المتولي قد يتولى وله نية رجوع إلى ما تولى عنه وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله (إلا قليلا منكم) هذا استثناء لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم فأخبر أن قليلا منهم عصمهم الله تعالى وثبتهم»